ليس حديثاً عن رسوم الطرق!

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لن أملَّ من الحديث عن أهمية التواصل وإيجاد لغة مشتركة للحوار والتفاهم، وأيضاً لغة فى حال الاختلاف، بل وقواعد للاختلاف فى حال حدوثه. واليوم ألتقط حالة لشرح جزء مما أقصد، وسأعتبرها «بياناً على المُعلم»، كما أتذكَّرها من أيَّام المدرسة العسكرية وخدمتى فى الجيش.

ثار جدل متعدد الأطراف حول مسألة رسوم الطرق، ولأن هذا الجدل بدأ فى هذه الجريدة التى أشرف بتولى مسؤولية العضو المنتدب بالمصرى اليوم، فإننى أجد لزاماً علىَّ أن أناقش ما دار فيها كبيان عملى. بدأ الجدل من خلال العمود اليومى فى الصحيفة الذى يُوقَّع باسم «نيوتن»، واعتاد صاحبه أن يلقى الكثير من الأحجار فى مياه تبدو راكدة، وأحياناً تتسبب فى عواصف. تحدَّث الرجل (نيوتن) عن مسألة رسوم الطرق بعد تطويرها الذى أشاد به، وقد يكون قد أغضب بعض مستخدمى الطرق عندما اعتبر الرسوم منخفضة وطالب ضمناً بزيادتها (وهذا أمر ممكن تفسيره بتفصيل فى مقال أخر)، لكنه أشار إلى ظاهرة عدم وجود قواعد واضحة و«مرتجلة»، كما وصفها، على سيارات النقل مما قد يفتح باباً لفساد الدولة تحاربه بجدية واضحة. بعدها بأيام تناول الموضوع الدكتور أسامة الغزالى حرب فى عموده اليومى بـ«الأهرام»، وقال المعنى ذاته، مستشهداً بما قاله «نيوتن» فى مقاله: «إن أبسط الأمور المفترضة هنا هو وجود قوائم محدَّدة ومُعدَّة سلفاً ومعروفة.. وفقاً لمعايير واضحة، مثل حجم السيارة ووزنها… إلخ». وكما نرى فإن ما يدور هو حوارٌ يبتغى المصلحة العامة. بعدها ينشر الدكتور الغزالى رداً منسوباً إلى الشركة الوطنية للطرق، كما بدا من العرض أنه بدون اسم مسؤول بعينه فى الشركة، وهنا تبدأ الملاحظات على أسلوب التعامل الذى بدا فى جزء منه فوقياً؛ فهو يرد على مقال «الأهرام» ويشير إلى مقال «المصرى اليوم» كما يلى: «ما ذكره (نيوتن) بخصوص طريقة تقدير الرسوم على الطرق من معلومات غير دقيقة، وتجاوزه فى أسلوب عرض الموضوع، والذى لم نُعِرْه الاهتمام..»، وهنا التجاوز الأول يكمن فى تجاهل «الشركة الوطنية» الرد عندما نُشِرَ فى وسيلة بعينها وكأنها غير جديرة بالرد، بل استخدم تعبيراً يحمل فى طيَّاته استهانة وعدائية للوسيلة عندما قالت «الشركة الوطنية»: «لم نُعِرْه الاهتمام» (!!!)، وهذه مشكلة أخرى فى أسلوب تعامل بعض مؤسسات الدولة مع الإعلام. وهنا فى الحقيقة تناقضٌ كبيرٌ، أحياناً تبالغ بعض المؤسسات فى الاهتمام إلى درجة «الرعب» وأحياناً أخرى «لا تعيرها اهتماماً»، والصحيح الذى دائماً نقوله وعلم الاتصال يؤكده هو أن يكون هناك أسلوب علمى وقياس معروف للتعامل مع وسائل الإعلام وليس اعتماد المزاجية والحكم المسبق.

زاوية أخرى فى إطار تحليل الموقف: عندما اتفق الكاتبان نيوتن والغزالى على أن المطلوب هو وضع قواعد- وفقاً للقانون- واضحة ومحددة سلفاً، وهو كما نرى مطلب شرعى ومقبول، فإن «الشركة الوطنية» لم «تُعِر اهتماماً» للرد على هذه المطالبة المشروعة والمقبولة، بل انصبَّ الرد على تأكيدات لا تحمل معلومات: «كل ما يُحصَّل يؤول مباشرة إلى خزينة الدولة، ولا مجال مطلقاً للمبالغة أو العشوائية فى التقدير، فكلها أمور محسومة بالقانون»؛ فلم يذكر قانوناً ولم يُحدِّد لوائح. وعندما حاولت البحث فى حدود المتاح على الإنترنت عن هذه اللوائح أو القواعد لم أنجح فى أن أجدها. وفيما أظن أن الطبيعى أن تكون هذه اللوائح والقواعد موجودة فى كل نقطة تحصيل رسوم. وكان يمكن أن ينتهى الموضوع كله لو احترمنا الحق فى المعرفة، ولو تواضعنا فى الرد حتى على من قد يخطئ؛ لأن الصورة ليست واضحة بالكامل.

لا أريد أن أنجرَّ إلى منطقة مناقشة رسوم الطرق؛ لأنها ليست الموضوع، لكن الموضوع هو أهمية إيجاد قواعد مشتركة للحوار والحديث والاختلاف بين الدولة بمؤسساتها المختلفة وبين الوسائل الإعلامية دون مواقف مسبقة، ودون تجريح، ودون تعالٍ، ودون نوازع ترتبط بالتفضيلات الشخصية، ودون تجاهل أو إهمال، وأيضاً دون تزيُّد فى الاهتمام يصل أحياناً- كما قلت- إلى حد الرعب.

من بين أزماتنا الأساسية افتقاد مثل هذه القواعد على الطرفين.

Advertisements

لمن يريد بناء مسجد.. ساهم فى بناء مدرسة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

يوجد لدينا فى مصر عدد كبير من المدارس، تقريبا 38 ألف مدرسة حكومية، لكننا فى حاجة إلى الكثير حتى نقدم لأولادنا تعليما أفضل، نجعلهم به مستعدين لمستقبل ملىء بالتحديات، ولعل أهم تلك التحديات هو المنافسة الشرسة مع بلدان قطعت شوطا كبيرًا فى التقدم العلمى والتعليمى والتكنولوجى.

نعم، لدى الحكومة خطط لبناء المزيد من المدارس، بل إن هناك بالفعل مدارس جديدة تبنى كل عام، لكن بناء مدرسة يجب أن يتجاوز دور الحكومة لكى يصبح دور المجتمع كله، لأنه دور مجتمعى بالأساس، ولأن النهضة الحقيقية فى قطاع التعليم لا تتأتى سوى بدور يتكاتف فيه الجميع، للوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة.

بناء مدرسة أفضل من بناء مسجد، هذه هى الحقيقة الصادمة التى تفرضها تحديات زمننا هذا ومجتمعنا هذا، لقد أفتى علماء الإسلام بجواز توجيه الزكاة لبناء المدارس، لأن فى بنائها نهضة بالمجتمع كله، وبحسب الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية السابق، إن «الزكاة إحدى الأدوات التى علمنا إياها ربنا فى الإسلام من أجل إحداث التغيير والتنمية التى نسميها فى عصرنا التنمية الشاملة»، وأفتى جمعة أيضا بجواز توجيه جزء من أموال الزكاة للمؤسسات الخيرية ومصالح المسلمين العامة كبناء مدرسة أو مستشفى لأن هناك مسؤولية اجتماعية لرجال الأعمال.

توجيه أموال الجمعيات الخيرية لبناء المدارس لا شك أفضل عند الله من توجيهها لبناء المساجد التى تمتلئ بها ميادين وشوارع المدن الكبرى، بل تمتلئ بها جميع قرى ونجوع وكفور مصر.

المبادرات التى تقف خلفها جمعيات الخير عديدة، وجهدهم مشكور عليها، إلا أنها إلى الآن لم تصبح منهجا عاما تسير عليه أغلب الجمعيات، فلدينا فى مصر ما يقرب من 20 ألف جمعية خيرية عاملة، الكثير منها يحتاج إلى تطوير وتدريب فى توجيه مواردها لما فيه صلاح المجتمع، وصلاح المجتمع – كما أود أن أكرر – بصلاح التعليم وآلياته ومناهجه وطرق تدريسها.

نحن فى مصر نحتاج إلى تكاتف جميع القوى الشعبية والمجتمع المدنى من أجل تطوير التعليم، ومن أجل بناء مدارس أفضل، ومن أجل تحسين مستوى خريجى المدارس والجامعات، حتى يكونوا مؤهلين لمواكبة التقدم الذى تتطلبه سوق العمل، ومن ثم مواكبة ما هو أهم وأكبر وأعظم، وهو تحدى بناء مصر ودفعها لأن تكون على خارطة الدول المتقدمة سياسيا واقتصاديا ومجتمعيا.

النهضة فى أى أمة لا تبدأ إلا بالتعليم، والنهضة بالتعليم ليست مجرد مخطط حكومى، بل هى نتاج لتكاتف الأسر وأولياء الأمور والمدارس والحكومة، لأن فى النهوض بالتعليم نهوضا بمستقبل وطن بأكمله، فمن المستحيل أن نرى دولة متقدمة دون تعليم قوى يلبى رغباتها فى التقدم، ولعل من أبرز أسباب تراجعنا عن باقى الأمم إغفالنا أو – غض بصرنا – عن التعليم، حتى وصل التعليم فى مصر إلى درجة غير مسبوقة من التراجع.

لقد أدركت المجتمعات أن أفضل استثمار يكون فى المراحل الأولى من حياة الإنسان، أى مرحلة التعليم، خاصة فى المجتمعات التى يشكل الشباب فيها الأغلبية، لذا فإن الأمر ليس رفاهية، تُصرف من أجلها الأموال للمتعة «لزوم الشكل»، والتفاخر بأرقام قياسية للاستهلاك الصحفى والإعلامى.

إصلاح التعليم لن يتم مصادفة، ولا بالنوايا الحسنة. إصلاح التعليم يحتاج إلى قرارات جمعية من عقل جمعى آمن ويؤمن بأن مستقبل مصر فى عقول أبنائها، علينا أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، مستفيدين بمشروعات علمية وتعليمية سبق أن وصل إليها قبلنا صانعو النهضة.

الأمر ليس معجزة فى زمن قلت فيه المعجزات، لكنه ليس سهلا، ولن ينتهى فى يوم وليلة، بل يحتاج إلى مثابرة واتفاق على هدف واحد.

Egypt beware: Daesh militants who survive will have to go somewhere

by Abdellatif El-Menawy

Daesh seems to be shaking before finally falling down. It started a few months ago when different parties felt that Daesh had served its intended purpose and it was time for it to vanish geographically. With the decline of its financial resources, its media operations reaching a pathetic state, and the loss of more land with each battle, the end of the so-called caliphate is imminent. But what we should always remember, as I have written before, is that achieving a decisive battle against Daesh remains elusive.
We have seen many times before that when a conflict is over, whether by force, negotiated settlement or a conspiracy, transnational terrorists move in different directions. This was the case with militants who returned from Afghanistan, Albania and Chechnya, and we can expect the same with Daesh.
Where will the Egyptians who joined this terrorist adventure go? And where will the mercenaries, unable to return to their home countries, go?
We can expect them to form a new wave of returning terrorists, as happened before. In Egypt, it will be difficult to accurately identify all of them because they are a new generation who grew up away from the watch of the security authorities, who suffered from the destruction of their intelligence structure in the years after what is known as the “January events.” They are now trying to restore their capabilities and build a new intelligence database, but it will take a long time.
The other difficulty is that most of these young men were just children a few years ago, and there is little information about them. The level of communication, cooperation and transparency between the intelligence services in different countries will have to increase to obtain a more precise picture.

“International intelligence sharing must improve if we are to avoid the mistakes that followed Afghanistan, Albania and Chechnya.”

As for mercenaries, they will travel abroad looking for the next militant theater — Yemen, Libya, West Africa or Afghanistan. Some of them are actually the children of extremists who joined Al-Qaeda and fought in Afghanistan against the Soviet Union, as well as in Chechnya and the Balkans, and hundreds more are hiding in Turkey — on Europe’s doorstep. Organizations loyal to Daesh and local militants in these areas would welcome extra support from “comrades” with experience of war.
This should all be kept in mind when the Egyptian administration formulates its plans and expectations for dealing with the incoming danger, especially since leaked information points to a concentration of terrorist groups and their supporters on the Egyptian front. The operators of these groups believe that their next battle with Egypt should be decisive and effective, so we should expect more infiltration through Egyptian land borders. Egypt did well in its pragmatic dealing with Hamas on the eastern border. Moreover, maintaining a quiet and friendly atmosphere is essential with Sudan in the south, and expanding the protective umbrella with Egypt’s allies in Libya is vital. But all this will not be enough without continuous measures for the development of the border protection system. Internally, the decisive solution is to win the support of the whole society in the war against terrorism, which is a whole other issue.

العائش فى الحقيقة

مقال بقلمعبد اللطيف المناوي

تمر فى حياتنا- أفراداً وشعوباً- شخصيات تترك فينا ولنا آثاراً تعيش فينا، وتُشكِّل حاضرنا ومستقبلنا، وقد يستمر هذا التأثير إلى نهاية حياة الأفراد، ونهاية تاريخ الشعوب.

ليس مهماً كم يطول عمر من يمر فى حياتنا ليؤثر فينا- أفراداً وشعوباً- وليس مهماً كم بقى معنا وبقينا معه، فالتأثير بالتكوين والتشكيل هو فعل لا يرتبط كثيراً بحدود زمنية. وهكذا يمر علينا كثيرون- أفراداً وشعوباً- تطول فترة البقاء أو تقصر، ولكن لا يبقى معنا إلا من شكّل حياتنا.

فى الحضارة المصرية القديمة، دائماً استوقفنى ذلك الجمال، وتلك المثالية القصوى فى التعبير عن فراعنة مصر وحكامها، سواء فى النقوش أو التماثيل، نرى أشخاصاً مثاليى التكوين والأبعاد بدرجة يكون مبالغاً فيها فى الرغبة فى تقديمهم فى صور أقرب إلى المقاييس المكتملة لصورة الرجل أو المرأة، فمن منا رأى تمثالاً أو نقشاً لفرعون بدا فيه فى غير تلك الصورة المثالية؟ أظن لا أحد منا يمكن أن يدَّعى ذلك، إلا فى حالة واحدة: حالة أخناتون. ذلك الفرعون الذى حكم مصر 17 عاماً فى الفترة ما بين 1353/1336 قبل الميلاد، حكم منها خمسة أعوام باسم أمنحتب الرابع، قبل أن يعلن التوحيد فى مصر وكل البلاد التابعة لها، ويغير اسمه إلى أخناتون. هذا الفرعون الذى حكم تلك الفترة البسيطة، اختار أن يواجه شعبه وإلهه، وأن يقف أمام التاريخ بصورته الحقيقية دون تجميل أو تزييف، اختار أن يظهر فى لوحاته وتماثيله برأسه المستطيل، ورقبته الطويلة وشفاهه الغليظة، اختار أن يواجه الحقيقة مدركاً أن الحقيقة هى جوهر ما يعرف، ويمكن أن يُعْلِم به الآخرين، حتى إنه عندما كان يناجى إلهه كان يصف نفسه بأنه «العائش فى الحقيقة»، ثم اتخذ ذلك وصفاً له.

اعْتُبر أخناتون هو مؤسس الوحدانية فى مصر القديمة، ومنع تقديم القرابين البشرية التى كانت تقدم إلى الآلهة فى المعتقدات المصرية القديمة، ومنع صيد الحيوانات لمجرد المتعة، وغيَّر عاصمة البلاد طيبة إلى مدينة «أخيت- أتون» بتل العمارنة، ووصفها فى نصوصه بـ«المدينة الطاهرة». بعد موته عادت العاصمة إلى طيبة، وأهمل اسم أخناتون فى القوائم الرسمية التاريخية، وسموه «المهرطق»، وعادت نقوش وتماثيل الفراعنة كما كانت مثالية وجميلة، يبدو فيها الفراعنة فى أجمل صورة وأقوى حالة، لا يظهرون كبشر عاديين يمكن أن تكون أنوفهم طويلة أو رؤوسهم غير متناسقة، وأيضاً لا يظهرون كبشر يخطئون ويصيبون، وبشر يشعرون بالضعف، ويعترفون بكونهم ليسوا كاملين.

قد يكون أخناتون الأقل صوتاً بين كل هؤلاء الفراعنة، قد يكون المُهْمَل فى مراحل تاريخية عديدة، قد يكون أقل جمالاً فى شكله وصوره وتماثيله التى اختار أن تكون كذلك، ولكن المؤكد أنه الأكثر إنسانية، والأكثر حضوراً بين الناس. قد يهاب البشر تمثال رمسيس الثانى القوى المحارب، ولكنهم بالتأكيد يشعرون بالحب والألفة والإنسانية عندما يرون تمثالاً لأخناتون الذى يشبههم. ما يوازى أهمية أخناتون الحاكم والموحد الأول فى نظرى هو أخناتون الإنسان، البشر، المعلم.

ليس درساً فى التاريخ، ولكن لا أدرى لماذا احتلت ذهنى صورة أخناتون وسيرته، كلما مرت مرحلة صعبة أعتقد فى استحضاره، وكأنى أريد أن أتذكر أثر البشر فى تاريخنا- أفراداً وشعوباً- وكيف يمكن لهم أن يحفروا فينا ويشكِّلوا حياتنا ومستقبلنا دون ضجيج، وأن يعلمونا أن نعيش الحقيقة، حتى بعدما يغيب «العائش فى الحقيقة».

درس البرلمان الأول الذى مازال صالحاً لمن يفقهون

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كانت أولى إرهاصات قيام حياة نيابية فى مصر عام 1829 فى عهد محمد على باشا، عندما أنشأ مجلساً للمشورة يتكون من كبار التجار والأعيان والعمد والمشايخ والعلماء، وكانت وظيفته الأساسية إبداء الرأى فى المسائل الإدارية العامة دون أن يلتزم محمد على باشا بتنفيذها، فكان رأى المجلس استشاريا. وعلى الرغم من وظيفة المجلس الاستشارية فإن محمد على يرجع إليه الفضل فى ابتداع هذا المجلس، الذى بدأ يتطور فى وظائفه وصلاحياته حتى يضاهى المجالس النيابية فى أوروبا. لكن بعد انقضاء حكم محمد على بوفاته تعطل هذا المجلس، لأن عباس وسعيد لم يكونا متحمسين له كما كان محمد على.

25 نوفمبر 1866، هو أحد الأيام المهمة فى تاريخ الشرق الأوسط كله، حيث تم فيه الافتتاح الرسمى لأول برلمان مصرى يمتلك العناصر الأساسية لمفهوم البرلمان فى ذلك الوقت، وأول برلمان فى العالم العربى والشرق الأوسط وأفريقيا، فى ذلك اليوم أرسل الخديو إسماعيل خطابا إلى نوبار باشا، رئيس مجلس النظار، يبلغه فيه برغبته فى تشكيل مجلس شورى النواب، وأصدر أول قانون للانتخاب وجعل حق اختيار أعضاء مجلس شورى النواب فى الريف للمشايخ الحائزين على الأوصاف المعتبرة، والمنتخبون من طرف أهالى البلد فى مدن القاهرة والإسكندرية ودمياط والسويس ومدن القنال يصير اختيار النواب باتفاق أعيان تلك المدن، وبالفعل تم اختيار 75 نائباً فى أول برلمان مصرى، وذهبوا إلى القلعة حيث مقر البرلمان الجديد وحضور جلسة افتتاح البرلمان لأول مرة فى تاريخ الحياة البرلمانية فى البلاد.

ولما دخل رئيس البرلمان ليلقى عليهم الدرس الأول فى أصول الإجراءات البرلمانية قال لهم إن الخديو يرغب فى أن تكون هناك مجموعتان أو حزبان، أحدهما يؤيد الحكومة ويجلس على يمين المنصة التى يجلس عليها رئيس مجلس شورى النواب، والآخر يمثل المعارضة ويجلس على يسار المنصة طبقاً للتقاليد البرلمانية، وقبل أن يدخل الخديو ذهب إليهم رئيس البرلمان مرة أخرى ليلقى نظرة فوجد النواب جميعاً قد جلسوا على يمين المنصة، فثار عليهم، فرد عليه النواب كيف يخطر ببالك يا باشا أن يكون بيننا معارض لأفندينا فأقنعهم أن هذه هى التقاليد البرلمانية ورغبة من أفندينا ونجح فى إقناع بعضهم بالفعل أن يجلسوا على يسار المنصة فى مقاعد المعارضة، وحضر الخديو فى موكبه الرسمى ومعه كبار الدولة ليفتتح أول برلمان مصرى ويلقى البيان الخديوى، وتبدأ أولى صفحات البرلمان فى مصر.

ظل البرلمان يمر بفترات حضور واختفاء فى المراحل التالية أثناء حكم سعيد وبعد الاحتلال الإنجليزى لمصر حتى جاء دستور 1923 الذى تمخض عنه أول مجلس نيابى حقيقى له سلطة مساءلة الحكومة وسحب الثقة منها، ولا تستطيع الحكومة أو الملك سن أى قوانين أو تشريعات جديدة قبل عرضها على المجلس والتصويت عليها إما بالرفض أو القبول.

ونظراً لاكتساب مجلس النواب صلاحيات واسعة بواقع دستور 1923، فقد بدأت الانتخابات النيابية تشهد عمليات تزوير لصالح حزب أو ضد حزب بعينه. كما أن القصر والحكومة استغلا الأحكام العرفية وقاما بفرضها فى معظم الأوقات لتكميم الصحافة وإرهاب أحزاب المعارضة فى مجلس النواب لمنعها من انتقاد الحكومة. أُلغى الدستور وأتى دستور جديد حاربه ورفضه المصريون وعاد دستور 23. حتى قامت ثورة يوليو ودخلت مصر فى حالة كمون برلمانى شهد صحوات عدة فى مراحل مختلفة لكن لم يكتب له حتى الآن أن يشهد تطوراً متصلاً ودائماً.

مصر واحدة من أقدم الدول فى العالم التى كان لديها برلمان، بل وتقول البرديات القديمة بوجود ما يشبه البرلمان أيام الفراعنة حسب معاييرهم، وظهرت برديات تحمل تشريعات متعددة، بل ومعاهدات سلام. وقد شهد البرلمان المصرى عبر مسيرته الممتدة العديد من التطورات التى مثل كل منها علامة فارقة على طريق إقامة الحياة النيابية السليمة التى تعبر تعبيراً حقيقياً عن مصالح وتطلعات الشعب المصرى بمختلف فئاته وطوائفه عبر هذين القرنين من الزمان.

مصر بلد عريق وحضارة ضاربة فى عمق الضمير الإنسانى، ونتمنى- دائما- أن نصل إلى ذلك اليوم الذى يكون لدينا فيه برلمان متفق ومتسق مع مصر وتاريخها وثقافتها.

كم من أعضاء البرلمان الحالى يعلم ما نتحدث عنه؟ وكم منهم سيقرأون، والأهم يدركون؟

الخطر القادم على مصر بعد سقوط «داعش»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

بدأ «داعش» يترنَّح قبل أن يبدو أنه يسقط. بدأ ذلك منذ عدة أشهر عندما شعر الفرقاء أنه- أى «داعش»- قد أدى الغرض منه، وحان وقت رحيله جغرافياً. فمع تراجع موارده المالية إلى النصف على مدى الأشهر الأخيرة، وحيث أصبحت وسائله وعملياته الإعلامية فى حالة يُرثى لها، وبينما يقتطع كل هجوم عليه فى أى ساحة اشتباك معه الأراضى التى سبق أن سيطر عليها قطعة تلو الأخرى، أصبحت نهاية ما يُدعى «دولة الخلافة» وشيكة كما يبدو. لكن ما ينبغى أن نتذكره دائماً، كما سبق أن أشرت فى مقال سابق، أن تحقيق نصر حاسم على «داعش» يظل بعيداً عن المنال.

القاعدة التى جرَّبناها مرات عديدة تقول إنه عندما ينتهى أى صراع، سواء كان ذلك بالقوة الجبرية أو بتسوية متفاوض أو متآمر عليها- فى الغالب- يغادر أعضاء ومقاتلو هذه الجماعات ممن يطلق عليهم «الإرهابيون العابرون للحدود» فى اتجاهات عديدة، وقد جرَّبنا ذلك أكثر من مرة فى ظاهرة «العائدون»، وفى كل مرة كانوا عائدين من جبهة قتال أو جهاد، كما يسمونها، مرة من أفغانستان، ومرة من ألبانيا، وأخرى من الشيشان. واليوم علينا أن نتوقع العائدين الجدد من «داعش».

أين سيذهب المصريون الذين انخرطوا فى هذه المغامرة الإرهابية؟ وأين سيذهب المرتزقة الذين يُمنعون من العودة إلى بلدانهم الأصلية؟ إجابةً عن السؤال الأول فإن المتوقع أن يُشكِّل هؤلاء موجة جديدة من إرهابيين عائدين مثل العائدين القدماء. المشكلة هنا أن هؤلاء سيكون من الصعب حصرهم بشكل دقيق والتعرُّف عليهم جميعاً، لأنهم جيل جديد خرج ونشأ بعيداً عن أعين أجهزة الأمن المصرية التى عانت خلال الأعوام التالية لأحداث يناير، وتعمل الآن على استعادة كفاءتها كما كانت، وأيضاً الصعوبة الأخرى أن معظم هؤلاء من شباب صغير كانوا صبية منذ أعوام قليلة، وحجم المعلومات عنهم قليل للغاية.

أما الإجابة عن السؤال الثانى حول المرتزقة فإن هؤلاء يُشكِّلون لفيفاً من الجهاديين عديمى الجنسية الذين يسافرون إلى الخارج بحثاً عن المسرح الجهادى التالى- اليمن، لييبا، غرب أفريقيا أو أفغانستان- وجزء من هؤلاء هم ذرية «المجاهدين» المتشددين الأصليين الذين انضموا إلى صفوف تنظيم القاعدة وقاتلوا فى أفغانستان ضد السوفييت، وفى الشيشان ودول البلقان، مع مزيد من المئات يختبئون على عتبة أوروبا فى تركيا. ومن المرجَّح أن ترحب التنظيمات الموالية لـ«داعش» والجهاديون المحليون فى تلك الأماكن بهذا الدعم من «الرفاق» الذين خبروا المعارك واكتسبوا خبرات إضافية.

ما من شك فى أن مقاتلى «داعش» أصبحوا يمتلكون قدرة الحركة والمناورة، ففى أثناء تمترسهم فى مواقعهم استخدموا الأنفاق وكوَّنوا منها بمهارة شبكات تحت الأرض لنقل الرجال والمواد، وأتقنوا إنتاج ونشر السيارات المفخخة بالعبوات الناسفة.

هذه حقائق يجب أن تكون حاضرة فى الأذهان عندما نضع خططاً وتصورات للتعامل مع الخطر القائم عملياتياً، وفى التواصل مع الجمهور من خلال الرسائل الإعلامية والسياسية، خاصة مع ما هو متسرِّب من معلومات تفيد بأن المرحلة المقبلة سوف تشهد تركيزاً من قبل الجماعات الإرهابية ومن يدعمهم على الجبهة المصرية، ويعتبر مُحرِّكو هذه الجماعات أن معركتهم القادمة مع مصر يجب أن تكون حاسمة ومؤثرة، وهذا يعنى أن علينا أن نتوقع مزيداً من عمليات التسرُّب عبر حدودنا الأرضية الثلاثة، مهما كان اطمئناننا لمن حولنا فإن الخطر يظل حاضراً. أحسنت مصر فى أدائها البراجماتى فى التعامل مع «حماس» على الحدود الشرقية، والحفاظ على أجواء هادئة وودية الأداء مع جارنا الجنوبى أمر حكيم، وامتداد مظلة حماية حدودنا الغربية مع حلفائنا فى ليبيا هو أمر حتمى، لكن كل هذا لن يكون كافياً دون إجراءات مستمرة لتطوير منظومة حماية الحدود. أما داخلياً فإن الحل الحاسم هو كسب كل المجتمع فى صف الدولة فى حربها مع الإرهاب. وهذا موضوع آخر.

Moving militants from one place to another is no solution

by Abdellatif El-Menawy

For the past four decades, the phenomenon of militant extremists returning from wars and terrorist campaigns in Afghanistan, Albania, Bosnia and Herzegovina, Iraq and Yemen has posed a serious threat to their societies because a significant number of them bring their terrorism home with them.
Many Arab countries faced a wave of terrorist attacks when the war in Afghanistan ended in 1989. Large numbers of militants returned to their home countries and carried out violent attacks there. Egypt was at the forefront of the countries that suffered, especially in the mid-1990s. When the Soviet troops left Afghanistan and the Egyptian militant leaders returned home, they formed what was called Al-Qaeda Jihad Organization, the earliest seed of Al-Qaeda.
After that, many young men went to war in the Balkans under the banner of defending the Muslims of Bosnia. When that war ended in 1995, the same post-Afghanistan scenario happened  again. Is it likely to recur when the war in Syria ends?
The region’s future is in grave danger with the return of terrorists from Syria and Iraq. We are looking at tens of thousands of militant individuals blinded by extremist ideology, most of them completely unknown to Arab security bodies. The world can expect to face a new wave of violence.
Sixteen Egyptian police officers were killed in a shoot-out with Islamist militants last week at El-Bahariya Oasis in the Western Desert. The incident will naturally lead Egypt to insist on continuing its war on terror: Combining decisive, strong and continuous military and security action and partnering with other countries that are serious about combating militants. Waging the real war on terrorism means developing a strategy for besieging and exposing terrorist ideologies, fighting them at an intellectual level and protecting society, especially younger generations, from them. I must remind you here of the importance of calling for the renewal of religious discourse in a scientific manner and with serious continuity.
Meanwhile, two important questions need to be answered, and they are inextricably linked. First, we must ask the international and regional forces who are allegedly fighting terrorism how serious they are, or is the war against Daesh a hoax? Second, where will the militants of terrorist groups – Daesh above all – go after they have been driven out of the territories and cities they have controlled for the past few years?
In the search for answers, let us review reliable reports that track the actions of Daesh militants in the past few months, where there was no longer any need for its existence. There has been a series of victories against it on all fronts; Assad regime, opposition, Russians, Americans, Turks … everyone started to win. Even those who in the past handed their cities over to Daesh and retreated in a disgraceful and surprising manner are today winning one victory after the next and raising one flag after another.
These battles were supposed to be zero-sum games, in which the fighting parties do not stop until one of them eliminates the other. The forces that fought Daesh were not only expected to regain control over cities and villages, but also to eliminate the organization and ensure it would never be able to rise again. In their battles, Daesh’s goal was to completely eliminate those they considered enemies, a policy they have acted on before.

“World powers must fight a real war on Daesh, not a hoax one — and that means taking tough decisions about what happens to defeated extremists. “

Instead, a new trend has emerged. Countries that were fighting Daesh began seeking safe shelters for the organization’s militants. Not only that, but they also transferred them in air-conditioned buses by protected routes. In emergencies, and for speed, they used helicopters – perhaps the same helicopters used to attack the militants not long ago.
Almost three years ago, a US intelligence official said up to 40,000 Daesh militants from 104 countries controlled an area larger than the United Kingdom. Today, the battles against Daesh are almost over, but the corpses of those militants are not on the roads, and there are few prisoners either. The arrest of a Daesh militant with a US passport was actually important news at the time – one out of 40,000! Where are the rest?
US-led coalition aircraft transferred militants from Raqqa to unknown destinations in July. I also believe many of you followed the controversial deal between Hezbollah and Daesh in which, in exchange for the safe passage of Daesh militants and their families from the Lebanese border to eastern Syria, Daesh agreed to reveal the fate of nine Lebanese soldiers captured by the organization in 2014.
The message that we must pressure authorities to turn into action, and on which we must insist, is that terrorism is a global threat, and allowing terrorists to move from one place to another for someone else to deal with is not the solution. What Egypt has experienced in the past, and is still experiencing, is more proof that real efforts are necessary to establish serious cooperation between international parties to eliminate terrorism.
But where will those militants go? That is a different matter.

الفراغ الذى تركناه وراءنا فى أفريقيا

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

حسناً يفعل الرئيس عبدالفتاح السيسى بمحاولاته المستمرة لفتح الأبواب الأفريقية المغلقة أمامنا منذ سنوات طويلة. ويجب على مؤسسات الدولة الأخرى أن تمتلك استراتيجية واضحة لتبنى عليها تحركات مصر نحو أفريقيا خلال المرحلة المقبلة. وأكرر مرة أخرى، أن نمتلك خطة واستراتيجية علمية متكاملة، وليس تحركا غير مبنى على أسس من الفهم العلمى لطبيعة المشكلات والتحديات وأسلوب استغلال الجهد الذى يبذله الرئيس ليكون الحصاد إصلاحا لتلك العلاقة التى عانت طويلا، ومازلنا نحن كدولة ومجتمع نعانى من نتائجها.

المشكلة المثارة هذه الأيام حول مياه نهر النيل تفتح ملفا آخر غاية فى الأهمية هو ملف العلاقات المصرية الأفريقية، أين نحن من أفريقيا؟ وأين الدول الأفريقية منا؟ قديماً درسنا فى مدارسنا فى حصص التاريخ والجغرافيا والمواد الاجتماعية، وقرأنا على الأغلفة الخلفية للكراسات الدوائر التى ترتبط مصر بها، الدائرة العربية، والأفريقية، والإسلامية، ودول عدم الانحياز، وقديما أيضا قرأنا كثيرا وتابعنا بشغف مواقف مصر المؤيدة لحركات التحرر الأفريقية، وعرفنا أسماء زعماء أفارقة، وتابعنا الحديث عن أفريقيا الحرة، كل هذا كان قديما، ولكن منذ فترة ليست بالقصيرة بدا الأمر وكأن الموضوع الأفريقى، والعلاقات مع الدول الأفريقية، لم يعد هو شاغلنا الأهم، وبدا الوضع وكأن مرحلة دفء العلاقة مع أفريقيا هى مرحلة مرت، وبدأت مراحل أخرى جديدة لم تعد أفريقيا هى الحاضرة بشكل أساسى فيها، وظهر هذا جليا فى العديد من المناسبات، ويمكن هنا العودة إلى المؤتمرات الأفريقية المتعددة خلال الأعوام الكثيرة الأخيرة، والتحقق من مستوى التمثيل المصرى فيها، وتراجع اجتماعات سواء منظمة الوحدة الأفريقية، أو الاتحاد الأفريقى الذى حل محلها، وسوف نكتشف حجم الغياب المصرى، أيضا فلنقارن حجم زيارات مسؤوليناـ المسؤولين عن العلاقات الخارجيةـ وعن ملفاتنا مع أفريقيا، ولنقارنها بحجم زياراتهم إلى الدول الأوروبية والولايات المتحدة، أيضا سوف نكتشف كم أهملنا هذا الملف لسنوات طويلة.

هذا الوضع خلق حالة من الفراغ، وهذا الإحساس المتنامى لدى الأفارقة بالإهمال حاول البحث عن بدائل تعوض هذا الإحساس، حالة الفراغ وجدت من يملؤها من إسرائيل، ومن الصين، ومن دول أوروبية بل ومن الولايات المتحدة نفسها، ومن دول أفريقية أخرى أرادت أن تملأ هذا الفراغ الذى تركته مصر وراءها.

البعض لسان حاله يقول «صادق الغنى تُصَب بالغنى، وصادق الفقير تصبك لعنة الفقر»، هذا المفهوم كان يجد صدى لدى العديد من المسؤولين، وللأسف مازال بشكل أو بآخر، وهذا فهم غريب فى الواقع فى العلاقات الدولية، وهذا موضوع آخر يحتاج إلى حديث آخر، ولكن حتى لو اتفقنا مع هذا المفهوم فإن التعامل مع أفريقيا ودولها ينبغى أن يكون من منطلق أن هذه القارة غنية بالفعل، وكما قال دكتور بطرس غالى فأفريقيا ستكون محل الاهتمام الدولى خلال السنوات القادمة أكثر من الماضى لأنها القارة التى مازالت بكرا، وهى كنز العالم للمستقبل، ومن هنا فمصالح مصر مع قارتها هى الأهم والأخطر خلال الفترة القادمة أكثر من علاقاتنا الدولية التقليدية، وحتى من أوروبا نفسها التى تعد الشريك التجارى الأول لمصر، كما أن أفريقيا- كما يقول دكتور بطرس غالى- هى القارة التى نعيش فيها، ومصالحنا الاستراتيجية ترتبط بها، وإلا سندفع ثمنا باهظا.

إحدى المشكلات الرئيسية التى واجهتنا خلال العقود الأخيرة، هى تلك النظرة الخاطئة إلى مفهوم المصلحة فى العلاقات، بمعنى: هل من المصلحة أن تكون علاقتنا بجيراننا جيدة حتى لو كانوا فى مستوى اقتصادى أدنى أو أقل، أم أنه من الأفضل أن تتعلق عيوننا إلى جيران سبقونا اقتصاديا وسبقونا تكنولوجيا فقررنا بدلا من أن ننظر حولنا أن نعلق عيوننا إلى الأعلى، فلم نصل إلى ذلك الأعلى فى علاقات متساوية أو ندية وخسرنا لفترات طويلة من هم حولنا لأن عيوننا لم ترهم.

هذا النموذج حدث ويحدث لنا فى مصر والدول العربية الأخرى عندما تعلقت أعيننا كما ذكرت بالدول الأوروبية ونسينا الدول الأفريقية، وعندما يأتى مؤتمر القمة العربية الأفريقية فى دورته الثانية، فإننا بذلك نبدأ عمله ونصحح بذلك الخطأ الشائع، فليس السبيل لكى تكون غنيا أن تصادق الأغنياء، وليس معنى أنك تصادق الفقراء أو محدودى الدخل أن تصبح فقيرا مثلهم، ولكن الغنى هو أن تستطيع أن توفق ما بين قدراتك على تلبية احتياجات الآخرين والمحيطين بك، والذين يمكن أن يقبلوا، فى بعض الأحيان، بظروف أفضل من الآخرين الذين تعلقت أعيننا بهم.

تظل السوق الأفريقية إحدى الأسواق المهمة والأساسية للمواد الخام والمواد الغذائية، وبقدر أعلى من التنسيق فى العلاقات بين الدول العربية- مصر تحديدا- والدول الأفريقية يمكن أن يكون مردود هذا التنسيق أكثر مما لنا أن نتخيل.

تساؤلات حول جدية الحرب على «داعش»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

ما حدث فى الواحات وأسفر عن انضمام مجموعة من أبناء الوطن إلى قافلة الشهداء أثار الكثير من الغضب والجدل والتساؤلات. هذه الحالة نتيجتها الطبيعية المفترضة مزيد من الإصرار على الاستمرار فى الحرب على الإرهاب بمزيج من العمل العسكرى والأمنى الحاسم والقوى والمستمر، والعمل مع الشركاء الجادين فى محاربة الإرهاب، وبحث أفضل السبل للحرب الحقيقية على الإرهاب، التى أعنى بها وضع استراتيجية لمحاصرة الإرهاب فكرياً وكشفه وحماية المجتمع من تسرب الأفكار الإرهابية، خاصة إلى الأجيال الناشئة. وهنا أُذَكِّر مرة أخرى بأهمية تفعيل الدعوة إلى تجديد الخطاب الدينى بأسلوب علمى واستمرارية جادة.

اليوم سأتوقف عند السؤال المهم الذى يجب أن نواجه به من يدَّعون الحرب على الإرهاب من القوى الدولية والإقليمية. وأيضاً نضع غموض الإجابة حتى الآن فى حساباتنا. ما وقع فى الواحات، إضافة إلى عناصر أخرى، أعتقد أنه ليس بعيداً عما سأطرح من أسئلة.

ما ينبغى أن يشغل الذهن الآن هو الإجابة عن السؤال المهم: أين سيذهب أولئك المقاتلون فى صفوف الجماعات الإرهابية، وعلى رأسها داعش، بعد أن تم إخراجهم من الأراضى والمدن التى سيطروا عليها السنوات الماضية؟ وقبل ذلك السؤال يقفز سؤال آخر أكثر إلحاحاً ودافع أكبر لتقطيب الجبين غضباً لاحتمالية أن الإجابة عن السؤال ستحمل فى طياتها كشفاً للخديعة التى يتم تصديرها لنا حول جدية الحرب على داعش. سأبدأ بمحاولة الإجابة عن السؤال الثانى لان الإجابة عنه سوف تصلح أساساً للإجابة عن السؤال الأول.

لن أتعامل فى هذا الجزء على أى جهد تحليلى، لكنى سأرصد فقط أنباء موثوقة حول حركة مقاتلى داعش خلال الأشهر الأخيرة بعد أن انتهى الغرض من وجودها وبدأت سلسلة من الانتصارات على كافة الجبهات: حكومة ومعارضة وروس وأمريكان وأتراك. الجميع بدأ ينتصر، حتى أولئك الذين واجهوا اتهامات بالأمس بأنهم سلَّموا مدنهم إلى قوات داعش وتراجعوا بشكل مُخزٍ ومفاجئ، ها هم الآن ينتفضون ويحققون نصراً تلو نصر، ويرفعون علماً بعد علم. وفِى معارك كهذه كان المتوقع أنها تقع تحت ما يوصف بـ«العلاقات الصِّفْرية» بمعنى أن أحد الطرفين لن يقبل إلا بالقضاء على الآخر، فكان متوقعاً أن يكون هدف كل القوات التى تحارب داعش أن تستهدف ليس فقط استعادة المدن والقرى، ولكن القضاء على التنظيم والتأكد من عدم قدرته على الصعود مرة أخرى. وهذا الهدف عكسى أيضاً، بمعنى أن داعش فى إدارته معاركه استهدف نفس الاتجاه، وهو القضاء على من يعتبرهم الأعداء قضاءً تاماً، وأثبت ذلك دائماً. الغريب هنا والمفاجئ والمثير للشكوك هو ذلك الاتجاه الذى ظهر وبدأ تنفيذه بلا حُمْرة خجل أو محاولة مداراة. بدأت الأطراف التى كانت تحارب داعش فى البحث لمقاتليها عن ملاذات آمنة، ليس هذا فقط، بل المساعدة فى نقلهم من خلال ممرات محمية فى أتوبيسات فى الغالب مكيفة. وفِى حالة الطوارئ وحرصاً على سرعة نقلهم فى بعض الأحيان وكتأمين إضافى لا بأس من استخدام طائرات هليكوبتر فى نقلهم. وقد تكون هذه الطائرات هى ذاتها التى كانت تهاجمهم بالأمس القريب.

منذ حوالى ثلاث سنوات نسب إلى مسؤول استخباراتى أمريكى قوله إن عدد مقاتلى داعش يتراوح بين 35 و40 ألف مقاتل أتوا من 104 دول، سيطروا على مساحة تزيد على مساحة بريطانيا(!). اليوم انتهت المعارك تقريباً وليس فى الطرقات جثث لهؤلاء المقاتلين وليس هناك أسرى، بل إن خبر إلقاء القبض على مُنْتمٍ لداعش يحمل جواز سفر أمريكياً كان خبراً مهماً فى وقته، واحد من أربعين ألفاً!! (علامتا تعجب هذه المرة).

غير بعيد عن الذاكرة ما تردد فى وسائل مختلفة من أن طائرات التحالف ساعدت فى نقل المقاتلين خارج الرقة إلى أماكن غير معلومة، وذلك فى شهر يوليو الماضى. وأظن أن العديدين تابعوا الجدل الدائر بعد اتفاق حزب الله مع داعش على خروج مقاتليه وعائلاتهم والانتقال من الحدود اللبنانية إلى شرق سوريا مقابل الكشف عن مصير الجنود اللبنانيين التسعة الذين اختطفهم التنظيم عام 2014. وخرجوا بالفعل فى قافلة من سبع عشرة حافلة وكانت الشكوى الكبيرة أن طائرات التحالف تعيق القافلة.

الرسالة التى يجب أن نصر عليها ونضغط لتفعيلها هى أن الإرهاب تهديد عالمى، والسماح بانتقال الإرهابيين من مكان إلى آخر ليتعامل معهم شخص آخر ليس حلاً نهائياً، وما شهدته وتشهده مصر مجرد دليل آخر على الحاجة إلى جهود حقيقية للتعاون الجاد بين الأطراف الدولية للقضاء على الإرهاب.

أما أين سيذهب هؤلاء؟ فهذا موضوع آخر.

Eliminating Daesh on the ground is only half the battle

by Abdellatif El-Menawy

When the media speaks about Daesh, I immediately recall the lines by the Egyptian poet Amal Dunqul: “Do not dream of a happy world For behind every deceased Caesar is a new one.”
Perhaps the alleged Islamic State of Iraq and the Levant has fallen for real, but did Daesh as a terrorist organization truly end? Can we say that Arab and Western alliances succeeded in completely eliminating Daesh? The answer is — and I hope it doesn’t shock any of you — definitely not. Maybe its existence as an organization ended on the ground, but their ideology still lingers, especially with Daesh’s transformation into a secret terrorist network scattered around the region and the world.
The answer may require further elaboration:
There are hundreds — if not thousands — of Daesh terrorists who managed to flee Syria and Iraq. Where have they gone? There are two answers: They may have gone to fight in a different front, Libya for instance, or maybe they went back home, whether to Arab or Western countries.
In the 1990s and beyond, we were introduced to what was called the “Afghan Returnees” and the Returnees from Albania and Chechnya. Those were silent time bombs waiting for their chance to explode. Today, we have what is called the “Returnees from Syria and Iraq.” What are we going to do with them?
In all their operations in Europe, Daesh adopted the “lone-wolf attacks” approach. Those are not members of the terrorist organization but merely people who adopted the ideology, which is a serious danger to many safe societies.
Daesh used traditional and social media as an easy and fast way to spread. Today, there are thousands of pages on the internet and on social media websites that embrace Daesh’s ideologies and continue to attract dozens of followers and lone wolves scattered around the world, waiting for their chance to explode.
For three years, Daesh controlled Raqqa and Mosul. They left seeds in the minds of those they ruled and these won’t be easily wiped away. Governments must not only count on eliminating Daesh, but also on dealing with the aftermath and treating their effect.
Daesh established what is known as the “Cubs of the Caliphate” — an army of youngsters, some of whom haven’t yet reached the ages of 8, trained by Daesh on its ideology and armed with weapons they were taught how to use. Furthermore, Daesh controlled many schools in which they taught children their ideology and thoughts. What would be the fate of this army and these children?
There are thousands of children spawned by Daesh insurgents and their captives, as well as Yazidi women. Most of these children’s fathers were killed, leaving them either with militant mothers or with mothers who were raped and taken captives. How will governments deal with this issue?
Daesh isn’t over yet; it still exists in other countries — they built bases in Afghanistan, Pakistan, Chechnya and the Philippines.

“The military defeat of the ‘caliphate’ is complete but its poisonous ideology must be crushed too.”

In the Arab world, many Daesh insurgents fled to Libya to fight there while others infiltrated into Egypt. Hundreds of Daesh insurgents returned to their homes in Europe through playing analysts or Trojan horses to enter and exit Syria. Even in Syria and Iraq, Daesh members have worn different masks and left Daesh for other groups that had a change of identity — like Al-Nusra Front, which is affiliated with Al-Qaeda and changed its name to Fatah Al-Sham. Strangely enough, the West and press bought into it — or perhaps chose to buy into it.
I don’t wish to be a pessimist, but what I’m trying to say is that if dozens, hundreds or even thousands of Daesh insurgents were killed, three years of killing and fighting would not end by simply taking control of the areas that were occupied by this terrorist organization. Perhaps the golden question here is: Where did all the old players go?
Al-Qaeda has disappeared for a while in the last few years, allowing Daesh to be in the limelight, but frequent news says the organization is trying to regain its strength, especially as Hamza bin Laden, the son of the former Al-Qaeda leader, is trying to oust Ayman Al-Zawahiri. Moreover, a new organization came into the picture recently known as Khorasan. Perhaps they will be allowed a larger space and role. This organization is an Islamist armed Syrian group, which the US intelligence community has deemed more dangerous than Daesh. It is believed to be affiliated with Al-Qaeda and was formed by members of Al-Qaeda from South Asia, North Africa and the Middle East. It was named after a historic region that included parts of Pakistan and Afghanistan.
In addition to that, there are dozens of small religious groups fighting in Syria — probably waiting to seize the opportunity and prove their worth, especially given that the war in Syria is about to end, but the cake has not yet been divided.
Finally, even if most of those groups were eliminated, as long as there are countries in the East and the West that support terrorism and use it to serve their political agendas, Daesh will not die and neither will its ideology.
Eliminate the ideology through educating, enlightening and helping your children. Otherwise, we will only achieve an incomplete victory that will soon turn into defeat.
Our mission is not over yet.