الأسئلة الصعبة: الثقة.. القدرة.. الأمل

Abdul-Latif-Al-Minawi

بقلم عبد اللطيف المناوي

كانت هذه هى الرسائل الأساسية وعماد توجه المشير عبد الفتاح السيسى إلى الشعب، ملبيا النداء للترشح لرئاسة الجمهورية. كانت هذه وعوده التى أظن أن الناس كانت فى حاجة إلى أن تسمعها مرارا وتكرارا بأشكال وطرق مختلفة ومتعددة. على الرغم من عدم تكرار هذه الرسالة كثيرا فيما بعد إلا أننى أستطيع القول إنها المكونات الرئيسية لنجاح من يريد أن ينجح فى حكم مصر، وأيضاً كانت ملموسة بل واضحة فى مضمون ما تحدث به المرشح ثم الرئيس فيما بعد. صحيح أن وضوح الرسائل أحد أهم عناصر نجاح الخطاب السياسى وضمان تأثيره مستمرا إلا أن ما يمتلكه الرئيس من علاقة شديدة الخصوصية والتفرد مع الناس وعطية التواصل الإلهية مع الناس ضمن له نتائج مستمرة النجاح فى ترسيخ علاقته بالشعب. لكن الاعتماد على هذه العلاقة وحدها دون استثمارها والبناء عليها ليس هو الخيار الأفضل للجميع، للرئيس، للمسؤولين، للشعب بل للدولة كلها.

لنجاح النظام، أى نظام، عدة ركائز، أهمها ثقة المواطن فى قدرة نظامه على الإنجاز، ثم قدرة النظام على الإنجاز، ويترافق ذلك مع القدرة على خلق الأمل لدى الناس بأن القادم أفضل، وذلك من خلال التواصل الصحيح معهم ودفعهم وإقناعهم وخلق الإيمان داخلهم بأهمية مشاركتهم، وحشدهم من أجل الفعل المشترك بين الشعب ونظامه وقيادته. والسؤال الآن هو هل تتوفر هذه العناصر فى المرحلة الحالية؟ هل هناك ثقة لدى الناس فى قدرة نظامها على الإنجاز؟ وهل هو قادر بحق ويمتلك الأدوات للفعل؟ وهل الأمل حاضر فى نفوس الناس ليدفعهم للمشاركة والتحمل والعمل؟

ما سأفعله بمحاولة الإجابة عن هذه الأسئلة هو تمرين ذهنى أدعو القراء إلى ممارسته، وسأبدأ بالإجابة عن سؤال الثقة: هل لدى المواطن ثقة فى قدرة نظامه على الفعل؟ الإجابة هنا هى مزيج متداخل من نعم ولا، وذلك لأن الثقة هنا أو عدمها تتوزع على النظام بمستوياته المختلفة، ابتداء من قاعدة النظام البيروقراطية وحتى رأس النظام. ومعدلات الثقة هنا تتباين ما بين القاعدة والقمة، وهى علاقة اطرادية، بمعنى أنه كلما ارتفعنا إلى القمة ازدادت الثقة فى القدرة على الفعل إلى حدها الأقصى، فى حين تتضاءل إلى قرب العدم فى المستويات القاعدية. بلغة بسيطة ومباشرة وبعيدة عن التقعير فإن الناس مازالوا يثقون بدرجة كبيرة للغاية فى قدرة الرئيس، ومازال الأمل قائما عليه باعتباره القادر على إنقاذ مصر من أزمتها. فى الدائرة التالية مباشرة للرئيس، والتى يمكن اعتبارها الماكينة الرئاسية من أدوات معاونة ومستشارين ومجموعات عمل، فإن الناس غير قادرين على الحكم بالثقة من عدمها بسبب أنها دائرة مجهولة أو مظلمة لهم فلا يعلمون من فيها، وإن كان هناك بعض الأسماء فإن أداءهم غير واضح لهم. وبالتالى فإن قطاعا كبيرا يميل إلى الثقة فى قدرتهم نسبيا لارتباطهم بالرئيس الذى يثقون فيه، والبعض الآخر يتحفظ فى الحكم لأنه لا يعلم.

إذا ما تحركنا خطوة من قمة الهرم إلى المستوى التالى مباشرة، أى إلى الجهاز التنفيذى المعاون للرئيس المتمثل أساسا فى الحكومة بمجلس وزرائها والهيئات والمؤسسات الحكومية الأخرى، فإننا سوف نلحظ انخفاضا ملحوظا فى الثقة فى القدرة على الفعل، وتباينها فى مستوى هذه الثقة، تباينا مرتبطا بالزمن والأشخاص. بدأ الناس فى المرحلة الأولى التالية لانتخاب الرئيس يملؤهم الأمل الذى تحول إلى ثقة فى المجموعة التى كلفها الرئيس بتنفيذ رؤيته لبناء مصر، وساعد على ذلك الأداء الذى بدا مختلفا من الحكومة ورئيسها، وشعر الناس أن المسؤولين الجدد- حتى لو مارسوا المسؤولية من قبل- ينطلقون من منطلقات مختلفة عن ذى قبل، هم أقرب لهم، أو هكذا وصلتهم الرسالة، هم يشبهونهم ويفهمونهم ويعرفون مشاكلهم ويعيشون معهم فى شوارعهم وحاراتهم، أو هكذا وصلتهم الرسالة، لذلك تغلب الكثيرون على شكوكهم وراهنوا على الثقة بهؤلاء المسؤولين الجدد، حتى لو من بينهم قدامى، وهنا زادت معدلات الثقة فى قدرتهم على الفعل فى هذا التوقيت المبكر، وانتظرنا ما تسفر عنه الأيام. وبعد مرور هذه «الأيام» بدأ التراجع فى معدلات الثقة، وهذا ما قصدته بالتباين المرتبط بالزمن. أما التباين المرتبط بالأشخاص فإنه ارتبط بأشخاص المسؤولين الذين كانوا ومازالوا تحت اختبار قاس ومستمر من قبل الناس. ويمكن القول باطمئنان إن الفرز الشعبى المعتمد على الحس الفطرى دقيق الى درجة بعيدة. لذلك فإن مستويات ثقة الناس فى المسؤولين تتباين ما بين مسؤول وآخر، وأيضاً ترتبط بقدرة المسؤول على التعامل مع المشكلات ومع قدرته على التواصل الصحيح مع الناس.

المؤسسة الوحيدة التى تتمتع بدرجة عالية من ثقة الناس فى القدرة على الفعل هى المؤسسة العسكرية، جزء مهم من هذه الثقة يأتى نتيجة ثقة الرئيس بها فيكلفهم بما يعتقد أن القطاع المدنى لن يفلح فى القيام به، وهى تكليفات كثيرة، إضافة إلى تلك العلاقة الخاصة جداً بين المصريين وجيشهم، لكن القضية هنا هى أن هذه الثقة المزدوجة من الرئيس وقطاع مهم من الشعب فى المؤسسة العسكرية، وهى ثقة فى محلها بدرجة كبيرة، تتوازى أو تتزامن مع تراجع فى مستوى الثقة فى القطاع المدنى، وهذه مسألة خطيرة حتى لو كان غياب الثقة له مبررات.

إذن السؤال الأول عن مدى ثقة الناس فى قدرة النظام على الفعل إجابته أشبه بلوحة مرتبكة.. إلى أى مدى ينعكس هذا على قدرة النظام على الفعل؟ هذا هو السؤال الثانى الذى سنمارس تمرين الإجابة عنه المقال القادم.

تونى بلير.. رؤية مختلفة للمنطقة

بقلم عبد اللطيف المناوي

فى السابع من يوليو- آذار- من عام 2013، كتب رئيس الوزراء البريطانى الأسبق تونى بلير مقالا فى صحيفة «الأوبزرفر» البريطانية، واتخذ فيه موقفا مؤيدا لتدخل الجيش المصرى للوقوف بجانب الشعب فى الإطاحة بالإخوان، لم يكن كل شخص فى بريطانيا يتفق مع ما قاله وقتها فى المقالة، وتم توجيه انتقادات له من الكثيرين من وسائل الإعلام وسياسيين بريطانيين وغربيين، لم يثنِ هذا الهجوم الرجل عن الاستمرار فى موقفه، بل تجاوز ذلك إلى القيام بزيارات إلى القاهرة، بعضها لم يعلن عنه، ليترجم موقفه المؤيد من كلام إلى فعل. وبسبب هذا الموقف، تعرض بلير للعديد من حملات الهجوم والتشكيك، وغنى عن البيان الإشارة إلى أنه يتمتع بشخصية مثيرة للجدل حولها، وليس هو السياسى المفضل لدى قطاعات من الرأى العام البريطانى. فى المقابل، من الواضح تماما أن الرجل ظل يحتفظ بحضوره على الساحة الدولية، ولا يوجد سياسى بريطانى معاصر نجح فى الاستمرار فى دائرة الضوء والجدل والتأثير كما بلير.

عبد اللطيف المناوى

عرفت تونى، كما يناديه من حوله، عن قرب خلال الفترة التالية لإسقاط الإخوان، وفى آخر مرة تحدثنا فيها، توقف أمام السبب الذى دفعه إلى اتخاذ موقف ضد التيار: «أعتقد أن بعضنا ممن دعموا ثورة يونيو يشعر بأننا اتخذنا القرار الصحيح، فمصر كانت فى حالة أزمة، وأعتقد أنها كانت تنزلق إلى الهاوية، ولابد من نزول ملايين الناس إلى الشوارع، لأنهم عرفوا ما الإجراءات التى يجب اتخاذها حيال هذا الوضع، ورغم وجود الكثير من التحديات، فإننى أعتقد أن الدولة الآن فى طريقها إلى المستقبل» ويضيف: «اعتدت هذا النقد من الإعلام، خاصة إذا كنت تتمتع بخبرة عريضة، فيجب عليك استخدام هذه الخبرة لتقول للناس ما الذى تفعله، وقد يكون ما تقول يراه البعض ليس الحكمة الأصيلة، وبالنسبة لى كنت أرى وأشعر بما يحدث فى مصر، وأرى هذا الاستحواذ المنظم على كل المؤسسات من قِبَل الإخوان، كوسيلة للوصول إلى غاية وليس ممارسة الديمقراطية، ومهمتى أن أقول للناس احذروا ذلك، واستيقظوا، فليس سهلا أن يستمر هذا الوضع».

يعتقد تونى أن المشكلة هى أن الغرب يجهل تماما ما يحدث فى الشرق الأوسط، وهو لا يستثنى نفسه من هذا الجهل، لكن بعد مغادرته عمله فى الحكومة وانشغاله بعملية السلام فى الشرق الأوسط أصبح أكثر قدرة على فهم أفضل لطبيعة المنطقة وتعقيداتها، لعل من أهم المفاهيم المعدلة بعد تصحيح سوء الفهم الأصيل أن الاعتقاد لدى الغرب بأن الإخوان مثلهم مثل الحزب الديمقراطى المسيحى فى ألمانيا مثلا هو اعتقاد يدعو للسخرية، إنها منظمة تختلف تماما، والغرب فشل فى رؤية ذلك، فهناك فجوة بين حقيقة ما يحدث فى الشرق الأوسط وما يفهمه الغرب.

تونى الذى يعتبر نفسه داعما لمصر وللرئيس السيسى يعتقد أنه لا خيار أمام الجميع إلا أن ينجح، ويقول فى هذا الصدد: «ما أستطيع أن أقدمه لمصر وأقوله للناس فى الغرب: إنه من الضرورى لأمننا أن تنجح مصر، فإذا نظرتَ إلى المنطقة، سواء كان للقضية الفلسطينية- الإسرائيلية، أو ما يمارسه تنظيم (داعش)، أو الأزمتين الليبية واليمنية، فسوف تجد أنه لا يمكن لأى من هذه المشاكل والأزمات أن تتحسن إذا لم يكن السيسى موجودا، وكان الإخوان هم الموجودون، والأساس فى أمننا أن تنجح مصر. إن نجاح مصر ضرورى لتحقيق أمن الدول الغربية، نظرا لأهمية دور القاهرة فى الأزمات التى تشهدها بعض دول منطقة الشرق الأوسط».

سيظل علينا العمل دوماً لكسب أصدقاء جدد والدفاع عنهم ودعمهم، لقد أصبحت الأصوات الصديقة المؤثرة صعباً الحصول عليها فى هذه المرحلة التى نمر بها ومع ما تشهده المنطقة من أحداث ودماء.

مشاهد من السودان و«انتخاباته»

بقلم عبد اللطيف المناوي

ولاية رئاسية خامسة يستعد الرئيس السودانى عمر البشير لدخولها، بعد الفوز الذى تقول حسابات اللعبة السياسية بالسودان إنه مؤكد فى الانتخابات الأخيرة فى السودان، قاطعتها قوى المعارضة، وتغيب عن مراقبتها الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى، هذه المرحلة الجديدة التى سيمتد فيها جلوس البشير على كرسى الحكم لواحد وثلاثين عاما بحكمه خمس سنوات أخرى، تفرض واقعا جديدا على السودان، واقعا لا تنقصه الضبابية فى ظل حروب تمتد من دارفور غربا، مرورا بجنوب كردفان والنيل الأزرق جنوبا، كما ستفرض أيضا واقعا فى العلاقات الخارجية مع جوار السودان العربى والأفريقى، وفى المقدمة الجارة الشمالية مصر

عبد اللطيف المناوى

هذه الانتخابات تقاطعها المعارضة السودانية، وبقوة، ربما استمدتها بصف يبدو أكثر تماسكا بصورة تعتبر الأكبر، إذ تكون مؤخرا تحالف (نداء السودان)، وهو تحالف يضم تحته لواء معارضة الداخل، ويقودها حزب الأمة، بزعامة الصادق المهدى، إضافة إلى تحالف الجبهة الثورية، الذى يضم الحركات المتمردة فى دارفور، إلى جانب الحركة الشعبية لتحرير السودان، التى تقاتل الحكومة فى النيل الأزرق وجنوب كردفان، وما يزيد من تأثيرات هذا الموقف الرافض للانتخابات هو ضمه أحزاباً تعتبر الأقرب للمؤتمر الوطنى الحاكم مثل المؤتمر الشعبى، بزعامة الترابى، وحركة الإصلاح الآن التى يقودها المفاوض الحكومى السابق غازى صلاح الدين، إضافة إلى منبر السلام العادل الذى يرأسه الطيب مصطفى، (خال الرئيس).

كل هذا الحشد ضد الانتخابات كانت له تأثيراته على مواقف مبكرة جدا من المجتمع الدولى برفض هذه الانتخابات، وهو ما أدى إلى مقاطعتها من قِبَل الأمم المتحدة والاتحاد الأوروبى الذى قال إن هذه الانتخابات تجرى فى بيئة منقوصة، وهو ما يعتبر موقفا مسبقا رافضا لنتائجها.

المؤتمر الوطنى الحاكم برر تمسكه بإقامة الانتخابات فى موعدها قائلا إنها استحقاق دستورى مقرر منذ انتخابات 2010 التى انفصل بعدها جنوب السودان، رغم أنه كان بإمكانه إجراء تعديلات على الدستور الانتقالى، بحكم استحواذه على مقادير البرلمان وتمديد فترة انتقالية تهيئ الأجواء لإجراء انتخابات وفق معايير طالبت بها المعارضة، وربما حصلت على تأييد من المجتمع الدولى.

لكن فى المقابل يبدو أن المؤتمر الوطنى كان يتجنب حدوث فراغ دستورى يمهد الطريق للمعارضة لإعلان حكومة أمر واقع، أو حكومة موازية فى المنفى، فرصة حصولها على تأييد من قوى دولية كبيرة كانت واردة بدرجة كبيرة.

أوراق التصويت هذه التى أدلى بها الرئيس السودانى تمثل بداية مرحلة جديدة يدخلها المشهد السياسى فى السودان، مرحلة فرض فيها المؤتمر الوطنى الحاكم أمرا واقعا بتمسكه بقيام الانتخابات فى موعدها، وهو ما تعارضه معارضة الداخل والخارج بجميع تياراتها السلمية والمسلحة، المعارضة تمسكت بموقفها الرافض للمشاركة فى انتخابات تقول إن الراهن السياسى بالبلاد لا يسمح بقيامها.

لكن فى المقابل لا يبدو الطريق مفروشاً بالورود أمام المؤتمر الوطنى الحاكم فى السودان فى فترة حكمه التى تجاوزت ربع القرن من الزمان، وبدت لغة التهدئة بائنة من قياداته فى مواجهة دعوات المقاطعة التى تقودها المعارضة.

مراكز الاقتراع قاطعتها الأمم المتحدة، وغاب عنها الاتحاد الأوروبى، الذى استبق نتائج الانتخابات بما يشبه عدم الاعتراف بها، بوصفه لها بـ«المنقوصة»، لكن الجامعة العربية والاتحاد الأفريقى حضرا بمراقبيهما الانتخابات، بحكم عضوية السودان فيهما.

اعتبرت قوى «نداء السودان» المعارِضة الإقبال الضعيف على عملية الاقتراع التى تجرى فى البلاد حاليا «ثمرة» لحملة «ارحل» التى أطلقتها لمقاطعة الانتخابات، وطالبت جهاز الأمن بإطلاق سراح ناشطين فى الحملة اعتقلتهم السلطات.

يبقى تأثير هذه الانتخابات على العلاقة مع الجارة الشمالية، العلاقات مع مصر هى علاقة تعتمد على واقع يفرض التعاون بين الحكومتين، المصرية التى تعمل على ملاحقة الإخوان المسلمين، حيث عاش البلدان أسوأ أيام علاقاتهما عقب سقوط مرسى، وبدت القاهرة أكثر تشددا فى التعامل مع ما تعتبره آخر خندق للإخوان المسلمين، وهو السودان، وفى المقابل بدأ الخناق الاقتصادى يضيق حول عنق الخرطوم، خاصة من الحليف السياسى لمصر- دول الخليج- ومرت فصول من الشد والجذب إلى أن وصل السودان ومصر خلال الأشهر الستة الماضية إلى تقارب عززته زيارات متبادلة للرؤساء، تقارب تقول كل الدلائل إنه مفروض على الطرفين، ويمكن أن تضاف إليها التنازلات التى قدمتها الخرطوم للخليج- الحليف الأساسى لمصر- بتخليها عن آخر حلفائها، إيران، وانضمامها إلى «عاصفة الحزم».

إلى أى مدى ننجح مع إثيوبيا؟

بقلم عبد اللطيف المناوي

أضحت المياه سلاحاً سياسياً يُستخدم للضغط من قبل قوى أخرى فى منطقة حوض النيل، وذلك لتحقيق مآرب أمنية وأهداف استراتيجية لهذه الدول. ورغم اتساق الموقف المصرى بشأن قضية الانتفاع بمياه نهر النيل مع مبادئ وقواعد وأعراف القانون الدولى، إلا أنه يمكن القول إن القانون الدولى لن يكون حلا للخلافات على المياه ما لم تكن هناك اتفاقيات متعددة الأطراف لكامل دول حوض النيل بشأن حقوق توزيع المياه، سواء السطحية أو الجوفية بين الأطراف المتنازعة عليها. كون مشكلة المياه تتفرع عنها مشكلات أخرى عديدة، منها ما يتعلق بالبيئة، وزيادة عدد السكان، وسياسة كل دولة، والمصادر البديلة، وطريقة استخدام المياه، والتكنولوجيا المستخدمة. إن نزاعات بسيطة متعلقة بتطبيق معاهدة ما، أو إنهائها أو بطلانها، قد تتطور إلى نزاعات أخرى أكثر خطورة فيما بين الأطراف من جراء أعمال المعاملة بالمثل، وقد تصل إلى جمود العلاقات الدبلوماسية بين البلدين، أو إلى قيام نزاع مسلح فى بعض الحالات، والدول كثيرا ما تلجأ إلى الحلول السياسية التى تسمح لها بحل النزاع.Abdul-Latif-Al-Minawi

وعارضت مصر فى السابق بناء السد الأكبر من نوعه فى أفريقيا، قائلة إنه سيقلل حصتها من مياه النهر. بالمقابل، دأبت إثيوبيا على القول إن السد سيوفر لها حصة عادلة من مياه النيل.

وفى عام 2013 أقر البرلمان الإثيوبى معاهدة مثيرة للجدل تستبدل اتفاقات من عهد الاستعمار كانت تمنح مصر والسودان أكبر حصة من مياه النهر. الرئيس عبدالفتاح السيسى وقّع إعلان المبادئ فى الخرطوم مع رئيس وزراء إثيوبيا هايلى مريام ديسالين، والرئيس السودانى عمر البشير.

وأبدى الزعماء الثلاثة ترحيبهم بالاتفاق فى كلمات بالقصر الرئاسى فى الخرطوم، حيث شاهدوا فيلما قصيرا عن «سد النهضة العظيم» يوضح فوائده للمنطقة.

وحصلت إثيوبيا على دعم قوى من دول حوض نهر النيل الأخرى- رواندا وتنزانيا وأوغندا وكينيا وبوروندى. إن تضمين مبدأ حسن النية فى اتفاقية إعلان المبادئ الخاصة بسد النهضة، التى وقّعها الرئيس عبدالفتاح السيسى مع نظيره السودانى عمر البشير، ورئيس الوزراء الإثيوبى هايلى مريام مؤخرا، خلال زيارة للسودان، تعد ضمانة مهمة لمصر، حيث تمثل حجة قانونية دولية داعمة لمصر وملزمة لإثيوبيا تحديدا فى انتفاعها من نهر النيل وأيضا من سد النهضة. إن تضمين مبادئ القانون الدولى فى الفصل الأول من الاتفاق يعد أمراً قانونياً إيجابياً للغاية لمصر، حيث يعنى، وفقا لمبادئ القانون الدولى، أن سائر الأعراف والمبادئ وقواعد ذلك القانون، فضلا عن التعاون الدولى لمجارى الأنهار الدولية، ستنطبق على الدول فى تنفيذها الاتفاقية. لأن تفرد الفصل الرابع من الاتفاقية لمبادئ الاستعمال المنصف والمعقول بالنص حرفيا على المعايير والعناصر التى تؤخذ فى الحسبان لتحديد الاستعمال المنصف والمعقول للأنهار الدولية فى غير الأغراض الملاحية منقولة حرفيا من اتفاقية قانون استخدام المجارى المائية الدولية فى الأغراض غير الملاحية عام 1997، وذلك أيضا بالرغم من عدم انضمام إثيوبيا للاتفاقية المشار إليها.

لأن مبدأ حُسن النية الذى جاء فى صدارة الاتفاقية يعنى أن جميع الالتزامات والواجبات الدولية تتعهد بها إثيوبيا بحسن النية، لأن أى اتفاقية مبادئ هى اتفاقية إطارية غير نهائية بطبيعتها ستتبعها ملاحق تفسيرية تفصيلية. لأن الفصل الأول من الاتفاقية يشير إلى مبادئ القانون الدولى العام والتى تقر الحقوق التاريخية المكتسبة للدول بما يضمن الحصص المائية لمصر «55 مليارا».

إن زيارة الرئيس عبدالفتاح السيسى إلى إثيوبيا جاءت لفك أى لغز أو مشكلة عالقة والعمل معًا لمصلحة البلدين «مصر وإثيوبيا» بعيدًا عن أى تدخل خارجى، خاصة المتربصين بأمن مصر. إن التطورات التى تشهدها المنطقة أكدت أهمية الوجود المصرى فى المبادرة الخاصة بـ«اتفاق إثيوبيا ومصر حول سد النهضة»، لالتئام الشمل والقضاء على أسباب الفرقة والانقسام.

مصر لن تفرط فى حقوقها المائية، لكنها نجحت فى التوصل إلى اتفاق يرضى جميع الأطراف ويمنع تحول دول مجرى نهر النيل إلى ميدان للصراعات والحروب، وذلك عبر العودة إلى القانون الدولى.

يتضمن الاتفاق 10 مبادئ أساسية تحفظ الحقوق والمصالح المائية المصرية، وتتسق مع القواعد العامة فى مبادئ القانون الدولى الحاكمة للتعامل مع الأنهار الدولية.

وتشمل تلك المبادئ: مبدأ التعاون، التنمية والتكامل الاقتصادى، التعهد بعدم إحداث ضرر ذى شأن لأى دولة، الاستخدام المنصف والعادل للمياه، التعاون فى عملية الملء الأول لخزان السد وتشغيله السنوى، مبدأ بناء الثقة، مبدأ تبادل المعلومات والبيانات، مبدأ أمان السد، مبدأ احترام السيادة ووحدة أراضى الدولة، ومبدأ الحل السلمى للنزاعات، فضلًا عن إنشاء آلية تنسيقية دائمة من الدول الثلاث للتعاون فى عملية تشغيل السدود بشكل يضمن عدم الإضرار بمصالح دول المصب.

وتضمن الاتفاق آلية لتسوية النزاعات بين مصر وإثيوبيا، من بينها التشاور والتفاوض والوساطة والتوفيق، وكلها أدوات نص عليها القانون الدولى لتسوية أى خلافات قد تطرأ حول تفسير أو تطبيق بعض نصوص الاتفاق.

ويؤكد الاتفاق عدم المساس بالاتفاقيات التاريخية لمياه النيل، ولا يتناول حصص المياه أو استخداماتها، إنما يقتصر فقط على ملء وتشغيل السد، على أن يعقب اتفاق المبادئ اتفاقات أخرى.

إن التوقيع على الوثيقة يعنى الموافقة لإثيوبيا على بناء سد النهضة وعودة التمويل الأجنبى الذى كان قد توقف بعد نجاح الدبلوماسية المصرية فى حث الدول المشاركة على وقفه، ومنها الصين وكوريا والبنك الدولى وإيطاليا.

إن السد فى هذه الحالة سيصبح رسميا وشرعيا تم بالتوافق والتراضى بين دول النيل الشرقى الثلاث، مصر والسودان وإثيوبيا، وبالتالى يعود التمويل الدولى للسد وهو 5.5 مليار دولار من بنك الصين الوطنى، ومليار دولار من إيطاليا، ومثلها من كوريا الجنوبية، بالإضافة إلى موافقة البنك الدولى على طرح السندات الإثيوبية للتمويل بضمان السد، وبعدها ستتسارع الخطى فى بنائه والانتهاء منه تماما قبل صدور التقرير النهائى غير الملزم للمكتب الاستشارى والخبير الدولى بعد 15 شهرا من توقيع التوافق، لأن موافقة مصر على سد النهضة تعنى ضمنيا موافقتها على سلسلة مكونة من خمسة سدود أخرى فى إثيوبيا.

إن إثيوبيا فرضت كلمة «يحترم» بدلا من كلمة «ملزم» حول تقرير المكتب الاستشارى لبناء السد، أى أن مصر والسودان ليس من حقهما الاعتراض على التقرير، ومن حق إثيوبيا أن تستمر فى بناء السد دون الالتفات لأى اعتراضات.

إن إثيوبيا ربحت من الاتفاق لأنها مستمرة فى بناء السد كما خططت له منذ البداية، وعلى الدبلوماسية المصرية الرسمية أن تستمر فى سعيها للحفاظ على مصالح مصر المائية، كما أن على القيادة السياسية أن تنتبه جيدا وهى تسعى إلى وضع اتفاق حاسم وحازم يضمن عدم المساس بحقوق مصر التاريخية فى مياه النيل.

إن القيمة الحقيقية لوثيقة اليوم تكمن فى استكمال التفاهم حتى الاتفاق على قواعد ملء السد وتشغيله بأسلوب يضمن حق إثيوبيا فى التقدم دون الإضرار بمصر والسودان. فيما أكد رئيس الوزراء الإثيوبى أن «سد النهضة مشروع للتنمية لكل دول حوض النيل.. ولن يؤثر على الشعب المصرى». لأن توقيع إعلان المبادئ «خطوة جديدة سنبنى عليها اتفاقياتنا المستقبلية»، مشيرا إلى أن توقيع إثيوبيا يؤكد استعدادها للتعاون، لأن الاتفاق تناول المبادئ من منظور علاقتها بسد النهضة وتأثيراته المحتملة على دولتى المصب (مصر والسودان) وليس من منظور تنظيم استخدامات مياه النيل التى تتناولها اتفاقيات دولية أخرى قائمة ولم يتم المساس بها.

ولمصر «حقوقها التاريخية» فى مياه النيل، تحفظها اتفاقيتا 1929 و1959، وتنصان على حقها فى 87 فى المائة من مياه النيل. إن الاتفاق لم يتعرض من قريب أو بعيد لتلك الاتفاقيات أو لاستخدامات مياه نهر النيل، حيث إنه يقتصر فقط على قواعد ملء وتشغيل السد.

وتشمل تلك المبادئ: مبدأ التعاون، التنمية والتكامل الاقتصادى، التعهد بعدم إحداث ضرر ذى شأن لأى دولة، الاستخدام المنصف والعادل للمياه، التعاون فى عملية الملء الأول لخزان السد وتشغيله السنوى، مبدأ بناء الثقة، مبدأ تبادل المعلومات والبيانات، مبدأ أمان السد، مبدأ احترام السيادة ووحدة أراضى الدولة، فضلا عن مبدأ الحل السلمى للنزاعات.

إن إعلان المبادئ جاء فى توقيت مهم لإزالة حالة القلق والتوتر التى خيمت على العلاقات المصرية- الإثيوبية نتيجة الخلافات حول موضوع سد النهضة. إن الاتفاق يوفر أرضية صلبة لالتزامات وتعهدات تضمن التوصل إلى اتفاق كامل بين مصر وإثيوبيا والسودان حول أسلوب وقواعد ملء خزان السد وتشغيله السنوى بعد انتهاء الدراسات المشتركة الجارى إعدادها.

إن إعلان المبادئ يعتبر وثيقة توافقية تمثل حلاً وسطاً بين مواقف الأطراف الموقعة عليها، وليست بالضرورة تُحقق الأهداف الكاملة لأى طرف.

لقد حققت الوثيقة مكاسب لكل طرف تجعله فى وضع أفضل مما كان عليه قبل التوقيع عليها. ولاشك أن المكسب الرئيسى الذى تحقق يتمثل فى نجاح دول حوض النيل الشرقى الثلاث (مصر والسودان وإثيوبيا) فى وضع اللبنة الأولى لتعاون أكثر مؤسسية.

ليست حرباً شيعية سُنية

لا يمكن النظر إلى ما يجرى فى اليمن باعتباره حرباً بين الشيعة والسُّنة، لأننا إذا وسعنا زاوية الرؤية قليلاً لرأينا أن إيران تتحرك فى الدول المحيطة لتوسيع إمبراطوريتها الفارسية، هى حرب إمبراطوريات إذن فى شكلها الجديد، تماماً كما كانت تسعى تركيا- بذراع تسمى الإخوان- لتوسيع إمبراطوريتها العثمانية وفرض سيطرتها على المنطقة، تسعى إيران فى المقابل إلى توسيع إمبراطوريتها عبر أذرع مختلفة، مرة فى لبنان وسوريا باستخدام حزب الله، ومرة فى العراق باستخدام ميليشياتها هناك، ومرة فى اليمن باستخدام الحوثيين.

وعندما تدخل مصر المعركة فى اليمن، فهى لا تورط نفسها فى صراع بعيد عنها، بل صارت جزءاً من الصراع بالرغم منها، فكما لا يتجزأ العدوان الداعشى على العراق عن العدوان الداعشى فى ليبيا، وكما لا يتجزأ الإرهاب بتسمياته المختلفة فى سيناء عن ذلك الذى يوجد فى دول أخرى تغذيه دول معادية، لا يمكن اعتبار معركة اليمن بعيدة عن مصر، لأنها هذه المرة ترتبط بالأمن القومى مباشرة، بسبب سعى إيران لتوسيع إمبراطوريتها الفارسية وصولاً إلى باب المندب والسيطرة على الملاحة فى البحر الأحمر، ولهذا سارعت مصر بإرسال مقاتلاتها البحرية إلى باب المندب لحفظ الأمن هناك.

ولمن لا يعرف أهمية مضيق باب المندب، فإن أى محاولة لإغلاقه من قبل الحوثيين فإنها ستؤثر على قناة السويس، كما ستمنع وصول السفن إلى قناة السويس، فضلاً عن قناة السويس الجديدة المزمع افتتاحها بعد شهور، وعشرات المشروعات التنموية التى تراهن مصر عليها لإعادة بناء اقتصادها الذى تضرر خلال السنوات الأربع الماضية، وربما لهذا كله يمكننا أن نفهم سرعة التحرك المصرى لحماية باب المندب من أى عدوان عليه.

لكن الأمر يتجاوز الأمن القومى المصرى الخاص بباب المندب إلى الأمن القومى العربى، الذى يرتبط بشدة ارتباطاً وثيقاً بالأمن المصرى، وهو ما كرره الرئيس عبدالفتاح السيسى مراراً من قبل بقوله إن أمن الخليج جزء من الأمن القومى المصرى، وإنه خط أحمر.

لذا لا يمكن أن نصدق ما يريد أن يروجه البعض من أن هناك حرباً دينية بين السُّنة والشيعة، وأن مصر ستتورط فيها، وهو كلام بعيد كل البعد عن الحقيقة، فالجميع يعرف أن مصر تحترم الاختلاف، وأن أهل مصر يقدرون آل البيت، ويمكنك القيام بجولة بسيطة فى شوارع القاهرة لكى تدرك عدد المساجد المسماة بأسماء أهل البيت، وعدد الموالد الشعبية التى تقام لهم سنوياً، والتى يحضرها الملايين، وهو ما يخلق حالة مصرية خاصة يمكن التماسها فى الإسلام الوسطى الذى يتمسك به جميع المصريين، بعيداً عن التحزب والطائفية والتشيع، والاقتتال بسبب مذهب دينى أياً كان.

والخطر فى التمدد الإيرانى فى المنطقة ليس من الشيعة كمذهب، بل من الاستخدام السياسى للمذهب، وهو ما نرى ملامحه فى سوريا والعراق، حيث يتم استهداف المراقد الدينية على أساس طائفى، وهو ما يفعله بالمناسبة تنظيم داعش، لذا لا يمكن اعتبار الحوثيين وداعش إلا وجهين لعملة واحدة، كلاهما يدَّعى امتلاكه الدين، وأنه يحارب للدين، فى حين أنه لا يستعمله إلا كستار يُخفى وراءه أهدافه الحقيقية ومطامعه الحقيقية، وهى تقسيم هذه المنطقة وإعادة رسمها من جديد، وفق أهداف عالمية تحرك أوهاماً بإمبراطوريات وهمية مضى زمنها، عبر استخدام الدين كأداة سهلة لجذب المغيبين.

مصر تعرف أمنها القومى جيداً وتحافظ عليه، وتغلق كل الأبواب التى يمكن أن تهدد مستقبلها، وتقف ضد تمدد قوى إقليمية إلى مناطق تهدد الآخرين، وهذه معركة جديدة للإعلام يجب عليه أن يخوضها، وألا يترك الأبواب الخلفية مفتوحة، كى يدخل منها أنصار التيارات الإسلامية المتشددة لكى يوهموا الناس بعكس ذلك. فالأكيد والثابت هو أن الخطر يأتى من أنصار تيارات الإسلام السياسى، أياً كان انتماؤهم المذهبى، سواء كانوا شيعة أم سُنة، فكلاهما يحلم بإمبراطورية ضخمة، مرة بخليفة اسمه أردوجان، ومرة بخليفة طهرانى، دون اهتمام بآلاف الأرواح التى تُزهق، ولا بالدين الذى يشوهونه كل يوم.