هل نستطيع إنهاء مركزية الدولة؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

منذ سنوات بعيدة، والعاصمة هى مركز الحياة فى مصر. هى كالشمس التى تدور حولها الكواكب. هى رابطة العقد. هى مركز الكون بالنسبة للمصريين جميعًا.

وقياسًا على هذا، فإن الدولة حافظت على مركزيتها طوال هذا الوقت، بل رسخت الفكرة لدى أصحاب السلطة والرأى، وكذلك لدى أصحاب القيل والقال والرأى، ولدى جموع الشعب، الذى أسهم بقدر فى ترسيخ فكرة المركزية.

وعلى فترات متباعدة تخرج مجموعة من الناس، سواء من داخل السلطة أو خارجها، ترفع شعار «اللامركزية»، وكنت دائمًا من غير المقتنعين بتطبيق هذا المفهوم على الأرض فى مصر، تلك الدولة التى خُلقت مركزية وعاشت مركزية السلطة طوال آلاف السنين، وذلك لصعوبة تطبيقه.

‎فالسلطة المركزية ليست سوى تعبير عن مركزية شخصية الدولة المصرية، وليس مستغربًا أن نلمس نفس الروح والنفس اللذين سادا أوساط الدولة فى مصر عبر تاريخها، كذلك ليس غريبًا أن تتكرر نماذج من شخصيات سادت من قبل، سواء سياسيون أو رجال أعمال، ما اختلف فقط هو المظهر، لكن المضمون هو ذاته.

أيضًا ليس مُستغربًا، تلك الحركات البهلوانية التى يقوم بها البعض، بالانتقال بتميز ملحوظ فى القدرات البهلوانية من اتجاه إلى آخر، كل ذلك متوقع، قد تكون درجة التحول وسرعة الهرولة، أكثر من استيعابها، ولكن فى النهاية تظل سلوكًا متوقعًا.

‎ويظل السؤال: هل يمكن لمصر أن تخرج من أسر استمرار ورثة السلطة المركزية على مر آلاف السنين حتى الآن فى السيطرة على السلطة المركزية؟.

من الممكن أن يحدث ذلك، لكن إذا فهم الجميع- حكامًا ومحكومين- أن السلطة ليست هى محور الكون، وليست هى الشمس التى تدور حولها الكواكب، فقط هى جزء أصيل من نسيج أكبر اسمه الدولة، كذلك الشعب لا بد أن يدرك أنه ليس هوهذا الشىء المنتظر دائمًا حركة السلطة وقراراتها، بل لا بد له أن يعمل ويكون فاعلًا فى حركة دوران التاريخ والجغرافيا.

من الممكن أن تنتهى المركزية إذا آمن الجميع بأن الدولة مِلْك لنا جميعًا، وأن البناء هو مشروع يشترك فيه الكل بقدر مسؤولياته.

نعم، الآن توجد محاولات جادة للقضاء على المركزية، ونعم سندعو جميعًا إلى استمرارها، لكن هل نستطيع فهمها أولًا، والإيمان بها؟. أتمنى.

الإعلانات

مفهوم الوطن الباقي

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

هناك مجتمعات عندما تواجه أزمة فإن أكثر طرقها ازدحامًا وقتها يكون الطريق إلى المطار. الأكثرية القادرة على المغادرة تبادر بالخروج. وهناك مجتمعات أخرى يبدو وكأن أهلها كالأشجار العتيقة، التى تضرب جذورها فى عمق الأرض، لا تغادرها ولا تتمكن المشكلات والأزمات من نزعها من أرضها. النوع الأول هو ما يمكن تسميته «المجتمعات الترانزيت»، والثانى ما يمكن تسميته «المجتمع الوطن».

ظل المصريون قرونًا طويلة ينتمون إلى النوع الثانى من المجتمعات. ويصلح لشرح أسباب ذلك العديد من عوامل الجغرافيا والتاريخ والثقافة الشعبية. ارتباط المصريين بالأرض منحوت منذ بداية التأريخ على جدران المعابد.

يخرج المصرى وراء الرزق إلى أركان الأرض ولا يقطع حبله السُرّى معها. يعيش خارج بلده أكثر مما عاش فيه ويظل يخطط لليوم الذى سيعود فيه. محل معيشته غير بلده يظل مؤقتًا. يعامل مسكنه الجديد باعتباره غير دائم، لا يضع فيه أفضل ما يمكنه من فرش أو أجهزة، فى حين يتعامل مع بيته فى مصر باعتباره الأساس، يشترى له الأفضل، منتظرًا اليوم الذى يعود إليه فيه، حتى لو كان الواقع والمنطق عكسيًا. إنه حلم العودة إلى الأرض.

هذه الحالة هى نتاج لطبيعة المجتمع، الذى نشأ على ضفاف النهر واستقر وذاق طعم الاستقرار والارتباط بالأرض. هى أيضًا حالة نتيجة تراكم طويل من الخبرات والتجارب على مر التاريخ، بحيث نحت هذا التراكم ملامح الشخصية المصرية، تلك الملامح التى ترى فى الارتباط بالأرض مصيرًا واختيارًا.

هذه الحالة التى بدت دائمًا كأنها يقين كانت قد بدأت تهتز بشدة وقت حكم الإخوان المسلمين، تسبب وجودهم وسيطرتهم على الحكم والبلاد فى مصر فى هز يقين المصرى فى أبدية ارتباطه بوطنه. وأمكن ملاحظة أن حجم الهجرة أو الرغبة فى الهجرة، أو الهروب، بين المصريين من مصر فى أعلى مستوياته. أصبحنا نقول إن قطاعًا كبيرًا من المصريين أصبحوا إما خارجها أو يخططون للخروج أو يحلمون به. بدا كأن الإخوان قد نجحوا نسبيًا فى تغيير التركيبة النفسية لقطاع كبير من المصريين، ونجحوا فى زعزعة جزء ثابت فى التكوين المصرى فى ارتباطه بأرضه وزرع الرغبة فى الخروج أو الهروب محله.

سقط الإخوان بفضل ثورة المصريين مدعومين بجيشهم، وتراجع التأثير السلبى الذى وضعوا بذرته. لكن بقى أن يكون حاضرًا دائمًا أن استقرار الدول يُقاس بمستوى هروب أبنائها إلى الخارج. قيمة البلد عندما يكون وطنًا حقيقيًا، وقيمة المواطن عندما يكون مرتبطًا بحق بهذا الوطن، وهذا تحدٍّ دائم واختبار مستمر.

«عباقرة» الثانوية العامة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

منذ سنوات طويلة، و«مجاميع» طلاب الثانوية العامة تثير دهشتى، ففى سنوات كانت تتعدى الـ100%، بإضافة نتائج مواد المستوى الرفيع والحوافز الرياضية وغير الرياضية، ما يجعلنا أمام تساؤل مهم للغاية، وهو هل زاد عدد العباقرة فى مصر؟.

التساؤل لا يحمل أى سخرية أو تهكم على أبنائنا بالطبع، فأنا من أكبر المناصرين لأهمية إصلاح التعليم من أجل خلق جيل قادر على غزو سوق العمل المحلية، ومواكبة التطور الهائل الموجود فى العالم، ولكن كما يقال فى المثل «العينة بينة»، فأين دلالة تلك العبقرية المصرية الفذة؟. وهل ما نراه فى المجتمع خلال السنوات الـ15 الماضية التى تلت سنوات فرص «تحسين المجموع» فى الثانوية يوازى هذا التطور الهائل فى الـ«مجاميع»؟.

نظام الثانوية العامة حيّر كل الحكومات المتعاقبة فى مصر تقريبًا، منذ العام 1825، وهو أول عام طبق فيه نظام الثانوية العامة فى مصر، وكان يسمَّى وقتها بـ«التجهيزية»، وطوال رحلة الثانوية تغير نظامها عددًا كبيرًا من المرات، من حيث سنوات الدراسة، فصارت خمس سنوات فى العام 1891، ثم تحولت إلى ثلاث فى 1897، وفى 1905 زادت إلى أربع، بل تم تعديلها فى العام 1935 لتصبح خمس سنوات للبنين وست سنوات للبنات، وفى نهاية السبعينات عادت إلى ثلاث من جديد، وفى عام 1994 بدأ نظام التحسين، وبدأت معه الهوجة.

ومع وزير التعليم الحالى بدأ عهد جديد من الإصلاح، إصلاح الثانوية العامة وإصلاح التعليم ككل. سبق أن كتبت عن هذا الإصلاح مُساندًا وناصحًا ومعضدًا، ولكن الأمور يبدو أنها تذهب إلى ما هو غير مهم أو مفيد.

يجب أولًا ألا نتباهى بحجم «مجاميع» الثانوية العامة، وأن ننتبه إلى أن ذلك ليس محل فخر. يجب أيضًا أن ندرس الظاهرة بجدية شديدة، فى محاولة للوصول إلى سبب مقنع لها، بل إلى سبب مقنع لهذا التفاوت الرهيب فى مستوى وحجم النافذين إلى سوق العمل أو المنتظرين، وبين الأرقام المدهشة التى نسمعها فى هذا الوقت من كل عام.

يجب ثانيًا أن نعيد النظر فى تطوير المنظومة، لأنها ليست مجرد «تابلت» يوزع على الطلاب، بل ليست مجرد شكل من أشكال التحديث، فالتحديث يأتى من الأفكار لا بالمنتجات التكنولوجية.

يجب أخيرًا أن ننظر بعينٍ أكثر شمولية لملف إصلاح التعليم، والذى لا بد من أن يبدأ من عقول الطلاب، لا من «مجاميعهم».

العائدون من داعش

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

فى التسعينيات، وبعد انتهاء الحرب بين العرب الأفغان والاتحاد السوفيتى، ظهر مصطلح «العائدون من أفغانستان»، وهم الذين تقاذفت بهم السبل وصاروا مجبرين على العودة إلى أوطانهم العربية.

وقتها ظهر قلق واضح فى الأوساط السياسية المصرية بشأنهم، خصوصًا مع انتشار ظاهرة الإرهاب، حتى إن كثيرًا منهم لُوحِقوا قضائيًا، وبعضهم تم سجنه لفترة من الزمن.

أما الآن فالقلق ربما يتجدد مع ظاهرة «العائدين من داعش». دراسة حديثة أجراها محمد جمعة، بعنوان: «عودة المقاتلين الأجانب من سوريا والعراق.. حجم الظاهرة والتداعيات الأمنية»، فيها يبرز حجم الخطر الذى يمكن أن تسببه هذه الظاهرة على المستوى الأمنى للبلدان التى يحمل المقاتلون الأجانب جنسيتها فى حال عودتهم.

وعكفت الدراسة على تقديم عدة تقييمات لخطر العائدين، من خلال ثلاث معالجات أساسية على حجم الظاهرة، وهو محور البداية فى الدراسة، حيث ارتكن الباحث إلى أقرب تقدير وثق فى دقته، وهو تقدير لـ«المركز القومى لمكافحة الإرهاب» فى الولايات المتحدة، صدر فى فبراير 2015، يشير إلى أن عدد المقاتلين الأجانب فى سوريا والعراق وحدهما حوالى 20 ألف مقاتل، ينتمون إلى 90 دولة على الأقل.

الاحتمالات المتوقعة مع عودة هذه الفئة على مصر ليس من السهل قياسها بالصراعات السابقة مثلما حدث فى أفغانستان، نظرًا لاختلاف حجم الصراع الحالى فى سوريا والعراق، ولاختلاف التأثيرات المتشعبة بين كل صراع وآخر.

القلق الآخر أن الداعشيين كسرطان خبيث يحاولون التوغل فى مناطق مختلفة، وهو ما يعنى أن المقاتلين المصريين فى صفوف داعش كانوا يرتكبون جرائم فى بلدهم، رغم أنهم اختاروا الهجرة منه والقتال على أرض القتال فى الخارج، ومنهم على سبيل المثال مؤسِّسو تنظيم أجناد مصر، الذى كان يُعد خلال الفترة من 2014 إلى 2015 إحدى أنشط الجماعات الإرهابية العاملة فى مصر خارج شبه جزيرة سيناء، إضافة إلى تمدد التنظيم فى ليبيا، ما دفعه إلى زرع خلايا إرهابية داخل مصر.

التعامل مع هذا الملف تحديدًا يتطلب تحديد الوجهات المحتملة لهؤلاء المقاتلين حال العودة إلى بلدانهم أو التوجه إلى مناطق صراع أخرى، إضافة إلى ضرورة تتبع مصادر التمويل لداعش، خاصة مع انهيار فكرة دولة الخلافة، والتركيز مع كيفية قيام داعش بنقل أمواله، وطرح احتمالية تحرك المقاتلين الأجانب من مختلف الجنسيات إلى بيئات تناسبهم على المستوى اللغوى.

لابد أن تعى مصر هذا الخطر، وأن تتحرك وفقًا لدراسات حقيقية حتى لا نعود إلى نقطة قديمة.

هل فعلًا «مافيش فايدة»؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

أزمة كبيرة تواجه العقل المصرى تبرز فى كل وقت يستشهد فيه المصريون بأقوال وأفعال منسوبة لشخصيات تاريخية شهيرة للتدليل على موقفهم إزاء حادث معين، قد يكون مشابهًا لما حدث مع سابقيهم.

من بين تلك الأقوال مقولة «مافيش فايدة»، المنسوبة إلى الزعيم الوطنى سعد زغلول، الذى قاد ثورة 1919 ضد الاستعمار الإنجليزى، والتى يستخدمها المصريون إذا ما انتابهم شعور باليأس من واقع شخصى أو اجتماعى أو سياسى، حيث إن التعبير الذى يقفز الى الألسنة مباشرة هو أن «سعد باشا قال مافيش فايدة».

كثير من المصريين يعتقدون، بل يؤمنون بأن سعد زغلول قال هذه الجملة تعبيرًا عن يأسه من إصلاح حال البلد بشكل عام، وبسبب طريقة التعامل الاستعمارى معه أثناء مفاوضاته بعد ثورة 1919 مع الإنجليز حين أدرك أن الكلام معهم لن يأتى بجديد، وكأنه يُحدِّث نفسه.

لكن المفاجأة هنا أن الحقيقة التاريخية تؤكد أن فقدان الأمل فى قضية مصر لم يتسلل أبدًا إلى زعيم الأمة، لكنه قال «مافيش فايدة» إلى زوجته، صفية زغلول، حينما قدمت له الدواء قبل لحظات من وفاته لشعوره بقرب أجله، طالبًا منها ألا تعطيه مزيدًا من الدواء لأن حالته كانت تزداد سوءًا، وذلك وفقًا لما ذكره حافظ محمود، المُلقَّب بـ«شيخ الصحفيين»، فى أول مقال له، بعد توليه رئاسة تحرير جريدة «السياسة» الأسبوعية عام 1937.

واستشهد حافظ محمود بالسيدة صفية زغلول، التى كانت لا تزال على قيد الحياة وقتها، وأكدت الواقعة. رغم ذلك فإن هذا التعبير مازال يستخدمه المصريون للتعبير عن اليأس والتسليم بصعوبة الإصلاح، وامتد إلى اليأس من أى موقف فى الحياة والسخرية والتهكم فى بعض الأحيان.

جملة سعد زغلول تلك وغيرها من الجمل، بل من المواقف الشائعة بالخطأ، والتى تسربت إلى الوعى الجمعى الشعبى بشكل متدفق تاريخيًا، تحتاج إلى مجموعة مهرة من الكُتاب والباحثين لإعادة النظر فيها، بل تصحيحها فى أكثر من مجال.

وهذا أيضًا يُذكِّرنى بجملة تلوكها الأفواه كثيرًا على المقاهى وفى المجالس طوال سنوات عدة، وهى أن «الفلسطينيين باعوا أراضيهم»، وهى الجملة التى يستخدمها هؤلاء أثناء مناقشات حامية بين أصحاب رأى يناصر القضية الفلسطينية وأصحاب رأى آخر يرون بالفعل أن «الفلسطينيين باعوا أراضيهم».

الوعى الجمعى للأسف أحيانًا ما يتشكل من هذه المعلومات والمواقف والجمل المغلوطة، التى تحتاج إلى إعادة تحقيق للواقعة التاريخية. وقد نصحح الواقعة ونضبط التعبير، لكن يظل الواقع هو ما يحتاج إلى ضبط وإصلاح.

الريشة طارت

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

يتصور الكثيرون أن على رأس الصحفيين «ريشة»، يتصورون أنهم يحصلون على رواتب مرتفعة، وأنهم يرتقون فوق الطبقة التى كانت وسطى، بكثير. يتصورون أنهم فى رغد من العيش، وأن مشهد الصحفى الأنيق ذى البذة اللامعة الذى يسكن فى سرايات الأفلام الأبيض والأسود هو المشهد السائد والطبيعى.

لكن ما رأيته أثناء دخولى واشتباكى مع عالم الصحافة المصرية عن قرب، هو عكس ذلك تمامًا. الحقيقة التى رأيتها أنه باستثناء قلة قليلة من الصحفيين، فإن عمومهم يعانون من الراتب المتدنى الذى يحصلون عليه نهاية كل شهر، وهو الأقل على مستوى الوطن العربى تقريبًا.

وكشفت دراسة منشورة فى عدد من الدوريات العربية أن دخل الصحفى البحرينى يصل إلى نحو 1500 دولارًا شهريًا، فيما يبلغ متوسط الراتب فى الإمارات نحو 2500 دولار شهريا، أما المملكة العربية السعودية فيصل راتب الصحفى إلى 3000 دولار شهريا (أى حوالى خمسين ألف جنيه).

الدراسة أشارت إلى أن الأمر فى مصر يختلف عن كثير من الدول العربية، حيث يضطر صحفيون للعيش على بدل التدريب والتكنولوجيا الذى تمنحه نقابة الصحفيين لأعضائها، بل إن هناك متدربين يتقاضون 500 جنيه شهريا، ولفتت إلى أن مرتب الصحفى فى مؤسسات قومية بعد 15 سنة خدمة قد لا يتخطى 2500 جنيه (150 دولارا).

هذه الرواتب المتدنية بالتأكيد أثرت وتؤثر على مستوى الأداء الصحفى من كافة الجوانب التى ترتبط بالمستوى المهنى أو الالتزام أو الدقة. ولا يمكن أن نلوم زميلا لأنه لا يطور نفسه ولا يتابع العالم، لأنه لا يملك القدرة المادية على ذلك، ولو امتلك وقتًا حرًا لفضل استغلاله لتحسين دخله. هذا الواقع دفع الصحفيين إلى العمل فى أكثر من مؤسسة صحفية وإعلامية، بل اضطر البعض إلى العمل فى مهن تبتعد عن الصحافة بأميال.

ولا نحتاج بالطبع إلى الحديث بإسهاب عن رواتب الصحفيين فى العالم، حيث إنها مثلا فى بريطانيا تزيد قليلًا على 40 ألف دولار سنويًا، وأنها فى الولايات المتحدة تتراوح بين 50 ألف دولار و64 ألف دولار سنويًا، وفق معلومات منشورة فى عدة تقارير صحفية عالمية.

أتصور أنه بدلا من أن تكون مسألة الرواتب تلك ضيفا دائما على ورق دعاية المرشحين على مناصب مجلس نقابة الصحفيين، يجب أن يتكاتف الجميع من أجل العمل على حل المشكلة، وبدلا من أن ينشغل قادة النقابة بمسألة تشكيل لجان المجلس عليهم أن يعملوا من أجل تحقيق أمل الصحفيين فى راتب إنسانى، وبدلا من تفنن الهيئات المختصة بإدارة ملف الصحافة فى مصر فى وضع قيود وضوابط على العمل الصحفى، عليها أن تبحث فى أزمة الرواتب. أيضا على الملاك جميعهم، دولة وقطاع خاص، أن يبحثوا عن كافة الطرق والأساليب للوصول إلى حل لمشكلة حقيقية تؤثر كثيرًا على جودة ودقة، وأحيانا، أمانة الأداء. وذلك حتى لا تطير الريشة التى يتصور البعض أنها على رأس الصحفيين، والتى يبدو أنها طارت بالفعل.

تعريب العلوم.. ومفهوم الهوية الملتبس

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

اعتدت أن أشارك فى الجزء السياسى من موسم «أصيلة» الذى تتنوع اهتماماته من السياسة إلى الثقافة والشأن الاجتماعى والشعر والموسيقى. لم أتمكن هذا العام من المشاركة فى حوار حول «عبء الديمقراطية»، وهو العنوان الذى دار حوله المحور السياسى هذا العام. وكنت محظوظًا أن أكون متابعًا لمحور مهم هذا العام طُرح فى ندوة بحثية بعنوان «التماسك الاجتماعى والتنوع فى نظم التعليم العربية»، واستمرت على مدى يومين.

وتناولت الندوة، التى شارك فيها نخبة من المفكرين والباحثين العرب، خمسة محاور أساسية، هى «المنظومة التعليمية ورهانات التحول الاجتماعى فى العالم العربى»، و«النظم التعليمية وإشكالات الهوية الثقافية فى المجتمعات العربية»، و«النظم التعليمية ورهانات التعددية والتنوع فى العالم العربى»، و«النظم التعليمية والثورة المعلوماتية الراهنة»، و«المنظومة التعليمية ورهانات المستقبل العربى».

و‎من المخرجات الأساسية، التى طرحها المشاركون فى ندوة «التماسك الاجتماعى والتنوع فى نظم التعليم العربية»، إشراك المجتمعات العربية فى عملية إصلاح التعليم، وتمكين المواطنين من فرص التكافؤ الاجتماعى، ومدهم بمفاتيح التنمية والنهضة، والعمل على تدارك تداعيات انهيار المشروع العربى المشترك، وانهيار المؤسسات داخل العديد من الدول العربية، وانحسار المنظومة القيمية وتآكل الهوية وتصاعد الهويات الفرعية.

ولكن ما لفت انتباهى بشدة مداخلة الدكتور محمود حمزة، المدير التنفيذى لمشروع «التعليم أولًا»، الذى عرض التجربة المصرية فى تعميق مفهوم الهوية من خلال البرامج التعليمية، حيث تبنى الرجل فكرة تعريب المناهج العلمية، باعتبارها مدخلًا رئيسيًا لترسيخ مفهوم الهوية.

والواقع أن تصاعد هذه الفكرة من أصوات تعيش فى وهم أن الهوية مرتبطة بتعريب العلوم أمر خطير للغاية، ليس لأن هناك جدلًا قائمًا ومستمرًا منذ أوائل القرن الماضى حول تعليم العلوم بالعربية، ولم يُحسم بعد أن أضعنا فيه وقتًا كبيرًا، إنما أيضًا لمخالفة هذا المفهوم مفاهيم التطور التى ننشدها فى المناهج العلمية التى ندرسها لأبنائنا، وكذلك مع حتمية التواصل مع العالم.

هذه الفكرة تساهم بشكل كبير فى فقد لغة التواصل مع العالم الخارجى، بما يؤثر سلبًا على الكفاءات المهنية الموجودة فى مصر، لأننا دولة مستوردة للتكنولوجيا ومعظم الأبحاث والدوريات العلمية تصدر بلغات أجنبية، كما يؤدى هذا الحظر لتخريج أجيال غير قادرة على المنافسة فى سوق العمل الخارجى، بل ويعوق فرص مصر فى التقدم العلمى وربما لا تملك الدولة القدرة على تنفيذ مثل هذا التعريب.

لا أدرى لماذا يصيب هوس الهوية البعض؟ ولا أدرى لماذا يعتقدون أنه بتعريب العلوم نرسخ لمفهوم الهوية؟ لابد من مراجعة هذه الأفكار حتى لا نقع فى شرك أكبر.

سر أصيلة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

رغم أننى لم أحضر بدايات «ملتقى أصيلة» لكن أستطيع القول إن روح البدايات مازالت حاضرة حسب ما أسمع وأشعر به. مازال صوت محمد بن عيسى يسير بين ضيوفه مصفقاً معلناً بداية جلسة جديدة من جلسات الحوار الحر المستمر منذ 41 عاما.

كان حلم بن عيسى كما قال فى افتتاح الموسم الأول عام 1978 أن يرى مولوده وقد وصل الخامسة والعشرين، ولكن ها هو مازال يستقبل ضيوفه من المثقفين بكافة أطيافهم السياسية والإثنية الأيديولوجية ويفتح لهم باب الحوار الحر فى جلسات يحضرها جميعاً، يمارس فيها دور المحفز وضابط الإيقاع فى ذات الوقت. يمارس كل ذلك بحماس وحب صادق. أحب دوماً أن أطلق عليه بحق أنه شاب فى الثمانين يملك روحاً وإصراراً وحماسة لم تفتر.

بدأ هذا المشروع المهم لإيمانه بأن مستقبل بلدته الصغيرة لن يتغير ما لم يغيره أبناؤها. كانت أصيلة مدينة منسية فى قعر الفقر، فقيرة فى كل شىء فى البنية التحتية، فى كل الخدمات، كلاب وفئران ومخلفات ومجارى ومواسير الصرف الصحى تسيل، والروائح النتنة فى كل مكان، والبؤس فى كل الزوايا. الكهرباء مرة تأتى ومرة لا تأتى. والماء يوزع ملوثاً ساعة فى اليوم.

كان أمامه كابن عائد إلى هذه المدينة بعد 23 عاما فى التعليم والعمل فى الخارج مع الأمم المتحدة ووجدها فى هذا الحال، إما أن يهجرها تطبيقاً للمقولة العربية «أرض الذل تُهجر» أو أن يغيرها. واختار التحدى وترشح لانتخابات البلدية ونجح فيها. وبدأ مشروعه الذى أحيا به بلداً من العدم بفكرة شديدة التميز والتجدد وإيمان منه بأهل بلدته، وأيضاً إيماناً منهم، وقد يكون رهاناً منهم، بصدق رؤية ونية أحد أبنائهم، والأكيد أنهم كسبوا الرهان.

بدأ بن عيسى حلمه من داخل بيته ذى الغرف الثلاث، حيث كان يستخدمه ليقيم فيه بعض ضيوف الملتقى، وينام هو فى المطبخ. بالإضافة إلى «قصر الريسونى» المتداعى، الذى أصبح فيما بعد قصراً للثقافة، يفترشون الأرض ويتزودون بالماء من البئر. كانت مشكلته فى كيفية تدبير الإفطار لهؤلاء الضيوف.

وكان الحل أن يقترض من خاله، وكان لديه دكان صغير، 30 أو 40 درهماً يشترى بها خبزاً مغربياً. ومر بأزمات كثيرة حتى إنه رهن بيته ليستمر التحدى. حتى صارت «أصيلة» البلد والموسم إحدى علامات المغرب، بل والعرب، الثقافية. فمن النادر أن تجد اسما لمثقف عالمى أو عربى لم يكن يوماً مشاركاً فى «أصيلة».

يحكى محمد بن عيسى، الذى أصبح فيما بعد سفيرا لبلاده فى الأمم المتحدة وواشنطن ووزيرا للثقافة ثم للخارجية، عن بدايات التجربة وكيف أشرك أهل مدينته فيها «السكان تقبلوا الفكرة بداية بالرسم على جدران المنازل.

سألونا لماذا يصبغ هؤلاء الفنانون الجداريات؟ قلنا لهم لأن مدينتكم جميلة ويريدونها أن تكون أجمل معكم. فقاموا كلهم يصبغون منازلهم، كانوا يقدمون للفنانين الفطور والغداء. الناس فرحوا أن مدينتهم أصبح لها اعتبار. يقرأون عنها فى الصحف ويشاهدونها على شاشة التليفزيون ويزورها رجال الفكر والإبداع من مختلف أنحاء العالم».

تجربة جديرة بأن تُوثق وأن يتعلم منها الصادقون.

المساحات الخضراء أصيلة نموذجًا

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تظل المساحات الخضراء هى القادرة على الحفاظ على الحياة وتوازنها. وبنفس المعنى تظل مساحات حرية التعبير هى أشبه بتلك المساحات الخضراء التى تضمن تنفسًا صحيًا لوجود أكسجين متجدد. ويزداد الاحتياج إلى المساحات الخضراء كلما ازدحمت المدن، ويزداد الاحتياج إلى مساحات «التعبير الحر» الخضراء كلما زادت التحديات وازدحمت الحياة بتفاصيل صعبة.

تجدد تفكيرى فى هذا المعنى وأنا أشارك هذا الأسبوع فى موسم أصيلة الحادى والأربعين. و«أصيلة» لمن لا يعرف هى تلك المدينة الصغيرة القابعة على المحيط الأطلسى على بعد حوالى أربعين كيلو من طنجة شمال المغرب. ولها حديث آخر قادم. لكن أهم ملامحها التى اكتسبتها أنها أصبحت «هايد بارك». وهايد بارك هى تلك الحديقة الشهيرة التى بها ركن يطلق عليه «ركن الخطباء» يُسمح فيه بإلقاء الخطب والحوارات والنقاشات بين الخطباء والحضور. لا سقف فى هذا الركن للحرية إلا السماء. السلاح الوحيد المسموح به هو الكلمة، ولا يحاسب شخص على كلمة يقولها هناك. وهكذا أصبحت أصيلة بالنسبة للمغرب.

ولهذه المساحة الكبيرة من حرية التعبير فى أصيلة حكاية قصها علىّ الصديق العزيز السيد محمد بن عيسى، وهو من «اخترع» موسم أصيلة منذ واحد وأربعين عامًا ورعاه فى قصة جديرة بالتوثيق حتى باتت علامة ثقافية مهمة فى منطقة الشرق الأوسط، وقد استأذنته فى أن أقص هذه القصة على لسانه كما حكاها لى.

يقول بن عيسى، وزير الثقافة والخارجية الأسبق، إنه بعد أول موسم لموسم أصيلة أثيرت ضجة أقامها المعارضون ورجال السلطة. ودعيت لحضور اجتماع مع جلالة الملك الحسن الثانى، رحمه الله، فى قصر السلام فى الرباط، وهناك سألنى: «ماذا تريد أن تفعل من موسم أصيلة؟»، فقلت له إننا فكرنا أن نقيم فى بلدتنا منبرًا ليكون نقطة لتلاقى مختلف الثقافات ولكن فى كل مرة نتوجه إلى المسؤولين لنقول إننا نريد إقامة عمل تقدمى شعبى يتهموننا بأننا من اليساريين والماركسيين. وأوضحت له أننا نرفض أن تكون هناك وصاية لأى أيديولوجيا على العمل الثقافى فهو ليس حكرًا على أحد. وكان جواب الملك: «أنا معك وسأعينك». هذا الكلام جرى عام 1978، يستكمل بن عيسى روايته بأسلوبه الذى يعرفه أصدقاؤه، وهم كُثر، فى عام 1981 أقام الملك حفل غداء فى حدائق القصر الملكى فى أفران.

وخلال ذلك الحفل استدعانى وسألنى عن موسم أصيلة وإن كان لدى مشاكل. قلت له إن أغلب المثقفين يساريون. فأجاب: وما هى المشكلة فى ذلك؟ قلت له: أواجه مشاكل فى دخول بعض الأسماء للمغرب. وفورا استدعى وزير الداخلية وقتها إدريس البصرى، وقال له: اترك بن عيسى يتحمل مسؤولية كل من يريد دعوته. ثم انتحى بى جانبا، وقال: دع أصيلة تكون مثل حديقة «هايد بارك»، اترك الناس فى أصيلة يقولون ما فى قلوبهم. أعتقد أن هذا هو سر استمرار قوة المجتمعات، وهو أيضا من بين أسرار استمرار أصيلة حتى الآن كما سيتضح