المزيفون فى الأرض

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

عندما يعجز إنسان عن مواجهة تحدياته فإنه يلجأ إلى خلق واقع آخر فى خياله، يستطيع خلاله أن ينتصر على تحدياته، ويحقق طموحاته، منتشياً بقوة وهمية مزيفة.

هذه الحالة من الهروب هى جزء من تكوين النفس البشرية بدرجة أو بأخرى. وإذا ما زادت هذه الدرجة على مستوى معين تتحول إلى حالة مرضية، ولعل أكثر الأمثلة وضوحاً لهذه الحالة عندما يتعرض الطفل للاعتداء عليه بالضرب من طفل آخر أكبر منه أو أقوى، فإنه يعوض ذلك بمشهد يعيشه وهو يضرب من ضربه، بل يتباهى بالكيفية التى وجه بها اللكمات القوية حتى سقوط زميله أرضاً، فيشعر الطفل وقتها بالارتياح، متخلصاً من إحساس القهر.

تتحول هذه الحالة إلى ظاهرة مرضية إذا ما صدق خياله، وبدأ يصدر حكايته المتخيلة للآخرين على أنها حقائق، حيث ينذر هذا بأن الرجل القادم من هذا الطفل هو رجل مريض نفسياً، يحل مشكلته بالعيش فى الأوهام ويخلق لنفسه واقعاً مزيفاً بديلاً عن واقعه الحقيقى.

كثيرون ممن يحيطون بنا يعانون هذا المرض، حيث إن التغيرات التى مر بها مجتمعنا سمحت لهؤلاء المرضى بأن يطلقوا علينا أوهامهم باعتبارها حقائق، ويصدّرون لنا حكمتهم – التى لم تكن موجودة يوماً – باعتبارها مسلمات، لنكتشف كيف أن رجالاً ونساءً احتلوا مواقع النخبة وتشكيل الرأى العام مصابون بهذا المرض النفسى الخطير.

لكن الأخطر هو أن بعضاً من هؤلاء اكتشفوا أنهم كى يعيشوا فى دائرة الضوء فإن الطريق لذلك هو ادعاء البطولة والحكمة بأثر رجعى. لنَعُد بالذاكرة فنرَ أحدهم وهو يقف موقف المتسول لنظرة رضا من مسؤول سابق، ليخرج بعد فترة ويتحدث عن بطولاته وصولاته وجولاته فى مجابهة هذا المسؤول، مدعياً أنه كم قدم من نصح ومشورة للمسؤولين السابقين، لكنهم لم يسمعوا له ولحكمته، فدفعوا الثمن.

يدّعون أن نسبهم يعود إلى «زرقاء اليمامة»، ويوهمون الناس بامتلاكهم القدرة على رؤية القادم، فيخرج أحدهم ليتحدث اليوم عن أنه كيف رأى مستقبل مصر منذ الجمعة التى خطب فيها القرضاوى فى ميدان التحرير، لكن الأغبياء لم يسمعوا منه!.

وجود مثل هذه الشخصيات فى أى مساحات تأثير داخل المجتمع لن تصب إلا بالسلب ضد مصلحة هذا الوطن. فالأقنعة التى تظهر وكأنها وجوه حقيقية، لا تدوم. من يحدثوننا وكأنهم العارفون ببواطن الأمور، معتمدين على ضعف ذاكرة الناس، سيتوارون مادام الرهان والأمل موجودين فى القاعدة التى تقول إنه «لا يصح إلا الصحيح»، وحتى يصح الصحيح فينبغى ألا نتوقف عن كشف البطولات الوهمية لهؤلاء الهاربين من واقعهم البائس إلى خيالهم المزيف.

Advertisements

الأهلى فوق الجميع.. كيف؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لا يمكن اعتبار النادى الأهلى مجرد نادٍ رياضى، ولكنه جزء رئيسى من نسيج المجتمع المصرى، وليس فقط مؤسسة رياضية ناجحة، يُضرب بها المثل فى الالتزام والمبادئ، مؤسسة وطنية يظل الحفاظ عليها كقيمة واجباً على الجميع.

التصق اسم النادي الأهلى ببعض الشخصيات والأحداث السياسية والاجتماعية الكبرى، فلم يزل اسم سعد زغلول (رئيس النادى الأسبق)، زعيم ثورة 1919، حاضراً في الأذهان، وغيره سلسلة طويلة من الأسماء التى شرفت بكونها جزءاً من تاريخ هذا الوطن عبر إحدى مؤسساته الوطنية. وأستحضر هنا صورة رأيتها مع صديق لقصيدة للأمير عبدالله الفيصل تزين أحد جدران مكتب رئيس النادى، هى رسالة تظهر إدراكه القيمة الحقيقية لهذا الكيان، الذى مع الأسف يتعرض موخراً لحملة، لا أتمنى أن تكون منظمة او مقصودة، لهز صورته.

فالتاريخ لن يُهدم ولن يُمحى، بل لن يستطيع أحد- مهما كان حجمه أو قوته- أن يهدم كياناً كبيراً مثل الأهلى.

أما بعد، فقد أصدر النادى الأهلى خلال الأيام الماضية بياناً هادئاً مُحكماً يُثمِّن فيه مبادرة رئيس جهاز الرياضة السعودى، مالك نادى بيراميدز الجديد، تركى آل الشيخ، والتى أكد فيها تجاوزه الخلافات التى نشأت أخيراً بينه وبين مجلس إدارة النادى، ورئيسه محمود الخطيب، والتنازل عن جميع الدعاوى التى أقامها ضدهما.

بيان الأهلى كان متوازناً للغاية، ودالاً فى نفس الوقت على المحددات والقيود التى تحكم رد فعل المؤسسة الرياضية الأهم فى مصر، فى موقف تضافرت فيه ظروف وأشخاص وطبيعة مرحلة ليكون فى هذا الوضع المقيد لحريته فى الحركة والرد. لذلك يمكن القول إنه بيان فى حدود العقل والمتاح.

أعلن البيان طَى صفحة الخلافات، حفاظاً على روح الأخوة التى تربط بين القاهرة والرياض، وكذلك حفاظاً على صورة النادى، بل صورة الرياضة فى مصر، ولاسيما أن قطبها الأهم هو أحد أطراف الأزمة.

تربطنى علاقة طيبة بالمهندس محمود طاهر، الرئيس السابق للنادى الأهلى، وأعلم مدى انتمائه وحبه للنادى الأهلى، كما أن محمود الخطيب، الذى لم ألتقِ به من قبل، نجم كبير ومعشوق لجماهير الكرة فى مصر والوطن العربى، بل يُعتبر أحد أهم الرموز المهمة والتاريخية للرياضة. نجح الثانى بجماهيريته، وما توقعته، ومازلت أتوقعه، أن يتكاتف الرئيسان (الحالى والسابق) من أجل دعم الإدارة الحالية لتجاوز الخلافات، واستعادة قوة الكيان. وأن يتمكن الاثنان من لجم مَن حولهما من (نافخى الكير)، الذين يؤججون نار الخلاف تحركهم مصالحهم.

أتمنى أن تؤسس حالة الأهلى- التى أتمناها- لعادة ينبغى أن تكون فى المجتمع المصرى، وهى أن يتعاون المسؤولان السابق واللاحق من أجل المصلحة.

إسقاط عضوية النواب

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

وصل أمس الأول بسلامة الله دكتور على عبدالعال، رئيس البرلمان المصرى، إلى العاصمة الصربية بلجراد للمشاركة فى الاحتفال بمرور 110 أعوام على العلاقات بين البلدين. رافقه خلال الزيارة وفد برلمانى، وهى مناسبة لنسأل سؤالاً، أظنه مشروعا، عن عدد «السفريات» البرلمانية منذ بدء أعماله. وأنا هنا أطرح السؤال لحسم الجدل الدائر حول العدد الكبير غير المبرر من هذه «السفريات»، فقد تكون الحقيقة أفضل رد على ما يتردد، وقد يكون ما يتردد فى إطار محاولات «هدم» البرلمان.

موضوعى اليوم هو إعلان الدكتور رئيس البرلمان أن الأسبوع المقبل، بعد عودته من صربيا، سوف يسقط عضوية عدد من النواب، هذا الإعلان الواضح هو ما أتوقف أمامه وأعتبره مؤشرا خطيرا على الاستمرار فى توجه يجب التحذير منه. لا أعرف شخصيا النواب المهددين بالطرد من تحت القبة، كما لا أعرف معظم الأعضاء الذين اقترب عددهم من الستمائة عضو. ما أعرفه أن الالتجاء إلى هذا الأسلوب، الذى بات اللجوء اليه أمرا سهلا، هو إضعاف وتشويه لصورة البرلمان أمام من اختار أعضاءه من الشعب، وصورة البرلمان أمام من يلتقيهم رئيس البرلمان وأعضاؤه من سياسيين فى «سفرياتهم» الخارجية.

ولأنى لا أعرف الأعضاء إلا قليلا، فأنا لا أعرف المهددين بالفصل، وقد أختلف مع توجهات البعض، ولكنى هنا أسجل رفضى كمواطن الاستخدام المتكرر لصلاحية منحتها اللائحة بإسقاط عضوية أعضاء برلمانيين، ويجب تقييد هذا الاستخدام فى حدوده الدنيا وللضرورة والأسباب التى لا تحمل لبساً أو تشكيكاً فى نوايا. سواء اتفقت سياسيا أو اختلفت مع أى من هؤلاء الأعضاء فلست مع اتخاذ مثل هذا الإجراء، كما كنت ضد إسقاط عضوية من سبقوهم.

من بين ما قاله رئيس البرلمان «سأنقذ المجلس مرة أخرى ممن يحاولون اختطافه بإسقاط عضويتهم» وتابع: «المجلس سيطبق اللائحة فلدينا تحقيق بإتلاف المال العام، وآخر بإعاقة المجلس، وثالث بالإساءة لرمز الدولة فى وسائل الإعلام، وهم لا يستحقون شرف الجلوس فى القاعة، ولن يقبل أى ضمير حى بهذا».

الحالات التى يستوجب فيها إسقاط العضوية هى تغيير الصفة النيابية التى انتخب على أساسها، ارتكاب جريمة جنائية أو جريمة مخلة بالشرف، وإذا أدى عملا مخلا بأعمال النيابة يحول إلى لجنة القيم والتحقيق معه.

نحتاج إلى الكثير لنتحرك إلى الأمام، ولا أظن أن البرلمان بمن فيه قابل للاختطاف من عضوين أو ثلاثة، وليس مطلوبا أن يكون مشهد البرلمان كصف مدرسى تلقينى. وآمل أن تكون الأجواء أهدأ بعد «سفرية» صربيا.

نحو ثورة تعليمية وعلمية

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

انتهت الثانوية العامة. انتهت بحلوها ومرها. انتهت بنتائجها المبهرة للبعض والمُخيِّبة لآمال البعض الآخر. عادت البيوت من توترها وعصبيتها إلى حالتها العادية. عاد الآباء ليتحدثوا عن التنسيق الجامعى وكليات أبنائهم المنتظرة ومستقبلهم الذى يأملونه.

ولكن بالتحليل العلمى للنتائج، وجدنا أن أقل الدرجات التى حصل عليها الطلبة هى تحديداً فى مواد اللغة الإنجليزية والفيزياء والتفاضل والتكامل والجبر والهندسة، وهى المقررات المواكبة للتحولات العلمية الهائلة والتواصل مع العالم، ما يعنى أن مخرجات التعليم فى مصر تُباعِد بيننا وبين تحقيق أى نهضة ذات قيمة فى عصر العلم وانفجار المعرفة.

بالتأكيد، مبروك لكل الناجحين، ولكن فى نفس الوقت لا عزاء للمجتمع المصرى، الذى مازال يسير وبإصرار عجيب فى دروب التراجع والتأخر العلمى.

بدأ تنسيق الجامعات، وستظهر المؤشرات صادمة مثل كل عام، لكنها لن تشغل بال أحد من الآملين فى تحقيق نهضة علمية فى مصر، حيث لم يعد غريباً، بل لم يعد يؤثر فينا، ما نتابعه ‏كل عام من تراجع رغبات الانضمام إلى الكليات العملية، أو انخفاض مستوى طلاب هذه الكليات، بل المستوى العلمى والمعملى لهذه الكليات.

كما لم يعد يؤثر فينا أن نسمع عن تراجع الجامعات المصرية فى مؤشرات الجامعات العالمية، وتخلف البحث العلمى مقارنة بالعالم المتقدم أو الدول الراغبة فى التقدم أو حتى الدول التى كانت فى مستوى علمى متقارب معنا فى سنوات الخمسينيات والستينيات.

اختيار الدكتور طارق شوقى وزيراً للتربية والتعليم وجد صدى إيجابياً كبيراً لدى العديد ممن عرفوه عن قرب أو تابعوه، وممن يعرفون فى نفس الوقت حقيقة وحدود المشكلة التى تعيشها مصر فى التعليم. لكن يظل نجاحه مرهوناً بالمقاومة الهائلة التى سيلقاها داخل وزارته وداخل المجتمع الرافض بنسبة كبيرة للعلم والبحث العلمى، أو بالأحرى يضعهما فى آخر أولوياته.

صار هَمّ الأسرة أن ينال ابنهم «الشهادة»، دون القراءة والكتابة. كما صار هَمّ المجتمع أن يأكل ويشرب وينام، دون بحث ودون علوم. لن ينفعنا مشروع أهم من مشروع التعليم، الذى أظنه بحقالمشروع القومى الأول، فليست لدينا فرصة حقيقية دون اهتمام حقيقى بإحداث ثورة حقيقية فى التعليم والبحث العلمى.

للناجحين نقول «مبروك»، وسنقولها كثيراً ماداموا استمروا فى جمع شهاداتهم، لكن «مبروك» الحقيقية تكون عندما توجد فى مصر ثورة تعليمية وعلمية على المدى الطويل، لأنه بدون هذه الثورة لن نستطيع أن نخطو خطوات ثابتة نحو المستقبل.

Priority for Egyptians: Health care reform or national anthem in hospitals?

by ABDELLATIF EL-MENAWY

Three events affecting the health sector happened recently in Egypt in less than a week: President Abdel Fattah El-Sisi’s decision to implement the first phase of a comprehensive health-insurance law; the fire at Al-Hossein Hospital; and Health Minister Dr. Hala Zayed’s decree that the national anthem will be played in hospitals to promote patriotism.
The first is, without a doubt, the most important and most worthy of discussion and analysis. Unfortunately, it was overshadowed by the controversy and sarcasm that greeted the anthem announcement by the health minister. Nor was it celebrated, like the doctors who helped save their patients from the fire on July 7.
There is ongoing development of Egypt’s health sector on a structural level. The number of hospitals grew to 106 in 2017, at a cost of 10 billion Egyptian pounds ($558 million), and four new university hospitals, costing 1.5 billion Egyptian pounds, are about to open. Together they will treat more than 16 million Egyptian and foreign patients a year.
However, a report published in November 2017 by the Council of Ministers titled “Transparency and confrontation: Reform pillars for a promising future and high ambitions,” contained criticisms and concerns about many aspects of the health service, including systems to prevent disasters such as the Al-Hossein fire, the dilapidated state of some hospitals, the indiscipline of doctors, and incidents of important medicines and other supplies going missing.
These issues do not seem to be a priority for the new health minister, appointed in June, who instead has been busy ordering the playing of the national anthem in hospitals and defending it on more than one media platform.
While Zayed was busy with this, she and the president were also meeting with the prime minister, other ministers and officials to continue developing plans for the comprehensive national health insurance, announced by El-Sisi days before.
During this meeting the president ordered the problems be addressed and state-provided health care be improved, while stressing the importance of the new health insurance for Egyptian families so that they can feel safe and confident about their health. He also stressed the need for high-quality hospitals in the provinces, in central locations so that citizens do not have to travel far to reach them.

 

The health system in Egypt needs decisive action to salvage what can be saved.

Abdellatif El-Menawy

In addition, El-Sisi ordered the elimination within six months of waiting lists for patients needing operations or other critical treatment, and the improvement of the work environment in hospitals, in partnership with civil-society institutions and provincial bodies.
This all falls under the first phase of the health insurance project, which Zayed announced will cost 1.8 billion Egyptian pounds. She added that ministerial committees will oversee its implementation.
Finance Minister Mohammed Maait said that the government suggested the funding for health insurance should have the same protection and safeguards as funding for other national insurances and pensions. Yasser Omar, a representative of the Parliament’s Planning and Budget Committee agreed, stressing the importance of preserving health insurance funding.
Insurance experts called for the introduction of a new mechanism to help insurance companies and the new health insurance system to work together. They also stressed the need for the new health insurance law to include guidelines for the role of the private insurance sector with regards to supplementary medical insurance and the cost of medical services.
Some analysts accused the Health Ministry of underestimating the importance of the role of insurance companies in contributing to the new system. They point out that so far the ministry has not met representatives of the industry or asked for their help and advice, and is ignoring their expertise in the fields of medical care, administrative organization and information networks, and dealing with service providers.
The General Authority for Health Insurance, the country’s first and primary provider of health insurance, was established in 1964 as a government organization that aimed to provide health insurance for all Egyptians. In 2010, it provided coverage for about 45 million people, from newborns to pensioners, a number that increased yearly by 8.2 percent, reaching 50.2 million in 2014. According to UN estimates, the current population of the country is 99 million. In 2016, a new law was proposed that aimed to cover all Egyptian citizens.
The health system in Egypt needs decisive action to salvage what can be saved, not official proclamations that will not promote patriotism but instead criticism and resentment over the decisions and decrees of some governmental officials.

اعتنوا بصحته.. يزد انتماؤه

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لم أكن أنوى أن أتحدث عن قرار وزيرة الصحة المثير لردود فعل سلبية وساخرة، فقد اعتبرته خطأ غير مقصود، نابعا من مستوى خبرة معين فى مجال التعامل مع الرأى العام. كذلك اعتبرت أن الصفة الوحيدة التى يمكن إطلاقها عليه هى «الساذج»، وتخيلت أن إدراك الخطأ سيتبعه تراجع أو تجاهل له.

لكنى وجدت إصراراً، بل «تعجباً» من السيدة الوزيرة وفريقها، حيث ذكرت أخبار عدة أن الدكتورة هالة زايد أبدت تعجبها من حالة الجدل التى أثارها قرارها بإذاعة السلام الجمهورى وقَسَم الأطباء بالمستشفيات الحكومية الثامنة صباحا يوميا، متسائلة: «هل أصبحت القيم شيئاً غريباً؟».

فى المقابل، أنا لم أتعجب عندما نشر الزميل محمود مملوك فى موقعه Cairo 24 خبرا بعنوان «بعد قرار السلام الجمهورى بساعات.. وفاة مسنّة بسبب غياب الأطباء بمستشفى بكفر الشيخ»، هذا هو رد الفعل المتوقع من الرأى العام عندما تستفزهم مثل هذه القرارات الساذجة. وقتها يسأل الناس: ماذا فعلتم وتفعلون لنعيش كآدميين؟

المشكلة أكبر كثيراً من اتخاذ قرارات سطحية ساذجة لا أعلم بالضبط من تخاطب بها المسؤولة الكبيرة، وهذا يطرح أسئلة كثيرة حول إعداد المسؤولين سياسياً وتدريبهم على التعامل مع الرأى العام. هل يوجد مثل هذا التفكير من أساسه؟

مفهوم الانتماء للوطن عُرّف (لغةً) بمعنى الانتساب، حيث إن هذا المفهوم يتجسد فى انتماء الطفل لوالده واعتزازه به، والانتماء مفردة مشتقة من النمو والكثرة والزيادة، وعرّف البعض الانتماء (اصطلاحاً) على أنه الانتساب الحقيقى للوطن والدين فكراً ووجداناً، واعتزاز الأفراد بهذا الانتماء عن طريق الالتزام والثبات على المناهج والتفاعل مع احتياجات الوطن.

ويعتبر مفهوم الانتماء للوطن من المفاهيم المتوارثة التى تولد مع الإنسان، كما أنه مفهوم مكتسب ينمو بشكلٍ أكبر من خلال المؤسسات المختلفة فى المجتمع كالمدارس والجامعات ودور العبادة والإعلام والأسرة، فيما يعتبر من الاحتياجات المهمة التى تُشعر الفرد بالرابط المشترك الذى يربطه بأرضه وبأبناء وطنه.

الانتماء- يا سادة- يبرز فى صدق الإحساس بحب الوطن والذوبان فى يومياته وتفاصيله وأحداثه ومتغيراته. هو شعور من المواطن أن الدولة تسعى بكل ما أوتيت من قوة وموارد وعقول لتوفير صحة جيدة له ولأفراد أسرته، ولتوفير تعليم ومأكل ومسكن ومأمن.

الانتماء هو قيمة اعتزاز الوطن بالمواطن أينما كان وأينما ارتحل، فالوطن ملك للجميع، ومن حق الصغير قبل الكبير أن ينعم أو- على الأقل- يعيش حياة صحية آمنة، يتوفر له خلالها علاج مناسب ومستشفيات نظيفة متقدمة وأطباء مهتمون بأداء واجبهم والتفانى فيه. الانتماء هو شعور المواطن بتغير نتيجة قرارات وزارية «منتمية» تُتخذ فى سبيل إصلاح المنظومة الصحية، وليس عن طريق السلام الجمهورى وقَسَم المهنة.

الصحفى الأستاذ مكرم؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لا شك عندى فى أن الأستاذ مكرم محمد أحمد هو أحد أهم رموز مهنة الصحافة فى مصر عبر تاريخها، ولا شك أيضاً فى أنه يستحق أن نسبق اسمه بكلمة الأستاذ، فهذا هو حقه الطبيعى والمهنى.

لا أستغرب يوماً إذا وجدت الأستاذ مكرم فى أى مكان يحمل أوراقا وقلما، يتابع ما يحدث، ليكتب ما يحدث، بطبيعة الصحفى الذى لم يتركه يوماً.

الأستاذ مكرم، وعلى المستوى الشخصى، يمتلك رؤية واضحة لمشكلات الصحافة فى مصر، كذلك يمتلك رؤية للحلول التى يمكن العمل من خلالها، وقد تكون الأمور أفضل كثيراً لو استمع الآخرون إلى رؤيته كأحد أهم شيوخ الصحافة فيما يطرح من آراء، على أساس ما يمتلكه من خبرة واسعة فى هذا المجال.

هذه شهادة فى الأساس للأستاذ مكرم، نقولها قبل أن نتساءل منتقدين ذلك القرار الذى صدر منه بوقف النشر حول قضية مستشفى ٥٧٣٥٧ لحين انتهاء اللجنة الوزارية من التحقيقات التى تجريها حالياً وإعلان نتائجها، ومطالبة جميع الأطراف بالتوقف عن الكتابة فى الموضوع ووقف بث البرامج المرئية والمسموعة التى تتناوله.

فى هذه المسألة، أعتقد أن الأستاذ مكرم قد خاصم مواقفه الثابتة. خاصم قناعته المهنية. خاصمها كصحفى مازال يمارس عمله حتى الآن.

أعتقد كذلك أنه تجاوز باتخاذ قرارات ليست من حق المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام، وإذا كانت من حقه، فهى مسألة تحتاج إلى إعادة نظر، لتناقضها مع حقوق أصيلة لجهات قضائية، بل الأكثر دهشة أنه هدد من لم يلتزم بقرار المجلس باتخاذ الإجراءات القانونية.

لقد طرح المؤلف والكاتب الكبير وحيد حامد وغيره عدداً من الأسئلة، وانتظر الإجابات، فى حين أتى الطرف الآخر؛ إدارة مستشفى ٥٧٣٥٧ وآخرون، بردود مختلفة، حتى تحركت الحكومة، متمثلة فى وزارة التضامن والدكتورة غادة والى، لتشكل لجنة قضائية موسعة لفحص أعمال المستشفى الذى يعالج سرطان الأطفال، وأوجه الانتقادات المختلفة المتعلقة بإدارته، حيث يترأسها قاضٍ جليل، وتضم ممثلين عن الجهاز المركزى للمحاسبات وهيئة الرقابة الإدارية وأساتذة متخصصين فى أورام الأطفال وعددا من الشخصيات الموثوق فيها.

إن الحق الطبيعى للبشر أن يكون هناك حوار حول القضايا الخلافية، طالما أن هناك قواعد وقوانين تنظم هذا الخلاف، وتنظم النشر فيه.

إن الحق الطبيعى للمصريين أن يعرفوا أكثر حول قضية تهم مستقبل أطفال الكثيرين منهم، وبالتالى أتصور أو أتمنى أن يعيد الأستاذ مكرم الأمور إلى وضعها الطبيعى، وأن ينتصر إلى الصحفى الذى بداخله.

قوة ناعمة.. كيف؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

من الموضوعات التى تُطرح بقوة هذه الأيام موضوع القوة الناعمة، وسبق أن تناولتُ هذا الموضوع عدة مرات. لكن يبدو أن لدينا عدم وضوح، على الأقل لدى قطاع مؤثر فى صناعة القرار لذلك المفهوم وعناصره وحدوده. لذلك من المناسب دوما إعادة الطرح بزوايا مختلفة، بل أدعو إلى تشكيل فريق مهمته أن يفكر وأن يضع تعريفات متفقا عليها وتصورات حركة وفعل.

استمراراً للنقاش أقول إن الثابت أن مصر غنية بقوتها الناعمة، ربما ينشط استغلالها فى بعض الأوقات، وربما تخفت أنوارها وأدوارها.

لكن الحاجة أم الاختراع، وحاجة الدولة المصر��ة الآن للقوة الناعمة كبيرة ومتعاظمة، فى ظل التحديات الإقليمية والعالمية التى تواجهها فى مرحلة البناء والتنمية الحالية.

أحياناً كثيرة نحتاج أن ننظر إلى الماضى لنرسم ملامح المستقبل. فى النصف الأول من القرن الماضى، نجد أن صناعة السينما المصرية، التى مولتها الدولة بسخاء، كانت ثالث أكبر صناعة فى العالم خلال حقبة الخمسينيات، حيث كان لنجيب الريحانى وإسماعيل ياسين وفاتن حمامة وسعاد حسنى وشكرى سرحان، القدرة على التأثير فى كل أرجاء الأمة العربية. هم من جعلوا العرب يضحكون ويبكون. كان الاستماع إلى أم كلثوم وعبدالحليم وعبدالوهاب غير مقتصر على الُأذن المصرية فحسب، بل تعداه إلى الجمهور العربى بأكمله، وكذلك استطاع المسرح أن يجذب أقطاب هذا الفن من العرب، فكان مسرح الشوام أبوخليل القبانى ومارون النقاش فى مصر هو نقطة الانطلاق لنهضة مسرحية عظيمة.

ليس الفن فقط، بل الثقافة والأدب أيضا، فكان طه ��سين ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم وغيرهم هم الأدباء المفضلين لدى المتذوقين من المحيط إلى الخليج. الأمر تعدى كذلك إلى قطاعات ناعمة أخرى، مثل التعليم، منذ أن أرسل الرئيس جمال عبدالناصر مئات المعلمين إلى الجزائر لتعليمهم اللغة العربية الفصيحة بدلا من القياسية التى كانت منتشرة فى مدارس الجزائر حينها.

وأصبحت اللهجة المصرية صاحبة الدور الرئيسى فى تقريب الشعوب العربية من خلال الصحف والمجلات والأفلام السينمائية.

فى العقود الأربعة الأخيرة كان هناك اهتمام بالفن والموسيقى والإبداع الموجه داخليا، ولكن غاب عنا البعدان العربى والأفريقى، وحدث نوع من الاستسلام للواقع الجديد بتعقيداته، وعانينا من انكماش ملحوظ وغياب رؤية بعيدة النظر لكل ما حولنا.

ظهرت قوى إقليمية منافسة تسعى إلى بسط سيطرتها وامتداد نفوذها من خلال القوة الناعمة التى حاولت أن تروج لنفسها باعتبارها النموذج الأمثل للاقتداء به من خلال توظيف الأداة الإعلامية والفن للتأثير على الثقافات الأخرى.

ومع فترة الاضطرابات السياسية التى تلت 25 يناير حدث تراجع كبير للقوة الناعمة، سواء على المستوى الداخلى أو الإقليمى.

Egypt determined to use culture to restore its soft power

by  Abdellatif El-Menawy

Egypt is rich in soft power but its exploitation has been vivid at times, while its lights and roles have been dim at others. But necessity is the mother of invention and the Egyptian state’s need for soft power now is large and still growing, given the regional and global challenges it faces.
The mid-20th century Egyptian film industry, generously financed by the state, was the third largest of its kind in the world during the 1950s. Naguib Al-Rihani, Ismail Yassine, Faten Hamama, Soad Hosny and Shoukry Sarhan were able to influence Arab populations everywhere. They made them laugh and cry. Listening to Umm Kalthoum, Abdel Halim Hafez and Mohammed Abdel Wahab was not limited to Egyptians, but rather they reached the entire Arab audience. Egypt’s theaters were also able to attract leading Arab stars, with the works of Abu Khalil Qabbani and Maroun Al-Nakash the starting point for a great theatrical revival.
It was not only the arts that thrived, but also culture and literature. Taha Hussein, Naguib Mahfouz, Tawfiq Al-Hakim and others were the favorite writers of all Arab intellectuals. This golden age even reached other soft sectors, such as education, as President Gamal Abdel Nasser sent hundreds of teachers to Algeria to learn the standard Arabic in schools at the time.
The Egyptian dialect in particular and the Arabic language in general played a major role in bringing people in the Arab region closer together; through newspapers, magazines and movies that aimed to unite the Arab peoples against colonial powers.
All this happened even before the concept of soft power was coined decades later by the American Joseph Nye, who defined it as “the ability to attract and co-opt, rather than by coercion (hard power), which is using force or giving money as a means of persuasion. Soft power is the ability to shape the preferences of others through appeal and attraction.”
In the last three decades, there has still been interest in art, music and creativity, but in foreign policy the regional influence of Egypt has declined due to the radical changes witnessed in the world order. Egyptian culture has also been affected by globalization and the revolution of information and communications technology, which has seen it lose its special character. Qualified and creative Egyptian minds also fled as a result of the failure of the Egyptian state to cater for their needs and the availability of attractive alternative countries, mainly in the Gulf.

“Egypt’s government must try to revive the cultural golden age of the 1950s as a means of growing the nation’s soft power.”

Rival regional forces emerged, seeking to extend their influence in Arab countries through soft power. These regional forces tried to promote themselves as the ideal model to emulate by employing the media and arts to influence other cultures.
With the period of political unrest that followed Jan. 25, 2011, there was a significant decline in Egypt’s soft power internally and regionally, particularly when stars such as Adel Emam and Elham Shahin were chased by legal cases. This had a negative effect on the arts in general.
The Egyptian culture, embodied in art, literature, drama and music, became an expression of a negative reality in which the addict, the bully and the deviant were prominent. The impact of Egyptian culture on the regional arena declined, and the image of Egyptians was undesirably affected on the international stage.
In the last four years, however, the Egyptian leadership has once again begun to pay attention to the soft power bases present in culture as a supporting pillar in its domestic and foreign policies. President Abdel Fattah El-Sisi adopted a different policy to his predecessors, trying to rebuild the internal and regional status of Egypt through the arts, media personalities and writers. This was reflected in the many meetings he had to listen to the demands of prominent figures in these fields. El-Sisi even accompanied a number of them on visits to strengthen foreign relations at the level of popular diplomacy.
However, the decline in economic growth rates remains the biggest obstacle to the progress of soft power. This handicap has to be met with a counter-incentive. It is the political will of the ruling elite to reinvigorate the role of soft power through political and religious reform, offering greater freedom of opinion, expression and creativity in all its forms.
It is also necessary to strengthen soft power through legislation and laws that protect intellectuals and creative individuals, as well as supporting it by political forces and civil society organizations. Soft power must also be employed to face the psychological wars experienced by the Egyptian state, which have been trying to blur the national identity, exhaust civilian forces and systematically destroy them, and disperse public opinion through media platforms.
Recent actions taken by the state have been very important, especially increasing the proportion of exports of cultural products at the rate of 20 percent per year; increasing the number of cinemas and theaters; and building an accurate and comprehensive information system on Egypt’s present cultural realities by releasing a number of annual indicators, such as indices of cultural freedom and creative empowerment.
Soft power is the most important tool of the Egyptian state in carrying out its domestic and foreign policies to defeat the discourse of hatred, violence and extremism, and promoting peaceful coexistence between the various fabrics of society.