لا أحد يحتكر الحقيقة

بقلم: عبد اللطيف المناوى

غلاف كتاب الأيام الأخيرة لنظام مبارك

لا أحد يمتلك الحقيقة كلها، لكنها – أى الحقيقة – تتكون من أجزاء متعددة، تمتلكها أطراف مختلفة، بجمعها معا تكتمل الصورة.

إحدى القصص الكلاسيكية المعروفة هى قصة مجموعة العميان الذين طلب منهم وصف الفيل ووضعوهم حوله، ووصف كل منهم جسد الفيل كما لمسه من زاويته، أحدهم وصفه كشجرة ضخمة، والآخر وصفه كخرطوم كبير، والثالث كمروحة كبيرة. جميعهم وصفوا وصفا صحيحا الحقيقة كما بدت من زاوية كل منهم، وجميعهم لم يدركوا الحقيقة كلها، جميعهم مصيبون ومخطئون بشكل جزئى.. وهكذا رواية التاريخ وتوثيقه.

كنت من أولئك الذين امتلكوا زاوية من زوايا الحدث الأهم الذى شهدته مصر فى الخامس والعشرين من يناير، لا أدعى امتلاك الحقيقة ولكنى أمتلكها من الجزء الذى رأيت، من الزاوية التى كنت فيها، وأظنها كانت زاوية مهمة. الجزء الذى أمتلك يحتاج أن يتكامل مع الزوايا الأخرى لنمتلك ساعتها الحقيقة التى لا يحتكرها طرف، ولا ينبغى على طرف أن يمتنع عن تقديم ما لديه من شهادة لتكتمل الصورة. ما يأتى هو إشارة لهذا المعنى من شهادتى التى وضعتها بين دفتى كتاب كجزء من وصفى لحقيقة ما حدث.

خطوات ضابط الحرس الجمهورى بحذائه الثقيل الذى كان وقعُها يدوّى على أرضية المكتب – رغم ضجيج المظاهرات فى الخارج – لم تحمل حسمًا أو نهاية، بل كانت حلقة فى سلسلة من التطورات الحادة المفاجئة والمفهومة فيما بعد، التى شهدتها مصر منذ٢٥ يناير- التاريخ الرسمى لبدء ثورة المصريين – إلى ١١ فبراير؛ ذلك عندما أعلن الرئيس المصرى السابق حسنى مبارك تنحيّه عن السلطة، وبه كان سقوطُ النظام.

شاهدتُ مقدماتِ هذه الثورة، الإعداد لها، المعلومات التى توفرتْ لأجهزة الدولة عنها، وشاهدتُ كيف أدارت الدولة المصرية أكبر أزمة فى تاريخها، وكيف تعامل مديرو الأزمة فى القيادة المصرية مع الدولة بالتهوين من شأن ما يجرى، سواء أكان ذلك من مظاهرات ٢٥ يناير، أم من المشاركين فيها، وكيف أثرتْ الثقةُ الزائدة فى قوة النظام ورسوخه فى التعامل مع الأزمة.. كيف أدارتْ مؤسسةُ الرئاسة الأزمةَ بقيادة جمال مبارك – نجل الرئيس – هو ومجموعة صغيرة حوله؟ كنتُ على اتصال دائم بهم؛ أقول: هو والذين معه فشلوا جميعًا فى اتخاذ القرارات الصحيحة فى الوقت المناسب من عمر الأزمة. ورأيت كيف تعامل الجيش ـ الذى كنت على اتصال دائم معه – مع هذه الأزمة منذ اللحظة الأولى.

الإعلام الحكومىّ الذى كنت أجاهد لكى يكونَ إعلامَ دولة بمفهوم الملكية العامة، كان هدفًا لكل القوى الفاعلة فى الأزمة. الجميعُ كان يعمل من أجل السيطرة عليه. هذا الأمر جعلنى قادرًا على رؤية ما يحدث فى تلك الفترة المهمة؛ فقد كنت كمنْ سكن مركز جسد تتنازع أجزاؤه السيطرة عليه فى لُعبة أو معركة، فقُدِّر لى أن أرى جزءًا مهمًا من تفاصيل هذه اللعبة، أو تلك المعركة.

كاد مبارك ينجو من الإطاحة به بعد خطابه فى أول فبراير، وله ما كسب من تعاطف الناس بشكلٍ فاجأ به بعض القوى داخل النظام، وفى اليوم التالى، سُفكتْ دماء على أرض التحرير بسبب المعركة بين أنصار الرئيس والمعتصمين فى التحرير.. كانت هذه المعركة التى اصطُلحَ على تسميتها إعلاميًا بـ«معركة الجمل»، هى الإعلان الحقيقى عن نهاية حكم مبارك، حتى لو تأخر تسعة أيام بعد ذلك، هذه المعركة بدأ التخطيط لها بعد ساعات من الخطاب، وحاول الجميع استخدام التليفزيون الوطنى فيها، وكانت هذه معركة أخرى.

منذ اللحظة الأولى للأحداث، كنتُ نقطة الاتصال الرئيسية فى الإعلام، وكان علىَّ فى أوقات عدة اتخاذُ قرارات حاسمة فى إدارة الصراع وقتها، من بينها رغبةُ معسكر الرئاسة فى الأيام الأولى فى دعم وزير الداخلية حبيب العادلى، ليستمر فى منصبه، وهو الأمر الذى كان يمكن أن يزيد الأمور تعقيدا، ورأيت – بصفتى- إعاقة هذا الأمر، وكذلك عدم السماح لمعسكر الرئاسة بحجب إذاعة بيانات الجيش، وهو الأمر الذى لو كان قد حدث لدفع بصدام لا يعرف أحد مداه.

لا أستطيع القول إننى أمتلك كل الحقيقة، لكن المُؤكّد أنَّ لدىّ من تفاصيل الصورة الكثير، مما لم يُتحْ لغيرى أن يراه أو يعلمه.

وجدت نفسى وسط أكبر عملية تغيير تشهدها مصر على هذا المستوى منذ أكثر من٤٥ قرنا، وجدتُ نفسى – مع ما أملكه من اتصالات مع الأطراف المختلفة ـ مشاركًا، ولو بقدر، فى إدارة الأمور.

طوال ١٨ يوما (ثمانية عشر يوما) بدءًا من ٢٥ يناير إلى ١١ فبراير، مكثتُ فى مكتبى فى التليفزيون، تحت حصارٍ مستمر، أقود مجموعة من الزملاء، آمنوا بما يفعلون، وقد خلقَ ذلك بيننا عَلاقةً ذات طابع خاص.

هذا الكتاب هو محاولة للإجابة عن كثير من الأسئلة، تمكنتُ من معرفة الإجابة عنها من خلال وجودى فى هذا المكان، ومن خلال اتصالاتى، ومن خلال مشاركتى فى الأحداث.

هذا الكتاب يحتوى على العديد من الأسرار التى يمكن القول عنها: إنها تنشر لأول مرة، بل يمكن القول: إن مستوى الدقة فى هذه المعلومات سيكون عالياً، مما يمكِّنُ من الاعتماد عليه، أو الرجوع إليه فى أى مرحلة؛ لـتأريخ ما حدث فى مصر فى هذه الفترة.

رابط المقال على موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=326481

«المصري اليوم» تنشر حلقات من كتاب عبداللطيف المناوى «الأيام الأخيرة لنظام مبارك» (الحلقة الثانية )

عبد اللطيف المناوى

تواصل «المصرى اليوم»، نشر حلقات من كتاب «الأيام الأخيرة لنظام مبارك.. ١٨ يوماً.. أسرار القصر الجمهورى وكواليس ماسبيرو» للإعلامى عبداللطيف المناوى، الرئيس السابق لقطاع الأخبار فى التليفزيون المصرى، وهو الكتاب الذى صدر مؤخراً فى طبعتين باللغتين العربية والإنجليزية عن الدار المصرية اللبنانية. ويقدم «المناوى» فى كتابه تفاصيل سرية، لم تنشر من قبل، عما كان يجرى فى القصر الجمهورى خلال الفترة بين ٢٥ يناير و١١ فبراير، وطبيعة الأدوار التى قامت بها الشخصيات الرئيسية فى النظام السابق، من واقع مسؤوليته عن الإعلام الرسمى للدولة فى السنوات الأخيرة، وقربه من مصادر المعلومات الأصلية لأسرة الحكم فى البلاد. ويمكن اعتبار الكتاب أول شهادة حقيقية عن أسرار الأيام الأخيرة فى نظام مبارك، وإجابة عن سؤال كان ولايزال يشغل بال المصريين منذ اندلاع الثورة: ما الذى كان يجرى فى دهاليز الحكم وما الذى كان يفكر فيه ويخطط له النظام؟

٢٤ يناير

صباح الاثنين ٢٤ يناير توجهتُ إلى مكتبى، شمسُ القاهرة ساطعة، درجة الحرارة ١٩ درجة مئوية، وشوارعها مزدحمة كعادتها دائمًا، دخلتُ إلى مكتبى، تحدثتُ مع زملائى، كلَّفتُ مجموعةً بتحديد أسماء الفاعلين فى الجماعات الشبابية المختلفة، كفاية، ٦ أبريل، خالد سعيد، وطلبتُ من زميل آخر إعداد أحد الاستديوهات على طريقة «تاون هول»، بحيث يجلس الحضور فى دائرة وتجلس الشخصيات المتحدثة فى وسط الدائرة على مستوى واحد، وصعدت إلى الطابق التاسع، حيث مكتب الوزير، الذى بادرنى بالسؤال عن رأيى فيما يجرى، فحدثتُه عن تقديرى، وأخبرته -برأيى- أن ما يصلح لهذه المرحلة هو أن يُفتح المجال لهؤلاء الشباب، لكى يظهروا على شاشة التليفزيون، ليتحدثوا عن ملاحظاتهم وانتقاداتهم، وأن يشارك معهم ٤ أو ٥ ممن أطلقتُ عليهم تعبير «عقلاء الأمة»، وبعد المناقشة اقتنع الوزير بالفكرة، وأضاف إليها أنَّ هؤلاء الشباب يمكن أن يجلسوا مع ٤ من الوزراء فى الحكومة، الذين لهم شعبية، أو قدرةٌ على الحوار مع الشباب، وحدَّد بالاسم المهندس رشيد محمد رشيد، ويوسف بطرس غالى، وأحمد المغربى، وهو شخصيًّا، فاقترحت عليه فى المقابل، أنه يمكن أن نحدِثَ مزجا بين هؤلاء وهؤلاء، لكنْ فى البداية، دعنا ننفذ الفكرة، فطلبَ عرض الأمر على مكتب الحزب، الذى كان مجتمعًا فى تلك الأثناء، فى مقر الحزب على بعد أمتار قليلة من مبنى التليفزيون.

اتصل الوزير الفقى بجمال مبارك، ليذهب ويعرض عليه الفكرة، فطلب الأخيرُ من هيئة المكتب، المجتمعين فى تلك اللحظة، والمكوَّنةِ من جمال، وصفوت الشريف، وأحمد عز، وزكريا عزمى، ومفيد شهاب، وعلىِّ الدين هلال- طلب النقاشَ عبر «الكول كونفرانس»، فبدأ بالفعل حوارًا معه، امتدَّ لحوالَى ٢٠ دقيقة، وخرج بعدها، ليبلغنى أنَّ هيئة المكتب رفضت الفكرة، لأنهم رأوا أنهم بذلك يعطونهم اعترافًا «قالها بالإنجليزية»، وأنَّه سيعطيهم حجمًا أكبر من حجمهم. أنهيتُ المناقشة معه، لكن قبل أن أغادر، عائدا إلى مكتبى، كان لى تعليقُ واحدٌ أنَّ هذا خطأ كبير.

عدتُ إلى مكتبى، لأبلغ زملائى بالتوقف عن الاتصال بممثلى جماعات المعارضة، وذكرتُ لهم الأسباب، التى استند إليها مَن اتخذ القرار، بعدم السماح لهؤلاء الشباب بالظهور فى التليفزيون، دون أن أسمِّى لهم منْ هم الذين رفضوا، غير أنى على يقين، لذكائهم، فى معرفتهم مَن يملك مثل هذا القرار.

هذا الموقف أكَّد لى مرة أخرى ذلك الأسلوب، الذى اتَّسم بالقدر الأكبر من الغباء المعتاد للنظام فى مصر، فى إدارة الأزمات، وهو الانتقادُ الذى ذكرته دائما لمختلف المستويات السياسية والأمنية بشكل واضح، وفى بعض الأحيان بشكل غاضب، فقد كنتُ أرى أنَّ النظام أدمن هذا الغباء فى التعامل مع الأزمات، بل إنه خلقَ بنفسِه لنفسِه أزماتٍ، نتيجة أسلوب الإدارة. وفى مراتٍ عدة، خلقَ أعداءً من الفراغ، وحوَّل حلفاءَ إلى أعداء له، نتيجةَ قِصر النظر، الذى تمكَّن من كثير من اللاعبين الأساسيين فى ملعب السياسة والأمن داخل النظام، وفى الوقت نفسه، خلَقَ وحوشًا، ظنَّ أنَّها ستكون أسلحته فى مواجهة معارضيه، فاستحالتْ تلك الوحوش عبئا وضررًا عليهم، بل تسببتْ فى خسارة العديد من الحلفاء، وتحويل عدد آخر إلى معسكر الأعداء.

وقد كنتُ شاهدًا على العديد من هذه المواقف، ومن الأمثلة الدالّة على ذلك، أن اثنين ممن يعتبرون من قادة المعارضة، كلاهما كان عضوًا فى لجنة السياسات، التى كان يرأسها جمال مبارك، أحدهما، وعدوه أنْ يتولّى منصبًا إعلاميًّا رفيعا، ولم يفعلوا، فانقلب عليهم، والآخر، وجد زميله الباهت، مقارنة به، يتولّى مناصبَ قياديةً فى الحزب، بينما ظلَّ هو مكانه، حيث إنّ جمال مبارك كان حريصا على ألا يضع بجانبه من لا يرتاح إليه، أو يظنّ أنه سيخطف منه الأضواء، وكان صاحبنا هذا لامعًا فى الحديث بلغات متعددة، ولديه كاريزما ومقبول الشكل كثيرا، وهكذا خرج من الحزب، وتحول معارضا.

بدأنا البحث عن بديل لفكرة حضور الشباب المعارض، التى رفضها مكتب الحزب الوطنى، بقيادة جمال مبارك، وكانت قناعتى أن الأمور تتجه إلى التعقيد، وأن إدراك القائمين على إدارة الأزمة، لَحقيقة أبعادها أقلُّ كثيرا من حقيقتها، وأنهم يراهنون على عدة عناصر، منها الاقتناع بتلك القوة الرادعة والمسيطرة لجهاز الأمن، بقيادة وزير الداخلية حبيب العادلى، الذى نقل دائما الإحساس بالثقة إلى جميع المستويات فى الدولة، وعلى رأسها الرئيس مبارك نفسه، وبدا هذا واضحا أثناء الاحتفال الأخير بعيد الشرطة، وكان العادلى حريصاً على أن يترك المعلوماتِ مبهمةً حول العدد الفعليّ لقوات الأمن المركزى، المكلَّفة بالحماية ومكافحة الشغب، وقد تركَ للناس إعمال خيالهم، حتى إنَّ البعض قدَّرها بحوالَى مليون ونصف المليون، فى حين كشفتْ الحقائق فيما بعد، أنَّ عددهم لم يتجاوز ١٧٥ ألف جنديٍّ، ولكنْ أن يعيش الناس فى أوهام الأرقام الكبيرة للأمن، هو عاملُ ردعٍ وتخويفٍ.

العامل الثانى، الذى راهن عليه مديرو الأزمة، هو التجارب السابقة لتلك الجماعات المعارضة، من مظاهرات وإضرابات، لم تسفر إلا عن أخبار صحفية وتليفزيونية، وإنشاء جماعاتٍ جديدةٍ، تحمل اسم الحدثِ، أو تاريخَه، وقد كانتْ قناعتهم، وهذا ما ظهر من خلال مناقشات وزير الإعلام أنس الفقى، معى أكثر من مرة، أن هذه الأزمة يمكن أن تكون مناسِبةً، لكشف هذه الجماعات، معرفة قوتهم وحجمهم الحقيقيين، لينكشفوا أمام الناس، ويواجهوا أنفسهم. ويبدو أن هذا، كان هو القناعةَ لدى كلِّ هؤلاء، وقد نقلوا تلك القناعة إلى الرئيس مبارك شخصياً، وهذا ما لمستُه من طبيعة الاتصالات، التى كانت تجرى أمامى فى مكتب وزير الإعلام، مع المستويات القيادية المختلفة فى البلد.

العامل الثالث، الذى كان ساكنًا نفوسَهم دون أن ينطقوا به، هو ذلك الإحساس، بل تلك القناعة بأنَّ المصريين لن يثوروا، وأنهم بطبيعتهم يرضون بما قسمه الله لهم، بل وصل تقدير البعض، وهم داخل الدائرة الضيقة للحكم، أن قال لى أحدهم، منتقدًا أسلوب إدارة الدولة، رغم وجوده داخلها فى تلك الفترة، قال: إنهم يتعاملون مع الشعب باعتباره جثةً هامدةً لن تحرك ساكناً، وهذا ما أمَّن عليه عددٌ آخر من القريبين من مركز صنع القرار وإدارة الأزمة.

٢٥ يناير

بدأ اليوم هادئاً، الأجواء يبدو وكأنَّ حدثًا ما فى الطريق، كان لدى أنس الفقى، وزير الإعلام، قدرٌ من الثقة فى أن اليوم سوف يمرُّ كسابقه من الأيام، التى شهدتْ مثل هذه الاعتصامات والمظاهرات، وهذه الثقة فيما يبدو، انتقلت إليه من وزير الداخلية حبيب العادلى، الذى كان على اتصال مستمرٍّ به، خلال الفترة الأخيرة، وكان من بين الأفكار التى طُرحَتْ يومها، أنَّ هذه المظاهرات مناسبة، لإظهار القوة الحقيقية للمعارضة فى الشارع، فقد كان الحديث سواء عن ٦ أبريل، أو كفاية، أو غيرها من حركات المعارضة، كالحديث عن مجهولٍ، لا يُعرف على وجه التحديد حدود قوته الحقيقية، أو قدرته على التأثير، كذلك فإنَّ حضور أو عدم حضور الإخوان المسلمين فى تظاهرات اليوم، سوف يكون دليلاً على حجمهم الحقيقى فى حال المشاركة، وعن حجم الآخرين الحقيقى فى حال عدم المشاركة.

أحداث اليوم أعطتْ انطباعًا، بأنَّ الأمور تسير مع الدولة وليس ضدها، وبدا الأمر وكأن الأمور تتعاون مع الدولة ضد المظاهرات، فقد بدأ اليوم باشتباكات عنيفة ولكن فى الدولة اللبنانية، وهكذا، فإنَّ الإعلام العربى كلَّه، والفضائيات العربية كلها، قد وضعتْ الموضوع اللبنانى فى مقدمة نشراتها، حتى إن أخبار المظاهرات المصرية بدت فاترة فى بداية اليوم، ولم تأخذ نصيبها من الاهتمام، بل كانت الخبر الثانى أو الثالث، أو حتى الرابع فى العديد من النشرات والتغطيّات الإخبارية فى ذلك اليوم فى مختلف القنوات العربية.

اتصل بى الوزير أنس الفقى، وزير الإعلام فى ذلك الصباح على المكتب، وقال لى: يبدو أن لبنان هى الأخرى تلعب لصالح النظام، وبدا سعيدًا، لأننا الآن، لدينا فرصة مناسبة، لكى نضع لبنان الخبر الأول فى التغطيَّات الإخبارية المختلفة لنا، خاصة أن القنوات العربية المختلفة كالجزيرة، والعربية قد بدأت نشراتها وفتحت هواءها للخبر اللبنانى، لذلك كان خبر لبنان، هو الأول فى نشرات التليفزيون المصرى، بينما كان خبر المظاهرات هو الثانى، بالإشارة إلى أنها تجمُّع للقوى السياسية المختلفة، التى ترفع مجموعة من الشعارات، كإصلاح الاقتصاد وإصلاح هيكل الأجور، كانت هذه هى الصيغة التى تمَّ الاتفاق عليها فى إطار التغطية الخاصة للمظاهرات، وبالفعل، خرجتْ مجموعة من الكاميرات، لتصوير التظاهرات فى أماكن مختلفة فى شوارع القاهرة، لكن هذا الوضع لم يستمر طويلاً، حيث هدأت الأمور فى لبنان، بينما ازدادت اشتعالاً فى مصر.

مع مرور ساعات النهار، وتطوُّر الأحداث، بدأت الحالة المصرية تفرض نفسها على وسائل الإعلام المختلفة بما فيها، التليفزيون المصرى فى حدود المتاح وبدرجات متفاوتة، وبدا أن المظاهراتِ التى تحركت فى شوارع مصر المختلفة، قد استفادت من التجارب والدورات التى مر بها عدد من هؤلاء الشباب.

حتى بعد ظهر ذلك اليوم، ظلَّ إحساس الارتياح مسيطرًا على مديرى الأزمة، لمستُ ذلك من خلال الاتصالات الهاتفية التى جرت أمامى، وبدا لى فيها قدر الثقة بين المتحدثين، سواء من وزير الإعلام أنس الفقى، أو وزير الداخلية حبيب العادلى، الذى كان حاضراً دائماً على الهاتف الساخن مع الفقى، أو على الطرف الآخر جمال مبارك، و زكريا عزمى، رئيس ديوان رئيس الجمهورية، فى مقر الرئاسة، وبين وقتٍ وآخر، كان يتم إبلاغ الرئيس بملخص عن التطورات عبر الهاتف، وقد لاحظتُ دائما أن الصورة التى كانت تُنقل للرئيس، بها قدرٌ كبيرٌ من الطمأنة، وأنَّ الأمور تحت السيطرة، وبدا وكأنَّ هناك حرصًا على عدم إقحامه فى التفاصيل، وبدا أيضا، على الطرف الآخر، أنه لا يمانع فى ذلك، وكانت الإحالة منه دائماً، إلى جمال ليتصرف، أو إلى حبيب العادلى الذى كان مطمَئنا لإدارته للأمور.

وحسبما علمتُ من أنس الفقى، وزير الإعلام، أن اجتماعا، لتقدير الموقف، كان قد جرى يوم السبت السابق للأحداث، حضره مبارك، ورئيس الوزراء أحمد نظيف، ووزير الدفاع، ووزير الإعلام، ووزير الداخلية، ورئيس جهاز المخابرات، وقد طُرح فيه الموقف المتوقع يوم ٢٥، وقد بدا أيضاً من خلال الاجتماع، الثقة التى أبداها وزير الداخلية والسيطرة على الموقف، وكذلك التأكيد على التعامل السلمى مع المظاهرات حتى تمر بسلام، كذلك تم استعراض الإجراءات التى سيتم اتخاذها ذلك اليوم فيما يتعلق بالاتصالات، والتعامل مع المتظاهرين. كلُّ هذه الأمور، كان قد تحدَّث معى فيها أنس الفقى، وزير الإعلام، قبل يوم ٢٥ يناير، وفى أثنائه، فى ذلك الوقت.

ومن الأمور الملفتة للنظر، والتى كان من الممكن، فى وقت آخر، أن تبدو طريفة، إلا أنها لم تكن كذلك، ففى ذلك اليوم، ٢٥ يناير، كانت وزارة الداخلية قد بدأت حملة إعلانية، حاولتْ بها أن تحسَّن صورتها، وتقرب بينها وبين الجماهير. فى هذا المساء أيضا، كان مُقررًا إذاعةُ الحوار السنوى الذى اعتاد أن يجريه وزير الداخلية مع الكاتب الصحفى مفيد فوزى، وهو الحوار الذى امتد ساعتين كعادته، ولم يكن الظرف مواتيًا، كما اعتقدت فى ذلك الوقت، فقد كان الشارع مليئاً بالمظاهرات، وكانت هناك حالة من الاحتجاج والاحتقان، فسألتُ وقتها وزير الإعلام، عن مدى إمكانية عدم إذاعة هذا اللقاء، واقترحت عدم إذاعته فى هذه الظروف، خاصة أنه سوف يزيد الأمور سوءًا، إلا أنه رأى أنه حوار لوزير الداخلية، فى يوم الاحتفال بعيد الشرطة، والحوار كان قد تم تسجيله بالفعل، وبالتالى يتوجَّب إذاعته، وخرج وزير الداخلية – فى تلك الليلة، فى حوارٍ سُجِّل قبلها بيومين – بمجموعة من التصريحات، لم تكن فى توقيتها المناسب على الإطلاق حتى لو كانت مسجلة من قبل.

استمرت متابعة ما يحدث فى شوارع القاهرة ومدن مصرية مختلفة. وبدا أن المظاهرات هذه المرة مختلفة عن سابقاتها، وعندما نجحتْ المظاهرات فى الاستمرار إلى ما بعد الثالثة مساء، شعر الإخوان بأنهم سيخسرون إن لم يتحركوا ويشاركوا، وإلا سيظهرون بمظهر المتخاذل، وسوف يخسرون ما يشيعونه دائماً، من أنهم القوة الحقيقية لحركات الاحتجاج، فصدرتْ التعليمات لأعضاء الجماعة، من قيادتها، بالنزول إلى الشارع. وقتها اتصل بى أحد المراسلين، وذكر: أن شعارات جديدة بدأت تتردد بين المتظاهرين، هذه الشعارات والهتافات حملت طابعاً دينياً، ولم تكن شعارات الإخوان المسلمين بشكل مباشر، كما لم يرفع أعضاء الجماعة ما يدل عليهم كجماعة الإخوان، ولكن الشعارات والهتافات حملت مضامين دينية إسلامية، ثم كانت الدعوة لإقامة صلاة العصر فى الميدان.

التقيت أنس الفقى وزير الإعلام عدة مرات خلال اليوم، ونقلت إليه ما جاءنى من المراسلين فى الشارع، عن تدهور الأحوال فى السويس، وازدياد الاصطدامات، ووقوع ضحايا من المتظاهرين وقوات الأمن، وعن تزايد المظاهرات فى الإسكندرية، ومشاركة رموز سياسية معارضة فى المظاهرات على غير المتوقع، فوجدت أن لديه معلوماتٍ كانت تصله من خلال التواصل والاتصال المستمر بوزير الداخلية.

قبل المغرب بقليل، قام أنس الفقى بالاتصال ببعض الشخصيات السياسية المعارضة، التى شاركت فى المظاهرات، من أجل حثِّها على عدم المشاركة، وعلى إيجاد وسيلة للتفاهم معهم، وبالفعل وصل إلى مكتبه اثنان منهم، محمد مصطفى شردى، النائب السابق لحزب الوفد عن دائرة بورسعيد، والذى انسحب من الانتخابات البرلمانية الأخيرة مع حزبه فى المرحلة الثانية، ورامى لكح رجل الأعمال، الذى عاد إلى مصر بعد سنوات من الهروب خارجها، وذلك بعد التوصُّل إلى تسويةٍ لديونه للبنوك المصرية، ثم انضم لحزب الوفد، وشارك فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة، ولم ينجح هو الآخر، بفضل إدارة أحمد عز للانتخابات.

واستمر اللقاء بين الفقى وبينهما لمدة تجاوزت الساعتين، وتحدَّث معهما فيها عن مطالبهما، وانتقد مشاركتهما فى مثل هذه المظاهرات بشكل لطيف، قائلا: إنهما أكبر من المشاركة فى مثل هذه المظاهرات، وأكد أن هناك خطوات سوف تُتخذ لإصلاح الأوضاع، خاصة فيما يتعلق بالأحكام الصادرة من القضاء المصرى، المقدمة فى صحة عضوية أعضاء مجلس الشعب، وكذلك أهمية فتح باب الحوار معهم ومع رموز المعارضة الشرعية فى المستقبل.

وكان اللقاء وديًّا على عكس ما ادَّعى البعض بعد ذلك بأشهر، حيث بدا منهم التجاوب على ما طرحه الفقى، وذلك كما علمتُ أثناء تقديم الوزير تقريرًا للرئيس، عبر الهاتف، بما تمَّ، فضلا عن اتصالات أخرى للوزير مع بقية القائمين على إدارة الأزمة فى ذلك الوقت.

مع استمرار المظاهرات، بدت حالة التوتر أكثر حضورًا لدى القائمين على إدارة الأزمة، والاتصالات باتت أكثر كثافة، إلا أنَّ ذلك لم يمنع استمرار الإحساس بالثقة فى السيطرة على الأمور لدى كل الأطراف، استنادًا لما يؤكده لهم حبيب العادلى وزير الداخلية.

مع حلول المساء واستمرار المظاهرات فى الميدان، خرجت وزارة الداخلية ببيان، هو الأول، منذ بدء المظاهرات التى بدأت منذ ذلك الصباح، وكالعادة جاء البيان، وهو يحمل فى طياته ما اعتاد أن تحمله مثل هذه البيانات، حيث لم يتَّسم البيان بأى قدر من الذكاء السياسى، وتعامل بشكل تقليدى، كما لو أنَّه كان يتعامل مع مظاهرة صغيرة كسابقاتها.

انتهى بيان وزارة الداخلية فى تلك الليلة، الذى كان خطأه الأكبر أن نسبَ الفضل كله، أو نسب المظاهرات كلها، وحضورها إلى جماعة الإخوان المسلمين، وتجاهل تماما المعارضة التقليدية التى كان بعضها موجودًا، وليس ذلك فقط، بل الأهم أنه تجاهل أولئك الشباب، الذين شاركوا فى هذه المظاهرات، وتجاهل أيضا مشاركة المصريين العاديين فيها لأول مرة بشكل تلقائى، وتعبيراً عن حالة الغضب والإحباط التى سادت لديهم، وكذلك الإحساس بعدم الجدوى. تجاهل البيان كل ذلك، وأعطى الزخم كله، والفضل كله للإخوان المسلمين. كان هذا هو أحد أهم الأسباب التى دعت المواطنين، أو الذين يتابعون فى تلك الفترة، إلى عدم التعاطف، أو تصديق ما ذكره البيان، لأن الذين تابعوا من خلال وسائل الإعلام المختلفة، وجدوا فى شوارع القاهرة والمدن المصرية الأخرى، متظاهرين جددا، وليس كما ادعى البيان-كونهم الإخوان المسلمين.

على الأرض، التحمت القوى السياسية المشاركة مع مَن شاركوا من المواطنين العاديين. فكانت هناك الأحزاب والحركات السياسية والاحتجاجية ومنظمات المجتمع المدنى، وأصحاب الأفكار والتوجهات المختلفة، وبجانب هؤلاء آلاف من طلبة الجامعات، الذين عرفوا النزول إلى المظاهرات للمرة الأولى، معلنين رفضهم تدنى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، واكتملت الصورة بتوافد رجال الأعمال وربات البيوت، حاملين المأكولات السريعة والبطاطين وكراتين المياه المعدنية، لمساعدة المحتاجين وإمدادهم بالغذاء.

البداية الحقيقية كانت فى الثانية ظهرا بميدان التحرير، عندما تجمع المحتجون القادمون من منطقة وسط القاهرة أمام دار القضاء العالى، ونقابتى المحامين والصحفيين، والقادمون من شبرا، ودار السلام، وبولاق الدكرور، وهتفوا «الشعب يريد إسقاط النظام» و«يسقط يسقط كل فاسد» و«أهلا أهلا بالتغيير» و«لا وألف لا للظالمين» و«يا رغيف فينك فينك البطالة بينا وبينك».

لماذا شارك من شارك من المواطنين العاديين؟ هذا هو السؤال الذى لم يحاول واحدٌ من النظام الذى سقط أن يتوقف عنده، ويلحظ أيًّا من المقدمات التى أشرت إليها من قبل، ففى شوارع متعددة من مصر، ليس فقط ميدان التحرير تجمع آلاف المواطنين المصريين، شبابًا وفتيانًا، وشيوخًا، وأسرًا كاملة «الزوجين وأطفالهما»، خرجوا جميعًا، للمشاركة فى «يوم الغضب»، دون أن يجمعهم الانتماء لأى تيارات سياسية أو تنظيمات.

مع دقات الساعة السابعة والنصف مساء، أى بعد ٥ ساعات من التظاهر كانت ملامح مطالب المتظاهرين قد بدأت تتبلور عندما اجتمع بعض المشاركين من المتظاهرين، ووضعوا أنفسهم فى موقع القيادة بمقر حزب الغد «جبهة أيمن نور»، واتفقوا على مجموعة من المطالب أعلنها بعد انتهاء الاجتماع الدكتور أسامة الغزالى حرب، رئيس حزب الجبهة المعارض، وكان عضوًا قياديًّا من قبل فى الحزب الوطنى ولجنة السياسات، التى رأسها جمال مبارك، ثم تحول إلى المعارضة، وجاءت فى ٤ نقاط: الأولى: مطالبة الرئيس مبارك بعدم الترشح لفترة رئاسية جديدة، وعدم ترشح نجله جمال مبارك، الأمين المساعد للحزب الوطنى الديمقراطى، وإقالة حكومة الدكتور نظيف، وحل مجلسى الشعب والشورى، والمجالس المحلية، وتعيين حكومة إنقاذ وطنى لمدة ٦ أشهر، يتم خلالها إقرار دستور جديد لمصر، وآخر قرارات اجتماع القوى السياسية هو استمرار الاعتصامات والاحتجاجات فى مختلف المحافظات.

وبعد نداء إذاعة مترو الأنفاق عن وجود آخر قطار متجه لمحطات شبرا والجيزة، أغلق عمال المترو مداخل ومخارج محطة أنور السادات فى ميدان التحرير، وبعدها بدقائق وبعد الإنذارات، هاجمت قوات الأمن المتظاهرين وأطلقت نحو ٥٠ قنبلة مسيلة للدموع فى اتجاه حديقة الميدان وأمام عمر مكرم، واستطاعوا تفريق المتظاهرين فى أقل من ١٥ دقيقة، فلجأ المحتجون إلى الكر والفر فى الشوارع الجانبية للميدان، وتحركوا فرادى، وأصيب العشرات بالاختناق بسبب الدخان الكثيف للقنابل.

وتم فض المظاهرات فجر الأربعاء، وقد حمل الهواء بقايا رائحة الغازات، وسار وزير الداخلية بسيارته وسط ميدان التحرير بعد إخلائه، واتضحت طلبات المتظاهرين أمام صناع القرار، وانتهى اليوم، وبدأ يوم جديد، وكان السؤال الكبير: هل فهم الدرس مَنْ عليه أن يفهم؟

رابط المقال على موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=326180

شأن مصرى فى ليل لندن

بقلم: عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

اعتدنا أن نطلق على الصحافة وصف «السلطة الرابعة»، ولم ندرك أبداً ذلك المستوى الذى يجعل من الصحافة كياناً مستقلاً قادراً على استيعاب تطورات الحياة، لكن هذا النموذج متحقق فى بريطانيا بشكل أو بآخر، الأمر الذى كان سبباً فى أن المعادلة السياسية والديمقراطية البريطانية لم يعد من الممكن تصورها دون وجود تلك السلطة، التى لم تكن يوماً فى مرتبة أقل، وكانت ممارساتها أحد العناصر المهمة فى ضبط الحياة فى بريطانيا، وباتت عنصراً مهماً فيما يطلق عليه آلية التدقيق والتوازن فى المجتمع بين السلطات الثلاث. هذا الوضع المتميز للصحافة البريطانية انعكس على العاملين فيها، لذلك فإن أندية الصحفيين التى توجد فى بريطانيا تتجاوز حدود مجال التجمع على المستوى العائلى إلى مستوى وبعد آخر، وتكتسب تلك النوادى المستقلة قيمتها الكبرى من حجم نشاطها. ومن بين هذه النوادى ناد أطلق عليه اسم «فرونت لاين»، أى الخط الأول أو خط المواجهة. لذلك عندما علمت أن هناك ندوة حول الأوضاع فى مصر بمناسبة مرور عام على ٢٥ يناير كنت حريصاً على حضور الندوة، خاصة مع اقتراب صدور كتابى الجديد حول الأيام الأخيرة لنظام مبارك، والذى يصدر باللغة الإنجليزية فى هذا الأسبوع فى نفس وقت صدوره باللغة العربية فى القاهرة.

فقد قررت المشاركة فى اللقاء فى نادى الصحفيين فى لندن، وكان المتحدثون الآخرون فى هذا اللقاء هم من المصريين د. حسام عبدالله، أستاذ الخصوبة المعروف فى لندن، والذى كان أحد قيادات العمل الشبابى فى مطلع السبعينيات فى مصر، وطارق عثمان، مؤلف كتاب باللغة الإنجليزية عن مصر منذ عهد عبدالناصر حتى مبارك، وأهداف سويف، وهى روائية مصرية تعيش فى لندن منذ أكثر من ثلاثين عاماً، وتكتب بالإنجليزية. كان الحوار الرئيسى حول مصر، بعد عام من ٢٥ يناير، كانت الأجواء مشحونة ضد الأوضاع فى مصر ومن بين الأفكار التى طرحت من قبل المتحدثين نبرة الهجوم الشديد على المجلس العسكرى، ووصل الأمر إلى حد وصفه من قبل إحدى المتحدثات بأنه جيش معاد وطالب آخر باستمرار الثورة فى الشارع لتغيير الواقع مهما طالت، وهو الأمر الذى أكده آخر بأن ٢٠ عاماً أو ٣٠ عاماً من عمر الشعوب ليس بكثير. كان ما طرحته من مواجهة هذه الآراء أن عشرات السنين فى عمر الشعوب ليست بكثير، لكنها كثيرة جداً فى عمر الأفراد، وأن مصر هى أكثر من ٨٥ مليون مصرى من حوالى ٥ آلاف قرية ومدينة مصرية، وأن مصر ليست القاهرة، وأن القاهرة ليست فقط ميدان التحرير، وأن الجيش المصرى حتى لو شابت أداء مجلسه أخطاء أثناء إدارته البلاد خلال الأشهر الماضية، إلا أنه يظل جيش الأمة، وينبغى الحفاظ عليه فى مكانته دائماً، وأن الجيش المصرى له فى نفوس المصريين جميعاً موقع مختلف، ولقد خدمت فيه كجندى، وكل أسرة مصرية لديها مثل هذه العلاقة، كما أنه الجيش المصرى الذى خاض حروباً من أجل استقلال الوطن. وطرحت أن الحل الوحيد هو التوقف عن حالة الإقصاء بين الأطراف، والتوحد من أجل إنقاذ الوطن.

«المصري اليوم» تنشر حصرياً حلقات من كتاب عبداللطيف المناوى «الأيام الأخيرة لنظام مبارك» (الحلقة الأولى )

بقلم: عبد اللطيف المناوي

غلاف كتاب الأيام الأخيرة لنظام مبارك

تبدأ «المصرى اليوم»، اعتباراً من اليوم، نشر حلقات من كتاب «الأيام الأخيرة لنظام مبارك.. ١٨ يوماً.. أسرار القصر الجمهورى وكواليس ماسبيرو» للإعلامى عبداللطيف المناوى، الرئيس السابق لقطاع الأخبار فى التليفزيون المصرى، وهو الكتاب الذى صدر مؤخراً فى طبعتين باللغتين العربية والإنجليزية عن الدار المصرية اللبنانية. ويقدم «المناوى» فى كتابه تفاصيل سرية، لم تنشر من قبل، عما كان يجرى فى القصر الجمهورى خلال الفترة بين ٢٥ يناير و١١ فبراير، وطبيعة الأدوار التى قامت بها الشخصيات الرئيسية فى النظام السابق، من واقع مسؤوليته عن الإعلام الرسمى للدولة فى السنوات الأخيرة، وقربه من مصادر المعلومات الأصلية لأسرة الحكم فى البلاد. ويمكن اعتبار الكتاب أول شهادة حقيقية عن أسرار الأيام الأخيرة فى نظام مبارك، وإجابة عن سؤال كان ولايزال يشغل بال المصريين منذ اندلاع الثورة: ما الذى كان يجرى فى دهاليز الحكم وما الذى كان يفكر فيه ويخطط له النظام؟

المرَّة الأولى التى التقيتُ فيها جمال مبارك كانت من حوالَى ٤ سنوات، اتَّسم جمال بالذكاء والحرص الشديد عند الحديث، وتدقيق المعلومات، ويبدو أنَّ عمله فى البنوك قد أثَّر فى تكوينه إلى حدٍّ كبير، لكنْ ليس هذا فحسب، بل وَرَث عن والدته، سوزان مبارك، الجانبَ نفسَه من ملامح الشخصية، فقد عُرف عنها أنَّها تراجعُ أيّة كلمةٍ تلقيها فى لقاء عامٍّ أكثرَ من ١٠ مراتٍ، وفى كلِّ مرة تُعدِّل، وتضيف، وتختصر، وقد كان هذا محلَّ شكوى كلِّ مَن كان يقوم بكتابة كلمتها، وعلى هذه الشاكلة كان جمال مبارك.

قبل الحوار التقيتُه، وتحدَّثنا فى الحوار، بنودِه ومحاوره، وقبل الحوار أيضًا، علمتُ من بعض مساعديه أنَّهم يعملون فى أكثرَ من أسبوع، للإعداد لهذا الحوار، يأتون بالمعلومات من كلِّ حَدَبٍ وصوبٍ – ويبدو أنَّه من شدة حرصه فقدتْ حواراته الرُّوحَ والتواصل الحقيقى مع الناس، وقد لمستُ هذا عندما كان يضطرُّ إلى إجراء حواراتٍ غير مُعدَّةٍ سلفا، سواء فى حوار صحفى، أو فى إطار إجابته عن أسئلة غير مُعدِّ لها فى لقاءاته مع الشباب.

كان من المفترض أن يشارك فى اللقاء حوالى ٥٠ شابًّا وفتاة، تتجه أعمارُهم نحو العشرينات من العمر، كان مُعسكرًا شبابيًّا، وكان ذلك منذ حوالى ٤ سنوات، سألنى جمال مبارك قبل اللقاء عن رأيى فى الموضوعات التى نتناولها، فأكَّدتُ له أنَّ ما يشغل الشبابَ بشكلٍ رئيسى الآن هو المستقبل بشقَّيه: فرصِ العمل، ومستقبلِ مصر السياسى.

وبدأ الحوار مع الشباب، الذين كنتُ أحرص دوماً على دفعهم للسؤال بحريّة، حتى لو كانت لديهم تعليماتٌ مُسبقة بعدم التحدُّث فى موضوعاتٍ بعينها، وكان هذا يحدث للأسف، أحيانًا من قِبلِ بعض القائمين على تجهيز هذه اللقاءات.

غرقَ جمال وأغرق معه كلَّ من حضرَ لقاءاتِه وحواراته فى تفاصيل الأرقام، نسبة النمو، الاحتياطى النقدى، الاستثمارات الأجنبية، وقد قلتُ له ذات مرة: إنك فى حوارك مع الشباب تحدثتَ عن الملايين والمليارات، فى حين أنَّ أكثر هؤلاء الشباب غنىً يحمل فى جيبه ١٠٠ جنيه مصرى، لأنه يقضى أسبوعًا فى هذا المعسكر. وجد جمال نفسَه فى منطقةٍ يلهث الكثيرون للاقتراب منها، عندما بات فيها وضَعه مَنْ حولَه فى موقع الفرعون، قبل أنْ يكونَه. وقد كنتُ شاهدًا على سلوك كبار المسؤولين، وكبار المتخصصين فى تخصصاتهم، يتعاملون معه بقدسيّةٍ، انتظارًا لتعليماته، ورؤيته، لكى ينفذوها. لقد جعلَه مَن حوله صاحبَ القرار والرؤية، حتى فيما لا يتخصص فيه، وفيما يبدو أنَّه لم يكن هناك مَن يناقشه كثيرًا فى قراراته. واحد من أكثر الشخصياتِ قربًا من جمال مبارك قال لى: إنَّ مشكلته أنَّه أحاط نفسَه بعدد قليل من الأشخاص، يثق فيهم وحدهم، ولا يثق فى غيرهم. اثنان فى مجال الاقتصاد، هما: رشيد محمد رشيد، وزير التجارة الأسبق، ودكتور يوسف بطرس غالى، وزير المالية الأسبق، وواحدٌ فى مجال السياسة: أحمد عز، الذى كانت علاقته به أهم العناصر التى عجَّلت بعدم تحقيق الكثير من الأهداف، بل عجَّلت بانهيار النظام برمته.

ففى مجال الاقتصاد، عمِلَ من خلال رشيد وغالى، وثق بهما، وتحقَّق قدرٌ واضح من الإنجاز فى مجال الإصلاح الاقتصادى، وهو إنجازٌ شهد به كثير فى الداخل والخارج، لكنّه كان إنجازًا بساقٍ واحدة، فقد غاب عنه البعد الاجتماعى طوال الوقت، بل إنه فى المرحلة الأولى لم يكن هناك حديثٌ عن الفقر والفقراء على الإطلاق، وهو الأمر الذى حاولتُ الإشارة إليه فى العديد من اللقاءات، من أنَّ الخطاب السياسىَّ يفتقرُ فى هذه المرحلة إلى حديثٍ عن البعد الاجتماعى، ويعتبرُ أنَّ حل مشكلة الفقراء لن يكون إلا من خلال إتاحة الفرصة من الأغنياء لمجالات العمل والاستثمار.

«جمال» و«عز»

إنَّ واحدًا من أهمِّ الأخطاء التى أجمع معظم المراقبين عليها هو تلك العلاقة المركَّبة بين جمال مبارك وأحمد عز، وقد كان من أهم أسباب مشكلات مصر السياسية فى الفترة الأخيرة هو وجود وسيطرة أحمد عز على الحزب الوطنى، وإزاحتُه معظم الحرس القديم فى الحزب، أو بحدٍ أدنى تحجيمُهم، فقد تمكَّن «عز» من السيطرة على معظم كوادر الحزب ومستوياته الإدارية المختلفة، واستغل فى ذلك مهارته المشهود له فيها من الجميع فى التنظيم والإدارة، وأيضا مستغلا قدرته المالية التى مكنته مع أسلوبه فى الإدارة من التحكم فى كل القواعد الحزبية، وبات مندوبٌ لأحمد عز يزور وحدة حزبية أكثر تأثيرًا من مسؤولين آخرين بارزين فى الحزب، لكنَّ هذه المقدرة المالية والإدارية لم تنجح فى أن تخلق له شعبية بين المصريين، بل إنَّ البعض يصل بالتحليل إلى أن وجود أحمد عز إلى جوار جمال مبارك كان واحدًا من الأسباب المهمة فى زيادة نفور المصريين منه، ولقد شبَّهته بكيس الرمال المعلَّق فى رقبة جمال، والذى يزيد فى جره إلى الأعماق، وذكرت ذلك لمستويات متعددة من المسؤولين فى الدولة.

مشكلة العلاقة بين أحمد عز وجمال مبارك هى تلك الحالة من القيادة والتأثير من «عز» على «جمال»، وكما ذكرت فإن طبيعة شخصية جمال مبارك – كما ذكر مقربون منه – أنه إذا وثق فى شخص فإنه يرفض أن يستمع أو يقتنع بأىّ رأى مخالف لما يراه من وثق به.

أذكر أنه فى مناسباتٍ متعددة، فى لقاءات مع قيادات سياسية وأمنية رفيعة المستوى، بل مع شخصيات عملتْ مع الرئيس نفسه، وتعرفه عن قرب، أذكر أننى تجاوزتُ معهم – فى الحديث – مرحلة الإشارة إلى مرحلة التصريح الواضح القلق الغاضب عن مشكلة وجود أحمد عز فى مقدمة الصورة السياسية، وعن العلاقة التى وصفتها بأنها «غريبة» بين «جمال» و«عز»، وكيف أن هذه العلاقة، وتلك السيطرة، إنما يدفع ثمنها المجتمع كلُّه، وأنَّ واحدة من أهم الخطوات التى ينبغى اتخاذها هى تحجيم حضور ودور أحمد عز، حتى لو كان يتمتعُ بقدراتٍ تنظيمية وحزبية لا حدود لها، وذلك بسبب تلك الحالة من النفور لدى الرأى العام.

الانتخابات البرلمانية الأخيرة التى أدارها أحمد عز وجمال مبارك كانت بالفعل هى المفجِّر لما شهدته مصر، بعد ذلك، فقد أثبت القائمون على الإدارة السياسية أنهم أبعد ما يكونون عن فهم طبيعة المصريين الذين يحكمونهم، وتعاملوا معهم باعتبارهم كما لو أنهم لن يتمكنوا من أى رد فعل، وأنهم سيفعلون ويرضون بما يملى عليهم، وساعد فى ذلك تلك الحالة من اللامبالاة والسلبية، وعزَّز ذلك وأذكاه ذلك الإحساس المبالغ بالقوة لدى القائمين بالعمل السياسى، وهى القوة الوهمية التى اختبرت بعد ذلك بقليل. القيادة السياسية فى تلك الفترة كانت قد قرَّرتْ أن توجِّه ضربة إلى جماعة الإخوان المسلمين، ومنعهم من أن يحصلوا على عدد مقاعد مماثل فى انتخابات ٢٠٠٥، حيث حصلوا على ٨٨ مقعدا، وذلك كنتيجة منطقية للتصويت المضاد للحزب، والذى لم يجد منفذًا سوى التصويت لمرشحى الإخوان، نكاية فى الحزب الوطنى، وكان هذا الاتجاه من النظام بتحجيم الإخوان، ووضعهم فى حجمهم الحقيقى مقبولا من عديد من القوى السياسية، على أن يكون ذلك فى إطار فتح الباب للقوى السياسية المدنية الأخرى للمشاركة والحضور الفعال، وهذا ما صدَّقه بعض من هذه القوى، وشاركتْ فى الانتخابات التى قاطعتها بعض القوى السياسية لتشككها فى نيَّات النظام الذى وعد بانتخابات نزيهة وعادلة وحرة، وهو الأمر الذى لم ينفذه.

لكنَّ ما حدث فى الانتخابات جاء مخالفاً لذلك تماماً، فقد اتفق أحمد عز ومجموعته – وذلك بدعم واقتناع كاملين من جمال مبارك – على الفوز بكل المقاعد، إن أمكن لهم ذلك، وبالتالى إسقاط القوى المعارضة كافة التى شاركت فى الانتخابات، سواء كانت من الإخوان المسلمين أو القوى المعارضة المدنية الأخرى.

خطَّطَ لذلك أحمد عز، كما شرح فى لقاء طويل بعد ذلك مساء ٦ ديسمبر٢٠١٠ فى لقاءٍ، دعا إليه جمال مبارك عددا من رؤساء تحرير الصحف وبعض الكتَّاب، وقليلا من الوزراء، وبدأ «عز» الحديث منذ التاسعة مساء وحتى الواحدة بعد منتصف الليل، يشرح كيف خطط لكل ذلك، لكى يطيح بكل منافسى الحزب الوطنى، وأفاض فى شرح الخطط التى استخدمها هو وفريقه، بينما كان «جمال» يتابعه باقتناع كبير، وقتها – بدا لى تماما – أنّه إلى أى حدٍّ تعامل هؤلاء مع الحالة المصرية، وقد أعماهم الإحساس الزائف بالقوة، وأنهم أصحاب الحق المطلق، وأنهم على صواب، وأنَّ غيرهم هم الذين لا يملكون القدرة على الحضور والمنافسة. ولم يعرفوا، أو قلْ: إنهم تجاهلوا أن سبب ضعف هؤلاء يحمل وزره بالأساس الحزب الحاكم، والنظام الذى استهدف كل المعارضة المدنية، ولم يدركوا أنهم بإدارتهم الانتخابات بهذا الشكل، والاستئثار بكل مقاعد البرلمان تقريبا، إنما خلقوا حالة عدائية كبيرة للحزب، وللقيادة السياسية، بل للنظام بأكمله.

وحسبما عرفتُ من مصادرَ ومسؤولين قريبين من الرئيس أن «مبارك» غضِب ما إن فوجئ بالنتائج، ووجَّه لومًا لجمال، الغريب هنا أنْ يُفاجأ الرئيسُ، وهذا معناه ببساطة أنَّه لم يكن مُطَّلعا، أو متابعًا لما يحدث على الأرض، وهذا ما أكَّده لى بعض المسؤولين القريبين من الرئيس بعد ذلك.

هذه الحقيقة – عدم متابعة الرئيس – كانت شواهدها تتزايد خلال الأعوام الأخيرة، والتى بدا فيها جمال كأنَّه هو من يدير البلاد فعليًّا، وبدا هذا واضحا من مشاركته ورئاسته العديدَ من الاجتماعات التى يحضر فيها وزراء، واجتماعاته مع العديد من المسؤولين على مختلف مستوياتهم، لعرض خططهم وسياساتهم فى إدارة مهامهم عليه، واستطلاع رأيه، والأخذ بوجهة نظره فى هذه الملفات، حتى لو لم يكن متخصصًا فيها. ولا ريب أنّ معظم هذه الملفات بالطبع لم يكن متخصصا فيها، وقد حضرتُ أنا نفسى العديد من المواقف التى كان يحاول فيها مسؤولون كبار الحصولَ على موعد مع جمال مبارك، للقائه والجلوس معه، والحصول على رأيه وموافقته ودعمه لما يفعلونه حتى لو لم يكن له علاقةٌ به.

المجموعة التى أدارت الانتخابات بقيادة «عز» و«جمال» حاولتْ تصحيح الصورة بقدر الإمكان بعد غضب الرئيس، وتدخلت أجهزة الدولة من أجل إنجاح من تبقى من المعارضة فى جولة الإعادة، وذلك لتفادى غضب الرئيس فى المقام الأول، وللحدِّ من الانتقادات الحادة التى بدأ شلالُها فى الفيضان، عقب إعلان نتائج الجولة الأولى، لكن كان التدخل من أجل منْ تبقَّى من رموز المعارضة، إضافةً إلى عضوٍ واحد من جماعة الإخوان المسلمين رفض الانسحاب من الجولة الثانية من الانتخابات كما قررتْ جماعته.

كان هذا التدخل، كما وصفتُه شخصيا وقتها، يشبه النظام الذى تتبعه بعض القبائل، أو تتبعه بعض الإمارات فى شبه الجزيرة العربية وهو نظام (الديّة)، وذلك أن يدفع أهل القاتل مبلغا من المال لأهل القتيل، تعويضًا عن قتله، ولكن للأسف فإنّ هذه الدية، أو هذا التعويض لا يعيد الحياة إلى القتيل، فمن مات مات، وهكذا الحال بالنسبة للانتخابات فقد وقعت الواقعة منذ الجولة الأولى، ولم يكن يصلح أى إجراء لتصحيح الحقيقة، فقد كانت فضيحة سياسية بكل المعايير، أطاحت بحلم الدولة المدنية، وزرعتْ اليأس فى نفوس من اعتقدوا سابقا – وأنا منهم – أن النظام السياسى قد بدأ يدرك خطورة الوضع، وأنه جادٌّ فى وضع قواعد الدولة المدنية، ولم يكن ثمة حلٌّ مرضٍ، على الساحة السياسية فى تلك الفترة إلا إلغاء الانتخابات وإعادتها – وهو ما كنتُ أتمناه شخصيًّا وأدعو له – أو القبول كحد أدنى بالطعون الانتخابية التى أقرتها محكمة النقض، والتى تجاوزتْ ٢٠٠ طعن فى هذه الانتخابات. وكلا الأمرين لم يقبل «عز» أو «جمال» مجردَّ التفكير فيهما، بل وصل الأمر بهما فى مرحلة تالية إلى إقناع الرئيس بأن ما حدث هو بعض الأخطاء الناتجة عن ضعف الأحزاب والقوى السياسية الأخرى، وأن الحزب الوطنى «القوى» غير مسؤول عن ضعف تلك الأحزاب والقوى الأخرى، فخرج الرئيس يتحدث فى الجلسة الافتتاحية للبرلمان عن أخطاء فى الممارسة الديمقراطية ينبغى التعلم منها، ولكنه نفى عنها صفة الفضيحة السياسية.

إنَّ من دلالاتِ موافقته على ذلك هو أنه حينما أخبره البعض أنَّ المعارضة ستقوم بعملِ برلمانِ ظلٍّ موازٍ، قال جملته الشهيرة «خليهم يتسلوا»، وهو ما اعتبرته قوى المعارضة موافقةً ضمنيةً من الرئيس على ما تمَّ، وسخريةً منهم. ولم يدركْ وقتها أن هذه الانتخابات كانت بحق الإيذان بانهيار النظام كله، الذى لم يدرك هو ولا مَن حوله أنه بدأ يخلق داخله عناصر انهياره.

ولقد كان هذا الكِبْرُ وذاك الاستعلاء فى موضوع الانتخابات، كما هو فى موضوعات أخرى عديدة فى الفترة الأخيرة من حكم الرئيس مبارك، هما الشرارة التى أشعلت النيران، وقضت على هذا الوضع. إنَّ من ينظر إلى المشاركين فى مظاهرات ٢٥ يناير، فى اليوم الأول للأحداث، يكتشف أن معظم المشاركين المؤثِّرين فيها كانوا من ضحايا الانتخابات، سواء أكانوا من المعارضين، أو حتى من أعضاء الحزب الوطنى، الذين أسقطهم الحزب سواء فى المراحل التمهيدية للانتخابات أو فى الجولة الثانية، من أجل إنجاح مرشحى المعارضة، الذين تمكنوا من الوصول إلى جولة الإعادة فى محاولة لتجميل صورة الانتخابات.

تسببت نتائج الانتخابات فى إفساد المناخ العام تماما، وساعد على ذلك الوضع الاقتصادى الذى يحقق نموا اقتصاديا حقيقيا ولا يشعر به المواطن المحتاج فى الواقع، وإعلامٌ تجاوزَ جزءٌ كبير منه خارج حدود المنطق والمهنية فى المعالجة، وهو ما ساهم فى خلق حالة من الإحباط واليأس، من أجل تحقيق بطولات وهمية لبعض من هؤلاء الإعلاميين، بالإضافة إلى خطاب سياسى لرؤوس النظام تميز بالقدر الأكبر من الجفاء والاستعلاء وعمق الفجوة بين النظام والمواطنين، وأذكر هنا الحوار الأخير الذى أجريته مع الدكتور أحمد نظيف رئيس الوزراء المصرى الأسبق يوم ٧ يناير، والذى طلب إجراءه بعد اطمئنانه أنه مستمر فى منصبه، بعدما تجاوز مرحلة القلق من غضب الرئيس عليه، وقراره بإخراجه من منصبه فى صيف ٢٠١٠، كما قال لى رشيد محمد رشيد فى لقاء لى معه يوم ١٦ يناير قبل أقل من ١٠ أيام من الثورة، وأكَّدته لى مصادر عدة فيما بعد، بأن الرئيس كان قد اتخذ قرارا بإقالة «نظيف» وحكومته فى صيف ٢٠١٠.

ولقد ذكرَ ذلك أمام العديد من الوزراء والمسؤولين الذين كان يجتمع بهم دونه، ورفض أن يقابله لفترة طويلة، لولا تدخل جمال مبارك وحسين سالم، رجل الأعمال المعروف، والذى كان يتردد أنه الصديق الشخصى لمبارك الأب، تدخَّلا من أجل استمرار نظيف، واستعانا بالمهندس رشيد محمد رشيد، وزير التجارة والصناعة فى حكومة نظيف، والذى كان أبرز المرشحين لتولى منصب رئيس الوزراء بعده، ويحظى بثقة الرئيس مبارك، ليقنع الرئيس بتأجيل تغيير «نظيف» إلى ما بعد الانتخابات، وذلك حتى لا يدخل الانتخابات بوزارة جديدة يمكن أن تؤثر فى نتائجها.

بعدما مرت عاصفة الانتخابات وأصابت العاصفة الحزب، ونجا منها «نظيف»، فاستمر فى منصبه. هذه الحالة التى عاشها «نظيف» – حالة التهديد بالإقالة – هى حالة متكررة معه، منذ عام ٢٠٠٧، أى بعد توليه منصبه، وبعد أقل من ٣ سنوات، وهو مرشح للخروج من منصبه، ولم يكن خافيًا على أحد فى المستويات السياسية أو الصحفية أن الرئيس لا يحب رئيس وزرائه كثيرا، وكثيرًا ما تردد أنه يتحين الفرصة للتخلص منه، ولكن كانت هناك أسبابٌ وأحداث تؤدى لبقائه، بدءًا من الأزمة الاقتصادية العالمية، إلى أزمة الغذاء، إلى الهجوم الإسرائيلى على غزة، إلى الانتخابات البرلمانية، ومن بعدها مشروع الانتخابات الرئاسية التى لم تحدث، كل هذه الأحداث، وغيرها، كانت سبباً فى تأجيل اتخاذ قرار تغيير «نظيف» وحكومته.

وهنا، تجدر الإشارة إلى أن هذا التغيير كان أحد المطالب التى باتت كأنها مطلبٌ شعبىٌ كبيرٌ، ولكن لم يتم اتخاذ القرار. هذا التأجيل فى اتخاذ القرارات سيظهرُ، فيما بعد، أنه صفة أصيلة فى نظام مبارك. ففى ذلك الحوار الذى أشرت إليه تحدثت مع رئيس الوزراء عن تلك الفجوة بين الجماهير والحكومة، وغياب لغة الخطاب السياسى الجماهيرى إلا أنه أنكر ذلك بشدة، مؤكدًا على شعبية حكومته واقترابها من الجماهير، وهى الإجابة التى لم تقنع أحدًا ممن شاهدوا الحوار، وأنا من قبلهم. وكان أن كتبتُ فى مقال تالٍ لى عن تلك العلاقة بين النظام والشعب، والتى باتت تتجلى فى نكتة تقول: إن أعمى قال لأطرش «أنا شايف إنه فيه حد بيراقبنا»، فلا الأعمى رأى، ولا الأطرش سمع، وهكذا لا الحكومة رأت، ولا الشعب سمع، فقد عجزت الحكومة عن الرؤية، واختار الشعب ألا يسمع «طرش اختيارى» وهذه هى الفجوة الحقيقية بين الحكومة والنظام، فى تلك الفترة، وبين الجماهير المصرية.

ولعل قصة خالد سعيد تصلح كنموذج للتدليل على الأسلوب الذى دأب النظام على التعامل به، وهو الأمر الذى وصل به إلى ما وصل إليه. وخالد سعيد، ذلك الشاب الذى مات فى الإسكندرية فى شهر يونيو عام ألفين وعشرة، وتحوَّل إلى اللعنة التى أصابت النظام، وتسبب فى خلق حالة من الغضب الشديد لدى قطاعات عديدة من المصريين، والأهم من ذلك، تمكَّن عدد من السياسيين المعارضين فى استخدامه كسلاح فعال ضد النظام، فقد تحولت صفحة على «فيس بوك» تحمل اسم «كلنا خالد سعيد» إلى واحدة من أكثر الصفحات التى انضم إليها ملايين المصريين.

من جانبى علمتُ بخبر الوفاة صباح الجمعة ٩ يونيو بعد انتشار الخبر فى مدينة الإسكندرية، وبدء الإعلان عن تجمعات غاضبة من أهالى المدينة، احتجاجًا على مقتل خالد سعيد، وأعطيتُ تعليماتى بإذاعة الخبر فى التليفزيون باعتباره خبرًا عن تجمعات احتجاجية، اعتدنا على التعامل معها، واتصلتُ بمساعد وزير الداخلية المصرى، ذات اليوم عدة مرات، لأحثَّهم على إصدار بيانٍ، للإعلان عمَّا حدث، وما إذا كانت هناك إجراءاتٌ سوف يتخذونها، فإذا بمساعد الوزير يهوِّنُ كثيرا من الأمر، معتبرًا أنه موضوعٌ صغير، ولا يستحقُّ كلَّ هذه الضجة، فالولد مدمنُ مخدِّرات – على حدِّ قوله. حاولتُ الاتصال بعدها بعددٍ من المسؤولين، خاصةً أن بعض الأهالى سوف يتجهون إلى مقر وزارة الداخلية فى اليوم التالى، إلا أن ردَّ الفعل كان هو ذاته: التهوين من الموضوع برمته، وحالة من الكِبْر والإحساس المتزايد بالثقة، حتى إن واحدًا من الضباط علَّقَ مستخفًّا – وقتها – بأنهم لو جاءوا، فسوف يدفعون الثمن. وقد تم إبلاغنا فى التليفزيون أن وزارة الداخلية بصدد إصدار بيان عن الحادث. توقعتُ أن يتناول البيان تفاصيل ما حدث، دون أن يغفل الجانب السياسى فى الموضوع، وأن يتسم بقدر من الذكاء حتى يحتوى غضب الناس، وأن تتخذ وزارة الداخلية إجراءات جادة، للتحقيق مع الشرطيين وحبسهما، إلا أن البيان أتى مخيبًا للآمال، ومستفزًا لمعظم المصريين، فقد تجاهل تماما الاعتداء على الشاب بالضرب، وكال له الاتهامات بتعاطى المخدرات والاتجار بها، وتحدث البيان عنه باعتباره من معتادى الإجرام ومطروداً من الخدمة العسكرية، وكان هذا هو الخطأ الرئيسى: الافتقاد إلى أى حس سياسى.

هذا البيان كان نموذجًا متكررًا من غباء تعامل النظام مع الأزمات، وهو أسلوب متكرر فى مواقف متعددة، لم يتعامل مع الرأى العام الداخلى الغاضب، بل لم يهتم بالحديث إليه أول الأمر، ولم يهتم بإصدار بيانٍ إلا عندما أثير الموضوع دوليا، وعندما تحدث نطق كفرًا وخسر الداخل والخارج، وهكذا ساهم رجال النظام فى إضافة عنصر جديد، للتعجيل بانهياره، وتحوَّل خالد سعيد إلى رمز وأداة مؤثرة للقضاء على النظام، واستغلته كل قيادات المعارضة، صغيرها وكبيرها، كأداةٍ للتلميع والهجوم على النظام فى الوقت ذاته.

وهم التعددية الحزبية (٤)

بفلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قد يقول قائل هذه الأيام إن الأحزاب الدينية غير دستورية، ذلك أنها قامت على أسس تتناقض والدستور، سواء الدائم الذى لم يعد دائما، أو الإعلان الدستورى الذى من المفترض أنه وجد ليحدد الطريق إلى أن نمتلك دستورا جديدا.

سوف يقوم عديدون برفع قضايا أمام المحاكم للطعن فى دستورية، وبالتالى شرعية، وجود هذه الأحزاب، وبالفعل هناك قضايا بهذا الشكل. أيضا، يوجه العديدون اللوم والاتهامات إلى المجلس العسكرى، لأنه سمح بهذا الاختراق الدستورى.

على الرغم من اقتناعى بهذا الطرح الذى يلقى بظلال من الشك «الكبير» حول مشروعية هذه الأحزاب التى اعتمدت فى الأساس على المرجعية الدينية، وعلى الرغم من اقتناعى أيضا بأن هذه الخطوة سوف تكون سببا أساسيا فى تأخر نمو مفهوم الدولة المدنية.. على الرغم من ذلك، فإننى لن أشارك فى هذا التحرك الهادف لنزع الشرعية عن هذه الأحزاب، لسبب بسيط هو أن هذه القوى – ولن أقول الأحزاب – قد باتت تمتلك، فى إطار التغييرات الكبيرة التى شهدتها مصر، ما يمكن أن يطلق عليه «حصانة الوجود»، هذه الحصانة التى اكتسبتها من نتائج الانتخابات الأخيرة، التى أثبتت فشل كل أصحاب الأصوات العالية فى الادعاء بأنهم يملكون الشارع، ولكن يحول بينهم وبين قيادته الحزب الحاكم على مر السنين، وعندما حانت الفرصة كانت النتيجة التى أثبتت أنهم لا يملكون الشارع.

هذا الموقف لا يعنى أن التيار الإسلامى السياسى يمتلك الشارع، فاللحظة الراهنة يعانى المجتمع المصرى فيها من تلك الحالة الناجمة عن تراجع – إنْ لم يكن الانهيار النسبى – للقوة المركزية التى هى جزء أصيل من طبيعة الدولة المصرية منذ نشأ المجتمع، وهذا الغياب يتسبب فى قدر كبير من الارتباك فى حركة المجتمع سياسيا.

ويظل السؤال: «لماذا حصدت القوى الدينية السياسية، أو بمعنى أدق التى احتلت الساحة سياسيا، هذا الدعم الكبير فى الانتخابات البرلمانية الأخيرة؟ وهل هذا يعنى أن المجتمع المصرى برمته اتجه فجأة نحو تديين السلطة؟ وقبل الإجابة هنا عن هذا التساؤل، فإنه يجب التوقف للحكم أولا على ما إذا كانت هذه القوى يمكن اعتبارها أحزاباً بالمعنى الصحيح للأحزاب أم لا؟ ويمكن القول فى هذا المجال إن ما لدينا الآن من أحزاب دينية لا تمتلك المقومات الصحيحة لاعتبارها كيانات حزبية، فيما عدا الإخوان المسلمين الذين هم بالأساس جماعة سياسية دينية، قررت أن تمتلك ذراعا حزبية، فأنشأت حزبها الذى حل أولا فى نتائج الانتخابات الأخيرة، أما الأحزاب الأخرى فهى أبعد ما تكون عن مفهوم الحزب، بل إنها قوى أو مجموعات دينية قررت أن تمارس لعبة الانتخابات فاستكملت شروط اللعبة بتشكيل أحزاب التفت حول عدم الدستورية لفظيا فى أوراق تأسيسها.

عندما صوت المصريون بأكثر من ستين فى المائة لهذه الأحزاب فإنهم لم يكونوا يصوتون تعبيرا عن تحول كبير فى توجهات المجتمع المصرى، ولكنه كان بالأساس تصويتا يعبر عن عديد من التغييرات، أولها ذلك الغياب للقوة المركزية التى اعتادت أن تلعب دور المغناطيس الجاذب للقوة التصويتية – كما سبق أن تحدثنا فى المقال الأول من هذه المقالات – هذا الغياب خلق حالة من الفراغ نتجت عنه حالة تصويت متحررة – ولا أقول عشوائية – صبت فى صالح أكثر القوى حضورا على الساحة فى هذه المرحلة، وهى القوى الدينية.

يضاف إلى ذلك أن الناس فى مصر قد يئسوا من القوى السياسية التقليدية، المتمثلة فيمن بقى محسوبا على الحزب الحاكم سابقا، أو أحزاب المعارضة التقليدية التى فقدت المصداقية لدى الناس، فكان التصويت للقوى الدينية تصويتا سلبيا ضد هؤلاء.

ويمكن أيضا القول إنه كان تصويتا اعتقادا منهم بأنه تقرب إلى الله بعدما يئسوا من السياسيين التقليديين، وكان لسان حالهم يسأل: لماذا لا نجرب هؤلاء الذين يقولون إنهم الأقرب إلى الله؟! والعنصر الدينى هو عنصر حاكم فى الشخصية المصرية، خاصة فى الأزمات.

الأمر الآخر أن التصويت اتجه أيضا إلى من اتجه إلى الشارع بمفهوم خدمى واضح غاب عن القوى الأخرى، إما تكبرا أو عدم فهم، أو عدم مقدرة.

فالأكيد الآن أن هذا العنصر الخدمى المباشر هو أحد أهم العناصر تأثيرا فى حسم الأصوات، وهذا ما ينبغى أن تتعامل معه أى قوى راغبة فى العمل سياسيا فى المستقبل، خاصة مع التراجع الواضح لدور الدولة فى القيام بهذا الدور.

لدينا الآن، حسب ما هو متاح من معلومات، ١٢ حزبا دينيا مطعون فى دستوريتها، لكنها باتت تشكل أغلبية البرلمان، ولدينا حتى الآن أيضا أربعة أحزاب دينية تحت التأسيس، ولست أدرى كيف سيؤثر النجاح فى الانتخابات الأخيرة، إضافة إلى معركة شرعية هذه الأحزاب التى لم تحسم بعد فى استمرار أو تراجع هذه الظاهرة!

الرابط الأصلي للمقال على موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=325246

وهم التعددية الحزبية «٣»

بقلم:عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

فى الثانى من فبراير من العام الماضى، بعد انطلاق الخامس والعشرين من يناير بقليل وجه أحد متصفحى الإنترنت سؤالاً عبر صفحة الأسئلة على موقع «جوجل»، حيث يمكن طرح الأسئلة ويتطوع الآخرون بالإجابة عنها، كان السؤال: كم عدد أحزاب المعارضة فى مصر، وأجاب عن السؤال شخص سمى نفسه الباشمهندس أحمد، قائلاً: عدد الأحزاب المعارضة فى مصر ٢٣ حزباً مرخصاً و٨ أحزاب غير مرخصة و١٠ جمعيات وطنية. الإجابة كانت دقيقة، وقد يكون الباشمهندس أحمد من القلائل الذين عرفوا هذه المعلومة بدقة فى ذلك الوقت، فقد كنت أتحدى أى زميل يستطيع أن يخمن عدد أحزاب المعارضة، فما بالك بأسمائها؟!

ويمكن القول هنا أيضاً إن أحزاب المعارضة عانت من الحقيقة، حقيقة الدولة المركزية المسيطرة، وبالتالى كان وجودها هامشياً إلى حد بعيد، ليس هذا فقط، بل ساعدت على ذلك مجموعة من العوامل الخاصة بهذه الأحزاب، وعوامل أخرى مرتبطة بالمحيط العام، وأخرى بالحزب الحاكم أياً ما كان، وعلاقة جهاز الدولة بالأطراف المختلفة.

نشأة أحزاب المعارضة المصرية الرئيسية فى المرحلة التالية لثورة يوليو كانت إحدى المشكلات الرئيسية فى مدى جدية وتأثير المعارضة، فقد ولدت من رحم النظام، ذلك أن التجربة الحزبية جاءت من قمة الهرم السياسى أى من النظام، باعتبارها قراراً مركزياً من السلطة المركزية ممثلة فى الحاكم، هذا يتناقض كلياً مع مفهوم الحزب، الذى هو بالضرورة تعبير عن قوة أو قوى فى المجتمع تطورت، لتشكل كياناً يعبر عن مواقفها ومصالحها، وبالتالى فإن ما حدث لم يكن كذلك، بالإضافة إلى أن هذه النشأة أثرت بالطبع على علاقة المعارضة بالنظام منذ البداية، كذلك ضعف التأييد الجماهيرى الذى قد يمنح لهذه الأحزاب، باعتبارها امتداداً للنظام أو مجرد واجهة لتجميل صورته.

الأحزاب التى نشأت بعد ذلك كانت إما إحياء لقوى تقليدية قديمة امتلكت قيادات تاريخية نجحت فى إعادة إطلاقها، ولم ينجح من تلاهم فى الحفاظ على قوة أو شخصية هذه القوى، أو أحزاب ساهم النظام المركزى نفسه فى إنشائها، ليواجه «عددياً» الأحزاب الأخرى التى بدأت تظهر وجهاً معارضاً، فكانت النتيجة ينطبق عليها التعبير المصرى الدارج «العدد فى الليمون»، بمعنى آخر امتلكت مصر أحزاب المعارضة شكلاً وغابت واقعاً.

نتيجة لهذه النشأة وأسلوب التكوين، فقد ظلت هذه الأحزاب مجرد نقطة صغيرة وسط جموع المصريين الكثيفة، غير قادرة على إقناع وتعبئة الجماهير، أو الضغط بشكل مؤثر للمطالبة بأى تعديلات أو إصلاحات سياسية، كذلك انحسر مفهوم المعارضة لدى هذه الأحزاب وتجزأ حتى باتت معارضة لمجرد إثبات الحضور والرغبة فى الظهور أكثر من كونها معارضة حقيقية تسعى لكسب السلطة وحصد مقاعد الحكم، وهكذا ارتضت أحزاب المعارضة لعب دور الوصيف فى معادلة الحكم، حيث خلعت أحزاب المعارضة فى مصر رداءها السياسى المعارض المؤثر، واكتست برداء انعكست عليه قوة السلطة المركزية – طوعاً أو إكراهاً – وسلبها القدرة على التأثير فى الواقع السياسى.

ولذا، لم يكن غريباً أن يستخف النظام بوزن المعارضة وقوتها، فتارة يمنيها بحوار، وتارة أخرى يدير ظهره لها، وكأنه لم يرها من قبل. وهنا يبدأ الجرم الذى أسهم فيه النظام بتهميش المعارضة والتقليل من حجمها بشكل قضى على قوتها، فقد كانت فكرة الدولة المركزية تسيطر على فكر النظام، بحيث تبدو أى معارضة له، وكأنها خروج عن سطوة الدولة وانتقاص لهيبتها، وتمت ترجمة ذلك لفترة طويلة من خلال جهاز الإدارة والأمن بسلوك حاصر وطارد للمعارضة

وعلى الرغم من محاولات تقليص ذلك فى الأعوام الأخيرة فإن العادة تغلب التطبع، فلم يستمر ذلك بقوة أو نية صافية، وهو ما لا يدع مجالاً لإمكانية قيام معارضة فاعلة، واستمر النظام المركزى فى توجيه ضربات متتالية للمعارضة المدنية، فأضعفها وهمشها وأساء إلى صورتها وحضورها فى الشارع، وفقد الناس الإيمان بأى جدوى من هذه القوى التى ساهم بعض قياداتها فى تأصيل هذه الصورة، خاصة بانقلاباتهم السياسية، وقبولهم القيام بدور «المحلل» عدة مرات، لتمرير مواقف مختلفة، طمعاً فى مكاسب صغيرة. ومارس الحزب الوطنى أسلوب الأندية الكروية الكبيرة، عندما حرص على ضم أى كفاءة إلى صفوفه، ليس دعماً له، لكن ليحرم الفرق الأخرى أو الأحزاب الأخرى من الاستفادة بها.

وهكذا عاشت مصر بلا معارضة حقيقية لفترة طويلة، سوى بعض الحركات الاحتجاجية وإسلام سياسى كان هو المستفيد الوحيد من تقزيم وإنهاك المعارضة المدنية.

إذا وجهت اليوم سؤالاً للباشمهندس أحمد: كم حزباً معارضاً لدينا اليوم، فهل سيستطيع الإجابة بدقة كما فعل من قبل؟

وهم التعددية الحزبية «٢»

بقلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

قبل الاستدراك فى الحديث عن دلالة نتائج الانتخابات الأخيرة التى شهدتها مصر والحكم من خلالها على مدى قوة مفهوم النظام الحزبى، وقبل الإجابة عن السؤال ما إذا كانت مصر تمتلك بالفعل أحزاباً بمفهومها العلمى الصحيح.. قبل كل ذلك فإنه من المفيد مرة أخرى التوقف عند بعض الموضوعات الرئيسية التى يمكن أن تساهم فى تفسير ما يحدث، واليوم سوف أتوقف عند مفهوم حزب الأغلبية، أو التنظيم السياسى الواحد، أو الحزب الحاكم.

المجتمع المصرى تحكمه حقيقة طبيعية تقول إن هذا المجتمع هو مجتمع نهرى، نشأ منذ بدايته على أساس وجود سلطة صاحبة سطوة، تحولت فيما بعد إلى سلطة مركزية لواحدة من أوائل الدول المركزية فى تاريخ البشرية المعروف. وتفسير هذا ببساطة يعود إلى تسليم من عاشوا على النهر منذ البداية بأهمية وجود سلطة أعلى تنظم توزيع المياه على من يعيش حول النهر، وبالتالى تمتلك هذه السلطة قوة التنظيم والحفاظ على انتظام وأمن مصدر الحياة الجارى فى النهر، وبالتالى تبدأ جباية الضرائب، وتتكون السلطة المركزية، التى يبدأ كل من يعيش حول النهر ويستفيد من مائه فى أن يحتفظ بعلاقة طيبة معها، ولا بأس من نفاقها والتقرب منها، وقد يكون الأفضل محاولة التسلل إلى داخل نسيجها ليكون جزءاً منها.

ما فات ليس مقدمة فلسفية لا معنى لها، لكنه محاولة لشرح طبيعة العلاقة التاريخية الحاكمة بين المواطن والدولة فى المجتمعات النهرية كمصر، ولماذا كانت هذه العلاقة فى معظمها هى علاقة ود من طرف واحد فى معظم الأوقات. هذه العلاقة هى التى أفرزت مفهوم وواقع الدولة المركزية، وظل الحال دائماً يتمثل فى وجود تلك القوة المركزية المتواجدة عادة فى عاصمة البلاد أو عواصم الأقاليم، وكانت هذه العلاقة أشبه بمغناطيس قوى يمثل المركز الذى تدور فى مجاله بقية أطراف المجتمع، ليبدو المشهد وكأنه تنظيم لمجرة تتوسطها تلك القوة المغناطيسية الجاذبة الهائلة، التى هى فى نموذجنا قوة الدولة المركزية.

مع تطور نظام الدولة وبالتالى النظام السياسى أصبحت هناك ترجمة مختلفة لآليات هذه العلاقة، وسوف أقفز على هذا التطور لأصل إلى ما أريد الحديث عنه اليوم، وهو «الحزب المسيطر»، سواء كان تنظيماً سياسياً واحداً أو حزباً حاكماً، وفى حالتنا فقد مررنا بكلا الشكلين، وكلاهما أدى لنتيجة واحدة، فقد عشنا مرحلة التنظيم السياسى الواحد الذى بدأ بعد الحركة المباركة التى أصبحت ثورة يوليو، فتأسست «هيئة التحرير» فى يناير عام ١٩٥٣ وتم إلغاؤها، وتأسس بعد ذلك تنظيم «الاتحاد القومى» فى عام ١٩٥٦، ثم «الاتحاد الاشتراكى العربى» فى عام ١٩٦٤، وعبرت هذه التنظيمات كلها عن مفهوم وقوة الدولة المركزية، لذلك كانت القطب الذى جمع حوله معظم شرائح المجتمع، ليس عن اقتناع بالطرح السياسى، ولكن كترجمة مباشرة لمفهوم التقرب إلى السلطة المركزية الحاكمة.

ولم يستطع تغيير النظام السياسى إلى مفهوم التعددية الحزبية أن يغير طبيعة هذه العلاقة، وهذا يفسر لماذا ولد حزب مصر العربى الاشتراكى حزباً حاكماً، وكان امتداداً للتنظيم السياسى السابق له، ولم يكن من الغريب تلك الهجرة الجماعية التى حدثت من حزب مصر إلى الحزب الوطنى الذى أنشأه السادات، بل كان الغريب هو أن نستغرب تلك الهرولة إلى الحزب الجديد، إنه يعد سلوكاً طبيعياً إذا ما وضعناه فى إطار التفسير والفهم لطبيعة العلاقة الحاكمة بين المواطن والقوة المركزية الحاكمة، فما حدث هو انتقال طبيعى، أو «هرولة» طبيعية وراء القوة المركزية الحاكمة.

فى إطار هذا التفسير أيضاً أختلف مع من يتعامل مع الحزب الوطنى الذى كان حاكماً كما يتعامل مع أحزاب أخرى عقائدية فى المنطقة كحزب البعث مثلاً، فالأخير هو حزب يحمل عقيدة سياسية واضحة، ومن ينتم إليه فإنه يتبنى تلك العقيدة، أما الحزب الوطنى فقد كان هو ممثل القوة المركزية فى البلاد، بمعنى آخر هو الحكومة، وبالتالى فإن العلاقة التى تربط الحزب بالآخرين هى علاقة تزاوج المصلحة، الحزب يبحث عن أصحاب العزوة والمال والحظوة فى مجتمعاتهم المحلية ليضمهم إليه، وهؤلاء جميعاً مثلهم مثل آبائهم وأجدادهم، سعوا إلى بناء العلاقة مع السلطة المركزية أو من مثلها فى تلك الفترة وهو الحزب الحاكم.. حتى فى حركة التصويت التى كانت تحدث أياً ما كانت نسبتها، فقد كانت تتجه بحكم طبيعة العلاقة إلى القوة المركزية الحاكمة، ولو أننا توقفنا للتفكير بإنصاف فى هذه النقطة لاكتشفنا أنها حقيقية، هذا لا ينفى تفاصيل أخرى فى طبيعة إدارة العملية السياسية، لكن هنا نحن نتحدث عن طبيعة العلاقة بين المواطن والسلطة. ولا أغالى لو قلت هنا إن أحزاب الحكم، سواء كانت تنظيماً واحداً أو أحزاباً حاكمة، هى امتداد بشكل أو بآخر لسلطة كهنة الفرعون أو بلاط السلاطين أو الملوك أو نظار الحكم فى الفترات التالية.

الوضع الذى شهدته مصر خلال المرحلة الماضية كان انفراطاً لمفهوم القوة المركزية، وهو الأمر الذى يعنى أن تلك القوة المغناطيسية الجاذبة لم تعد هناك، فحدثت تلك الحالة النادرة فى تاريخنا أن غابت القوة المركزية، فتحركت القوى التصويتية فى نسق غير منتظم، وهذا يصلح كتفسير جزئى للنتيجة التى وصلنا إليها، لكن قبل ذلك علينا أن نتوقف لحظة أمام مفهوم أحزاب المعارضة.

وهم التعددية الحزبية (١)

بقلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

الانتخابات الحالية فى مصر أثبتت أنه ليس فى مصر أحزاب، وأن كل ما مررنا به خلال العقود الأخيرة منذ عام ١٩٧٧ مع الإطلاق الثانى للتعدد الحزبى لم يكن إلا وهما كبيرا، أو مشروعا تم إجهاضه على مدار السنين. وقبل أن أستطرد فى تفسير ذلك قد يكون من المفيد التذكير بأن الحياة الحزبية فى مصر شهدت انطلاقتها الأولى عام ١٩٠٧، وهو العام الذى أطلق عليه المؤرخون «عام الأحزاب» حيث شهد ميلاد خمسة أحزاب هى: الحزب الوطنى الحر الذى سُمى فيما بعد حزب الأحرار، الحزب الجمهورى المصرى، حزب الأمة، حزب الإصلاح على المبادئ الدستورية، الحزب الوطنى. ثم توالى بعد ذلك ظهور عدد من الأحزاب خلال بقية هذه المرحلة مثل حزب النبلاء أو الأعيان عام ١٩٠٨، والحزب الاشتراكى المبارك عام ١٩٠٩.

وفى الفترة التالية منذ عام ١٩١٩ حتى ١٩٥٢ يمكن تصنيف الأحزاب السياسية التى ظهرت خلالها إلى خمس مجموعات رئيسية هى: الأحزاب الليبرالية: وهى تشمل حزب الوفد، إلى جانب الأحزاب المنشقة عليه، وهى «الأحرار الدستوريين» (١٩٢٢)، والحزب السعدى (١٩٣٧)، وحزب الكتلة الوفدية ( ١٩٤٢). الأحزاب الاشتراكية: ومنها حزب مصر الفتاة (١٩٣٣)، الذى أصبح يسمى فيما بعد الحزب الاشتراكى، وعدد من التنظيمات اليسارية مثل حزب العمال الاشتراكى الشيوعى، والحزب الشيوعى المصرى (١٩٢٢)، وحزب الفلاح المصرى، والحركة الديمقراطية (١٩٤٧).

أحزاب السراى «الأحزاب الموالية للملك»: وهى حزب الشعب، وحزب الاتحاد الأول، والثانى. الأحزاب النسائية: وهى حزب بنت النيل السياسى، والحزب النسائى الوطنى، والحزب النسائى السياسى. الأحزاب والجماعات الدينية: وهى الإخوان المسلمون، وحزب الله، وحزب الإخاء، وحزب الإصلاح الإسلامى.

أما مرحلة التنظيم السياسى الواحد من ١٩٥٣ حتى ١٩٧٦ فقد بدأت باتخاذ مجلس قيادة الثورة عدة إجراءات فى سبتمبر عام ١٩٥٣، كحل الأحزاب السياسية القائمة، وحظر تكوين أحزاب سياسيه جديدة، وبذلك انتهت مرحلة التعددية الحزبية، وبدأت مرحلة جديدة اتسمت بالاعتماد بصفة رئيسية على التنظيم السياسى الواحد، حيث تم تأسيس تنظيم «هيئة التحرير» فى يناير عام ١٩٥٣، وتم إلغاؤه، وتأسس بعد ذلك تنظيم «الاتحاد القومى» فى عام ١٩٥٦، ثم «الاتحاد الاشتراكى العربى» فى عام ١٩٦٤ كتنظيم سياسى شعبى جديد يقوم على تحالف قوى الشعب العاملة بدلاً من الاتحاد القومى.

ثم جاءت: مرحلة التعددية الحزبية المقيدة من عام ١٩٧٧- ٢٥ يناير ٢٠١١، هذه المرحلة التى بدأت إرهاصاتها الأولى مع قرار الرئيس السادات فى مارس عام ١٩٧٦ بقيام ثلاثة منابر حزبية فى إطار الاتحاد الاشتراكى تمثل اليمين والوسط واليسار، ثم تحويلها فى ٢٢ نوفمبر من العام نفسه إلى أحزاب سياسية كانت النواة الأولى للتعددية الحزبية المقيدة فى عام ١٩٧٧. وقد بلغ عدد الأحزاب فى هذه المرحلة ٢٤ حزبا على رأسها الحزب الوطنى الديمقراطى الذى احتل مكان حزب مصر الحاكم قبله، ورغم هذا العدد الكبير من الأحزاب فإنه كان من العسير على أى شخص أن يتذكر غالبية هذه الأحزاب، ومارس الحزب الوطنى وقتها سلوكا حاصر فيه جميع القوى الليبرالية والمدنية الأخرى، فضعف وأضعف الجميع، وهذا الكلام سبق أن كتبته من قبل قبيل وعقب انتخابات ٢٠١٠.

الآن حسب آخر الإحصاءات المتوفرة فان مصر بها أكبر عدد من الأحزاب فى تاريخها، ورغم تزايد هذا العدد فإن هذا ليس دليلاً على قوة النظام الحزبى فى مصر، وقد أتت مؤشرات الانتخابات الحالية لتؤكد الحقيقة التى علينا مواجهتها بأننا لا نملك الملامح الحقيقية لنظام حزبى حقيقى، فما بالك بتعدد حزبى حقيقى.

هذه مقدمة معلومات متوفرة فى جميع الدراسات الخاصة بالحياة الحزبية المصرية، استدعيتها اليوم لكى نبنى على أساسها الحوار فى المرات المقبلة، وهناك أسئلة متعددة من بينها: أين الشباب من كل ذلك؟ وهل باتت الأحزاب الدينية هى الحقيقة الوحيدة فى حياتنا؟ وقبل ذلك هل هى أحزاب بالفعل أم قوى غير محددة الملامح لكنها محددة الهدف؟ وهل ضاعت الفرصة للأبد على الأحزاب التقليدية والتاريخية والكارتونية؟ دعوة لحوار من أجل المستقبل.

 

الرابط الاصلي للمقال على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=323969

إلى القوى الإسلامية الصاعدة سياسياً: لا تمزقوا الوطن

بقلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عندما أشارت الساعة إلى منتصف الليلة الأخيرة من عام ٢٠١١، تذكرت ذات اللحظات منذ عام مضى، وكان العام الجديد قد بدأ منذ نصف ساعة عندما تلقيت اتصالا بأن انفجارا كبيرا وقع فى الإسكندرية أمام إحدى الكنائس منذ عشر دقائق، وأن المعلومات المتاحة حتى اللحظة أن الانفجار كبير.. تركت منزلى إلى مكتبى فورا لمتابعة الحدث، وكان ليل القاهرة يحتفل بميلاد العام الجديد، ولم يكن قد عكرته الأنباء الدامية بعد. كان هذا هو حادث كنيسة القديسين الذى راح ضحيته أكثر من عشرين مصرياً ومصرية وأصيب حوالى ثمانين مصرياً ومصرية، كانوا يحتفلون بقدوم العام الجديد بالتدين المصرى المعتاد، فاختاروا أن يصلوا فى الكنيسة استقبالا لعام جديد، فأنهت حياتهم أياد مجرمة.

هذا الحادث طرح نقدا حادا لأسلوب الدولة فى ذلك الوقت فى التعامل مع المسألة المصرية المتعلقة بتمكين مفهوم المواطنة، وأكد فى الوقت ذاته أهمية العمل السريع من أجل تأكيد هذا المفهوم قولا وفعلا، وأكدت شخصيا من خلال ما كنت أكتب وقتها أو من خلال اللقاءات، وأثناء حوارى مع البابا شنودة بعد الحادث بأيام قليلة، أن الطريق الوحيد لاستمرار هذا الوطن قويا معافى هو التأكيد على مفهوم الدولة المدنية التى يقف القانون فيها سيدا على مسافة متساوية من كل المواطنين، بغض النظر عن الجنس أو الدين أو العرق أو اللون، وطنا واحدا لكل المصريين. كان هذا الحادث مقدمة لأحداث كبيرة وعظيمة زلزلت مصر وغيرت صورتها، وفرضت على أبنائها مسؤولية رسم طريق المستقبل.

كان الأمل أن يقودنا ما حدث فى مصر إلى منطقة قادرة على ضمان وحدة الوطن، والتأكيد على أن مصدر قوة هذا الوطن تكمن فى تعدده، ولكن هذا يعتمد بالأساس على قدرتنا نحن على أن نجعل هذا التعدد مصدر قوة، أو أن يكون قاعدة تمزيق وتفتيت. مع الأسف الشديد، فإن الحوار الدائر فى مصر الآن لا يدفع إلا إلى منطقة التفكيك، تفكيك أوصال الوطن وإضعافه، وذلك لأسباب متعددة، ليس هذا مجال الحديث عنها الآن، ولكن النتيجة النهائية أننا بتنا نسمع، بل نشارك دون أن ندرى فى طرح أسئلة كنا نظن أنها دفنت تاريخيا، لكننا اليوم نكتشف أنها وجدت من ينفض عنها غبار السنين ويفرضها على أجندة الوطن.. بدأنا نسمع أسئلة وآراء عن الجزية وولاية غير المسلم وحرمانية أن يحمل المسلم للمسيحى مشاعر الحب، أو أن يهنئه بالعيد..

بدأنا نسمع عن دولة المسلمين فى مصر ودولة الأقباط القادمة.. بدأ من كانوا يتوارون وهم يطالبون بتدخل دولى يظهرون على الساحة أكثر جرأةً، لأنهم يمتلكون الآن ما يدفع المصريين الأقباط لأن يشعروا بالخوف، يضاف إلى ذلك أن أولئك الذين كانوا يحملون لواء الدفاع عن المواطنة كحق أصيل بدأوا يتوارون أو يخفتون أصواتهم إن لم يسكتوها تماما وذلك نفاقا للقوى الدينية الإسلامية الصاعدة، التى احتلت واجهة العمل السياسى، ولأنهم لا يريدون صداما معهم بحثا عن دور أو عدم تربص بهم، فاختفى الكثير ممن احتلوا موقع النخبة – كما اعتادوا دوما – عندما احتاجهم الوطن لمواجهة التراجع فى مفهوم المواطنة.

لست فى موقع النصح، ولكنى من موقع المواطن الذى له الحق فى أن يطلب من كل الفاعلين على الساحة السياسية أن يعملوا من أجل هذا الوطن.. من هذا الموقع أوجه كلمتى هذه إلى القوى الدينية الإسلامية التى احتلت موقعا متميزا فى المشهد السياسى، بأن يدركوا أن العمل السياسى ينبغى ألا يكون عملا دعويا، وأن السياسة تعنى العمل على تقوية الدولة وليس دق أسافين التمزق فى أوصالها، وإذا كان قد قدر لكم أن تلعبوا هذا الدور السياسى المتميز فى هذا المستقبل القريب فلتكن نظرتكم أكثر شمولا من أجل وحدة هذا الوطن، لذلك أدعوكم إلى التوقف الفورى عن طرح موضوعات الانشقاق، وأن توجهوا قواعدكم إلى التوقف التام عن اللعب بنار الفتنة وأنتم قادرون على ذلك، وأن يصدر عنكم ما يؤكد التزامكم بمفهوم المواطنة، ويرتبط بذلك من السلوك والإجراءات ما يؤكد صدقكم فى تبنى هذا المفهوم.

دائما أقول: إن مصر دولة خلقت لتبقى، ولا أتمنى أن يكون بعض أبنائها سببا فى تمزيقها أو حرقها.

كل عام وأنتم بخير