اعتذار للمستشارة السياسية للسفارة السورية

بقلم عبد اللطيف المناوي

منذ حوالى العام، جاءنى اتصال من المستشارة السياسية للسفارة السورية بالقاهرة. وقالت لى- بعد مقدمة من المجاملات المهنية والشخصية- إن هناك أحد الإعلانات التابعة للقناة التى أتولى إدارتها فى شوارع القاهرة، يُظهر الرئيس السورى بشار الأسد، وهو يحتل مساحة ضخمة من الإعلان، والجزء الأخير من الصورة يبين معاناة الشعب السورى من التدمير والتشريد والقتل.

عبد اللطيف المناوي

وقالت لى إنهم يعتبرون هذه الصورة مُسيئة للرئيس بشار، وأنها تُظهره بصورة سلبية. جادلتها وقتها، وقلت لها إن هذه قناة مهنية تحاول أن تكون موضوعية بقدر الإمكان، وإن هذا الإعلان لم يفعل إلا وصف الواقع، ويبين الرئيس السورى فى وضع القوى والمسؤول عن بلده وما يحدث فيه، ويبين فى ذات الوقت معاناة السوريين، فهذه صورة تحمل كل الأبعاد.

فسألتنى عن إمكانية رفع الإعلان من شوارع القاهرة، فأجبتها بأن هذا ممكن إذا ما قررت فى المقابل التوقف عن تغطية الشأن السورى من دمشق، مع العلم أننا القناة العربية الوحيدة التى تنقل من داخل دمشق، ليس انحيازاً ولكن توازناً ومهنية.

يبدو أنها لم تقتنع، وتوجهت إلىَّ بسؤال واضح: هل يمكن رفع الإعلان؟. فاعتذرت لها بالنفى. وقبل أن تنهى كلامها قالت لى: هل تسمح لى أن أسألك سؤالًا: هل تستطيعون أن تعلقوا فى الإعلانات الخارجية إعلاناً يمس زعماء خليجيين، ودولاً خليجية، فأجبتها فى إطار المهنية والحرفية: نعم، فردت بمزيج من الدهشة والاستنكار والتشكيك بتساؤل: نعم؟! شكراً. وأنهت المكالمة.

تذكرت دهشتها فى التساؤل الأخير، ورغم قطعى وقتها بالإجابة، إلا أنه عادت إلىَّ- خلال الأيام الماضية- الشكوك فى مدى قناعتى بالإجابة القاطعة التى أجبتها.

فى الأسبوعين الماضيين، ثارت ضجة كبيرة حول حملة إعلانية لتلك القناة، أحد هذه الإعلانات يحمل صورة للرئيس التركى، الذى كان على عداوة واضحة بينه وبين دول الخليج، ثم تحولت إلى صداقة منذ عدة أسابيع، وهو يجلس على كرسى الخلافة العثمانية، وقد حبس وقمع المعارضة خلفه فى أقفاص. وإعلان آخر يحمل صورة لمرشد الثورة الإيرانية، خامنئى، وهو يلتقط صورة سيلفى مع أبرز معالم دول الخليج، فى إشارة واضحة إلى مطامعه التى لا تخفى على أحد فى دول الخليج، فقامت الدنيا ولم تقعد، واعتبر بعض المسؤولين فى دول خليجية أن هذا الإعلان ماسٌّ بهم وبكرامتهم ووطنيتهم وبأمنهم القومى، وأنه إساءة ما بعدها إساءة من دولة كانوا يعتبرونها حليفة، ولم تُفلح معهم محاولات الإفهام، ولكن يبدو أن تلك الأجواء من التوتر والحساسية والتربص سادت، ووصل الأمر إلى خلق قناعة بأن قدرة التعامل والفهم لطبيعة المهنة والممارسة المهنية لدى هؤلاء باتت غير قائمة وغير ممكنة.

لم يتمكن هؤلاء من أن يفهموا الأبعاد المختلفة للصورة، لم يستطع هؤلاء أن يتقبلوا فكرة أن تخرج وجهة نظر أو خبر أو صورة أو إعلان لا يتعاطى بشكل كامل مع رؤيتهم ورغبتهم، لم يستطع هؤلاء أن يقبلوا بأن تكون هناك مساحة للاختلاف داخل العلاقات السياسية، مع الاتفاق على الأهداف الكلية، التى لا خلاف عليها بين دول عربية يُفترض أنها فى خندق واحد. وسادت روح التوتر والرغبة فى إثبات قدرتهم على فرض رؤيتهم وتصورهم وفهمهم لطبيعة المهنة، التى لا يجب إلا أن تكون ذات اتجاه واحد هم يرونه.

استحضرت ذلك الاتصال، الذى أشرت إليه مع المستشارة السياسية للسفارة السورية فى القاهرة، ورأيت أنه واجب علىَّ أن أصحح إجابتى عن سؤالها الأخير، وأن أعتذر لها عن عدم دقة إجابتى فى ذلك الوقت.

دولة القانون

بقلم عبد اللطيف المناوي

الكلمة تبدو كبيرة، وتبدو صغيرة وهينة فى نفس الوقت، لكن الحقيقة أن الأساس لأية دولة قبل أن نتحدث عن دولة الحريات أو الدولة الديمقراطية، أو حتى دولة الرفاهية، فإن الأساس هو دولة القانون.

وننطلق فى الحديث اليوم، من أمر أعتقد أننا نمر أمامه، وأحياناً نمارسه دون أن يجفل لنا جفن، أو نشعر بأننا نخالف القانون، أو أن ما يحدث أمامنا،أو حتى نمارسه، جريمة فى حق القانون.

حملت صحف الأمس، فى الصفحات الداخلية لمعظمها، والأولى فى بعضها، أخباراً عن ذلك الحادث الذى تسبب فى مقتل 9 من المواطنين البسطاء، داخل سيارة ميكروباص، بعد أن قرر سائق أتوبيس نقل عام (وسيلة أخرى لنقل البسطاء) أن يختصر الطريق ويسير عكس الاتجاه، فيصطدم ويقتل ويصيب.

Abdul-Latif-Al-Minawi

نقرأ الخبر ونتجاوزه إلى أخبار أخرى، وقد يكون رد فعلنا الوحيد هو الأسى لمصير من مات، وهو شعور سريعاً ما يتسرب ويتبخر بعد أن نتجاوز الخبر إلى الخبر الذى يليه، ولا نتذكر أن منا من يقوم بذات الفعل فى بعض الأحيان، كل يوم لمجرد أن يختصر جزءاً من الطريق، ويوفر بعضاً من الوقت.

المشكلة بالنسبة لى أكبر كثيراً من مجرد مخالفة مرور، ولكن ما حدث هو تعبير عن غياب دولة القانون بمفهومها التطبيقى، وهو ما يعنى بمعنى آخر تراجع هيبة القانون فى مواجهة التصرفات الشاذة والمخالفة، أياً كانت هذه التصرفات، وسواء صغرت أم كبرت.

فى مرات سابقة ذكرت أن استعادة هيبة الدولة تبدأ عندما تنتهى ظاهرة المطبات الصناعية الأهلية، التى يقوم أفراد عاديون بوضعها أمام منازلهم أو أعمالهم ومحالهم، لإجبار السيارات على الإبطاء، دون أن يكون هناك غطاء قانونى لما يفعلونه، وهو ما يعنى أن كل شخص يطبق القانون الخاص به فى المكان الخاص به بالشكل الذى يريده.

مجتمع مثل هذا لن يكون بمقدوره أن يتقدم للأمام أو يواجه التحديات التى تواجهه يومياً، إذا كان المحرك الأساسى له فى الحركة والفعل هو تحدى القانون أو مخالفته، دون الوضع فى الاعتبار أن هذا التحدى أو هذه المخالفة هى كسر لإحدى القواعد الأساسية للدولةـ أية دولة.

قبل أن نتحدث عن الحريات، قبل أن نتحدث عن الديمقراطية، قبل أن نتحدث عن الرفاهية، وقبل أن نتحدث عن حل المشكلات الاقتصادية، قبل أن نسأل عن كل ذلك يجب أن نسعى فى الأساس إلى أن تكون لدينا دولة قانون، يكون القانون فيها حاضراً ومحترماً ومفعلاً ومطبقاً على الجميع، ولا يستثنى أحداً، أياً ما كان هذا الأمر، وأياً ما كانت الجهة التى ينتمى إليها.

عندما تكون لدينا دولة القانون، ساعتها ستكون لدينا أى دولة وأى صيغة لأى دولة نعتقد أننا نستحقها.

مصر والسعودية.. انفجار أزمة

بقلم عبد اللطيف المناوي

أول عناصر حل أى أزمة هو الاعتراف بالأزمة. وبالتالى لسنا بحاجة للاعتراف بوجود أزمة بين مصر والسعودية، لأنها انفجرت بالفعل، وهذه المرة يبدو أنه انفجار عالى الصوت ومدوٍّ، وينبغى العمل على حصاره والتحكم فيه وإدارته، وأنا هنا أتحدث عن دور يقوم به الطرفان، مصر والسعودية. وستكون إحدى علامات المراهقة السياسية والإعلامية أن يقف أى طرف للآخر مكايداً، أو نافخاً فى الكير.

عبد اللطيف المناوي

هناك العديد من الزوايا فى هذه الأزمة الجادة، ويمكن التوقف أمامها جميعا، فى مراحل أخرى، ولكن اليوم نقف عند منطقة: كيف يمكن حصار الأزمة، وعدم تصاعدها.

من حق مصر أن يكون لها موقفها المتمايز والمختلف عن السعودية، ومن حق السعودية أن تكون لها سياساتها التى تختلف جزئياً أو كلياً مع السياسة المصرية، لكن الأكيد أن هناك حاجة لإدارة عقلانية لهذا الخلاف أو الاختلاف.

غنى عن البيان أن نتحدث عن أهمية العلاقة بين البلدين، وسيكون من نافل القول أن نعتبر أن مصر هى أحد أهم عناصر الاستقرار فى المنطقة، ولكل المنطقة، كما أن السعودية لاعب رئيسى فى كل أحداث المنطقة فى هذه المرحلة، وبالتالى فإن الخلافات عالية الصوت يمكن أن تؤثر سلباً على كلا البلدين.

مصر فى هذه المرحلة تواجه تحديات حقيقية لدولة عميقة الجذور فى التاريخ، واستمرارها هو أمر مفروغ منه، ولكن التحدى هو استعادتها قوتها فى هذه المرحلة الحاسمة، أما السعودية فكما ذكرت هى أهم عناصر المعادلة فى المنطقة فى هذه المرحلة، وتواجه أيضاً تحدياً مصيرياً ازدادت ملامحه خلال الأشهر الأخيرة. إذن مصر تواجه تحدياً كبيرا والسعودية تواجه تحدى المصير، ولن يكون من صالح أى من الطرفين أن يضيف إلى تحدياته وإلى مشكلاته مشكلات إضافية.

الاختلاف فى وجهات النظر يمكن أن يكون أحد عناصر القوة، إذا أجادت الأطراف تقسيم الأدوار، واستغلال هذا الاختلاف. لمصر موقف واضح منذ البداية من الأزمة السورية، وهذا الموقف له مبرراته وله الأسس التى عليها بُنى هذا الموقف. ولمصر موقف من الحرب فى اليمن، وأيضاً للرأى العام المصرى موقف واضح من قضية الجزيرتين، وفى إطار التوازنات الجديدة فإنه من المفهوم أن تكون هناك تواصلات مصرية إيرانية، وأن تكون هناك علاقة مع روسيا، فقط يظل المطلوب مصرياً هو إدارة الخلاف مع الشريك السعودى، وشرح أبعاد المواقف بشكل مستمر.

على الطرف الآخر، فإن للسعودية موقفها من ذات القضايا، حتى لو لم تكن متفقة مع وجهة النظر المصرية، وحتى لو كان هناك ضغط فى بعض القضايا، على الأخص فى قضية الجزيرتين، فإن الواجب على السعودية فى هذه الحالة هو التواصل والشرح للمواقف التى تبدأ وتؤول إلى آثار سلبية فى العلاقة.

الوضع كما يبدو أن هناك حالة من حالات الخلاف أو الاختلاف فى الرأى المتبادل بين الطرفين، وعلاج هذه الحالة لا يكون بالمكايدة، ولكن يكون بفتح حوار وتواصل والبحث عن قواعد مشتركة، والانطلاق منها إلى آفاق تعاون تحمى مصالح كلتا الدولتين، وتحمى العلاقة التى لا ينبغى بأن يُسمح بإفسادها، ولا أن تتحول إلى عائق أو تحدٍّ إضافى أو مشكلة إضافية، بدلاً من أن تكون مصدر قوة ودافعا وداعما.

أعود مرة أخرى إلى إدارة هذه الأزمة، وكيف يمكن الخروج منها، والبداية بأن ينبغى وضع أهداف واضحة لحصار هذه الأزمة، والخطوة الأولى والحاسمة هى عدم النفخ- وأكررها للمرة الثالثة- فى نار الاختلاف، والدعوة فوراً إلى وقف ما بدأ من حملات إعلامية، وتلاسن عبر وسائل التواصل الاجتماعى، ولا يجوز هنا التفسير أو التبرير بأن هذه المواقف مستقلة، ولا تعبر عن مواقف الدولة. وعلى الدولتين إدارة الاختلاف والخلاف من أجل صالح الدولتين، لأن الثمن سيكون مُكلفاً للدولتين.

الأكيد فى هذه المرحلة أن استخدام البترول الذى كان سلاحاً فى حرب أكتوبر لدعم الجيشين المصرى والسورى فى معركتهما فى حرب 73 لا يجوز- حتى على المستوى النفسى- أن يتحول إلى سلاح أياً كانت المبررات، وإذا كان هذا غير صحيح، فيجب إعلان ذلك فوراً.

الدعوة الآن إلى حوار عقلانى صريح، وإدارة الخلاف بشكل يصب فى صالح الدولتين.

إدارة الأزمات في مصر.. تساؤلات ونقاش (2)

بقلم عبد اللطيف المناوي

والآن، هل نجيد إدارة الأزمة؟ وقبل ذلك، هل لدينا ثقافة إدارة الأزمة؟ وهنا أجيب عن السؤال الثانى لأنه يقود إلى الإجابة عن السؤال الأول. والإجابة هنا «لا»، وكما يقول رجال القضاء «قولاً واحداً»، وهذا القطع فى الإجابة ليس من قبيل التشدد، ولكن نتيجة منطقية لمقدمات واقعية.

Abdul-Latif-Al-Minawi

المبدأ الأول فى إدارة الأزمة، كما سبق أن أشرت، هو أن تجتمع الأطراف التى على علاقة بالأزمة لتحدد اُسلوب التعامل معها، ومن هنا يأتى القطع، فليس من ثقافتنا العمل المشترك والتعاون بين الأطراف المختلفة، بل إن السائد هو الإعاقة وعدم التعاون.

وهنا أتحدث عن واقع لا أظن أن كثيرين يمكن أن يختلفوا معه. وكنت شاهداً على العديد من المواقف على مدار السنوات العشر الماضية، أو أكثر قليلاً، كان قرار أطراف مختلفة فى الدولة فى مواجهة أزمة ما إما الاختفاء من على الساحة وعدم المشاركة والاكتفاء بالمشاهدة والمتابعة لتطورات الأزمة، وفى بعض الأحيان الشماتة فى الطرف الذى يتعامل مع الأزمة إن فشل فيها أو واجه معوقات، أو الموقف الآخر، وهو يكون عندما تكون الأزمة مرتبطة بهذا الطرف، فإنه يقرر الانفراد بمحاولة الحل لاعتقاده أن دعوة الآخرين للمشاركة هى إعلان ضعف وعدم مقدرة. لذلك يكون السلوك طارداً حتى وإن حاول البعض «التطوع» للمساعدة.

إذن هذه هى الثقافة السائدة بين الأشخاص والمؤسسات، والذى يصل الأمر فيها أحياناً إلى درجة عدم المشاركة بالمعلومات والحرص على عدم وصولها للأطراف الأخرى، وكأن كل هؤلاء ليسوا أبناء نظام واحد، ووطن واحد.

كم من قضايا كبيرة وصغيرة، داخلية وخارجية، انتهى أمرها إلى فشل كبير، وعجز عن التعامل معها وإدارتها لأن القائمين عليها رأوا أنفسهم، ومازالوا يَرَوْن أنفسهم، الأقدر والأحق، ويعتبرون أن وجود أى أطراف أخرى هى تهديد لهم، أو تقليل من قدرهم، على الرغم من أن التفكير الصحى والعلمى يؤكد أن هذا التفكير نتيجته الوحيدة هى الفشل المستمر فى التوصل إلى أفضل النتائج فى مواجهة الأزمات.

إذن بناء على هذه الإجابة عن السؤال الثانى يمكن الإجابة بقدر من الثقة عن السؤال الأول، أننا لا نجيد هذه الملكة أو هذه القدرة التى تسمى «فن إدارة الأزمة» لأننا ببساطة نفتقد ثقافة العمل الجماعى، ونفضل العمل منفردين ظناً منا أننا الأقدر دائماً ولسنا فى حاجة إلى أطراف أخرى يمكن أن تدعى أنها السبب فى حل الأزمة، لو حُلت، ويأخذوا هم التقدير.

بل يمكن القول إن العديد من الأزمات التى بدأت فى مصر، خلال الأشهر الماضية، مستمرة لهذا السبب، وهو تقديس الذات، والنظر للآخر بريبة طوال الوقت، ويمكن هنا إضافة سبب آخر، لا يمكن إغفاله، هو أن اعتقاد البعض بوجود مؤامرة خارجية أو داخلية فى كل مشكلة تحدث مهما كانت صغيرة، يحجب فى كثير من الأحيان رؤية الطريق الصحيح نحو حل الأزمة. وإذا كنا فى حل الآن من مناقشة نظرية المؤامرة، وتأثيرها على كل قراراتنا، فإنه لا يمكننا إغفال أن الإيمان القطعى- فى بعض الأحيان- بهذه النظرية، سبب آخر فى عدم حل أى أزمة.

إن بداية حل أى أزمة هو معرفة أسبابها، وإذا أُغفلت الأسباب الحقيقية مع الاعتماد فقط على «نظرية المؤامرة» فإننا لن نصل إلى طريق الحل، ولن نستطيع إدارة أى أزمة، مهما بدت صغيرة.

إدارة الأزمات فى مصر.. تساؤلات ونقاش (1)

بقلم عبد اللطيف المناوي

تعرضت مصر خلال الفترة الماضية، وما زالت تتعرض، لمجموعة من الأزمات، سواء فى السياسة الخارجية أو الداخلية أو الاقتصاد، والنماذج متعددة وكثيرة، منها على سبيل المثال نموذج أزمة مقتل الباحث الإيطالى جوليو ريجينى، ومنظمات المجتمع المدنى، وتصدير الحاصلات الزراعية، وعدم السيطرة على سوق القمح، وصورة مصر فى الخارج، وعدم استقرار سعر الصرف، وأزمة السياحة الروسية.. وكلها أزمات موجودة ومستمرة ومعرضة للزيادة خلال الفترة القادمة.

وهنا يُطرح السؤال والانتقاد فى نفس الوقت: هل تملك مصر مجموعة لإدارة الأزمات؟ والإجابة أنه فى الأغلب تملك معظم المؤسسات ما يمكن أن نطلق عليه مجموعة لإدارة الأزمة، بل أعتقد أن هناك مجموعة تابعة لمجلس الوزراء تحمل هذا الاسم، وقد يكون لها إدارة، وقد يكون لها مدير عام، ونائب مدير، أو رئيس إدارة مركزية، لكن الأمر الأكيد أن هناك ملحوظة سمعتها من أطراف متعددة بأن لدينا مشكلة فى أسلوب إدارة الأزمات.

المسألة ليست مجرد مجموعة تجلس لتتحدث، ولكن المسألة لها أسلوب عملى ينبغى اتباعه، وقبل أن نتحدث ببعض التفصيل عن نماذج لتؤكد ما أتناوله وتوضح ما أقصده، فإننى أطرح بعض التصورات العلمية الأولية لمفهوم إدارة الأزمة، والذى بناءً عليه يمكن أن نقيم مستوى إدارتنا للأزمة.

بدأ مفهوم إدارة الأزمات فى الظهور فى ستينيات القرن الماضى، عندما اشتعلت أزمة حادة بين الاتحاد السوفيتى والولايات المتحدة الأمريكية، حول وجود صواريخ نووية فى كوبا، كادت تشعل فتيلاً للحرب العالمية الثالثة، ثم انتهت تلك الأزمة بالحوار والتهديد والترغيب والوعيد، وتم عقد صفقات فى الخفاء، ووقتها أعلن وزير الدفاع الأمريكى، ماكتمارا، أن عصر الاستراتيجية انتهى، وبدأ عصر جديد يمكن أن نطلق عليه اسم «عصر إدارة الأزمات». ومنذ ذلك الوقت بدأ اتجاه جديد يتعامل مع المواقف الصعبة من خلال مجموعة من القواعد أو التوجهات، أطلق عليها «فن إدارة الأزمات» أو «سيكولوجية إدارة الأزمات»، أو «سيناريوهات إدارة الأزمات».

ومن هنا يمكن القول إن علم إدارة الأزمات هو المحافظة على أصول وممتلكات الدولة، وعلى قدرتها على تحقيق الإيرادات، كذلك المحافظة على مواطنيها ضد المخاطر المختلفة، والعمل على تجنب المخاطر المحتملة أو تخفيف أثرها على المنظمة، فى حال عدم التمكن من تجنبها بالكامل.

ويجد العديدُ من الباحثين أن إدارة الأزمات هى علم وفن إدارة التوازنات، والتكيف مع المتغيرات المختلفة وبحث آثارها فى كل المجالات، ويمكن القول أيضا بأنها عملية الإعداد والتقدير المنظم والمنتظم للمشكلات الداخلية والخارجية التى تهدد بدرجة خطيرة سمعة المنظمة وبقاءها. ويميز المفكرون بين عدد من المصطلحات المتعلقة بالأزمة مثل المشكلة والكارثة، فليست كل مشكلة أزمة، وإن كان لكل أزمة مشكلة.

ومن هنا يمكن القول إن مشكلتنا الحقيقية هى عدم تبنى علم إدارة الأزمات كحلٍ مهم للمشكلات المتعددة التى تقابلنا، بما يوفره لنا هذا العلم من إمكانية اكتشاف المشكلة قبل حدوثها وعلاجها، واحتواء الأضرار الناجمة عنها، والاستفادة من التعلم من الخبرات الشخصية السابقة، أو خبرات الدول الأخرى فى طرق إدارة أزماتهم.

الأزمة الحقيقية لدينا هى غياب التخطيط، والتخطيط للمستقبل هو جوهر فن إدارة الأزمات، والذى يجيب عن الأسئلة المتعلقة بها، مثل: ماذا نفعل عندما نواجه أزمة؟ متى حدثت الأزمة؟ متى علمنا بها؟ متى تطورت أبعادها؟ مَن سبب الأزمة؟ مَن المستفيد منها؟ مَن المتضرر منها؟ مَن المؤيد لها؟ مَن المعارض لها؟ مَن المساند؟ من الذى يوقفها؟ كيف بدأت الأزمة؟ كيف تطورت؟ كيف علمنا بها؟ كيف تتوقف؟ لماذا ظهرت الأزمة؟ لماذا استفحلت؟ لماذا لم تتوقف؟ لماذا نحاربها ولا نتركها لحالها؟ أين مركز الأزمة؟ إلى أين ستمضى؟ أين مكمن الخطر؟ إلى أين يتجه الخطر؟.

هذه هى الأسئلة التى تحتاج إلى إجابة عند كل أزمة، وبالإجابة عنها يمكن أن نتلمس بداية طريق الابتعاد عن الخطر وحل المشكلة، المهم أن نبدأ.