هل هو صعود جديد؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

جاء الغنوشى إلى رئاسة البرلمان التونسى. صعد رجل الإخوان الأول فى تونس إلى قمة هرم السلطة هناك. جاء الوجه الحقيقى للجماعة يسعى لينير الأضواء الحمراء من جديد، خوفًا من خطر يترصد كل البلاد العربية، وفى قلبها مصر.

الغنوشى جاء بالانتخابات، أى باختيار أعضاء البرلمان أنفسهم، وعدد الأعضاء من حزب النهضة هو الأكبر بين الأحزاب. الخطوة تشبه كثيرًا ما حدث فى برلمان ٢٠١٢ ذى الغالبية الإخوانية، لكن الظروف مختلفة، فالإخوان الآن ليست لهم نفس السطوة والانتشار فى البلاد العربية، كما أنهم طُردوا من حكم مصر بثورة كبيرة، وفقدوا كذلك تعاطف كثير من دول العالم بسبب إرهابهم الدموى وتهديدهم المباشر لحياة الآمنين فى كل مكان، ولكنهم عادوا إلى سيرتهم الأولى فى العمل من تحت الأرض – دعويًّا وإرهابيًّا – فى عدد من البلاد المجاورة لنا، حتى حققوا غرضهم فى تونس.

أرى أن التخوف الذى ينتاب البعض فى مصر من صعود تيار الإسلام السياسى مرة أخرى بقوة طبيعى، وما يحدث فى السودان ودول المغرب العربى يعد حاضنة قوية لهذا الصعود الجديد، خاصة مع ما شهدته تونس مؤخرًا، وتشهده الجزائر على وجه الخصوص فى هذه المرحلة التى تغيب فيها قوة مركزية واحدة، وأيضا يغيب عنها تيار سياسى قائد.

أعتقد أنه إذا كانت هناك فرصة للإسلاميين للظهور مرة أخرى، بعد محاصرة داعش فى سوريا والعراق وإسقاط الإخوان فى مصر، فإن بلاد المغرب العربى – خصوصًا تونس والجزائر – هى أحد أهم البلاد المرشحة لاستقطابهم، خاصة مع التغيرات السياسية التى تحدث هناك، والحراك الكبير الذى يشهده الشارع، وصعود نجم الإسلاميين ـ السلفيين ومن خلفهم الإخوان ـ وتصديرهم فى الإعلام المغربى والأجنبى باعتبارهم صوت المعارضة المعتدلة.

ولا يغيب عن هذا أن الجزائر التى شهدت عشرية سوداء نجحت فى تجاوزها بالعنف، ما زالت تخبئ تحت الرماد غضبًا كبيرًا من الإسلاميين جاهزًا للخروج والانفجار فى أى لحظة.

وإذا أضفنا إلى ما سبق المشهد الذى لا يزال مشتعلًا فى ليبيا، والتحرك القطرى فى اتجاه دول المغرب العربى، فإننا إزاء «مغرب عربى» متغير يتحرك على بحر رمال متحركة، وقد يفاجئ الجميع فى لحظة بصعود تيار إسلامى قوى.

أقول مرة أخرى، إن الخوف طبيعى، لكن العمل لتفادى حدودنا الخطرة هو المطلوب حاليًا، فلابد من الوقوف فى وجه حالة النشاط الراديكالى المتحرك هناك، لابد من أخذ الأمر بجدية شديدة على كل المستويات، حتى لا نفاجأ بهذا التهديد وقد عبر الحدود.

وزارة «التربية» والتعليم

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تابعت مثل الكثيرين أزمة الفيديو التعليمى الكرتونى الذي نُشر على موقع «بنك المعرفة»، التابع لوزارة التعليم، والذى أنتجته شركة Discovery Education، وأثار غضب أولياء أمور طلاب الصف الثانى الثانوى وانتقاد كل من شاهده، بسبب ما وصفوه بـ«الطريقة المبتذلة والعشوائية، واستخدام لغة تحث على التحرش بالمرأة».

الفيديو باختصار شديد، كان لوصف درس «دوال كثيرة الحدود»، إذ قال المعلق فيه: «وإنت واقف مع أصحابك عند الكشك بعد المدرسة، عادى يعنى، خرجت (حتة بنت) من المدرسة التجريبى اللى جنبكم، إيه قمر، القعدة اتكهربت واللى صفّر واللى راح كتب نمرة تليفونه في ورقة ورماها عليها (…) لقيت أستاذ عبدالجليل واقف جنبك وبيقولك إيه اللى إنت بتعمله ده يا بنى.. إنت عارف دى تبقى بنت مين.. دى من عيلة الدوال كثيرات الحدود».

الفيديو احتوى أيضًا على ألفاظ مثل «توقعت إن البت تبوسك مثلًا، وأنا مش مصاحبة»، وغيرها من ألفاظ معجم ينطقه الكثيرون في الشارع هذه الأيام، ولذلك أتفهم جيدًا حالة الغضب التي انتابت البعض، فاللغة الموجودة في الفيديو أراها متدنية في المستوى ولا تتناسب مع طبيعة مادة توجهها وزارة «التربية» لمن هي مسؤولة عن تربيتهم، ودرس في الرياضيات أرادوه مبسطًا فخرج ركيكًا تقليديًا لم يفعل إلا إثارة الغضب. لكن ما لا أستطيع تفهمه هو ذلك التعالى المتكرر في تعامل الوزارة مع أي انتقاد، الذي عادة ما يكون بطريقة تربوية تعليمية، وكأنها دروس في الأخلاق.

وبعيدًا عن الإيحاءات والإيماءات، فإن الفيديو- ووفقا لرأى متخصصين- يشرح الرياضيات بشكل تقليدى كما وردت في الكتاب، أي بدون أي إبداع.

وزارة التعليم مازالت تتعامل مع أي أزمة أو غضب يُثار وكأنها منزّهة عن الخطأ، وكأن المنتقدين- وفيهم أساتذة ومتخصصون في الرياضيات- لا يشغلهم سوى ترصد الأخطاء للوزارة التي أوقعت نفسها في شَرك مشكلات كثيرة بسبب التعجل في إحراز أهداف دون دراسة الخطوات بشكل جيد، وإهمال مشكلات حقيقية يعانى منها التعليم منذ فترة، بل اختصارها في «التابلت» وأعوانه.

وعلى الرغم من ذلك، أسجل اعتراضى كذلك على حالة الترصد- إن كان هناك ترصد في الأساس- لأنى في النهاية مع فكرة التجربة والخطأ التي تؤدى في النهاية إلى الوصول إلى الهدف المبتغى، لكنى لست مع ارتكاب الخطأ وتبريره، والذى تمارسه وزارة التربية والتعليم بكل قوة. أتمنى كذلك أن تتبنى الوزارة مفهومًا خاصًا للأخلاق، لأنها في النهاية وزارة «أخلاق» قبل أن تكون وزارة «تعليم».

صحيح أن «مصادر» بالوزارة قالت إن الوزير أعطى تعليماته بحذف الفيديو، لكن رد الفعل كان متأخرًا ومُجَهّلًا وكأنه «لا مبالى». ولا أعلم من أين تأتى القوة على هذا التعالى مع الرأى العام

حتى لا نكون «كيب تاون

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

ماذا لو وصلنا إلى مرحلة «الفقر المائى الكامل»؟. سؤال يجب أن نطرحه على أنفسنا وبجدية، كنتيجة محتملة – ولو بنسبة ضعيفة للغاية – لاستمرار أزمة بناء سد النهضة الإثيوبى.

السؤال مشروع، حتى لو كانت نسبة تحققه على أرض الواقع ضئيلة، ولهذا وجدتنى أستدعى مثل كثير ممن لديهم ذاكرة إخبارية قوية، تجربة «كيب تاون» الجنوب إفريقية منذ نحو عام ونصف العام، عندما ضربتها ظواهر مناخية نادرة تمثلت فى شح الأمطار على مدار 3 سنوات، تسببت فى تدنى مناسيب مياه السدود، وبالتالى قلت حصص استهلاك الأفراد، بل خاف سكانها من أن تصبح أول مدينة فى العالم يتم قطع المياه عنها بالكامل.

لكن ما حدث كان النقيض، حيث نجحت «كيب تاون» فى تفادى الكارثة من خلال الحيل التكنولوجية لاستغلال مكامن المياه الجوفية وتحلية مياه البحر. وهذا يرجع إلى حد كبير إلى واحدة من حملات الحفاظ على المياه المتاحة فى المدينة، كانت الأكثر حماسة من أى وقت مضى.

خلال فترة قلل سكان «كيب تاون» استخدامهم للمياه لأكثر من النصف، من 1.2 مليار لتر فى اليوم فى العام 2015، إلى ما يزيد قليلًا على 500 مليون لتر فى منتصف 2018، وهو معدل قياسى بالطبع لم تصل إليه مدينة غيرها.

إذن، الأزمة كانت فى إدارة الموارد، حيث إن الفقر المائى الذى تعانى منه كيب تاون وعدد من المدن الأخرى فى العالم يعود إلى أن الكثير من المناطق حول العالم قد وصلت إلى ما يعرف بـ«حد الذروة المائية»، حيث تم استهلاك كل موارد المياه المتاحة والمتجددة ولا تتوافر موارد جديدة تقليدية.

الأزمة كانت فى إدارة الموارد، وهو ما يجب أن نؤمن به كمصريين – سواء وصلنا إلى المرحلة الحرجة أم لم نصل.

لابد من تغيير ثقافة الاستهلاك. لابد من اكتساب مفاهيم واضحة لسياسة ترشيد المياه، مثلما فعلت المدينة الإفريقية، بل تفعل كل المدن التى واجهت نفس المصير. لابد كذلك من حلول خارج الصندوق، مثل التنقيب أكثر عن المياه الجوفية، وكذلك التوسع فى مشروعات تحلية مياه البحر.

لابد ألا نتجاهل التحذيرات المتكررة من خبراء المناخ والمتخصصين، حتى نكون مستعدين لأسوأ الظروف، والتى إن لم تأت، فإنها ستعود بالفائدة على مصر.

هذه أمنياتى لأمر «علمى وعملى» محتمل، حتى لو كان التوقع أن تحل أزمة سد النهضة سياسيًا.

هل سنطوي صفحة سد النهضة؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

اعتبرت نتيجة مشاورات أطراف أزمة سد النهضة التي أقيمت في واشنطن منذ يومين، تحركاً إيجابيا محدوداً لصالح مصر، لا سيما في مسألة دخول أطراف دولية، أو بمعنى أدق وسيط دولى، على خط القضية الشائكة، التي أخذت من المفاوضات الكثير.

لقد طالبت مصر في الأسابيع الأخيرة بوسيط دولى في القضية، وذلك بعد التأكيد على أن المحادثات الثلاثية، التي أجريت على مدار نحو 8 سنوات، وصلت إلى طريق مسدود، بعد تمسك الطرف الإثيوبى بمطالبه، وما يرى أنها حقوقه في التنمية عبر توليد الكهرباء، وتشبث الجانب المصرى بحقوقه التاريخية في الحصة المائية التي يحصل عليها منذ أمد بعيد.

وكانت روسيا هي أول خيط الوسيط الدولى، بعد أن التقى الرئيس السيسى ورئيس الوزراء الإثيوبى آبى أحمد، على هامش القمة الروسية الإفريقية في سوتشى، والتى انعقدت منذ أكثر من أسبوع، لتليها مشاورات واشنطن، التي عقدت برعاية الرئيس الأمريكى دونالد ترامب، الذي أكد للرئيس المصرى حرصه الشخصى على نجاح تلك المفاوضات.

وبالفعل، فإن البيان المشترك الذي صدر من وزراء خارجية مصر والسودان وإثيوبيا بمشاركة البنك الدولى والولايات المتحدة بشأن تلك المشاورات، جدد خلاله ممثلو الوفود الثلاثة تأكيدهم الالتزام بالتوصل إلى اتفاق شامل وتعاونى مستدام ومتبادل للمنفعة بشأن ملء وتشغيل سد النهضة الإثيوبى.

وألمح البيان المشترك إلى أنه حال عدم التوصل إلى اتفاق في الموعد المحدد، سيوافق وزراء الخارجية على اللجوء إلى المادة 10 من إعلان المبادئ لعام 2015، وهى التي تحمل اسم مبدأ «التسوية السلمية للمنازعات»، وتنص على أن «تقوم الدول الثلاث بتسوية منازعاتهم الناشئة عن تفسير أو تطبيق هذا الاتفاق بالتوافق من خلال المشاورات أو التفاوض وفقًا لمبدأ حسن النوايا»، وتضيف «إذا لم تنجح الأطراف في حل الخلاف من خلال المشاورات أو المفاوضات، فيمكن لهم مجتمعين طلب التوفيق، الوساطة أو إحالة الأمر لعناية رؤساء الدول أو رئيس الحكومة».

شخصياً، أرى أن هذا التلميح ستتبعه تحركات على المستوى الرسمى لعقد اجتماع قد يضم زعماء الدول المعنية، في وجود وسيط دولى، أو مجموعة وسطاء، ومنها الإدارة الأمريكية والبنك الدولى، وأن يكون هذا الاجتماع في غضون المهلة المقررة- منتصف يناير المقبل- وأتوقع كذلك أن تحدث حلحلة للأمر، إثر دخول أطراف أخرى على خط الأزمة، لها رؤيتها الخاصة في ظل تمسك كل طرف بوجهة نظره.

وأرى كذلك أنه سيعاد النظر في بعض الأمور الخاصة بالاتفاقيات التي أبرمت مثل إعلان المبادئ 2015، وعلى هامشها اتفاقيات توزيع الحصص التي يرجع تاريخها إلى أكثر من 50 عاماً.

أتمنى أن أكون محقاً لطى تلك الصفحة التي طالت أكثر من اللازم.

قد يكون ما حدث بداية لحلحلة الأزمة.

حقوق الإنسان المصرى

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تعرضت مصر وتتعرض لمواقف متكررة تضعها فى موقف الدفاع عن ملف حقوق الإنسان. وهذا ينتج عن الضغوط الدولية، أو الداخلية من جماعات ومجموعات حقوقية. وعلى الرغم من أن هناك فى أحيان متعددة حالة من التحامل على مصر ومحاولة «حشرها» فى موقف المتهم بناء على مواقف مسبقة وحسابات لأطراف دولية وإقليمية فى أحيان عدة إلا أن هذا لا يمنعنا من المطالبة بالتعامل الجاد مع هذا الملف وهذه الملاحظات. ليس من أجل سواد عيون المنظمات الأجنبية والأطراف الدولية، أو خَضَارها، ولكن من أجل المصريين أنفسهم. فمصر دولة تستحق أن تكون فى وضع أفضل كثيرا مما هى فيه الآن فى أمور عديدة، ومن بينها ما سماه العالم حقوق الإنسان، وما أسميه أنا حق المصريين فى العيش الكريم واحترام آدميته وحقوقه، وهذا أقل ما يجب لدولة هى بالفعل أم الحضارات.

من هنا أطرح مجموعة من النقاط التى يجب التعامل معها بجدية فى ملف حقوق الإنسان، يمكننى رصد أهمها فيما يلى:

ـ على مصر التعامل بجدية مع جميع ملفات حقوق الإنسان المطروحة، وعدم الاكتفاء بتقديم ردود رسمية فى المؤتمرات الدولية لتبرئة ساحتها، بل حل هذه المشاكل من جذورها، فالملاحظ أن معظم هذه الاتهامات مزمنة، وتُوجه ضد مصر منذ عقود، وأن مصر تقدم نفس الردود فى الغالب، ولا حل هنا سوى التعامل بجدية مع هذه الأمور لمعالجتها من جذورها، حتى يتم استبعادها تماماً من ملف مصر الحقوقى.

ــ تأصيل ثقافة حقوق الإنسان فى المجتمع، عبر حملات إعلامية ضخمة، ولا تشمل هذه الحملات المواطنين فقط بل المعنيين من المسؤولين.

ـ اقتناع أطراف الدولة المختلفة بأهمية تطبيق ثقافة حقوق الإنسان، وأنها ليست مجرد رفاهية تخص الغرب، وتطبيق ذلك على كافة المؤسسات الرسمية.

ـ فتح المجال لبعض المؤسسات الدولية الحقوقية، والتعاطى معها دون تضييق.

ـ التواصل مع أطراف المجتمع المدنى المصرى بشكل أوسع، والتوقف عن التعامل باستراتيجية من ليس معنا فهو ضدنا، ومحاولة كسب المجتمع المدنى فى صف الدولة.

ـ تبنى قانون كفيل بضمان التوازن بين اعتبارات حرية التأسيس والنشاط واعتبارات الأمن والشفافية، ويكون مستقرا ومتوافقا عليه ويتمتع بالاستدامة ويحقق التوازن والاستقرار فى العمل.

– أهمية إجراء حوار مجتمعى واسع مع أطياف المجتمع المختلفة حول ثقافة حقوق الإنسان، والوصول إلى توصيات يتم تنفيذها، والعمل عليها كخطة مستقبل.

– تكثيف الحوار بين أعضاء البرلمان والمجتمع المدنى لبناء التوافقات الضرورية من أجل التوصل لآليات تفاهم وتعاون وتنسيق لا تتوقف عند حدود تنظيم عمل الجمعيات الأهلية وغيرها من فضاءات المجتمع المدنى.

هذه بعض نقاط أظن انها قابلة للتطوير والزيادة والحوار حولها.

الأسلوب العلمى.. واختراع العجلة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تتردد خلال الفترة الماضية أحاديث عن محاولات إصلاح الخط العام للدولة، وذلك عن طريق اتخاذ إجراءات وقرارات من شأنها إعادة ترتيب الوضع المصرى وتحديد الأولويات لاستكمال خريطة الإصلاح التى بدأت مع العهد الحالى.

تلك الخريطة وضعت أهدافًا نبيلة بعيدة، إلا أن طريق الوصول إليها صعب وشاق، ويحتاج كثيرًا من الخطوات والتحديات، كما يحتاج أيضًا العقل والمنطق.

فى هذه النقطة تحديدًا، أريد أن أُذكِّر القائمين على إدارة هذا الملف بأننا فى هذا الأمر لن نخترع «العجلة»، ولا المطلوب أصلًا أن نخترعها من جديد، بل إن الواقع والظروف الحالية وما يعيشه العالم من تقدم يُحتِّم علينا أن نتبع الأسلوب العلمى فى التفكير والتخطيط، وأن نستعين بالمتخصصين فى كل المجالات، واستقبال أطروحاتهم وأفكارهم، ومناقشتها علميًا، من أجل الوصول إلى نقاط الضعف والقوة، ومن ثَمَّ الاستفادة القصوى منها.

وهذه النقطة مهمة جدًا، لأننا دفعنا أثمانًا باهظة نتيجة الاعتماد على الاجتهاد من دون خبرة أو علم.

من المهم كذلك إخضاع تلك الأفكار لقياسات علمية صارمة، لبيان مدى نجاح تطبيق تلك الإجراءات.

نحتاج أيضًا استنباط توصيات لوضعها أمام أجهزة الدولة المعنية، لمعرفة إمكانية وكيفية تنفيذها، ومدى استفادة الدولة منها فى المستقبل، والإيجابيات التى تعود علينا منها، والسلبيات التى قد تضرنا جراء اتخاذ قرار فى غير محله، ولا وقته.

ضرورى كذلك أن نعترف بأخطائنا، فهو بداية الطريق نحو الفعل الصحيح، كذلك مطلوب ألّا نخجل من الاستعانة بالخبرات العالمية فى عملية إصلاح المسار تلك، لأن العالم تقدم بالأسلوب العلمى، وسبقنا فى هذا الأمر بسنوات ضوئية، فالاستعانة بهذه الخبرات تجعلنا نختصر وقتًا طويلًا من الحفر فى الصخر.

بقى أن نقول إن التوقيت مثالى للمراجعة وإعادة المسار، المهم فقط هو توفُّر الإرادة والقناعة بأن إصلاحًا داخل الإصلاح لا يُعتبر تراجعًا، بل هو تقدم، لأننا فى النهاية نريد تحقيق الهدف من الإصلاح.

لابد فى النهاية من الاتفاق مع الفكرة القائلة إن المقدمات المتشابهة تؤدى دائمًا إلى نتائج متشابهة، ومن السذاجة الاعتقاد بأن المقدمات المتشابهة قد تأتى بنتائج غير متشابهة.

 

ما بعد سقوط البغدادي

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

ماذا بعد سقوط زعيم داعش؛ البغدادى؟، العالم كله حبس أنفاسه انتظارا لتلك اللحظة التي أُعلن فيها موت رأس التنظيم الإرهابى الأشرس في العالم.

العالم حبس أنفاسه، ثم عاد ليسأل عن العالم بعد موت البغدادى. هل انتهى التنظيم؟، هل هي مجرد بداية لتنظيم جديد؟، من أكثر المستفيدين بموت البغدادى؟، ومن الخاسرون؟.

الثابت أن «خلف كل قيصر يموت، قيصر جديد»، هكذا استشرف الشاعر الراحل أمل دنقل المستقبل. ربما تكون انهارت فعلا دولة داعش المزعومة في العراق والشام، لكن الفكرة ما زالت باقية، خاصة مع تحول داعش إلى شبكة إرهابية سرية متناثرة عبر المنطقة والعالم.

بحسب بعض الإحصائيات فإن أكثر من ١٨ ألف داعشى انتشروا حول العالم. هناك جبهات في شمال إفريقيا، وتحديدا في ليبيا، هناك جبهات في إفريقيا، وهناك من عادوا إلى أوطانهم، سواء العربية أو الأجنبية، لينخرطوا في المجتمعات من جديد.

ربما يكون التنظيم قد انتهى على الأرض، لكنه مازال موجودا عبر الإنترنت، وفى القلب منها وسائل التواصل الاجتماعى، التي اعتمد عليها كوسيلة سهلة وسريعة للانتشار، إذ هناك الآن آلاف الصفحات على الإنترنت ومواقع التواصل الاجتماعى، تحمل فكر داعش ولا تزال تستقطب عشرات الأتباع.

ربما انتهى التنظيم على الأرض، لكنه ترك ما كان يسميه بـ«أشبال جيش الخلافة»، وهم أطفال بعضهم لا يتجاوز الثمانية والعشرة أعوام، كان يدربهم على فكره ويسلحهم ويعلمهم القتال.

ربما انتهى التنظيم ولكن نساءه مازلن حاضنات للإرهاب والتطرف.

حتى لو انتهى معظم هذه الجماعات، فما دامت هناك دول ـ في الشرق والغرب ـ تدعم الإرهاب، وتستخدمه لخدمة أغراضها السياسية، فلن ينتهى داعش ولن تموت فكرته.

التشاؤم ليس لغتى، لكن ما أود قوله أنه إذا كان التنظيم قد انتهى على الأرض، فإنه مازال في العقول وعلى الفضاء الافتراضى وفى قلوب وعقول الكثيرين، فلنأخذ حذرنا، ولنستعد لما هو آت، فقد يكون الأشرس.

الحل أن نقضى على «الفكرة» بالتعليم والتنوير ومساعدة أبنائنا. وإلا فلن نحقق إلا نصرًا غير مكتمل لا يلبث أن ينقلب إلى هزيمة.

المهمة لم تنته بعد.

ماذا حدث لنا؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

أخشى أن مرثياتنا لأمور عدة تزداد هذه الفترة التى نعيشها.

لقد تحولت صفحاتنا عبر مواقع التواصل الاجتماعى، وجلساتنا فى البيوت وعلى المقاهى، إلى ما يشبه دفتر عزاء. عزاء ليس لمَن يرحلون عنا يوميًا فى أحداث غريبة ومريبة، بل عزاء لضمائرنا وتركيبتنا النفسية، التى مازالت على قيد الحياة اسمًا، لكنها ماتت، أو فى أحسن الأحوال تغيرت للأسوأ بالطبع.

الأكيد أن تغيرات مهمة أصابت التركيبة النفسية لنا كمصريين، البعض أدركها، وتعامل معها ليعالج نفسه من آثارها بوعى، والبعض الآخر- وهم الأغلبية- انساقوا لهذه التغيرات، فصاروا أشخاصًا آخرين، غير الذين اعتادت عيوننا عليهم فى زمن قريب مضى.

لذلك لم نعد نستغرب أو نُفاجَأ عندما نجد مَن يقتل رجلًا لأنه سرق زجاجة مياه غازية، أو شخصًا يمزق آخر لخلاف على ما لا يمثل قيمة، أو ثالثًا مازال فى حكم القانون طفلًا يتفنن فى قتل زميل له حاول أن يُثْنِيه عن محاولة تحرش بفتاة، أو آخر يجبر صبيًا على إلقاء نفسه من القطار لمجرد أنه لم يدفع ثمن التذكرة.

قد لا نستغرب هذه الأشكال من السلوك، ولكن مازالت تصدمنا بهولها بما تبقى لدينا من مشاعر إنسانية.

وبغض النظر عن توصيف أو المقصود من كلمة «شهيد»، فإنه صار لدينا الآن أكثر من شهيد، صار لدينا شهيد للقمة العيش، وشهيد للشهامة، وشهيد للتذكرة، وشهيد للأمطار، غير شهداء المعارك الذين يسقطون فى حرب الإرهاب.

كل هؤلاء تساقطوا بلا مبالاة، وبلا أدنى مسؤولية، لذا نتساءل عن تلك الحالة من التبلد التى ظهر عليها الجناة- إذا ثبتت التهم عليهم، باعتبار أن معظم القضايا مازالت منظورة أمام المحاكم- نتساءل عن نفسية كمسارى القطار، أو الطفل الذى أمسك سكينًا ليطعن آخر، أو حتى مَن حاول السخرية من اسم المنخفض الجوى، الذى تسبب فى قتل أطفال نتيجة صعقهم بالكهرباء.

نحن مُدانون جميعًا، مُدانون لدرجة بعيدة من المسؤولية، مُدانون لأن إنسانيتنا صارت فى أزمة، ولأن ضمائرنا صارت فى أزمة، ولأن عقولنا صارت فى أزمة.

ما حدث لنا خطير، وخطير جدًا، ويدعو إلى الوقوف مليًا أمام ما تغير فينا. الإصلاح أعلم أنه يكلفنا جهدًا ووقتًا كبيرين، ولكنه مطلوب قبل فوات الأوان، وقبل أن تتعدد أوصاف الشهداء أكثر وأكثر.

احذروا لأن إنسانيتنا فى خطر.

Solutions to Ethiopian dam crisis difficult but possible

by DR. ABDELLATIF EL-MENAWY

Negotiations over the Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD) are deadlocked, but they will be “resumed,” according to Egyptian President Abdel Fattah El-Sisi and Ethiopian Prime Minister Abiy Ahmed after they met at the Russia-Africa summit in Sochi last week.
Despite these statements, the people of the two countries live in a real crisis, especially with their leaders’ contradictory visions regarding the dam. The Ethiopian side believes that the construction of the dam according to the specifications it initially set is an inherent right, while the Egyptian side believes that construction on those terms will harm its right to the Nile’s water, and thus would harm the state in general.
Last week’s meeting between El-Sisi and Ahmed could be a way out, provided it is followed by other meetings with an international presence — though such a move would be fraught with risks and downsides.
Egyptian-Ethiopian relations were at the height of their development during the 1960s, but they witnessed a period of inactivity during the 1970s. Egyptian President Hosni Mubarak tried to restore relations to their previous heights, but they deteriorated again with the 1995 assassination attempt on Mubarak in Addis Ababa, after which the Egyptian-Ethiopian Business Council was suspended for 17 years.
Soon after the events of January 2011 in Egypt, the Ethiopian newspaper Addis Fortune surprised observers with the news of the establishment of the GERD project to generate electricity on the Blue Nile. The GERD consists of two dams, not one, as some believe. The first is a concrete dam located on the Blue Nile course, 154 meters high and 1.8 kilometers long, with a storage lake with a surface area of about 1,900 square kilometers. The second is a saddle dam at a height of 50 meters and a length of 4.8 kilometers. This is located a few kilometers away from the main dam and the storage period of that lake and its capacity is the main focus of the dispute between Egypt and Ethiopia.
Some Egyptian experts, including former Minister of Irrigation and Water Resources Mohammed Nasr El-Din Allam, assert that Ethiopian claims about the GERD’s electricity production targets are not feasible because it is a border dam located hundreds of kilometers away from the nearest Ethiopian city, making electricity transmission difficult. Local electricity is heavily subsidized by the government, making domestic electricity consumption uneconomical, and the state will not therefore be able to repay the loans used in its construction. There also other, smaller electricity-generating dams both currently available and under construction.

It is feared the GERD will negatively affect the economic, political, social and security conditions in Egypt

Some experts believe that the aim of the GERD is political, not developmental, and aims to control the Nile water and its large storage capacity, in addition to dwarfing or canceling the role of Egypt’s Aswan High Dam. It is feared the GERD will negatively affect the economic, political, social and security conditions in Egypt, and limit its overall capacity and regional role. One of the aims of establishing the dam may be to force Egypt and Sudan to join the Entebbe Agreement on the shared waters of the Nile Basin.
The lower Egyptian water quota set to be caused by the GERD would lead to the decimation of large areas of agricultural land, lower groundwater levels, increased seawater intrusion in the Nile Delta and the salinization of its lands, exposure of many drinking water plants and factories located on the Nile River and its tributaries, and increased pollution in the Nile waters, threatening fisheries and river navigation. A report by the Tripartite National Committee warned there is a lack of studies and structural designs for a dam of this size. It concluded that there is no policy for the operation of the dam. Moreover, environmental studies focused only on the Ethiopian side and not the Egyptian or Sudanese sides.
It is certainly necessary to resume negotiations, especially since Egypt and Ethiopia are two friendly countries, so that the solution can be peaceful and acceptable for both. The parties should not look for other ways to resolve the issue, as some have suggested on satellite television channels, causing Ahmed to come out with a statement that he is able to mobilize 1 million people to defend the dam if confronted militarily by Egypt.
As I mentioned at the outset, it is necessary to bring international parties that are trusted by Egypt, Ethiopia and Sudan into the negotiating process, as this may help facilitate progress. It is also necessary to settle the situation with Sudan and establish a clear framework for action and negotiations on the GERD within the framework of the 1929 and 1959 agreements for the distribution of Nile waters. The legal process must also be taken to the UN with a view to halting the dam’s construction and allowing an assessment of its structural safety to avoid the risk of collapse, examine its repercussions on the two downstream states, and query Ethiopia’s apparent numerous breaches of the 1902 border agreements, the 1997 UN Watercourses Convention, and the 2015 Declaration of Principles on the GERD project.
I know that this will be difficult in practice because each party sticks to its opinions and refuses anything that may prejudice its rights, but it is theoretically possible — through a convergence of views — that no one is harmed by the outcome of the negotiations.

مرة أخرى.. لدواعٍ أمنية

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كتبت، منذ أيام، عن أزمة مباراة كرة القدم بين الأهلى والزمالك، وكيف أنها تأجلت لدواعٍ أمنية. وقلت إن التصريح بسبب تأجيل المباراة لا يضر فقط قطاع الرياضة فى مصر، بل يضر الدولة بأكملها.

والحقيقة التى أودّ تأكيدها أنه ليس لدىَّ شك، ومعى كثيرون، فى قدرة الأمن المصرى على ضمان إقامة مثل هذه المباراة، وغيرها، فقد ثبت ذلك بشكل قطعى، شاهدى على ذلك بطولة الأمم الإفريقية التى نظمتها مصر. لذلك أظن أن إطلاق الدواعى الأمنية باعتبارها السبب للتأجيلات هو أمر لا يلقى كثيرًا من التصديق لدى القطاع الأكبر من الناس، وفيه تحميل لجزء من جسد الدولة، وهو الأمن، تبعات أخطاء تقع فيها أجزاء أخرى من الدولة فى إدارتها لملفاتها.

والحقيقة الأخرى، لم أكن أتوقع رد الفعل الذى قوبل به المقال، خصوصًا فيما طرحه الكثيرون من أفكار واستنتاجات حول مفهوم الدواعى الأمنية، والتى تحمل قدرًا كبيرًا من الوعى، وأعتقد أن كلام القراء لا يستحق مقالًا واحدًا فقط، بل عدة مقالات.

أحد الأعزاء من القراء مثلًا، وهو ياسر أحمد، أكد فى رسالته أزمة اهتزاز صورة مصر فى الخارج، فقال: «نُعايَر فى الخارج بحال الكرة المصرية، الآن يقولون إننا مازلنا نعيش فى القرون الماضية، ولا نستطيع إقامة أى بطولة لأننا نفتقد فن الإدارة، ولكن جاء تنظيم كأس الأمم الأخير ورفع رأسنا عاليًا، وتفاءلنا خيرًا. ولكن عادت الأمور إلى طبيعتها مجددًا»، ويضيف «أحمد»: «أين نحن من الدورى السعودى والإماراتى وغيرهما، فالدولة تحاول جاهدة الترويج للأمن والأمان لعودة السياحة والاستثمار، ثم تأتى مجموعة وتقوم بالإساءة إلى سمعة مصر».

ولمس القارئ أزمة كبرى من أزمات مصر حاليًا، وهى أزمة العلاقة المباشرة بين مؤسسات الدولة من جهة، والمواطنين من جهة أخرى، حيث كتبت أكثر من مرة حول افتقاد عملية التواصل بين الجانبين، وكأن هذا فى وادٍ وذاك فى وادٍ آخر. «أحمد» سأل: «لماذا لم يصدر تصريح من وزارة الداخلية لتوضيح الأمر وكشف الحقيقة أمام العامة وطمأنة القاصى قبل الدانى؟».

أما قارئ آخر، وهو الدكتور عماد كامل الشامى، فربما رأى ما لا تريد أن تراه الدولة فى أن سبب الاحتقان هو سلوك أحد الأشخاص، الذى ينتمى إلى المنظومة الرياضية فى مصر، وتساءل عمّن يحميه رغم كل مخالفاته القانونية!.

فيما أكد رؤوف عزمى داوود أن الأزمة فى غياب تطبيق القانون. الرجل دلّل على كلامه بذكر الحادث الذى كتبت عنه الصحافة منذ أيام حول استقبال مطار الغردقة لأول رحلة للخطوط الجوية السويسرية بالورود والحلوى ورش المياه، وهو تقليد متبع فى عالم الطيران، ولكن مقتضى الحال يمنع هذا العرف، خصوصًا مع تصريحات المسؤولين عن أن هناك أزمة نقص فى المياه، إضافة إلى ما نقرؤه يوميًا ونسمعه حول أزمة سد النهضة، التى تُحتِّم علينا أن نُرشّد كل قطرة مياه.

التعليقات كانت كثيرة، وأعتقد أن تداعيات سبب أزمة تأجيل المباراة وصلت إلى الجميع، خصوصًا فى الخارج، فهل تراجع الدولة نفسها لاستعادة الثقة من جديد؟.