المعضلة الليبية

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كان هناك توجه منذ عدة سنوات يرى أن أسلوب التعامل مع الأزمة الليبية لن يكون مؤثراً لو لم يكن هناك تدخل مصرى عسكرى عاجل وسريع يخلق أوضاعًا جديدة على الأرض. وتثبيت الأوضاع فى ليبيا. كانت المحددات الأخلاقية للسياسة الخارجية المصرية ضد مثل هذا الرأى، حتى لو بدا فى مرحلة ما شديد الأهمية ولا بديل له. ولهذا السبب وأسباب أخرى لم يؤخذ بهذا الرأى لأسباب وجيهة

الوضع الآن فى ليبيا أصبح شديد التعقيد، بل وشديد الخطورة، ويزيد من تعقيد الوضع أن حكومة طرابلس اكتسبت وضعًا واعترافًا دوليًا. هذا الوضع يزيد العبء على الدولة فى مصر ويدفع إلى منطقة حسابات معقدة قبل اتخاذ أى خطوات، العنصر الجديد الذى تسبب فى تعقيد الوضع بشكل كبير أن الموقف تم تدويله بوجود عناصر عسكرية من أطراف إقليمية ودولية مع وجود حالة توازن عسكرى على الأرض.

زار أردوغان تونس، تحدث عن الأزمة الليبية، وحاول أن يطرح وجهة نظره فى الشأن الليبى لعلها تلقى قبولاً من طرف جديد.

زار أردوغان تونس، وكأنه يريد أن يسكب مزيدا من البنزين على النار، كأنه يدفع أو لا يمانع فى الوصول إلى مستوى الحرب بالوكالة مع مصر، تكون أرضها فى ليبيا، غير عابئ بمزيد من الضحايا والدماء.

زار أردوغان تونس، وهو يحدد هدفه جيداً. مصر التى هدمت مشروعه التوسعى على رأس تلك الأهداف لاشك، ولكن أيضاً تهديد أوروبا بمزيد من لاجئى الحروب رغبة فى ابتزازهم، وكذلك الغاز المتوسطى.

أعتقد أن مصر يجب ألا تنتظر عندما يكتمل حلف أردوغان الإخوانى الذى يحاول تشكيله فى ليبيا، لجلب إرهابيى داعش والنصرة عبر الحدود التونسية والليبية، أو المطارات والموانئ القريبة فى مصراتة ومعيتيقة وغيرهما، خصوصا بعد الأنباء التى تم تداولها والتى تفيد بوصول أعداد منهم خلال الفترة الأخيرة هربا من الجيش السورى فى المناطق المحررة. دعونا نعترف بأن الأوضاع معقدة بشكل كبير، وقد بدأ التعامل معها، سياسيًا تستمر محاولات حشد المواقف الدولية والإقليمية الرافضة للتدخل الخارجى فى الشأن الليبى، أما على المستوى الميدانى، فلا يخفى الدعم الكبير الذى توليه مصر لاستقرار الشعب الليبى، ومساندة جيشه فى القضاء على العناصر الإرهابية التى تتخذ من بعض القوى السياسية هناك ستارًا لأعمالها.

سيناريوهات التعامل مع الملف أظنها موجودة.

الوضع الراهن الذى تواجهه مصر فى ليبيا يفرض تعاملًا، أو قل تحدياً، مختلفًا لإدارة السياسة الخارجية المصرية. التعامل مع الكيانات الدولية باختلاف توجهاتها هو إحدى الخطوات الرئيسية، وهذا يتطلب تحديد مواقف تلك المؤسسات الدولية وتحديد مناطق الاتفاق والاختلاف. وأيضا الإجابة على أسئلة مهمة حول الموقف العربى ومدى تماسكه واتساقه أو تشرذمه حول الموقف فى ليبيا وإلى أى مدى لدى الأطراف العربية الاستعداد للتدخل فى الموضوع الليبى.

هل نحن مستعدون للمستقبل؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

عام جديد على الأبواب، نتمناه سعيدًا، خصوصا فيما يتعلق باستعدادات الحكومة المصرية له من كل الجوانب، استثماريًا واقتصاديًا واجتماعيًا وتكنولوجيًا. أتمنى أن نكون مستعدين له بمعرفة كل ما هو جديد في كل المجالات.

وبمناسبة الاستعداد التكنولوجى، أتمنى أن يطلع المسؤولون عن هذا الملف في بلادنا على دراسة حديثة عن أهم التقنيات التكنولوجية، والتى من المتوقع أن تكون الأكثر انتشارًا وتأثيرًا عام 2020. ويأتى أهمها على الإطلاق تقنية الجيل الخامس من الاتصالات 5G، فمن المتوقع أن يشهد العام المقبل انتشارًا متزايدًا للبنية التحتية للجيل الخامس في مختلف دول العالم، فضلًا عن بداية إنتاج هواتف بأسعار مخفضة نسبيًّا، في بداية انطلاق حقيقى للجيل الخامس للاتصالات.

من بين التقنيات أيضا إنترنت الأقمار الصناعية، الذي دخلت فيه مصر بقوة من خلال إطلاقها للقمر الاصطناعى طيبة ١، كذلك من المتوقع انتشار شرائح الاتصالات المدمجة eSIM ونهاية عصر شرائح الهواتف المحمولة sim cards، مما يعنى الاستغناء عن الشكل التقليدى لشرائح التليفونات التي يتم الحصول عليها نظير مقابل مالى، لتأتى الأجهزة الجديدة بشرائح مدمجة داخلية يتم برمجتها بواسطة مشغل الاتصالات التي يرغب العميل في الحصول على خدماته، كذلك ستنتشر منصات الفيديو ستريمينج الذي يعطى المشاهد فرصة كبيرة للحصول على مكتبات عملاقة من الأفلام والمسلسلات والبرامج الوثائقية والتعليمية بأسعار تنافسية للغاية.

ويُعتبر قطاع ألعاب الفيديو من أكثر القطاعات وأسرعها تطورًا، فبعد الشكل التقليدى الذي اتخذته ألعاب الفيديو خلال السنوات الماضية من أجهزة تقليدية داخل المنازل والمحال، فقد غيرت الشركات الكبرى في العالم، المعادلة، وقد تظهر خلال الفترة المقبلة ألعاب الفيديو المحمولة من جديد ولكن بشكل أكثر تطورًا، كما تزدهر تقنية Augmented reality والتى تستطيع أن تميز الأماكن والسلع والأشياء.

أيضا تتطور صناعة النقود بصورة كبيرة جدًّا، وأقصد هنا النقود التقليدية، وليس العملات المشفرة، وهذا التطور سوف يقود قريبًا إلى اختفاء الأموال من حياتنا البشرية، لتحل محلها تقنيات تحويل الأموال الذكية، مثل: خدمات الدفع عبر الهواتف الذكية، فيما يزداد نفوذ الذكاء الاصطناعى الشخصى على كل المستويات بداية من استخدامه في الصناعات الدقيقة والصعبة، كالطيران والبتروكمياويات وأشباه الموصلات وصناعة الأدوية والفضاء والصناعات الثقيلة، وصولا لاكتشاف وتشخيص الأمراض الصعبة كالزهايمر والأورام الخبيثة، للتنبؤ بالأزمات والكوارث ورسم سيناريوهات مستقبلية للتعامل معها، إضافة إلى انتشار تقنية الدرونز والاهتمام بمستقبل صناعة الفيديو.

أتمنى أن تلق هذه الدراسة اهتمام الحكومة طالما ارتضينا جميعا أننا سنخوض حرب وجود مع التكنولوجيا. أتمنى أن نكون مستعدين للمستقبل حتى لا نفاجأ بأجيال أخرى من الحروب التكنولوجية تدق أبوابنا، بل بالأحرى، تدق عقولنا.

هل العالم مُحق فى خوفه؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

خوف وقلق كبيران سيطرا على العالم بسبب مصير العائدين من تنظيم داعش الإرهابى إلى بلادهم.

اقتراحات عدة أُعلنت فى دول أوروبية وعربية للتعامل مع هؤلاء الذين ذهبوا إلى القتال مع التنظيم الإرهابى وعادوا بعد هزيمته. كان من بين الاقتراحات اقتراح ألمانى بتأسيس محكمة خاصة لمقاتلى التنظيم من حاملى الجنسية الألمانية، فى حين استنفرت أجهزة الأمن الهولندية همتها للتعامل مع الدواعش العائدين، بينما رفض البريطانيون عودة هؤلاء الشباب إلى أراضيهم فى الأساس، كما تم تجريد أغلبهم من الجنسية لحرمانهم من العودة إلى البلاد بشكل أبدى.

وبذلك أصبح هؤلاء الشباب إما فى قبضة مقاتلى بعض التنظيمات الكردية فى سوريا والعراق، أو معتقلين فى سجون الحكومات، أما الجزء الأخير، وهو الرقم الصعب فى المعادلة، هؤلاء الذين صاروا هاربين مطاردين من أجهزة الأمن، كما صاروا عرضة للتجنيد من قبل تنظيمات أخرى بشكل كبير، أو حتى عرضة لعملية غسل دماغ أخرى، للقيام بعمليات إرهابية «منفردة» على غرار ما سمى بـ«الذئاب المنفردة» خلال الفترة الماضية.

شخصياً، أميل إلى محاكمة هؤلاء، وذلك لتفادى أزمات أخرى فى المستقبل، فلابد من معرفة قصص هؤلاء الشباب قبل الانضمام لتلك التنظيمات، والأسباب التى دفعتهم إلى ذلك، كما أميل إلى ضرورة معرفة أساليب غسل الأدمغة التى تعرضوا لها، بل وأدوارهم فى التنظيم، وكل ما مروا به خلال عمليات التجنيد والقتال، ثم الحصار.

فى الحالة الألمانية مثلا، فإنه من المؤكد أن كثيراً من عناصر داعش المعتقلين فى السجون حالياً تطرفوا فى ألمانيا، وبهذا تتحمل ألمانيا مسؤولية تجاه هؤلاء الأشخاص، وعليها أولاً إحالتهم إلى المحكمة بسبب جرائمهم، ثم إخضاعهم للبحث لتدارك الأمر.

أظن أنه بالطرد فقط، دون التحقيق والملاحقة، ستذهب كثير من المعلومات فى الريح، ستذهب دون أن يعرف أحد ما كان يدور فى كواليس تلك الجماعات، وستبقى إجابة السؤال الأكبر وهو «لماذا قرر هؤلاء الانضمام إلى هذا التنظيم الإرهابى؟»، ستظل القرارات غير معروفة، وسوف يستمر الغموض.

المعادلة الأصعب ستكمن- ولاشك- فى الأطفال الذين لا يتحملون أى مسؤولية عن جرائم آبائهم، حيث يجب توفير الرعاية لهم وتخليصهم من التطرف. أما المرأة التى استغلتها التنظيمات الإرهابية وتحديداً «داعش» أسوأ استغلال، فلابد للعائدات أن يكنَّ محل دراسة وتأهيل، خصوصاً مع تهديد التنظيم الإرهابى مؤخراً بأنه سيعود لغزو أوروبا من جديد، بـ«الأطفال والنساء».

للعزل قصة أخرى

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

صوّت مجلس النواب الأمريكى فى قرارٍ أجمعت كل الدوائر على وصفه بـ«التاريخى»، لمحاكمة الرئيس دونالد ترامب برلمانيًا بتهمتى إساءة استخدام السلطة وعرقلة عمل الكونجرس، ليتولى مجلس الشيوخ المرحلة التالية، وهى محاكمة الرئيس والبَتّ فى قرار عزله.

وبتصويت مجلس النواب، أصبح ترامب- وهو الرئيس الأمريكى الخامس والأربعون- ثالث رئيس يُحاكَم برلمانيًا فى تاريخ الولايات المتحدة، بعد بيل كلينتون «1998» وأندرو جونسون «1868». وإذا كان الدستور الأمريكى يعطى لمجلس النواب دور توجيه الاتهامات فى مساءلة رؤساء البلاد، فإن دوره ينتهى عند هذه المرحلة، لتنتقل العملية برمتها إلى مجلس الشيوخ، الذى بيده قرار عزل الرئيس، وإذا تذكرنا أن الجمهوريين يشغلون 53 من مقاعده المائة، بينما يمتلك الديمقراطيون 45 مقعدًا، بالإضافة إلى عضوين مستقلين، فإن موضوع العزل هنا سيكون له حديث آخر.

ويريد الجمهوريون فى مجلس الشيوخ أن تكون المحاكمة سريعة وبدون شهود، بينما تعارض الأقلية الديمقراطية ذلك بالقول إن المحاكمة حتى تكون حقيقية، يجب أن يُسمح فيها باستدعاء الشهود.

وإلى جانب خلاف الحزبين بشأن سير المحاكمة المقرر إجراؤها فى يناير المقبل، أيضًا هناك موقف ترامب، الذى يُقال إنه يرغب فى محاكمة تتيح له استدعاء الشهود، رغم إعرابه علنًا عن رغبته فى محاكمة سريعة، وهما أمران يصعب الجمع بينهما وفق خبراء قانونيين.

وخلال تولى مجلس الشيوخ قضية محاكمة ترامب، يقوم أعضاء مجلس النواب بدور الادعاء، وأعضاء مجلس الشيوخ بدور المُحلّفين، ويترأس جلسات المحاكمة رئيس المحكمة العليا.

وتتطلب إدانة الرئيس وعزله موافقة ثلثى أعضاء مجلس الشيوخ، أى 67 عضوًا، وهو ما يعنى أن إدانة ترامب تتطلب تأييد 20 عضوًا جمهوريًا فى المجلس، بالإضافة إلى تصويت جميع الأعضاء الديمقراطيين والعضوين المستقلين لصالح الإدانة والعزل.

وكما هو معروف، فإن أساس القضية يعود إلى محادثة هاتفية يوم 25 يوليو الماضى، طلب ترامب فيها من الرئيس الأوكرانى فولوديمير زيلنسكى أن يُجرى تحقيقًا بشأن جو بايدن، نائب الرئيس الديمقراطى السابق، وهو المرشح الديمقراطى المحتمل لمواجهة ترامب فى السباق إلى البيت الأبيض فى انتخابات الرئاسة لعام 2020.

ويُشتبه فى أن ترامب ربط حينها مسألة صرف مساعدات عسكرية لأوكرانيا بقيمة 400 مليون دولار بإعلان كييف أنها ستحقق بشأن نجل «بايدن»، الذى عمل بين عامى 2014 و2019 لدى شركة طاقة أوكرانيا.

ونفى ترامب مرارًا ارتكاب أى مخالفة، وقال إن التحقيقات البرلمانية ومحاولة عزله هى حملة مطاردة من جانب الديمقراطيين ومحاولة انقلاب ضده.

فيما يبدو، فإن الديمقراطيين حققوا انتصارًا كبيرًا بنجاحهم فى قرار إحالة ترامب إلى المحاكمة، ولكن مسألة العزل هذه تبدو صعبة فى ظل ما ذكرنا من سيطرة الجمهوريين على مجلس الشيوخ.

زمن جونسون

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

المقامرة هى أحد ملامح السياسة البريطانية فى الفترة الأخيرة، أحيانًا يحقق السياسى المقامر نجاحًا كبيرًا، وأحايين أخرى يصاب بخسائر عظيمة.

كبرى هذه المراهنات كانت عندما قرر ديفيد كاميرون، رئيس الوزراء المحافظ، والذى كان يتمتع بقوة وحضور على الساحة السياسية البريطانية، أن يعمل استفتاء على خروج أو بقاء بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، من دون أن يكون مضطراً لذلك، وصوّت البريطانيون لمصلحة الخروج بفارق غير كبير. ومن وقتها دخلت بريطانيا حالة من الانشقاق وعدم اليقين. وراهنت رئيسة الوزراء تيريزا ماى التى خلفته بخوض انتخابات مبكرة لتزيد من أغلبيتها فى البرلمان، حيث كانت كل المؤشرات تؤكد إمكانية تحقيق ذلك، لكنها خسرت الرهان وخرجت بأغلبية أقل مما كانت معها. وتسببت هذه الأغلبية المحدودة فى تعميق الانشقاق وعدم القدرة على الحسم.

وأخيرا جاء بوريس جونسون، الذى يعتبره العديد من المتابعين، الوجه البريطانى للرئيس الأمريكى دونالد ترامب، بمعنى آخر التعبير السياسى الحديث عن «الشعبوية»، ذلك التعبير الذى يعكس الواقع الذى يواجهه عديد من بلدان العالم، جاء ليمارس أسلوب المقامرة بدعوته لانتخابات مبكرة، ونجح فى أن يحقق فيها أحد أهم انتصارات حزبه المحافظين خلال عشرات السنين. تفاوت وصف هذا الانتصار الكاسح لحزب المحافظين فى وسائل الإعلام، لكنهم جميعًا لم يخرجوا عن معنى كسب المقامرة أو الزلزال الذى أصاب بريطانيا. ويعتقد كثير من المراقبين أنه لا توجد انتخابات فارقة أو ذات أثر كبير يمكن مقارنتها بهذه الانتخابات إلا الانتخابات التى أجريت قبل 40 سنة فى 1979، وفيها وصلت مارجريت تاتشر إلى السلطة على أنقاض حزب العمال.

ويبدو أن نجاح جونسون هذه المرة أيضا أتى على أنقاض حزب العمال، أو على الأقل كان المعول الذى ضرب الزاوية الأساسية لقواعد حزب العمال الذى كان قد اتجه يساراً بشدة فى ظل رئيسه جيرمى كوربين، ذلك الرجل الذى سقط سهوًا من أيام اليسار الخوالى، أتى إلى الحزب ليتجه، أو ينحرف به يساراً إلى الجانب المتشدد. وأضاع كوربين مستقبله السياسى وقضى على آماله وآمال حزبه فى حكم بريطانيا، واكتمل انهيار اليسار التقليدى القديم فى إنجلترا، وكذلك انحسر بعد صعود القوميين الأسكتلنديين.

انتهت الانتخابات، وحقّق المحافظون ما فاجأ الجميع بمن فيهم هم أنفسهم، ومُنى العمال بهزيمة هى الأسوأ فى تاريخهم. ونجح القوميون الأسكتلنديون فى الحصول على 48 مقعداً من أصل مقاعد أسكتلندا الـ59. ولم ينتظروا طويلاً حتى يعلنوا إصرارهم على إجراء استفتاء ثانٍ يأملون منه الاستقلال عن بريطانيا.

سنوات جونسون القادمة ستغير وجه بريطانيا وأوروبا.

نحو إعلام إيجابي

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كثير من الناس فى بلادنا يريد أن يفسر ما يقوله لهم عدد من الساسة والإعلاميين يوميًا على القنوات الفضائية وعلى المنابر فى المؤتمرات حول إيجابية الإعلام.

ولهذا نحاول فى السطور التالية أن نفك هذا الطلسم، رغم بساطته، فلنفرض أن هناك نوعين من الإعلام، أحدهما إيجابى والآخر سلبى، فالإيجابى يُقصد به أن تجد هموم المواطن مساحة فى وسائل الإعلام، حسب موقعه الاجتماعى والدينى والسياسى والثقافى فى المجتمع.

هناك هموم للفقراء، وهموم للمرأة، وهموم للمسيحيين، وهموم للعمال.. إلخ. من الطبيعى أن تجد كل فئات المجتمع مساحة تعبير عن همومها فى وسائل الإعلام.

أما الإعلام الآخر، وفقًا لفرضيتنا، فهو السلبى، ويُقصد به العكس مما سبق، أى أنه يتجاهل هموم المواطنين فى المجتمع، وقد تصل السلبية إلى أبعد من هذا، حين يوظَّف الإعلام ذاته كأداة صراع سياسى أو ثقافى أو اقتصادى أو دينى، وذلك من خلال تأليب مجموعات من المواطنين على بعضهم البعض، أو نشر ثقافة البغضاء فى المجتمع.

هذه الفرضية صالحة بالتأكيد، ولكن إذا ما توافر فى الإعلام الحد الأدنى من الأرض الممهدة لتطبيق تلك الفرضية، أو بمعنى أدق لتفعيل دور الإعلام، بحيث يكون ذا تأثير فى المجتمع.

إذ تعانى الكثير من وسائل الإعلام فى بلادنا غياب الحياد بمعناه الإيجابى، فهى لا تتحيز للمصلحة الوطنية العليا، لكن تغلب عليها فى كثير من الأحيان الرغبة فى الانتشار أو ممالأة السلطة أيًا ما كان الثمن، وهذه مصيبة المصائب وكارثة الكوارث التى أصابت إعلامنا خلال الفترة الأخيرة.

ولأنى أحاول أولًا أن أفض الاشتباك الخاص بالمفهوم، ثم نفترض الفرضية العلمية فى هذا الشأن، ثم نعرض المشكلة بصورة مبسطة، فلابد فى النهاية أن نطرح الحل.

والحل فى أصل المشكلة بالتأكيد. الحل فى حياد الإعلام وتركه لشأنه، فإن مارس دوره بإيجابية دون ممالأة أو انحياز، فله الدعم، وإن حاد عن الهدف، فله اللوم دون العقاب، وله التفكير فى أسباب انحرافه.

أؤكد من جديد ضرورة توافر المهنية فى أى وسيلة إعلام، أؤكد ضرورة الحرية فى تناول الموضوعات، أؤكد ضرورة الإبداع فى الإعلام، فَدُون كل هذه الأمور سيظل المواطن غير مستوعب ما يقوله هذا أو ذاك عن ضرورة وقوف الإعلام إلى جانب الدولة ومساندتها، وهو يرى يوميًا وصلات «الوقوف» و«الدعم» بلا عقل، فيسأل عن شكل الإعلام المساند، فلا يجيب أحد.

ليتنا أَجَبْنا، وليت الجميع يسمع.

البحر المتوسط.. مولد حضارات

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

حضرت خلال الأيام الأخيرة منتدى حوار المتوسط فى روما، والذى حضره عدد من رؤساء وكبار مسؤولى ووزراء الدول المطلة على البحر المتوسط، ودول أخرى ليست على البحر ولكنها تؤثر وتتأثر بدول البحر. ولمست بيدى ما يمثله حوض البحر المتوسط من أهمية لدى حكومات تلك الدول، بل ولدى العالم كله.

وبغض النظر عن مخرجات المؤتمر، وما قيل فيه، وبغض النظر أيضاً عن التهديدات والعراقيل التى تحاول بعض الدول فى الإقليم وضعها فى سبيل تحقيق تطلعاتها الاستعمارية والانتهازية، أود أن أذكّر نفسى وإياكم بأهمية هذا الحوض المهم، والذى تشترك فيه مصر مع عدد آخر من الدول، حيث إنه مهد الحضارة العالمية، وهو معروف فى اللغات ذات الأصل اللاتينى بأنه البحر الذى «يتوسط الأرض»، فيما أطلق عليه فيما بعد عدد من التسميات، ومنها الأخضر الكبير وهى تسمية الفراعنة القدماء، ومنها بحر الروم، ومنها البحر الكبير، وهو اسمه فى الكتاب المقدس، وحديثا ظهر مصطلح جديد وهو «الموسع» تاليًا لاسم البحر، وذلك يذكّر بالمصطلح المسكوك فى أمريكا حديثا «الشرق الأوسط الكبير»، والذى ندفع ثمنه حتى الآن. ولا أعلم ماذا سيحمل لنا هذا «الموسع».

أدى البحر المتوسط دوراً رئيسياً فى الاتصالات بين الشعوب حوله، وحال دون وقوع اشتباكات بين الشعوب ذات المصالح المختلفة فيه. هو يبدو على الخريطة بحراً مغلقاً، ولكنه يوفر طرق النقل الرئيسية بين الشرق والغرب، وهو مصدر خير ورزق لكل المطلين عليه. بسببه أصبحت الملاحة البحرية طويلة المدى ممكنة، وبسببه تطورت طرق التجارة الجديدة.

هو كذلك رمز للإبداع، وللبحث عن معانى الحياة والحكمة، ولمحبة الناس والطبيعة، هو أيضاً بيئة أفرزت حضارات مميزة، سواء كانت فينيقية أو هيلينية أو رومية أو فرعونية، وهى حضارات كلها قدمت إسهامات ملحوظة فى تطور التاريخ.

وقد شهدت مكتبة الإسكندرية القديمة والحديثة على ذلك كله، فكانت منارة العلوم والآداب فى كل الأزمان، وكانت مدرسة كبرى للفلسفة والمنطق، تشع فكراً صادراً من قلب الأرض لشعوب العالم.

ومثلما كان حوض البحر المتوسط منارة حضارية، كان أيضاً مسار اهتمام القوى الاستعمارية، وحدثت فى مياهه العديد من المعارك البحرية، ويذكر التاريخ لهذا الحوض معارك كبرى، ومنها مثلا معركة أبوقير التى تواجه فيها الفرنسيون بقيادة نابليون مع الإنجليز بقيادة الأميرال نلسون، ويذكر أيضًا معركة النيل، التى دُمر فيها الأسطول الفرنسى بشكل شبه كامل، ومعركة ليبانتو التى تواجه خلالها العثمانيون والرومان فى العام 1571.

ربما سيشهد حوض البحر الأبيض معارك أخرى، تجرنا إليها سفن تُبحر بغير هدى قادمة من أرض العثمانيين، لتكتب تاريخاً جديداً من أحلام وأطماع خلافة واهية، بدلاً من كتابة المزيد من حضارة شاهدة على المكان.

حوار قلق حول المتوسط

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

هذه هى المرة الثالثة التى أحضر فيها «منتدى حوار المتوسط»، الذى تشهده روما حاليًا، وقد بدأ المنتدى عام 2015 بمبادرة مشتركة بين وزارة الخارجية الإيطالية والمعهد الإيطالى للدراسات الدولية، بهدف إطلاق نقاش رفيع المستوى بين دول شمال وجنوب المتوسط حول سبل مواجهة التحديات المشتركة.

أعتبر مثل هذه اللقاءات فرصة مهمة لـ«كورس» مكثف لمتابعة وفهم شؤون المنطقة التى نعيش فيها وتحاصرنا أزماتها. هى مناسبة يحضرها كل الشركاء والفرقاء فى المنطقة، ليس مهمًا أن يلتقوا، لكن كلًا منهم يقول كلمته ويعلن موقفه وهو يعلم أنه لن يغير فى الواقع شيئًا ولن تتغير المعادلة بما يقولون، لكن هذا «القول»، فى حد ذاته، هو الهدف من هذا التجمع، «الحوار» حتى لو لم تكن الأطراف حاضرة بجسدها وقت الكلام، لكن الكل يتابع ويرسل ويتلقى رسائل. أما نحن المتابعين فإن الصورة تتضح أكثر.

من الواضح أن الصورة فى المنطقة تزداد غموضًا، المستقبل غير واضح الملامح. وإن كان الدفع يتم فى اتجاه اعتبار التعاون الاقتصادى بين دول المنطقة يمكن أن يكون المخرج لتحقيق الإيجابية التى يحملها شعار الحوار هذا العام «بعد الفوضى أجندة إيجابية» بشكل آخر الضوء فى نهاية النفق.

الأطراف استخدمت المنتدى لتأكيد مواقفها وإرسال إشارات إلى الآخرين وإلى الرأى العام. أحد الأسئلة المربكة التى طرحتها محاورة وأجاب عنها أحمد أبوالغيط، الأمين العام للجامعة العربية، حول جدوى الإبقاء على المنظمات الإقليمية كالجامعة العربية والاتحاد الإفريقى، وهو السؤال الذى أجاب عنه بحسم وقطع بأن طرح هذا التساؤل شديد الخطورة فى الوقت الحالى وطالب بعدم المساس بالجامعة أو بأى منظمات إقليمية أخرى. وأكد أن عدم حل القضية الفلسطينية هو أساس كل الأزمات التى تعانى منها المنطقة.

وزير الخارجية التركى أوجلو تحدث مهاجمًا من يهاجم رئيسه، وهدد بأن خروجهم من شمال سوريا يعنى عودة الجماعات الإرهابية، مثل داعش والنصرة إلى سوريا، مؤكدًا عدم خروج تركيا إلا بتسوية سياسية، وأكد وبرر تهديد رئيسه، الذى وجهه إلى الدول الأوروبية، بإغراقهم بالمهاجرين لو لم يوافقوا على خططه بإعادة اللاجئين. وزير الدولة للشؤون الخارجية السعودى تحدث عن الخطر الإيرانى وأبدى تفاؤلًا فى موضوع اليمن ولم يكن متشائمًا بخصوص قطر، مشيرًا إلى فوز الفريق السعودى على القطرى فى كرة القدم، مؤكدًا أنهم فى انتظار إظهار قطر فهمها لما هو مطلوب منها وتنفيذه.

سامح شكرى، وزير الخارجية المصرى، تحدث عن أهمية استقرار مصر وأمنها لصالح الجميع، مؤكدًا المفهوم الأوسع لحقوق الإنسان التى تتخطى الحدود السياسية إلى حق العيش والسكن والعمل والحياة فى أمان. وأوضح موقف مصر من تلك الحالة الخطيرة التى تواجهها ليبيا قائلًا: «الوضع فى ليبيا حاليًا لا يتحمل أى تعقيدات إضافية»، وحذر حكومة طرابلس من المساس بالمصالح المصرية فى أى اتفاق سياسى لها مع أى طرف.

أما وزير الخارجية الإسرائيلى، إسرائيل كاتس، فقد استغل اللقاء ليعرض تفاصيل مشروع السكك الحديدية لـ«تعزيز السلام الإقليمى»، وهو ما اعتبره خطوة مهمة لإحلال السلام من خلال ربط البحر الأبيض المتوسط بالخليج العربى من خلال مد سكك حديدية. واستخدام إسرائيل كجسر برى، والأردن كمركز مواصلات إقليمى. وهذا من بين أهداف أخرى، لتجنب مخاطر المرور عبر مضيق هرمز أو باب المندب!.

مازالت أعمال المنتدى هذا العام مستمرة اليوم، السبت، بمشاركة ما يقرب من خمسين دولة، وبحضور عدد كبير من وزراء الخارجية وممثلى المنظمات الدولية، والشخصيات الدولية البارزة فى المجالات السياسية والبحثية، وممثلى مجتمع الأعمال وعدد من رؤساء الشركات الدولية الكبرى.

تطور السطحية

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

حضرت مؤخرًا فى إطار أحد المنتديات العربية مناقشة لورقة عمل قدمها واحد ممن يُشار إليهم بالبنان فى مهنته فى بلده، إذ يعتبره الكثيرون أحد أعلام مهنته، وعنصرًا نابغًا فيها، وهو قد يكون كذلك، ولكن ما طرحه كان عجيبًا.

الحقيقة أن عنوان ورقة العمل جذبنى، وجعلنى أكون حريصًا على الحضور. الورقة كانت عن «التحول الرقمى»، وهو أحد أكثر الموضوعات أهمية فى أيامنا هذه، حيث أولت دول كبيرة اهتمامًا خاصًا به، بوصفه أحد المشروعات الكبرى، والتى يستحيل تقدم بلد ما إلى المستقبل من دونه.

بدأ الرجل بالحديث عن أشياء غريبة، كإنقاذ رجل مسلم طفلًا أمريكيًا من كلب فى إحدى الحدائق، ونشر صحفى الخبر فى «نيويورك تايمز»، نعم، تحت عنوان إرهابى مسلم ينقذ طفلًا أمريكيًّا. اعتقدت أن ما يقوله ربما يكون مدخلًا لكلام أكثر عمقًا حول مصادر مثل تلك الحكايات غير المنطقية والمنتشرة فى مجموعات تطبيق الواتس آب والسوشيال ميديا، ولكنه فاجأنى بأنه يتعامل مع هذه القصة باعتبارها حقيقية وموثقة. لم أستطع البقاء فى المناقشة أكثر من دقائق، وذهبت وفى رأسى أسئلة كثيرة حول سطحية أخينا الذى هو تطور لإنتاج السطحية فى عصر «التحول الرقمى».

الكثيرون يعتقدون أن انفجارات الـ«فيسبوك» وبراكين الجروبات المغلقة والمفتوحة على السوشيال ميديا، وفضائح الإنستجرام و«بلاوى» تويتر- هى «التحول الرقمى»، بهذه السطحية الشديدة يتحدثون عن أن هذا المشروع الإنسانى العملاق هو مجرد سطور مكتوبة على فضاء إلكترونى.

بهذه السطحية الشديدة يبنى بعض الكتاب والساسة ومواطنون فى أقاصى الأرض ومغاربها، مواقفهم على بضع كلمات يخطها أشخاص عاديون أو غير عاديين كرئيس الولايات المتحدة الأمريكية.

لقد ظهرت فئة- ضالة- شكلت السوشيال ميديا كل ثقافتها. لا تحتاج إلى كتب أو صحف أو أفلام سينمائية، لا تحتاج حتى إلى الذهاب إلى الطبيب إذا مرضت أو إذا مرض أبناؤهم وآباؤهم، صاروا يعتمدون على معلومات السوشيال ميديا فى كل ذلك.

قديمًا عندما كنا نلتقى أحد المتشبثين برأيهم دون أن يمتلكوا المنطق والمعرفة نقول «اللهم قِنا شر قارئ الكتاب الواحد». بعدها ساد بيننا وصف لمدعى الثقافة ممن نلتقى حولنا بأن ثقافته توقفت عند الصفحة الأخيرة لجريدة الأهرام عندما كانت تنشر يوميًّا «حكمة اليوم» وكانت المصدر الوحيد لثقافة البعض. اليوم تحول الأمر وأصبحت السوشيال ميديا و«جروبات» الواتس آب مصدرًا لكثيرين، وللأسف يعتمد عليها البعض ممكن يكتبون للرأى العام. ولا أنسى ذلك الموقف عندما بنى كاتب موقفه من رئيس دولة على كلام غير صحيح انتشر عبر هذه المجموعات.

نعم، السوشيال ميديا مهمة، وتشكل جزءًا كبيرًا من إعلامنا وحياتنا الجديدة، لكنها ليست كل شىء، هى ليست الثقافة، وليست الحياة، وليست خبرة الدنيا. هنا لا بد من وقفة حقيقية أمام هذه السطحية الشديدة التى يتعامل بها البعض مع هذا الأمر. هنا لا بد من نظرة مغايرة للأمور.