لماذا تستمر قطر فى تحدى المنطق؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

بعد إعلان السعودية والإمارات والبحرين ومصر قرار المقاطعة التامة مع قطر وإغلاق الموانئ والأجواء أمام الملاحة القطرية، ماذا عبد اللطيف المناويستكون الخطوة القادمة تجاه قطر لو لم تلتزم وواصلت السير فى طريقها الذى بدأته وفيما يبدو مصرة عليه؟

الواضح مما رأينا من تطورات خلال اليومين الماضيين أن الصدمة التى وجهت إلى قطر قد أصابتها بقدر كبير من الارتباك. كما ذكرنا لم يكن أى مراقب يتوقع أن يكون الإجراء بهذا القدر من الحدة والشمول الذى بدا وكأنه إعلان حرب دون استخدام قوة عسكرية.

الموقف يبدو ثابتاً لدى الطرفين، الدول الأربع التى بدأت الفعل، أو رد الفعل على سلوك قطر، وهى مصر والسعودية والإمارات والبحرين يبدون إصرارها على المضى قدماً فى الإجراءات التى اتخذت، بل وتصعيدها أو إحكامها. كما فعلت الإمارات على سبيل المثال عندما شملت حظر وجود القطريين فيها إلى منعهم من المرور عبر مطاراتها ترانزيت. وهو تعبير عن اتجاه تلك الدول إلى التضييق بقدر الإمكان وإضافة ما يمكن إضافته من إجراءات. أيضا نتذكر ما أشار إليه البيان السعودى من التواصل مع الشركاء الدوليين من دول ومنظمات وكيانات اقتصادية ومالية للمشاركة فى الإجراءات ضد قطر. على الطرف الآخر فإن قطر استمرت فى اتخاذ خطوات فيها قدر واضح من الارتباك مع الاستمرار فى الاستفزاز. وليس بيانها الذى صدر عقب الإجراءات سوى نموذج لذلك عندما أصرت على الإشارة المستمرة إلى الحديث عن الدول الخليجية الثلاث واهتمامها بعلاقتها معها فى الوقت الذى تجاهلت فيه مصر إلا فى إشارة تحمل فى طياتها اتهام مصر بأنها وراء كل ذلك. ثم بدأت الأخبار عن الاتصالات القطرية الإيرانية والتركية وكأنها تلوح بما كان سبباً فى توتير، بل تفجير العلاقة.

ردود الفعل العربية اتسمت بقدر من الحذر، فيما عدا اليمن وليبيريا وموريتانيا فإن بقية الدول الأخرى اكتفت بتخفيض التمثيل الدبلوماسى كالأردن أو بالآمال فى أن تتمكن الأطراف من تجاوز الأزمة والحفاظ على الوحدة بين الدول العربية. أما غربياً فإن المواقف كانت إما تأييداً مستتراً من خلال تصريحات كتلك التى تشير إلى أهمية أن تلتزم قطر بالالتزامات الدولية لمكافحة الإرهاب وأن تجيب عن أسئلة جاراتها المرتبطة بدعم الإرهاب والتدخل فى الشؤون الداخلية لدول المنطقة وأن تتحلى بالشفافية فى مواقفها. أو دول لم تبد حماسة واضحة للموقف الذى اتخذته الدول العربية المقاطعة لقطر. أمريكياً نستطيع أن نلمح تناقضاً ما بين الرئيس ترامب وأجزاء أخرى من الإدارة الأمريكية. وتفسير هذه المواقف إجابته يمكن أن نجدها فى السلوك القطرى خلال العقد الأخير فى الانتشار عالمياً وكسب أو شراء أصدقاء أو حلفاء. وهذا الوقت هو وقت تسديد الفواتير. ولكن ليس من المتوقع أن يصمد ذلك طويلاً أمام الإصرار الذى تبديه دول مقاطعة قطر وقوة المنطق والحجة والأدلة التى تمتلكها لإدانة قطر وتورطها فى دعم الإرهاب إقليميا وعالميا. وهو الأمر الذى دفع صحيفة مثل اليو اس توداى إلى وصف قطر بالعميل المزدوج فى علاقتها بالإرهاب والإرهابيين. لذلك قد تنجح قطر فى تحجيم رد الفعل والتأييد العالمى لمقاطعتها لفترة للأسباب النفعية والمصلحية للأطراف الدولية، دولاً أو أشخاصاً، المرتبطة بمصالح مادية واقتصادية مباشرة وغير مباشرة مع قطر. لكن استمرار هذا الموقف المتحفظ سيرتبط باستمرار الضغط العربى المطالَب بتغيير سياسات قطر وتخليها عن دعم الإرهاب، وهو المطلب الذى يصعب مقاومته طويلا.

الوساطات بدأت تظهر فى الأفق، على رأسها الكويت. هناك حديث عن أطراف أوروبية طرحت المساعدة فى التوسط بين الأطراف، على الرغم من نفى وزير الخارجية السعودى الذى صرح بأنهم لم يطلبوا وساطة خارج دول التعاون الخليجى.

لكن يظل سيناريو المستقبل مرتبطاً بسلوك واستجابة قطر للمطالب الواضحة بتغيير سياستها الداعمة للإرهاب والالتزام الصارم بعدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول وإثارة القلاقل والتخلص من فلول الإرهابيين الذين تأويهم وتدعمهم داخل قطر وخارجها. إذا استطاعت قطر الالتزام بذلك بطريقة مقنعة وقابلة للقياس والمراقبة فإن مخرجاً سيبدو فى نهاية أفق الأزمة، البديل هو تآكل النظام القطرى والبحث عن سبل لإعادة الأمور هناك إلى وضعها الصحيح.

الصدمة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

على حكام قطر الآن مواجهة مصيرهم، إما العودة إلى رشادة الحكم أو مواجهة العالم، وفِى المقدمة القطريون أنفسهم. ما حدث بعد فجر أمس من الإعلان الصادم للدول الأربع الأكثر تضررا من السلوك القطرى، مصر والسعودية والإمارات والبحرين، بقطع العلاقات مع دولة قطر يعد جزأ آخر من رأس جبل الثلج الذى بدأت ملامحه منذ رد الفعل على تصريحات الأمير القطرى، وما تبع تلك التصريحات من ردّة فعل لم يكن يتوقعها حكام قطر، وهو الأمر الذى دفع الأمير القطرى إلى نفى صحة تلك التصريحات، ولَم يفعل ذلك النفى شيئا

15_19_52

عبد اللطيف المناوى

سوى زيادة معدل الهجوم وحرب الكشف عن سوءات قطر السياسية طوال حوالى عقدين من الزمان.

ظن حكام قطر أنهم سيمرون بأفعالهم دون حساب كما حدث على مدار عقدين من الزمان. على مر هذه السنين «اخترعت» قطر أداتها الإعلامية كسلاحها الرئيسى فى معركة وجودها فى موقع يؤثر ويغير. وتسببت هذه الأداة المتمثّلة فى قناة الجزيرة فى اختراق القواعد والثوابت فى العلاقات الدولية وعلاقات الإخوة المزعومة. مشكلات على مدار السنوات بين قطر ودول عربية عديدة تجاوزتها قطر ولَم تدفع ثمناً حقيقياً لتجاوزاتها فى كل مرة.

ظل على الأجندة القطرية بشكل ثابت موقفها المعادى لمصر، وكما قال لى أكثر من سياسى عربى على صلة بحكام قطر، إنهم لم ينسوا ادعاءاتهم بأن مصر حاولت إعادة الأمير الأب الذى خلعه ابنه إلى الحكم. ظل هذا الاعتقاد متحكماً فى موقفهم من مصر ولَم يتغير حتى فى الأوقات التى بدا أن العلاقات فى وضع جيد. وغير بعيد عن الذاكرة ذلك العبث الذى مارسته ضد مصر فى أحداث يناير والدور المشبوه الذى لعبته أداتهم الجزيرة فى تلك الفترة.

تطور موقف قطر من مجرد التأييد الإعلامى لجماعات الاٍرهاب إلى مرحلة أكثر تطوراً، وشهد الأسبوعان الماضيان صدور تقارير وعقد ندوات بشأن مكافحة تمويل الإرهاب، فى إطار الجهد الدولى لمكافحته بتجفيف منابعه، بالتوازى مع الحملات الأمنية والعسكرية التى تستهدف الجماعات الإرهابية. وظهر من خلال هذه الأنشطة حجم تورط النظام القطرى فى هذه الأنشطة الإرهابية، وليس بعيداً ما تعانيه مصر من مخاطر بسبب الجماعات المدعومة من قطر هناك، هذا بالإضافة إلى تبنيها الكامل جماعة الإخوان داخل قطر وخارجها فى تحد واضح.

وشكا المسؤولون الأمريكيون، منذ أيام للأمير السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثانى، من عدم تعاون قطر فى مجال مكافحة تمويل الإرهاب، حتى وزيرة الخارجية السابقة هيلارى كلينتون كانت قد قالت فى مذكرة لها عام 2009، حين وصفت تعاون قطر فى مجال مكافحة الإرهاب بـ«الأسوأ فى المنطقة».

وكان مجلس الأمن الدولى أقر فى نهاية ديسمبر 2014، بالإجماع، مسودة قرار خاص بمنع تسهيل حركة المقاتلين الأجانب وتمويل الإرهاب، وصدر القرار تحت «الفصل السابع» الذى يجيز التدخل بالقوة لإنفاذه. وكما ثبت دائما بأن قطر ظلت فى الخندق الداعم لهذه الجماعات.

كما قلت، تخيل حكام قطر أنهم سيمرون بفعلتهم الأخيرة المتمثّلة فى تصريحات أميرهم، لكن الصدمة الأولى كانت فى ردود الفعل السعودية والإماراتية التى تمثلت فى حملة «فضح» للزمرة الحاكمة فى قطر.

وبدا من حجم المعلومات والكشف عن الأسرار وقوة الحملة وكأنهم كانوا يستعدون لذلك الْيَوْمَ، لكنهم فقط كانوا ينتظرون ساعة الانطلاق.

سقط حكام قطر هذه المرة فى قياس رد الفعل، وفشلوا فى معالجة تبعات الموقف بتلويحهم بورقة إيران والاستمرار فى دعم الجماعات الإرهابية فكان رد الفعل المتمثل فى قرارات قطع العلاقات ومنع حركة المواطنين من وإلى قطر والحصار الجوى والبرى والمزيد من الإجراءات التى يبدو أنها ستتوالى حتى يختار القطريون مصيرهم، إعادة الحكام إلى العقل والرشد والالتزام بقواعد العلاقات الدولية واحترام الغير أو البديل أن يحل القطريون مشكلتهم مع حكامهم.

حلم الدولة المتآكل

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

بات منتصف مايو من كل عام يوما تستعد له وسائل الإعلام المختلفة والجمعيات السياسية والثقافية المختلفة، فهذا التاريخ هو ذكرى تاريخ النكبة، نكبة فلسطين، أم نكبات العرب، وذكرى النكبة هى إحدى المناسبات المتعددة التى يستحضر فيها العرب آلامهم وإخفاقاتهم، ومع مرور السنين تراجع الإحساس بعظم المصيبة، وبات التعامل مع يوم النكبة كيوم احتفالى، نتذكر فيه مآسى الشعب الفلسطينى، وتاريخ الإخفاقات العربية، وكما ذكرت باتت هناك قائمة ثابتة لدى وسائل الإعلام العربية المختلفة تدور حول العناصر التالية: ماذا حدث فى حرب 48؟ أوضاع اللاجئين ومخيماتهم، ماذا قدمت الدولة- صاحبة وسيلة الإعلام- من تضحيات من أجل قضية العرب؟ كيف أفسد 198968_1925889754891_1471580740_32131816_3447614_nوأضاع الآخرون القضية بسياستهم؟

وتكون هذه مناسبة لاستضافة القيادات الفلسطينية الحالية- رغم أنهم ليسوا فى حاجة إلى مناسبة للظهور الإعلامى- يملأون الشاشات وصفحات الجرائد للحديث عن تاريخهم وتاريخ منظماتهم فى النضال من أجل القضية الفلسطينية، وهى أيضا مناسبة طيبة للغمز واللمز فى الفصائل الأخرى، التى إما باعت القضية أو أفسدت نضال الرفاق فى الفصائل الأخرى.

وهكذا تمضى أيام المنتصف من شهر مايو من كل عام فى هذه الحالة من استحضار الذكرى ونصب حالة من البكائيات التى من طول وتكرار الاحتفال بذكرى النكبة باتت بلا أثر ولا طعم.

وجاءت أيام المنتصف من مايو هذا العام فى ظل انعقاد لقاءات بين سيد البيت الأبيض الجديد وزعماء العالم العربى، بمن فيهم الرئيس الفلسطينى الذى سعد كثيراً بنداء ترامب له بـ«الرئيس». وبعدها لقاء الرئيس الأمريكى بزعماء الخليج والعالم الإسلامى، والجميع تحدث عن أهمية حل القضية الفلسطينية كأساس ليعم السلام والاستقرار المنطقة.

طوال العقود السابقة انفردت إسرائيل بالساحة تطرح فيها رؤيتها القادمة، بل وتتخذ الخطوات الفعلية لتنفيذ هذه الرؤية، ويتعاون معها الفرقاء الفلسطينيون- بفرقتهم- فى تنفيذ هذا المخطط.

إذا ما نظرنا إلى نقاط الخلاف الفلسطينى القائمة حاليا سنجدها تتركز حول النزاع على السلطة والقوة، وهى سلطة وقوة فى دولة لم توجد بعد، ويبدو أنهم يساهمون وهم يدرون أو دون أن يدروا فى ألا توجد أبدا.

الحال انتهى فى فلسطين، بل فيما تبقى من أرض فلسطينية، بحالة من تكريس الانقسام، قطاع تسيطر عليه حماس نسبيا، ولن تصل إلى مستوى قوة أعلى يمكنها من السيطرة الكاملة أو امتلاك قوة تمكنها من الخروج خارج حدود القطاع، وجزء تسيطر عليه فتح التى تمتلك قوة نسبية فى الضفة تنازعها فيها قوى أخرى، وهى أيضا قوة لن تمكنها من فرض السيطرة الكاملة على الضفة، أو التجاوز إلى خارج حدودها، وهى أيضا قوة لن تمكنها من الحضور ولا السيطرة فى قطاع غزة، يضاف إلى ذلك معاناة كل حركة منهما منفصلة من حالة انشقاق داخلى. وهكذا باتت المعادلة وجود فصيلين يسيطران فى حدود، كل على جزء من الأرض المتبقية للتفاوض دون أن ينازع الطرف الآخر سلطته أو قوته فى منطقة ما يعتبره منطقة سيطرته، وهذا يعنى فى النهاية مجرد سلطة مقسمة ومنقوصة على أجزاء من وطن لا يريدون هم ولا من يعتبرونه العدو أن تتوحد، ويبدو الأمر وكأن أصحاب الشأن لا يريدون هم أيضا إلا أن يمتلكوا قوة حتى لو كانت منقوصة.

مرة أخرى، الأمر يبدو وكأنه استمرار لحالة البكائيات، ليس فقط على ما مضى، ولكن على أيام أخرى صعبة يدفع فيها أصحاب القضية أنفسهم، أو قياداتهم، إلى جعل حلم الدولة يتآكل مع مر الأيام.

■ الزميلة صفاء حجازى

عرفتها قبل أن تكون لى علاقة بالتليفزيون، وظلت كما هى حتى آخر مرة التقيتها منذ أسابيع. حماسها لما تؤمن به كان يصل إلى حد المواجهة لإثبات قناعتها، اعتبر البعض هذا الإصرار تهوراً فى بعض الأحيان، ولكنى رأيته دائما صدقاً وإيماناً بقناعاتها حتى لو اختلفت مع الآخرين. وخلف صفة «الحديدية» التى وصفوها بها كانت روحا إنسانية راقية هى التى تحكم قراراتها.

فى لقائى الأخير بها، وبينما كانت مستلقية على فراش المرض، لم ألحظ إلا صاحبة الشخصية التى تتحدى من أجل قناعتها، لم أسمع سوى تلك النبرة القوية المتحمسة المتحدية وهى تقول: «لن يستطيع أحد أن يهدم ماسبيرو، هو سيبقى والباقى إلى خفوت»، وحكت لى كيف أصرت على الذهاب إلى مكتبها على كرسى متحرك لتدافع عن وجود الكيان الذى عاشت له وفيه وآمنت به. قلت لها وقتها إننا فى أشد الحاجة إلى مثل شخصيتها المقاتلة فى هذه المرحلة.

رحم الله الزميلة والصديقة صفاء.

كلمة مصر فى الرياض الأكثر توفيقاً

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

أظن أن الكلمة التى ألقاها الرئيس السيسى فى قمة الرياض هى أفضل كلماته فى مختلف المناسبات، فصياغتها كانت مُحكَمة، ورسائلها كانت دقيقة وذكية، والموقف المصرى من قضية الإرهاب وتحميل العالم مسؤوليته تجاه محاربته كان واضحا ودقيقا، ولم يتأثر بأجواء

Untitled

عبد اللطيف المناوى

اللقاء أو ما سبقه من جدل.

الإشارة إلى قيمة مصر وتاريخها وتعددها كانت رسالة لكل الحاضرين، ومعظمهم إن امتلك عنصراً مما ذُكر فلا يمتلك الآخر. مصر المسلمين والأقباط، الحضارة الممتدة آلاف السنين، ملتقى الديانات الثلاث، ورمز الاعتدال والوسطية. وتجاوزت كلمة الرئيس الحديث عن علاقات أمنية أو تجارية بين العرب وأمريكا، لتتضمن الإشارة إلى رفض مفهوم صراع الحضارات، وتطرح فى المقابل مفهوم التنوع والتعايش بديلاً للصراع.

استغلال المناسبة فى طرح الرؤية المصرية للتصدى للإرهاب كان موفقاً من خلال الكلمة، ويبدو أن الوضع الآن بات أكثر استعدادا للإنصات عالميا لما حاولت مصر أن تدعو إليه منذ ثمانينيات القرن الماضى لمحاربة الإرهاب. عناصر الرؤية المصرية الأربعة التى طرحها السيسى من خلال كلمته هى أعمدة رئيسية لأى استراتيجية جادة لمحاربة الإرهاب، فمواجهة خطر الإرهاب واستئصاله من جذوره لا يتطلبان فقط الإجراءات الأمنية والعسكرية، لكن هناك أبعاداً سياسية وأيديولوجية وتنموية يجب أن تتضمنها تلك الاستراتيجية.

كان مناسباً تماما طرح مفهوم التصدى الشامل للإرهاب فى وجود ذلك الجمع، الذى كان فيه مَن يتعامل مع هذا الخطر جزئيا أو بدون فهم كامل أو بشكل متآمر، فمفهوم التصدى هنا هو مفهوم شامل لكافة التنظيمات التى تنتمى للفكر الإرهابى، حتى وإن طُرحت بعض هذه التنظيمات باعتبارها أكثر اعتدالا، فالإرهاب معروف الملامح والتوجهات. وبالتالى فإن هذه المواجهة تعنى بالأساس مواجهة كافة أبعاد ظاهرة الإرهاب فيما يتصل بالتمويل والتسليح والدعم السياسى والأيديولوجى «فالإرهابى ليس فقط مَن يحمل السلاح.. وإنما أيضا مَن يدربه.. ويموله.. ويسلحه.. ويوفر له الغطاء السياسى والأيديولوجى»، وقيمة هذا الجزء تتضاعف لو علمنا أن دولة قطر كانت حاضرة، ممثلة فى أميرها، والعالم بات يعرف العلاقة. وتتتابع التساؤلات: أين تتوفر الملاذات الآمنة للتنظيمات الإرهابية؟.. مَن الذى يشترى منهم الموارد الطبيعية التى يسيطرون عليها؟ مَن الذى يتواطأ معهم عبر تجارة الآثار والمخدرات؟ ومن أين يحصلون على التبرعات المالية؟ وكيف يتوفر لهم وجود إعلامى؟ هنا ورّط الرئيس فى كلمته الشركاء الأصليين للإرهاب، وحسناً فعل.

وحسنا، أيضا، فعل الرئيس عندما أشار إلى الأزهر، الذى وصفه بأنه يمثل مرجعية للإسلام الوسطى المعتدل، فالتعاون معه مهم لاستئصال التنظيمات الإرهابية فكرياً فى المجتمع.

وفى الوقت الذى تُذكى فيه بعض الدول الحاضرة لمؤتمر الرياض مفهوم الصراع السياسى على قاعدة طائفية، تأتى مصر لتؤكد رفضها هذا النهج فى إطار الوعى بأن إذكاء وتأجيج الفتن الطائفية يمثل البيئة الخصبة لنمو الإرهاب وانهيار الدولة الوطنية.

كما ذكرت فى البداية، فإن هذه الكلمة من أفضل ما قاله الرئيس السيسى، ويبقى علينا بعد ذلك مهمة تسويق هذه الأفكار عالمياً، لأنها بدون ذلك تتحول إلى كلام مجالس بلا تأثير حقيقى.

خواطر على هامش قمم ترامب فى الرياض «2-2»

مقال بقلم عبداللطيف المناوي

منذ اللحظة الأولى وضع ترامب الخطوط العريضة لمعالم سياسته فى الشرق الأوسط التى جوهرها إقامة تحالف عربى- إسرائيلى موجه ضد إيران. وهو أمر بدا أكثر من مناسب لهم، لعقود شغلت إيران موقع العدو الأول والتهديد الأكبر للسعودية، وبالتالى فإن كل شىء ممكن عبد اللطيف المناوي   فى ظل وجود عدو مشترك. ليس فقط عنصر العدو المشترك، ولكن عنصر المصلحة الخاصة لكل دولة. فمن الواضح أن زيارات المسؤولين السعوديين لواشنطن، وأهمها زيارة ولى ولى العهد الأمير محمد بن سلمان، قد استطاعت أن تلبى رغبات الشريك الأمريكى الباحث عن حليف رئيسى فى المنطقة قادر على تحمل تبعات وتكلفة هذا التحالف، وأيضًا يشكل عنصراً مهماً فى مساعدة الرئيس الجديد لتحقيق وعوده التى وعد بها ناخبيه، لذلك كان الارتباط بعقود تسليح فى حدود ثلائمائة مليار دولار خلال السنوات العشر المقبلة، واستثمارات سعودية فى البنية الأساسية الأمريكية تتجاوز قيمتها ٤٠٠ مليار دولار وتخلق آلافا من فرص العمل فى أمريكا والسعودية.

رجل البيت الأبيض لم يختر أوروبا أو جاراته فى القارة الأمريكية. كما أنه لم يختر الصين، بل وقع اختياره بالتحديد على الرياض، وفضلها بالبدء حتى على إسرائيل التى سيتوجه إليها بعدها. بطبيعة الحال، سيمنح كل ذلك السعودية وضع الحليف الأول للولايات المتحدة فى المنطقة. وهو ما يعنى تلقائيًا ضمانات أمنية وعلاقات عالية الثقة ودعمًا للنظام الحاكم ومشاركة فى الإصلاحات. وفِى المقابل ستنسى المملكة أى آفاق لتحسين العلاقة مع إيران، والتحول نهائيًا وبالكامل إلى موقع أمامى معادٍ لإيران، والبدء فى التعاون العلنى مع إسرائيل، وفقاً لشروط أشرنا لها فى البداية.

من الواضح وجود قرار أمريكى بأن السعودية هى مفتاح المنطقة، وأنها مؤهلة لدور قيادى فى الإطارين العربى والإسلامى لأسباب متعددة، المعيار الوحيد هو قاعدة «المصالح الدائمة».

ستشهد العاصمة الرياض ثلاث قمم، سعودية- أمريكية، خليجية- أمريكية، إسلامية- أمريكية، وقد شهد لقاءات ثنائية على الهامش بين ترامب وعدد من القادة. ومن الأرجح أن يصدر إعلان فضفاض.

مصر شاركت، وكان ضروريًا وصحيحًا أن توافق مصر على المشاركة فى القمة الإسلامية على الرغم من كل ما يمكن أن يُثار من تساؤلات. وهى التساؤلات التى يجب على صانع السياسة الخارجية المصرية أن يضعها أمامه ليفكر كيف يمكن لمصر أن تعود إلى مكانها الصحيح؟ وكيف يمكن أن تتعامل مع متغيرات تدفع مصر للتعامل مع أطر كانت ترفضها تاريخيًا، كالحلف الإسلامى، وكيف يمكن أن تستعيد حضورها وقوتها السياسية فى المنطقة وكيف توظف قدرتها الناعمة؟!. وهذا حديث آخر.

خواطر على هامش قمم ترامب فى الرياض «١-٢»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

نشرت الصحيفة الأمريكية (وورلد ستريت جورنال)، نقلاً عن مصادر سياسية وصفتها بأنها رفيعة المُستوى، أن دولًا خليجية، وفى مقدمتها المملكة العربية السعودية، قامت ببلورة مبادرةٍ جديدةٍ تقترح أن تقوم هذه الدول بعددٍ من خطوات التطبيع مع إسرائيل كفتح قنوات عبد اللطيف المناوياتصال مباشر مع إسرائيل وإمكانية تحليق الطيران التجارى الإسرائيلى فى أجواء هذه الدول، وبالمُقابل تُوافق إسرائيل على تجميد الاستيطان بشكل جزئى فى الضفة الغربية المُحتلّة، بالإضافة إلى تسهيل إدخال البضائع من إسرائيل إلى قطاع غزّة، على حد تعبير المصادر السياسية فى واشنطن.

لا بأس هنا من الإشارة إلى ما أشار إليه رئيس الوزراء الإسرائيلى، بنيامين نتنياهو، إلى وجود علاقات مع دول عربية، إذ قال إنّ الإيجابية الوحيدة للاتفاق النووى هى تقارب إسرائيل وبعض الدول العربية فى المنطقة، وتابع قائلاً، فى مقابلةٍ أدلى بها فى شهر فبراير من العام الجارى لشبكة (CBS): بإمكانى إخبارك أن دولًا عديدة فى المنطقة لم تعد ترى إسرائيل دولة عدوة، بل على العكس، باتت تعتبرها حليفة، على حد تعبيره.

وسألت مقدمة البرنامج نتنياهو عن علاقة إسرائيل والمملكة العربية السعودية، فأجاب «لا تعليق»، لكنها أصرت على السؤال: هل تبنى إسرائيل والسعودية جبهة ضد إيران فى الشرق الأوسط؟، فأجابها نتنياهو: حتى لو لم نفعل ذلك، هذه الجبهة موجودة بكل الأحوال، على حدّ تعبيره.

تاريخ العلاقة بين ترامب والمملكة العربية السعودية قصير، لكنه شهد تطورات درامية حادة. جميعنا يذكر كيف أعلن المرشح الرئاسى الملياردير ترامب عن الاستعداد للتخلى عن شراء النفط السعودى، متهمًا الرياض بمثل ما اتهمها به تقريبًا أوباما: الرغبة فى حل مشكلاتها على حساب الآخرين. وفى حين أن أوباما وصفها بأنها «راكب بالمجان»، فإن ترامب قال حرفيًا: «نحن لا نحصل على شىء مقابل الخدمات الضخمة التى نقدمها للدفاع عن بعض الدول. والمملكة العربية السعودية إحداها».

وأظن أيضاً أننا توقعنا علاقة متوترة بين البلدين، خاصة مع المقدمات التى كانت بادية، فما إن بدأ ترامب أيامه الأولى فى البيت الأبيض، حتى بدأ الحديث عن «الديون الأمريكية التى لم يسددها النظام السعودى».

كما أن الرئيس الأمريكى الجديد لم يفعل شيئًا، بطريقة أو بأخرى، لعرقلة الدعوات التى تطالب السعودية بتقديم تعويضات مالية لأهالى المتضررين فى أحداث 11 سبتمبر 2001، بموجب القانون الذى جرى اعتماده فى عهد الرئيس السابق أوباما. إذاً فقد بدا أن الوضع سيئ، وأن العلاقات الودية بين الولايات المتحدة والسعودية قد تضررت بجدية ولزمن طويل.

العمائم سوداء وبيضاء على موائد الوحدة الوطنية

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كل عام وأنتم بخير. خلال أيّام يبدأ شهر

رمضان وتبدأ معه مظاهر عديدة ومختلفة، بعضها متناسق ومتسق مع طبيعة الشهر الكريم، وبعضها متناقض بشكل صارخ. عدد كبير 100_0757-1.jpgيجد فى الشهر الكريم سبباً مقنعاً لإعلان الاضراب عن المشاركة والعمل بل والحياة، والحجة المساقة دائماً هى العبادة، وكأن العبادة نقيض للحياة، وكأن العمل والجدل والحركة والنقاش والتفكر فى شؤون الحياة هى أعمال مفطرة من المتناقضات مع التعبد الواجب فى كل الأوقات، خاصة أثناء الشهر الكريم.

مقدمة لم تكن هى الموضوع الرئيسى الذى وددت الحديث عنه اليوم، ولكنها ليست بالبعيدة كل البعد. فمن بين مظاهر الشهر الكريم حضور الفرصة للتلاقى بين أطراف وأشخاص لا يلتقون ولن يلتقوا إلا فى الشهر الكريم من العام التالى.

الشركات، المصانع، الإدارات، الجامعات، الأصدقاء، العائلات، كل هؤلاء يلتقون، يقاومون قدر الاستطاعة أسر التليفزيون ومسلسلاته وبرامجه ليلتقوا، ومن بين تلك اللقاءات الشهيرة فى مصر، ما اصطلح على تسميته بإفطار الوحدة الوطنية، وهو باختصار، لقاء على إفطار تقوم به هيئات مسيحية مختلفة فى مصر على رأسها الكنيسة القبطية، وكنائس الطوائف الأخرى فى مصر تدعو فيها رجال دين مسلمين، ومفكرين ومثقفين ليلتقوا على تلك الموائد.

على الإفطار، تجلس العمامات السوداء بجانب العمامات البيضاء، وتدور حوارات مع ابتسامات كثيرها مجاملة، وقليلها يحمل جدية الطرح والحوار. وتدور الكاميرات هنا وهناك، كاميرات ثابتة للتصوير الفوتوغرافى وكاميرات متحركة للتليفزيون لتكتسى صفحات الصحف وشاشات التليفزيون بتلك الصور التى تجتمع فيها العمامة السوداء مع العمامة البيضاء فى ابتسامة كما ذكرت فيها الكثير من المجاملة.

بدأت مع إطلالة الشهر الكريم تصلنى بعض هذه الدعوات التى اعتبرها لا ترقى إلى التعبير عن الوحدة الوطنية بشكلها الحقيقى، ولكنها شكل من أشكال التعبير السطحى عنه، فلا يكفى أن تلتقى العمامات البيضاء والسوداء ويبتسمون أمام الكاميرات ليؤكدوا بذلك أن الوحدة الوطنية قائمة وحقيقيةـ وأنا أظنها فى أصلها كذلك ـ ولكن أعتقد أن الفائدة الكبيرة من مثل هذه اللقاءات أنها تكمن فى قيام حوار وطنى حقيقى يتناول القضايا والمشكلات التى تهم الوطن بحق، الوطن بكامله، وليس الوطن مجزأ: قضايا التعليم، والإصلاح، والصحة، والمواطنة، وحقوق الإقباط، وحقوق المسلمين، وحقوق المرأة، وحقوق الشباب، وحقوق الطفل، كل هذه الموضوعات هى التى ينبغى أن تحظى بنقاش حقيقى حتى حول موائد الإفطار. الاعتراف بالمشكلة أياً كان حجمها هو البداية الحقيقية لحلها، والحوار الصريح الواضح حول إبعاد هذه المشكلة هو أيضا البداية الصحيحة للوصول إلى نقطة التقاء تصلح بداية للحل.

وبدلا من لقاءات الابتسامات والمجاملات، أتمنى أن يكون هذا الشهر الكريم هو نقطة للقاء حوار حقيقى حول المشكلات الحقيقية بانفتاح وشفافية ودون حساسية.

لنضع على الطاولة الموضوعات الشائكة، الحقوق، المساواة، الاستقواء بالخارج، استغلال الظرف الخارجى، استغلال الضعف الداخلى، لنطرح كل هذه الموضوعات ونتحاور حولها، لنبحث فى نقاط الالتقاء ونقاط القوة، نقاط القوة والاختلاف، للوصول بهذا الوطن إلى ما يستحقه. وأظن أن مثل هذا الحوار هو أهم عوامل تحصين المجتمع، وأحد أهم الخطوات لمحاربة الإرهاب الذى لا يفرق بين أبناء الوطن الواحد.

لا أظن أن هذا الحوار حول هذه الموائد سوف يفسد الصيام أو الأجواء، ولكن لو صدقت النوايا سوف يكون عاملا مهما فى إصلاح الأجواء.

التغيير هو مرادف الاستقرار

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

قد يبدو غريباً أن أتحدث عن التغيير ونحن مازلنا فى أتون توابع الزلازل التى هزت استقرارنا بعنف حتى الآن. ولكنى هنا أتحدث عن مفهوم التغيير الداعم للاستقرار، كل نظام ذكى فى العالم يجدد نفسه بإحداث تغيير يضمن به استمرار سريان قوى الدفع والتحفيز للنظام والمجتمع. هذا يحدث حتى لو كان عمر النظام قصيرا أو حتى لو كان حديث العهد بإدارة العمل السياسى.

بعد قليل يكتشف النظام، أى نظام، مكامن الخلل فى إدارته للشؤون الخاصة بالمجتمع، والفارق هنا بين نظام وآخر هو مدى شجاعته فى إدراك الخطأ والمسارعة إلى تغييره. أذكر ما حكاه لى تونى بلير، رئيس وزراء بريطانيا الأسبق، عن تجربته فى العامين الأولين، وكيف وجد نفسه وحكومته وبلده يتجهون إلى كارثة بسبب حداثة عهده وقتها هو وزملائه الوزراء فى مسألة إدارة شؤون بلد كبير كالمملكة المتحدة، وهنا أدرك، كما قال لى، أهمية أن يتوقف ليعيد تنظيم البيت من الداخل، وأتى بمن يعرف فى هذا الأمر والمتخصصين فيه لإعادة هيكلة ماكينة حكم البلاد التى يقودها. وبعد دراسة «علمية» على يد «علماء ومتخصصين» فى الإدارة استطاع أن يمتلك تلك الماكينة التى جعلت من فترة حكمه واحدة من علامات التاريخ البريطانى الحديث، هذا بغض النظر عن أى تقييمات سياسية له ولحكمه.. ولكنى أتحدث عن الإدارة.

إحدى القوى الكامنة فى المجتمع البشرى هى قوى التغيير، وأظنها مثلها مثل قوى الطبيعة التى ظل الإنسان يهابها ويخافها، حتى تمكن من التعامل معها والسيطرة عليها نسبياً. دعونا نتخيل الإنسان الأول، الذى أظنه كان يفزع كلما تسببت العواصف فى إحداث حريق، هو عبارة عن نيران لم يتمكن الإنسان الأول من إشعالها، وظلت قوة خفية وغير مسيطر عليها، حتى تمكن من التحكم فى إشعال النار، وبذلك تخلص من خوفه منها واستطاع الاستفادة بها، وهكذا بقية القوى الأخرى التى يظل الإنسان متخوفاً منها حتى يتمكن من السيطرة عليها أو توظيفها وفقاً لاحتياجاته، ولو لم يتمكن من ذلك فإنه لا يملك إلا أن ينسحق أمامها أو يتجنبها. هكذا ظل الحال مع قوة الرياح والمياه والعواصف، وأظنه يصلح للتطبيق على قوة التغيير.

هذه المخاوف يمكن أن تنطبق على التعامل مع تلك القوة القديمة المتجددة، وهى الرغبة فى التغيير، أو قوة التغيير، وهى تعيش الآن إحدى أعتى صورها وأفضل تجلياتها، ومثلها مثل القوى الأخرى التى ذكرت لها بعض الأمثلة، فقوة التغيير هى قوة قابلة للتوظيف الإيجابى، أو للانسحاق أمامها، المعيار هنا أو العنصر الحاسم هو: هل نقود نحن التغيير أم نقف متسمرين أمامه فلا نجد مستقبلاً لنا إلا بانسحاقنا وفقاً لقوانينه أو لقوانين من يحركه؟!

أظن أن المَخرَج الوحيد لأنظمتنا ولنا فى هذه المرحلة أن نقود نحن عجلة التغيير بأيدينا، تلك العجلة التى بدأت فى الدوران ولم يعد بإمكان شخص ما أو نظام ما القدرة على إيقافها أو دفعها إلى الوراء. قد يتمكن من وضع بعض العصى أثناء دوران هذه العجلة، ولكنه أبداً لن يتمكن من إيقافها، حتى لو نجح جزئياً فى تعطيلها.

المطلوب فى هذه المرحلة التجاوب مع قوة التغيير التى أصبحت المطلب الأول الآن بين الشعوب، هذا التجاوب يمكن أن يصب فى صالح هذه الشعوب إذا ما حدث ذلك الاكتشاف المشترك بين الشعوب وحكامها لتلك النغمة المفتقدة بينهما. اكتشاف الأنظمة لغة حوار صحيحة مع شعوبها وقدرة هذه الأنظمة على تلبية رغبات تلك الشعوب فى الحياة وفقاً لمعايير تشعر هذه الشعوب بأنها تستحقها هو الأسلوب القادر على استعادة هذه الأنظمة لشعوبها ومكانتها بينها، وإذا ما عجزت تلك الأنظمة عن القيام بتلك المهمة، فإن ذلك لن يكون سوى دلالة على انتهاء صلاحية ذلك النظام. ولكى يتمكن النظام من التغلب على تلك الأزمة فلا سبيل أمامه إلا دفع قوى التغيير الحقيقية داخله لتتبوأ قيادة عجلة التغيير، وعلى الأنظمة فى هذه اللحظة التخلص من كل من يحاول أن يضع عصا فى عجلة التغيير المتحركة، أو من يحاول دفع عجلة التغيير من الخلف، مستعيناً بقوى من خارج هذا المجتمع لتوجيه عجلة التغيير لتصب فى إطار مصالح خاصة لفئة أو طائفة أو قوة خارجية، ولا يبقى لقيادة عجلة التغيير إلا أولئك المنتمون بحق لهذا المجتمع، والمؤمنون بأهمية هذا التغيير وتطويعه ليتحول إلى قوة مضافة وليس قوة هادمة.

الاختلاف قوة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

اختلاف عناصر ومكونات المجتمع يمكن أن تكون مصدر قوة بنفس القدر الذى يمكن أن تتحول فيه إلى مصدر تفجير للمجتمعات من داخلها. ليس هناك تناقض بين كون جسد المجتمع نسيجا واحدا متجانسا وبين أن تكون عناصره ليست متماثلة أو متشابهة. إذا تحول الاختلاف إلى تناقض هنا سيبدو الجسد وكأنه اختزل إلى «كعب أخيل»، أو لم يبق من الجسد سوى الكعب الذى يُضرب به المثل دائما 100_0757-1.jpgبالضعف، ومنه وبسببه سقط البطل «أخيل».

سوف يظل الأدب الإغريقى أحد المناهل المهمة فى تاريخ الإنسانية، وسوف يظل ملهماً للعديد من الإبداعات، كما أن العديد من قصصه ستظل صالحة لوصف حالة نعيشها فى أى زمن، تلك الحكايات الجميلة الشيقة فى أساطير الحب والجمال عند الإغريق مثلا، أو تلك الملاحم العظيمة مثل الأوديسة والإلياذة واللتين ترجمهما درينى خشبة. هذه الكتابات مازالت حاضرة، وتلك القصص مازالت تُستحضر فى مواقف للأمم والأشخاص.

تحدث هوميروس فى أسطورته الخالدة «الإلياذة» عن ذلك البطل الأسطورى أخيل، البطل الذى لا يُقهر بسبب قوته الخارقة، لأن أمه أمسكته من قدمه، وغمرته فى نهر الخلود، ما أعطى جسمه قوة خارقة، لكنها خشيت عليه من الغرق فأخرجته بسرعة قبل أن يلمس الماء كعبه، ليصبح نقطة ضعفه الوحيدة، ومنها قُتل، وهكذا بات كعب أخيل مضرب المثل حول نقطة الضعف القاتلة لأى شخص وأى مجتمع.

أعود لأتحدث عن الجسد العربى بمجتمعاته التى ظللنا نحلم دوماً بقوتها وخلودها وقدرتها على التحدى، ولكننا استسلمنا بأيدينا وبرغبتنا «المستقلة» فى أن نترك الكعب ليسيطر على الجسد، حتى كاد الجسد أن يتحور كعباً.

أستحضر هذه القصة بمناسبة ذلك الذى نشهده فى مجتمعاتنا العربية، داخلها وبين بعضها البعض، حيث نجد مجتمعاً قرر باختياره ومحض إرادته أن يحول أحد العناصر الذى كان من الممكن أن يكون عنصر قوة، ليتحول إلى عنصر ضعف، وأقصد بذلك الاختلاف بين عناصر المجتمع، عندما يتكون المجتمع من أكثر من عرق أو أكثر من ديانة، أو أكثر من مذهب أو ملة، إذ يمكن لهذه الاختلافات فى المفهوم الإنسانى العام أن تكون أحد مصادر القوة للمجتمع، لتنوع المصادر الحضارية والثقافية فى بنية هذا المجتمع. يمكن لنا أن نكون كذلك، ويمكن لنا أن نكون عكس ذلك، وباستقلال وإرادة حرة، اخترنا أن نكون عكس ذلك. والشواهد كثيرة فى مجتمعاتنا العربية، ليس آخرها ما يحدث فى العراق أو سوريا أو اليمن، وطبول الحرب التى تستدعى الخلاف المذهبى والدينى والطائفى وقوداً لهذه الحرب. نتحدث عن أقباط ومسلمين، عن شيعة وسنة، عن عرب وأفارقة، لتتحول هذه الاختلافات الصحية، أو التى ينبغى أن تكون كذلك إلى خناجر يحملها الآخرون ليهددوا بها الوطن.

كثيرة هى نقاط القوة المفترضة فى أجسادنا العربية، ولكنها جميعاً، أو معظمها، حولناها إلى نقاط ضعف، تعددنا كدول تملك ثقافة واحدة وحدود مشتركة ولغة واحدة، حولناها إلى نقطة ضعف كبيرة، عندما أفردنا، كل فى طريقه، لينقذ نفسه، واهماً، بالتفاوض مع الآخر، ظناً منه، وواهماً أيضاً بأنه سوف يكون ذا مكانة أكثر خصوصية، أو أولى بالرعاية، كما هى لغة الاقتصاد والسياسة، ولكنه لا يعلم أنه بذلك أضعف الآخرين، بل وأضعف نفسه.

وهكذا تتحول نقطة القوة فى الجسد وتتحور إلى امتداد لكعب أخيل. نقرر أن نبحث عمن فى الخارج لنستأسد به على إخواننا فى الداخل، نعتقد أن خلاصنا من مشكلاتنا لن يكون إلا باستحضار قوة هى ليست قوتنا الحقيقية، ولكنها قوة مستمدة من آخرين، ونعتقد أننا إن حققنا أهدافنا قصيرة النظر، فإننا بذلك نكون قد حققنا نصراً، مع أننا بهذا نكون قد سجلنا خطوة متراجعة، ومتنازلة عن عناصر قوتنا الحقيقية.

لا أملك كمواطن فى مجتمع عربى لا يملك من الأمر شيئاً، إلا أن يقول ما يراه، ويحاول أن يعبر عن مخاوف حقيقية يستشعرها، إلا أن أشير إلى ما أستشعر ويستشعره غيرى ممن لا يملكون من الأمر شيئاً، من الخطر الذى ندفع أنفسنا إليه، لن ينتصر الخارج لأى منا على حساب طرف آخر، الوحيد المنتصر هو ذلك المستدعى من قبل بعضنا، ولن يستثنى أى منا من دفع ثمن ذلك التنازل المستمر، لن ينتصر أهل دارفور إن حققوا أهدافاً عبر ضغوط الخارج، وليس نصراً للشيعة أن يحققوا بعضاً مما يهدفون إليه ويعتقدونه حقاً لهم، وليس نجاحا للسنة أن يسودوا على الآخرين إن تم ذلك عبر بوابة خارجية، ولن يكون إنجازا مهماً لأى دولة عربية إن حققت إنجازاً منفصلا لها على حساب غيرها من الدول العربية، أو منفردة بقرارها ظناً أنها بذلك تحقق ما لا يمكنها تحقيقه مع الآخرين.

ما فات ليس كلاماً محفوظاً وردياً، وليس «أكليشيهات»، ولكنه تعبير عن مخاوف حقيقية من أن يتحول ونتحول جميعاً إلى مأساة إغريقية جديدة، تقرأ قصتها أجيال قادمة، بعد زمن طويل لتتعظ بمن لم يتعظ بمآسى من قبله.

 

ما قاله الأمير بن سلمان صالح للبناء عليه

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

يأتى حديث ولى ولى العهد السعودى النائب الثانى لرئيس مجلس الوزراء وزير الدفاع، الأمير محمد بن سلمان فى توقيت غاية فى 198968_1925889754891_1471580740_32131816_3447614_nالأهمية، داخليا وعربيا ودولياً، وبالتالى لا يمكن تخليصه من المتغيرات المحيطة.

يأتى الحوار بعد مجموعة من الإجراءات الداخلية التى شهدتها السعودية مؤخراً بتغييرات رئيسية فى ماكينة الحكم، إن صح التعبير، سواء فى أشخاص مسؤولين أو فى خلق آليات جديدة، خاصة فى مجال الأمن، لترتب الأوضاع وفقاً لنسق معين تخطو نحوه المملكة. ويتزامن ذلك مع تعديلات معيشية داخلية بإعادة الامتيازات إلى العاملين فى جهاز الدولة بعد اقتطاعها من قبل، والاهتمام بدعم غير القادرين من المواطنين، وهذا أيضا فى إطار ما يمكن تسميته مصالحة للرأى العام، حتى وإن كان التصريح المباشر عكس ذلك. إذن يأتى حديث الأمير الشاب ليؤكد هذه المعانى بشكل أو بآخر، وليرسخ خطوات رسم ملامح المملكة القادمة.

أيضاً، فى ظل معادلة دولية باتت مختلفة، تحاول أمريكا ترامب أن ترسم ملامح تكتلات فى المنطقة لتضمن بها تأثيراً مستمراً، ‏وفى ظل رغبة روسية فى التواجد بقوة فى المنطقة والقيام بدور رئيسى فى الملفات المهمة فى المنطقة، والأكيد أنه فى هذا الوضع الجديد تقع السعودية منه فى منطقة أساسية، منطقة الفعل والتنفيذ. ومن هنا يمكن أن نفهم تلك اللهجة القوية ضد إيران، وهو مستوى لم يسبق أن وصل إليه مسؤول بهذا المستوى. وإن كانت إحدى الملاحظات على هذه النقطة تحديداً هى التعرض للاختلافات العقائدية، اعتقادى أن أحد الأخطاء الأساسية التى يجب ألا ننجرّ إليها هو تلبيس الخلاف السياسى أو الأطماع التوسعية ثوباً عقائديًّا أو طائفيًّا.

هناك الكثير فى الموضوع المحلى والدولى، ولا يتسع المقام هنا، ‏ولكن ما يستدعى التوقف عنده هو تلك اللهجة الجديدة فى الحديث عن العلاقات المصرية السعودية، وبالفعل يمكن أن نلحظ أن هناك تحولا واضحا فى أسلوب التعاطى مع العلاقة المصرية السعودية، أهمية تصريحات الأمير بن سلمان على العلاقة مع مصر تأتى فى إيجابياتها، وهو هنا يضع حداً لما تردد دائما خلال الفترة الماضية عن موقف سلبى من تلك العلاقة، وبالتالى فإن خروجه فى هذه المرحلة وهذا التوقيت ليتحدث عن العلاقة المصرية السعودية بتلك الإيجابية هو حسم للموقف، ووضع للعلاقة فى وضعها المفترض من القوة والاستقرار.

إشارة الأمير إلى عدم وجود «خلاف بين المملكة ومصر بشأن اتفاقية تعيين الحدود البحرية»، وأن «العلاقات مع مصر صلبة وقوية ولا تتأثر بأى شيء، والشائعات يحاول أن يروج لها الكارهون للسعودية ولمصر، ودعاية إيران والإخوان تسعى لإيجاد شرخ فى العلاقة السعودية- المصرية»، متهما إيران وجماعة الإخوان المسلمين بالسعى لإيجاد شرخ فى العلاقة بين الرياض والقاهرة- هى خطوة إيجابية ينبغى البناء عليها،

حتى وإن تحفظت على التأكيد على عدم وجود خلافات بين البلدين أو اختلاف فى الرؤى. طبيعى وصحى أن تكون هناك اختلافات، ومن غير الطبيعى أو الصحى إنكار وجودها أو عدم المقدرة على التعامل معها.

تأكيد بن سلمان «أنه لا توجد مشكلة بشأن جزيرتى تيران وصنافير، والذى حدث هو فقط ترسيم الحدود البحرية، والجزر مسجلة لدى مصر أنها جزر سعودية، ومسجلة لدى السعودية أنها جزر سعودية، ومسجلة فى المراكز الدولية أنها جزر سعودية»، وأن «مصر لم تتنازل عن أى شبر من أرضها، وكذلك السعودية لم تتنازل، وترسيم الحدود أتى لأسباب المنافع الاقتصادية التى من الممكن أن تخلق عقب ترسيم الحدود، وعلى رأسها جسر الملك سلمان أو إمدادات الطاقة».. أظن أيضاً أن هذا التصريح يصلح لأن يكون بداية للخروج من المأزق الذى يعيشه البلدان. وهنا أطرح ما سبق أن طرحته من قبل، منادياً بأن يتبنى هذا الطرح العقلاء فى البلدين، والذين يبدو أن قاعدتهم، أى العقلاء والحكماء، تتسع كما يبدو من التغيير الأخير فى إدارة العلاقة بين البلدين.

وفى هذا الإطار، فإن ما أعتقده مناسبا وسيكون دليلاً على مدى الحرص السعودى على الدعم السياسى لمصر، والحفاظ على الاستقرار فى المنطقة، والذى لن يتحقق- كما أكدنا مرارا- إلا باستقرار مصرى، والتأكيد على الإحساس بالمخاطر المشتركة التى تواجهها المنطقة ونتشارك فى مواجهتها- فإننى أظن فى ظل كل هذا أن إعلانا سعوديا عن تأجيل أو تعليق العمل بهذه الاتفاقية فى هذه المرحلة وإرجائها إلى مرحلة مقبلة تكون فيها الأوضاع السياسية فى المنطقة أكثر هدوءا، وتكون الأجواء أكثر قابلية، لاستيعاب مثل هذه الخطوة، فإن مثل هذا الإعلان لا يسقط ما تعتقده السعودية حقها، ولا ينفى التزام الدولة المصرية بالاتفاقية التى وقعتها، ولكنه ببساطة ينزع فتيل توتر غير مطلوب وغير مستحب فى هذه المرحلة بسبب مطالبة بجزيرتين لن تحققا أو تضيفا شيئاً فى هذا التوقيت، ولكن كل ما ستتسببان فيه هو زيادة أجواء التوتر وخلق أجواء أزمة فى مرحلة لا تحتاجها أى من البلدين ولا المنطقة.

إن مثل هذا الإعلان فى مثل هذا التوقيت مع البحث عن نقاط اتفاق فى القضايا الأخرى، يمكن أن يؤدى إلى بداية جديدة، كل المنطقة- وليس فقط الدولتين- فى حاجة إليها.

وقد يكون ما كشفه محمد بن سلمان عن أن «وضع حجر الأساس لجسر الملك سلمان بين مصر والسعودية سيكون قبل عام 2020»، مشيرا إلى أن فرقا مختصة تعمل حالياً على التجهيز لجسر الملك سلمان إلى شمال سيناء، هو خطوة صالحة تماما لتجاوز أزمة الجزيرتين لجعلهما نقطة اتفاق وتوطيد للعلاقة لا نقطة اختلاف وشقاق.