نصلى معاً ونتحدث للآخر

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تجربة زيارة سانت كاترين أظنها مرت على كثيرين، وأظن أيضا أن ما يمكننى قوله حول الزيارة والمكان والفرص الضائعة سوف يكون إما تعبيراً عن آراء كثيرين أو تكرارا لما رآه أيضا كثيرون. ولكن لا أملك إلا أن أقول، فهذا ما بقى لنا.

الدعوة كانت من وزير الآثار دكتور خالد عنانى الذى نجح فى جمع عدد ملحوظ من السفراء الأجانب فى مصر، وتحمل الجزء الآخر من مسؤولية الإعداد والاحتفال وكل الأمور اللوجستية الأخرى محافظة جنوب سيناء بقيادة محافظها اللواء خالد فودة.

سبق أن زرت عديدا من المدن والدول التى وجدت أنها تعيش على وجود معالم تظهر ضئيلة إذا ما قُورنت بمعلم مثل دير سانت كاترين. بعدما زرت تفاصيل الدير واكتشفت بانبهار ما يحتويه من بعض أقدم الأيقونات فى الوجود عمرها يعود إلى القرن الرابع الهجرى، وآثار وهدايا على مر العصور من سلاطين وقياصرة وملوك، وكنيسة تاريخية، وبه بئر موسى، بُنى حول شجرة يقال إنها شجرة موسى التى اشتعلت بها النيران فاهتدى إليها ليكلم ربه، جرت محاولات لاستزراعها خارج الدير ولكنها باءت بالفشل. وتوجد مكتبة للمخطوطات يقال إنها ثانى أكبر مكتبات المخطوطات بعد الفاتيكان. باختصار فإن المكان الذى كان يحج إليه كثير من المسيحيين يمتلك من عناصر الجذب ما يؤهله لأن يكون من أهم المقاصد للسياحة الدينية، ناهيك عن تلك الحالة من السكينة والهدوء الذى يشعر بها كل من يزور المكان. ولكن السؤال: هل نستفيد نحن من كل هذا؟ والإجابة المحبطة غير المفاجئة هى النفى. فيما عدا فنادق قليلة يجاهد أصحابها للبقاء وبعض الغرف فى الدير فلا شىء. مطار صغير لا يستقبل إلا الطائرات الصغيرة ويغلق أبوابه قبل آخر ضوء، ولا يُستخدم إلا فى المناسبات القليلة، ولم يشهد تطويراً منذ بناه الإسرائيليون عندما كانوا يحتلون سيناء.

امتلك الحدث عنصراً مهما برز من اسمه، «لنصلى معاً» وقد يكون الشعار هو أقوى ما فى الحدث مع حضور بعض السفراء الأجانب. لكن الأكيد أن هناك حاجة إلى إعادة النظر وتقييم ما يصلح وما لا يصلح عندما نخاطب الآخر. أيضا هناك ما يصلح وما لا يصلح فى اللغة والمضامين التى تستخدم مع المختلف ثقافيا. النوايا بالتأكيد طيبة، بل وطيبة جداً، لكن هذا لا يكفى.

من أكثر اللحظات قوة فى الاحتفال كانت تلك الفقرة التى يشارك فيها كورال كنسى وفرقة صوفية، ورغم ما بدا من أنهما لم يمتلكا وقتاً طويلاً للتدريب على الأداء المشترك إلا أن التناغم التلقائى بينهما كان أمراً يلمس العقل والروح. أظن أن من تابعهما وقتها شعر بالرسالة التى من أجلها كان هذا الجمع، عندما يكون الله لنا جميعا إلها، ويكون الوطن لنا جميعا. وقتها نعيش معاً ونصلى معا.

Advertisements

إلى من شمتوا فى قتل خاشقجى

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

عرفت جمال خاشقجى منذ زمن، عرفته زميلاً صحفياً متميز المستوى والقدرات، وعرفته مسؤولاً سواء فى سفارة بلده فى لندن أو ممثلاً لوزارة الإعلام السعودية فى اجتماعات تنسيقية. التقينا كثيراً، تناقشنا لساعات، اتفقنا فى بعض الموضوعات والأفكار، وفى النهاية اختلفنا خلافاً سياسياً بيّناً، فالرجل- رحمه الله- اختار موقفاً عدائياً ومنتقداً للتغيير فى مصر، ومؤيداً لتيار الإسلام السياسى الذى ظل على موقفه المؤيد له دوماً.

رحل الرجل فى قنصلية بلاده بأسطنبول، حسب اعتراف مسؤولى بلده، لكن من المستحيل أن يتحول موته لشماتة، حتى مع الاختلاف الفكرى والسياسى معه.

لقد انزعجت بشدة من حالة الفرح والشماتة التى انتابت البعض فى الإعلام المصرى. فمهما كانت أفكار الرجل (الذى عمل قبل وفاته صحفياً فى أكبر المنابر الإعلامية فى العالم) لابد من احترام كونه راحلاً. لابد من احترام كرامة الإنسان أولا، وقبل أى شىء.

كلنا مررنا بمرحلة الحماس للفكرة أو العقيدة- سياسية كانت أو دينية- وغرقنا فى تفاصيل ما اعتقدنا فيه، وآمنّا به حتى الدرجة التى أعمتنا أحياناً عن أى سلبيات لما نؤمن به، ورأينا، أو رأيت، أن من اختار ممارسة لعبة السياسة، عليه أن يقبل بقوانينها حتى لو حملت فى طياتها تجاوزاً لأى قيم إنسانية، أو إهداراً لحقوق إنسان آخر، طالما أنه قبل أن يلعب اللعبة، وبالتالى إذا فاز، له السيطرة، وإذا خسر عليه تبعات الخاسر وتحمل الثمن.

إنه منطق المنتصر الذى له حق فرض شروطه على الخاسر. هذا المنطق كان له حضور فى أذهاننا وقت الاندفاع والحماس غير المحسوب، ولكن النظرة المختلفة للأمور بعد تجارب الحياة المختلفة، وبعد نضج العقل والشعور، تكشف خطأ ما اندفعنا فيه من تبرير لمواقف نظم وحكام وأشخاص ضد من يختلفون معهم فى الرأى والفكر، حيث ينتهكون كثيرا من حقوقهم وإنسانيتهم، بتبريرات غير آدمية.

أتذكر، وأنا أكتب عن احترام كرامة الإنسان فى حالة خاشقجى، كيف يتغير الإنسان إذا ما ارتقت نفسه ليرفض التجاوز والشماتة. لكن يبدو أن للعمر فعله مع الإنسان، فما كان يعتقده مبرراً فى مرحلة عمرية معينة، يكتشف فيما بعد أن أى تبرير لا يمكن أن يقف متماسكاً أمام تجاوزات فى كرامة الإنسان أو شماتة فى موته.

بعد هذا العمر أستطيع الجزم بأنه لا يوجد مبدأ سياسى أو عقيدى جدير بالاستمرار والاعتقاد فيه إن سمح بمثل هذا الانتهاك. ببساطة، لا يوجد سبب واحد على وجه الأرض يبرر انتهاك إنسانية إنسان، أو يبرر شماتة فى الموت، مهما كانت درجة الاختلاف. رحم الله الزميل جمال خاشقجى.

ارسل تصحيحاً

متى يعود الروس؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

بصراحة، خاب ظن المصريين عندما لم يعلن الرئيس الروسى بوتين عودة الطيران الروسى بشكل كامل إلى مصر أثناء زيارة الرئيس السيسى، عكس التوقعات أو التمنيات.

هناك نوع من القرارات يكون تأثيره النفسى والشعبى، بل العملى، أكبر كثيراً من قرارات أخرى تبدو أكثر أهمية وذات أبعاد أهم استراتيجياً. من هذه القرارات «الغائبة» أو «المُغَيَّبة» القرار الروسى بعودة السياحة الروسية إلى الغردقة وشرم الشيخ.

لقد بدا واضحاً ذلك المستوى المتطور من الشراكة المصرية الروسية أثناء زيارة الرئيس السيسى الأخيرة إلى روسيا. وهى الزيارة التى نتج عنها اتخاذ قرارات مهمة واستراتيجية فى العديد من المجالات، لعل من أهمها تلك الاتفاقية للشراكة الاستراتيجية الشاملة بين البلدين، والإعلان عن موعد البدء فى بناء مفاعل الضبعة النووى فى 2020، أيضاً إنشاء مناطق صناعية روسية، وبناء صناعة مشتركة لعربات السكك الحديدية ومركز صيانة فى مصر ينجز 1400 عربة مكيفة وعادية بكلفة تصل إلى مائة وثلاثين مليون يورو، فى أكبر صفقة فى تاريخ سكك حديد مصر، وتعزيز التعاون العسكرى بين البلدين. وهناك حديث عن تنسيق فى التعاون لتهدئة النقاط الساخنة فى المنطقة وحل المشكلات العالقة. كل هذه السلة من عناصر التعاون تؤكد ما يذهب إليه الكثيرون من إدراك الأهمية الاستراتيجية لعلاقات يحتفل البلدان بمرور 75 عاماً عليها.

العلاقة الاستراتيجية المصرية الروسية تتضمن تنسيقاً وعملاً مشتركاً لمحاربة الإرهاب الذى يمثل تهديداً مشتركاً. نجاح هذا التعاون إحدى علاماته ألا يحقق الإرهابيون مكاسب بسبب أعمالهم، ما لا يفهمه معظم المصريين، وأنا منهم، لماذا تكافئ روسيا الإرهاب بالاستمرار فى حظر الطيران إلى مناطق فى مصر بسبب فعل إرهابى؟. الإبقاء على حظر الطيران الروسى إلى المقصدين هو جائزة من روسيا لجماعات الإرهاب.

مصر قطعت شوطاً مهماً من أجل سد الثغرات التى يمكن أن ينفذ منها الإرهاب، وأصبح النظام الأمنى متطوراً فى كل مطاراتها بما يضمن أمن كل راكب. والأكثر أنها سمحت للأمن الروسى بالتواجد بشكل أو بآخر فى عمليات تأمين الطيران الروسى. بعد كل هذا يصبح عسيراً على الفهم عدم رفع الحظر الروسى عن طيرانهم إلى كل مصر.

دموع المستشار

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لا أذكر تحديداً متى التقيت للمرة الأولى بالمستشار ممدوح مرعى، وزير العدل الأسبق، ولكنى دائماً أذكر ذلك الانطباع الأول الذى تولد لدىَّ بمدى صدق وقوة شخصيته. أول ما يلفت النظر عند السلام عليه هو تلك اليد الكبيرة القوية، وتلك المصافحة القوية. ملامح وجهه الصارمة والحادة لم تستطع أن تخفى الملامح الطيبة وجمال الروح.

أعلم أننى أقدم صورة قد يختلف عليها كثيرون ممن لم يلحظوا فيه إلا حدة الملامح والمواقف، لكننى أظن أنه قد أُتيحت لى الفرصة لأعرفه عن قرب، تعددت لقاءاتنا، ولن أنسى ذلك اليوم الذى زرته فيه فى مكتبه بوزارة العدل تلبية لدعوة قهوة، تلك الزيارة التى استغرقت قرابة ثلاث ساعات فتح لى فيها الرجل قلبه وعقله، وتحدث بصدق عن مخاوفه من الوضع العام، وحكى عن موقفه الذى رفض فيه القبول بمواقف أو قرارات تتعارض والقانون والمصلحة العامة. أيضاً عرفت منه كيف كان يستخدمه الرئيس مبارك فى محاربة وتحجيم تغوّل بعض رجال الأعمال الذين استغلوا قربهم من مناطق السلطة والنفوذ.

لم يكن مؤيداً للعديد من السياسات، لكنه ظل يتعامل بمنطق رجل الدولة المسؤول وضمير القاضى الذى لم يخالفه فى أى موقف حتى لو اختلف معه آخرون. عرفت منه بعض المخالفات التى حاول وقتها أن يوقفها ولكن كان التيار أقوى منه، واستأذنته وقتها فى أن أستخدم تلك المعلومات مع زملاء من الصحفيين دون أن أشير إلى اسمه. ومن هذه القضايا قضية تحكيم «سياج» التى نشرتها «المصرى اليوم» وقتها، ولم يعلم القائمون عليها أن مصدر المعلومات الذى أعطيتها لهم وقتها كان وزير العدل، وهذه قصة أخرى.

أحسن الزميل محمد بصل، فى تقريره يوم وفاة المستشار «مرعى»، عندما قال: «هو واحد من القضاة الذين عُرفوا طوال مشوارهم بالموهبة الإدارية، اتسم بعدم الالتفات للاعتبارات الشخصية والسياسية فى العديد من المواقف، وساعدت ملامحه الصارمة وماضيه الرياضى فى لعبة الملاكمة على رسم صورة قاسية وحاسمة له فى دوائر عمله ووسائل الإعلام. كان داخل الغرف رافضاً للظواهر التى طرأت فى السنوات الثلاث الأخيرة من عهد مبارك من امتزاج المال بالسلطة».

كانت له مواقف متشددة مع أعداد من القضاة رغم أنه دافع عن حقوقهم كثيراً وأقام لهم الكثير من الخدمات ورفع مستواهم المعيشى.

أذكر فى ذلك اللقاء بينى وبينه، والذى استغرب العاملون فى الوزارة وقتها من طوله وخصوصيته، أنه تحدث معى عن اقتناعه بأن مصر كانت تتعرض لمؤامرة إسقاط من خلال ضرب مؤسسة القضاء، وأن هذا هو السبب الذى يجعله يتخذ ذلك الموقف ضد تغوّل نوادى القضاة وقتها.

لن أنسى تلك الدموع التى زيّنت عيون الرجل، وهو يتحدث عن حبه وخوفه على البلد.

نحو طريقة أخرى لإدارة الإعلام

lمقال بقلم عبد اللطيف المناوي

فى وقت الأزمات لا يوجد شىء اسمه إعلام محايد، لأن الإعلام ليس عملاً خيرياً، وإنما هناك إعلام مهنى يعالج القضايا ويقدم الحلول ويساهم فى العلاج.

هذا هو المدخل المهم الذى لابد أن ننطلق منه للحديث عن أزمات الإعلام فى مصر وطريقة إدارة هذا الملف من جانب الدولة، وذلك بعدما خرج الإعلام عن دوره الحقيقى نتيجة الارتباكات الكبيرة التى ضربت مصر خلال الفترة الأخيرة.

أصبح الإعلامى يخرج عن دوره، ويتعامل بمنطق أنه ليس فقط مجرد إعلامى، بل أيضاً قائد رأى وصاحب موقف وناشط سياسى. يتحدث بثقة متناهية لا تناسب كلماته. يشعل الحرائق أحياناً، ويساند أطرافاً ضد أخرى. يتسبب فى حالة ارتباك تدفع ثمنها جهات ومسؤولون. يساهمون فى توتر علاقات دول، بل واحتقان جماهير كرة فى بعض الأحيان. وفى المقابل كان رد فعل من يدير الملف حاداً وعنيفاً، بدا فى رد الفعل هذا ملامح الاستقواء أكثر منها فتح قنوات للحوار أو تعديل مسار يعتمد على العلم والفهم والتوازن. عند هذا الحد خسر الجميع، إعلام ودولة ومجتمع. أزمات تلو أزمات يمر بها المجتمع المصرى دفعت كل الأطراف إلى ممارسة أدوارها بعصبية تساهم فى زيادة الأزمة وتفاقم آثارها. إن نشوء وسائل إعلام جديدة فى السنوات الأخيرة أفضى إلى تغيير عادات اقترنت بأدبيات الإعلام وتقاليده، حيث صار اعتماد- المواطنين والإعلاميين- عليها محفزاً أكبر لتعميق أزمات الإعلام أكثر وأكثر.

للأسف الشديد، هذا الملف ربما غير مطروح بشكل واضح وعلمى على طاولة الدولة، وغير مطروح فى شكل علمى وموضوعى على طاولة الإعلاميين فى الطرف الآخر.

المرحلة الجديدة التى تستعد مصر لدخولها مطلوب فيها ضبط الأداء الإعلامى، وليس قولبته، وفقاً للقانون الذى ينظم الحرية ولا يضيعها، وهو أمر فى غاية الأهمية.

المرحلة التى نتمناها للإعلام أن يكون فيها الخبر والتغطية الإخبارية البطل الرئيس. أن يكون إعلاماً ضد التطرف بكل أشكاله. ومع ذلك، إذا كان هناك موضوع يحمل قيمة إخبارية وإذا كانت إحدى زواياه تستلزم حضور من يعبر عن هذا الموقف، سواء أكان من أقصى اليمين أم أقصى اليسار فيمكن أن يطرح هذا الموقف لمناقشته، شرط ألا يتحول إلى أداة لفصيل خروجه لن يكون إلا تحدياً لمشاعر الرأى العام.

القياس المهنى المجرد لوضع الإعلام المصرى قد يكون فيه ظلم كبير له، خصوصاً إذا قارناه بوسائل الإعلام العالمية، أو بعض وسائل الإعلام الإقليمية. فالإعلام المصرى الذى نتمناه هو نتاج تفاعل مجتمع كامل، وتقاليد راسخة فى عقول بعض الإعلاميين، لابد أن تتغير، مثلما نتمنى أن تتغير طريقة إدارة هذا الملف بشكل كامل، وفقاً لما تتطلبه التغيرات، ووفقاً للفهم العلمى الصحيح للدور الذى يمكن أن يلعبه الإعلام «الذكى».

لنجعل من «عشماوى» فرصة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تحدث كثيرون عن أهمية القبض على الإرهابى هشام عشماوى فى ليبيا، لما هو متورط فيه من جرائم سالت فيها دماء مصرية غالية، ولما يمكن اعتباره خطوة مهمة فى حرب مصر على الإرهاب.

وأتحدث وإياهم عن الفائدة الكبيرة التى تعود كذلك على الدول التى تعانى من خطر التطرف فى المنطقة، بسبب تفكيك محتمل لأحد أهم التنظيمات المسلحة فى ليبيا، وهو تنظيم «المرابطون» الذى تزعمه عشماوى، وأزيد فى الحديث لأعتبر أن عملية القبض عليه توازى سقوط بغدادى داعش.

عشماوى نفذ عشرات العمليات الإرهابية، ونجح فى استدراج أفراد الأمن، وعمل على تشكيل خلايا نائمة. إن القبض عليه حياً يؤدى بالضرورة إلى التعرف على مجموعة كبيرة من هذه الخلايا، كما تكمن أهمية عشماوى، الذى شكل تهديدا لمصر من حدودها الغربية، فى إلمامه التام بما يدور عبر الحدود مع ليبيا، حيث تهرّب مجموعات مجهولة الأسلحة إلى داخل الصحراء الغربية.

القبض على عشماوى فى ليبيا، وكذلك تساقط قيادات التنظيمات المسلحة فى المنطقة، سيكون دافعاً قوياً لمصر فى حربها ضد الإرهاب، سواء فى سيناء أو فى كثير من المناطق بالجمهورية، أو حتى خارج الحدود. هذا لا فصال فيه، لكن المواجهات مستمرة طالما الإرهاب كامن فى جحوره وعقول هؤلاء التى انتُزعت منها قيم التسامح والحب وقبول الآخر، انتزعت منها قواعد المنطق وفلسفة الأديان.

أما عملية تسليم هشام عشماوى إلى مصر فلابد أن تتم بسرعة، لكن ليست سرعة المهللين على منصات التواصل الاجتماعى وعلى شاشات الفضائيات الراغبين فى مزيدٍ من الصُراخ والتباهى والإعلانات. لابد أن تتم عملية تسليمه بما فيه احترام لقوانين الدول الأخرى، حتى وإن كانت تلك الدول تعانى من ويلات وأزمات.

لنجعل من عملية تسليم هشام عشماوى إلى مصر نموذجاً لاحترام الدولة للقانون بشكل عام، دون التهوين من مجهودات المطالبة بتسليمه.

لنجعل من عملية محاكمة عشماوى فى مصر أمام محكمته المختصة، وبجرائمه التى ارتكبها طوال السنوات الماضية، نموذجاً لتطبيق مصر للقانون.

لنجعل من القبض على الإرهابى المصرى الخطير فرصة لانطلاق استراتيجية كاملة وواضحة للقضاء على الإرهاب، لا تعتمد فقط على الجانب الأمنى، بل يشترك فيها مختصون فى التعليم والفلسفة وعلم النفس والاجتماع، من دون تعالٍ على قيمة ومجهودات هؤلاء فى العملية الفكرية لمواجهة الخطر.

الوطن المؤقت.. والوطن الدائم

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

يقولون إن أهل مكة أدرى بشعابها. وأقول إن أهل مصر أدرى ليس فقط بشعابها، ولكن بطبيعتها وشكلها، بمدى أمنها واستقرارها السياسى والاقتصادى، وأزيد لأقول إنهم أدرى حتى برائحتها ورائحة مستقبلها.

أهل مصر هم أبناؤها الذين نشأوا فيها وتربوا وذاقوا حلاوتها ومرها على السواء. أهل مصر الذين أكلوا من طيباتها وعانوا فى أوقاتها الصعبة، وفرحوا فى أزمنة الانتصار. أهل مصر هم الذين يتعاملون معها باعتبارها وطنا دائما، لا مؤقتا.

وأقول مؤقتاً لأننا ينبغى أن نكشف كل من تعامل مع مصر من أبنائها باعتبارها كذلك. باعتبارها «شقة مفروشة» يتواجدون فيها أوقات الهدوء والاستقرار. هؤلاء من أصابهم القلق والخوف على استثماراتهم وأملاكهم وأعمالهم، بل مستقبلهم، فبادروا بالهروب والتحرك نحو المخطط البديل، مخطط الهروب والخروج، وإعداد المكان الآمن، والذى يطمئنون فيه أكثر على ما يمتلكون.

بمجرد أن اتخذت الدولة قرار الإصلاح الاقتصادى الصعب، شهدت أسواق المال ومجالات الاستثمار المختلفة فى مصر تحركات بدا فيها حرص من تحركوا على أنفسهم أكبر من حرصهم على بلدهم، وتسببوا فى شيوع حالة من القلق فى الأوساط الاقتصادية بتحركهم لإخراج أموالهم أو الاستعداد لبيع ما يمتلكون حتى يكونوا أكثر اطمئناناً وسلاماً، غير مهتمين ببلدهم الذى أعطاهم أولاً أرضاً خصبة للنجاح فى وقت ما، وغير عابئين بسوق لطالما كانت حائطا كبيراً لهم ولأموالهم.

لقد مرت مصر بأزمات كبيرة، وحروب ضارية، انتصارات وانتكاسات، ولكن ظلت على قوتها وعنفوانها وصلابتها، ظلت هكذا لا يؤثر فيها أمر، ولم يشهد مطارها زحاماً على بوابات المغادرة. هكذا رأيناها فى كل حالاتها، وهكذا نود أن نراها.

يقولون أيضاً إن استقرار الدول يقاس بمستوى هروب أبنائها إلى الخارج. بهذا المقياس فإن مناطق التوترات والحروب والنزاعات الداخلية هى أكثر الدول توتراً، ولدينا سوريا واليمن وفلسطين كأمثلة. وأقول أنا إن الوضع الاقتصادى والاستثمارى أيضاً يؤثر، ولكن على الأبناء المؤقتين، أو بالأحرى هؤلاء الذين ذكرت أنهم يتعاملون مع الوطن بصفة أنه وطن مؤقت، حتى لو كانوا ولدوا وعاشوا فى هذا المكان هم وآباؤهم وأجدادهم. على الدولة دور فى تطمين كل أبنائها بأن بلدهم لن يكون ترانزيت.

مثل هذه البلاد موجودة، ومثل هؤلاء المواطنين المؤقتين موجودون، وهذا هو أحد الفوارق الجوهرية بين البلاد وبعضها البعض: قيمة البلد عندما يكون وطنا حقيقيا، وقيمة المواطن عندما يكون مرتبطا بحق هذا الوطن.

بعض الذكاء مطلوب

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

التغيرات التى تشهدها منطقتنا العربية خلال السنوات الأخيرة وضعت الأنظمة وأجهزتها الإعلامية أمام اختبار مهم، هو «كيف يمكن لها أن تتعايش مع تلك المتغيرات الجديدة؟». الأنظمة لها رجالها، ولها توازناتها، فماذا عن الأجهزة الإعلامية؟.

الإجابة ستكون بسيطة لو أدركت تلك الأنظمة المبدأ القائل بأن «لكل زمن رجاله، ولكل عصر أسلوبه». هذا المبدأ هو المفتاح الحقيقى لفك شفرة التعامل مع المتغيرات كافة، والتى وضعت أمام القائمين على عملية الاتصال بالجماهير عملاً شاقاً مضنياً، يُضاف إلى جملة الأعباء المثقلة على كواهلهم، وبذلك زادت القيود التى عاشت فيها وسائل الإعلام طوال عقود مضت، تلك القيود التى مازالت تقوم بفعلها السلبى المربك.

أنا هنا لا أدعو الأنظمة إلى التخلص من وسائل إعلامها على طريقة «انسف حمامك القديم»، بل إلى محاولة فرز من يصلح ومن لا يصلح. من يستطيع أن يكون أكثر ملاءمة لطبيعة المرحلة ومن لا يستطيع. أو بمعنى أدق أدعو إلى إعلام ذكى يتمكن من أن يكون داعماً وسنداً قوياً وحقيقياً للمجتمع وللنظام فى إرساء قواعد صحية لعلاقة المواطن بالدولة والدولة بالمواطن، وقبل كل ذلك أن يتخلص من عيوبه وأزماته التى يعانى منها.

ما أدعو له ليس مستحيل التطبيق، ولكنه ممكن فى ظل شروط عدة من بينها صدق الرغبة والإرادة لدى الأنظمة فى استعادة جماهيرها، وصدق وقدرة القائمين على هذه الأجهزة الإعلامية فى لعب هذا الدور المهم.

الجماهير أيضاً اختلفت، فالذى كان يقبل بإسقاط عشرات الطائرات الإسرائيلية فى حرب 67، وبعصور الرخاء والازدهار والإنجازات فى السبعينيات وما تلاها، صار مختلفاً. صار مدققاً متفحصاً، انفتحت عليه السماوات الإعلامية، وتساقطت الأخبار والتحليلات من كل فج وصوب.

الجماهير التى كانت تقبل فى مرحلة سابقة ما يقدم لها من سياسات وإعلام، لم تعد نفس الجماهير. ربما يكون الأشخاص هم أنفسهم، ولكن قبولهم اختلف، واضطرارهم للقبول بما هو مطروح أو مفروض عليهم لم يعد موجوداً.

الإعلام الذكى يا سادة هو الذى يصبّ فى صالح الوطن والمواطن، هو الإعلام الذى يعكس بحق صورة المجتمع وصورة الوطن، هو ذلك الإعلام الذى يفتح المجال أمام القوى السياسية والمجتمعية لكى تكون حاضرة ومعبرة عن رأيها ومواقفها فى حدود القواعد الأساسية التى يتوافق عليها المجتمع، هو المعبر عن لغة الشارع التى يعرفها جيداً المواطن، هو الإعلام الذى يلعب دور التواصل بين أطياف المجتمع كافة.

الإعلام ليس هو العدو

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

فى اجتماع مجلس التحرير اليومى، أمس، طرح أحد الزملاء فكرة متابعة اجتماع اللجنة السنوى فى إحدى الهيئات أو المجالس الإعلامية، لدراسة تقرير يرصد تجاوزات الإعلام فى تغطية ومتابعة النظام التعليمى الجديد، هذا التقرير كما أفاد الزميل قام بإعداده مجموعة عمل من الإعلاميين أو الملتصقين بالإعلام بطريق أو بآخر. حتى مسألة الرصد فإن الأمر مقبول، لكن الخطوة التالية المزمع اتخاذها هى إقرار عقوبات على وسائل الإعلام التى قررت هذه اللجنة الموقرة أنهم متجاوزون!.. هنا يقع الخلط بين مفاهيم أدوار تلك الهيئات التى من وظيفتها دعم «مهنية» الأداء وتقديم الدعم لتطويره. وقصدت هنا استخدام مفهوم المهنية وليس أى تعبير آخر يحمل أى مغزى أبعد من حدود المهنية.

مع الأسف، بدلا من بحث دعم المهنية فإن الإعلاميين، ومن التصق بهم ممن شغلوا مواقع رسمية، باتوا يبحثون توقيع عقوبات على المتجاوز. أرجو أن يكون الزميل مخطئاً فيما نقله لنا وألا نجد قرارات عقابية صادرة من الهيئات الإعلامية ضد الإعلاميين.

وهذا ينقلنى إلى الموضوع المهم الآخر المرتبط بالنظام التعليمى الجديد. كنت من أكثر المتحمسين لاختيار دكتور طارق شوقى لملف التعليم فى مصر، روجت له فى كل مكان ذهبت إليه داخل وخارج مصر دون أن أعرفه، واقتنعت دوما بأن مصر فى حاجة إلى ثورة طويلة المدى فى التعليم. أفكار دكتور شوقى لبناء نظام تعليمى جديد هى بالفعل شديدة الجودة، ولو تم تنفيذها لأصبحت مصر مختلفة. لكن المشكلة الأساسية هنا هى ذلك الاشتباك مع واقع ردىء عمره عقود، وفى نفس الوقت رفع سقف توقعات الناس إلى السماء. تلك المبالغة فى الترويج للنظام الجديد وتغيير الواقع تسببت فى صدمة لدى الرأى العام. وعندما ينقل الإعلام هذه الصدمة فإنه لا يعادى النظام الجديد ولا الوزير ولا الاستراتيجية، ولكن الخلل هنا فى الرسالة التى وصلت للناس والتى أعطت انطباعات غير واقعية عن أن الثورة التعليمية أصبحت حقيقة سيعيشها كل مواطن.

لست مع غضب الوزير واتهامه للبعض بأن هناك حرباً ممنهجة ضد التجربة المهمة، ولكن أظن أنه لو ركز فى رسالته على المفهوم الذى ذكره بنفسه فى صفحته بأن «تشهد مصر أكبر محاولة جادة لتغيير نظامها التعليمى»، وأن «نظامنا التعليمى يحتاج ثورة من الأساس، وعدّدنا مشاكله المتراكمة منذ عقود، وعرضنا خطة متكاملة لإصلاحه، وشرحنا الزمن المطلوب والتكلفة الهائلة، وضرورة أن نعمل معاً إذا كنا صادقين فى محاولات إصلاحه»، لو أن الرسالة من البداية تركزت حول هذه المفاهيم ليبنى حلفاء له من أطياف المجتمع لذلك المشروع المصيرى للبلد، لكان ذلك أفضل وأكثر تأثيراً من الحديث عن التربص والتآمر.

الإعلام ليس عدواً للتعليم ولا للمجتمع ولا للهيئات الإعلامية الحاكمة.

«ولاد البلد»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

منذ عدة أسابيع، جمعتنى دعوة عشاء مع وزيرة خارجية غانا، شيرلى بوتشى، وعندما علمَت أننى مصرى ذكّرتنى بفتحية حليم، زوجة الزعيم الغانى التاريخى «نكروما». تلك الفتاة المصرية التى أسرت قلب أحد زعماء حركات التحرر فى القارة السمراء، فصارت السيدة الأولى فى غانا مصرية، وصار أبناء الزعيم «نكروما» غانيين، ولكن من أصل مصرى، بل إن أحدهم يعيش فى مصر بالفعل.

تذكرت واقعة «بوتشى» عندما حضرت الليلة الخاصة التى عاشها المصريون الأرمن، يوم الأربعاء الماضى، فى حضرة وزيرة الهجرة المصرية، نبيلة مكرم، ونظيرها الأرمينى، مخيتار هيرابتيان، خلال الاحتفال بالجالية الأرمينية التى تعيش فى مصر، بالمسرح القومى، تحت شعار: «إحنا المصريين الأرمن»، وسط أجواء من الألفة والمحبة، كالتى عاشها المصريون اليونانيون والقبارصة فى مدينة الإسكندرية، بداية مايو الماضى، عندما أطلقت وزارة الهجرة أيضاً مبادرة «الجذور»، التى هدفت لربط المصريين الذين هاجروا إلى اليونان وقبرص منذ سنوات أو اليونانيين والقبارصة الذين وُلدوا وعاشوا فى مصر سنوات طويلة قبل أن يعودوا لأوروبا. ما تفعله الوزيرة يلمس عنصراً مهماً من عناصر القوة الناعمة لمصر، والتى تتآكل للأسف.

لقد قال وزير المغتربين الأرمينى: «قبل عام 1915، كانت لنا جالية فى مصر والشرق الأوسط، ومصر من الأمم التى استضافت الأرمن بعد الإبادة الجماعية التى تعرضوا لها على يد العثمانيين، وبالتحديد الأتراك، لن ننسى كرم الشعب المصرى وترحيبه بالأرمن حينما لجأوا إلى مصر، حيث أقاموا المدارس والكنائس والأندية والمصانع والمحال التجارية، علاوة على إسهامهم فى النهضة الثقافية المصرية من خلال إصدار الصحف وإنشاء دور النشر». هذه الوقائع تدل على ضرورة استدعاء لحظات حقيقية قد نقرأ عنها فى كتب التاريخ. لحظات استطاعت فيها مصر أن تحتوى كافة الجنسيات والأصول والأعراق المختلفة، وتجعلهم «ولاد البلد». لحظات تداخل فيها تاريخ الأرمن واليونانيين والقبارصة والطليان وغيرهم فى وقائع الحياة اليومية، اختلطوا بالبشر وتعاملوا بطبيعتهم وفطرتهم، ظلوا محتفظين بعاداتهم وتقاليدهم ولغتهم، حيث سمح المصريون- «ناس وحكومة»- لهم بذلك، بكل محبة واستيعاب وتسامح.

دخل الأرمن فى مصر إلى تفاصيل الثقافة المصرية البسيطة، مثلهم جاء اليونانيون والقبارصة عبر البحر، اندمجوا سريعاً مع أشباههم من ذوى الثقافة المتوسطية. عملوا وربحوا. مارسوا شعائرهم الدينية دون تضييق أو فتاوى، ودون تعصب، وهو الأهم. خرج منهم أول رئيس وزراء مصرى، نوبار باشا، وكذلك ألكسندر صاروخان، رسام الكاريكاتير الشهير، إلى جانب نجمات السينما فيروز ونيللى ولبلبة.

لكن يظل السؤال الملح بعد هذا الاستدعاء والتذكر، وهو: «هل المجتمع المصرى الآن قابل لأن يكون بنفس القدرة على التسامح والاحتواء التى تمتع بها سلفه فى النصف الأول من القرن العشرين؟».

الإجابة فينا، ونعرفها جيداً.