هل سنظل نحتفل بتحرير سيناء

عبد اللطيف المناويel manawy
فيما مضى مع ذكرى 25 إبريل ـ ذكرى عودة سيناء ـ أو مع أي مشكلة في سيناء كان الحديث يبدأ عن سيناء الجزء الغالي العائد الى الوطن، وكيف نعمر سيناء عمق الوطن الاستراتيجي. كان الحديث يبدأ ثم يخفت، ولم تتم ترجمة هذا الحديث الى فعل مؤثر على الارض. اما اليوم فان حديثنا عن سيناء خاصة مع سيطرة الجماعة على مقاليد حكم البلاد، لم يعد فقط حديث عن مشاكل تبحث عن حلول ولكن اضيفت اسئلة ومخاوف جديدة عن مستقبل سيناء، بدأت الهواجس والمخاوف تسكنا نحن من يشغلنا حال الوطن من أن نستيقظ يوما فنجد ان جزء من هذا الوطن لم يعد موجودا. بات الخوف يسكنا على مستقبل سيناء، كل سيناء أو جزء منها. الاكيد ان سبب هذا الوضع الذي تعيشه هذه القطعة من مصر يتحمل جزء لا بأس به منها الانظمة السابقة التي توقف اهتمامها بسيناء منذ عودتها عند حدود الوعود والزيارات والمشروعات “الورقية” والاغاني. لم يختلف الامر حاليا عما ما كان عليه ولكن بلا أغاني هذه المرة، لكن الأهم والأخطر اضافة مخاوف ضياعها أو جزء منها بسبب التزامات فوق وطنية لتنظيم يرى نفسه اكبر من مصر.
اهتمامي بسيناء متعدد المستويات : شخصي ، وعملي ، واهتمام بشأن عام توقعت دائما أنه سيتحول في مرحلة ما إلى أزمة حقيقية يصعب التعامل معها، وهذا ما حدث ويحدث الآن. سيناء هي أحد المفاصل التي يمكن من خلالها التأثير سلبا في استقرار هذا الوطن أذا ما أسأنا التعامل معها، وأحسن الآخرون استغلال الفرصة، فلم يعد خافيا على أحد أن استقرار هذا الوطن مستهدف من أطراف عدّة، ولن ينجح هذا الاستهداف ما لم يجد تربة خصبة ومهيأة للنجاح، وللأسف نحن نعيش هذه الحالة المثالية لضرب استقرار الوطن نتيجة اسلوب ادارة من يديرون الوطن حاليا واهدافهم التنظيمية والتزاماتهم تجاه حلفائهم. ولكن هذه الحالة لا ينبغي ان توقف من يسعى لحماية وحدة الوطن أن يستمر في التحذير مما هو آتي. وإفشال هذا الاستهداف لا يتأتى إلا بالتقييم الصحيح والحقيقي للأمور في البداية ومعالجتها بجدية وأسلوب علمي بعد ذلك.
وأعود للحديث عن سيناء ، ولعله من المناسب استعراض الوضع الحالي في سيناء ، و الصورة التي سأستعرضها هي نتيجة حوارات مع متخصصين ومهتمين بالوضع هناك ، وحوارات مع مصريين من أبناء سيناء.
نظرا لوقوع سيناء على الحدود الشرقية مع إسرائيل وغزة فهي دائما في حالة توتر ، ولأن أبناءها يشعرون أنها عانت طويلا من حروب متلاحقة لكنها لم تأخذ كما أعطت من دم أبنائها ، فهي في حاجة إلى رعاية خاصة ، وعلى الرغم من التحول الإيجابي النسبي الذي كان قد بدأ يبدو في تعامل النظام السابق قبيل سقوطه مع ملف التنمية في سيناء إلا أن الوقت كان متأخر جدا، وظل أهلها  يشعرون بغياب اهتمام الدولة بهم رغم ما يقال عن مشروعات التنمية في المناسبات الوطنية التي ظلت مجرد كلام في المناسبات لكنها غير موجودة على أرض الواقع. ومن الواضح ان نفس الحالة مازالت مستمرة ولكن بتجويد اضافي يتمثل في اشارات امكانية التنازل عن اجزاء من الارض واعطاء مزايا الاستفادة بخير سيناء الى مستثمري دولة خليجية حليف للجماعة بعينها.
كما يشكو العديد من أهل سيناء من النظرة المتدنية لهم في بعض سائل الإعلام ما بين اتهامات بالتخوين أحيانا ، والنظر إليهم بعنصرية من ناحية أخرى على اعتبار أنهم بدو ، أو النظر إليهم والتعامل معهم بشكل فولكلوري، أو تذكرهم فقط في المناسبات الوطنية . ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل ان احد قيادات الجماعة النافذة قرر مؤخرا في تصريح له ان أهالي سيناء اما عملاء للمخابرات أو لأمن الدولة أو للموساد الإسرائيلي!! مازلت اذكر حتى الآن إحساس المرارة والغضب في عيون وصوت شيخ من مشايخ سيناء من المجاهدين الذين حاربوا لتحرير سيناء وهو يتحدث معي رافضا بعنف فكرة ان يوجه مخلوقا أيا كان اتهاما أو شكا في وطنيتهم، شعرت ساعتها أنني أريد ان اعتذر له عن أي تجاوز يمكن ان يكون قد صدر وقتها من أي شخص، وان هذا تجاوز لا يقبله أي مصري، كان ذلك منذ أعوام عندما تجاوز كاتب مجهول في احد كتاباته ووصف أهل سيناء بالخيانة، لا أدري لو قابلت هذا الشيخ اليوم كيف اعتذر له عن كل ما يعانونه هناك الآن من غياب الأمن وسقوط الهيبة والاستباحة وتحويل سيناء الى ملاذ آمن للإرهابيين من مختلف أنحاء العالم ومحاولات التنازل عن جزء منها واعتبارها حديقة خلفية لأهل غزة واتهامهم الصريح من أكبر قيادات الجماعة الحاكمة بالخيانة والعمالة، لست أدري لو قابلت هذا الشيخ اليوم ماذا أقول له عن كل هذا لأبرر؟ وأي اعتذار يمكن ان يكون مناسبا أمام كل هذه الجرائم والسقطات في حق سيناء وأهلها؟
ما فات هو بعض النقاط المهمة في توصيف الواقع حتى لو كان توصيفا صادما، وحتى يكتب لنا الله القدرة عل تصحيح واقعنا كله واخراجنا من اختبار الشدة الذي نعيشه في ظل من يدعون انهم يحكمون باسمه، الى أن يحدث ذلك فان علينا ان نحافظ على تماسك الوطن ولا نسمح بتمزيقه، وفي هذا الاطار وفيما يتعلق بسيناء فانني أضع بعض النقاط التي في ظني أنها واجبة الحضور ونحن نتعامل مع هذا الملف المهم ، من أهم هذه النقاط التأكيد الدائم في كل مستويات الحوار الإعلامي و الثقافي و السياسي على ترسيخ مفهوم أن سيناء جزء من الأمن القومي المصري ، وأن سيناء هدف دائم في رأس إسرائيل و”جيرانها”، و التأكيد على مصرية سيناء ، وأنها جزء من مصر ولا يتم الحديث باعتبار أن سكان سيناء ” بدو ” ، إنما باعتبارهم ” المصريون في محافظتي سيناء المصريتين ” ، وجزء من نسيج الوطن ، كما يجب التحذير من خطورة قضية تبادل الأراضي ، كحل إقليمي ، وكشف ألاعيب أي دولة أو تنظيم أو جماعة للعب دور في هذا الملف أو اكتساب مساحات على حساب مصر أو الأراضي المصرية.
Advertisements
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

فشل إدارة الدولة لحساب الجماعة

عبد اللطيف المناويIMG_0132

الأمر الأكيد أن إدارة مصر فى هذه المرحلة على مستوى الدولة هى إدارة فاشلة بامتياز، بل أتوقع أن تتحول تجربة حكم الجماعة – التى لا يعرف أحد مداها – إلى نموذج يدرّس فى المستقبل، ليتعلم منه الدارسون كيف يتجنبون الفشل بتجنب أساليب الجماعة فى الحكم. ليس هذا تجنيا عليهم، وليس تقليلا أو تقزيما غير مستحَق لهم، لكنه بحق توصيف لواقع يراه كل قادر على الرؤية، وينكره مَن باعوا عيونهم وبصيرتهم وعقولهم، تنفيذا لالتزامات السمع والطاعة، أو طمعا فى مكاسب صغيرة وقتية على حساب الوطن والحق والمصلحة العامة، وهم كُثر فى كل العهود.

عندما سيطرت الجماعة – أيا كانت الوسائل – كان المتفائلون يعتقدون أنهم جماعة غنية بكوادرها التى هُضِم حقها على مدار عقود، وأنها – أى الجماعة – قادمة، إضافة إلى هذه الكوادر «الجبارة»، بعلاقات دولية قوية داعمة لهم، لينجحوا فى أول تجربة وأكبرها للحكم، خاصة مع حديث المليارات التى استعد الناس نفسيا لاستقبال انهمارها على الشعب، المنتظر لها. وكان من بين المتفائلين من اعتقد أن الجماعة لن تظل أسيرة حقد الماضى وسواد النفس، وأنهم سوف يبدأون بالتعاون مع جميع الأطراف السياسية والقوى الاجتماعية المختلفة والمكونة لنسيج الوطن، ليحاولوا جمعهم تحت هدف واحد هو إعادة البلد إلى طريق التقدم، والانطلاق نحو وضع أفضل، بعدما توقفت خلال الفترة الانتقالية، وبالتالى كان أمل المتفائلين أن تكوّن aائتلافا وطنيا جامعا يشكل قوة ضاربة تحت مظلة إعادة البناء. كانت التوقعات السابقة هى توقعات المتفائلين، وكان هؤلاء المتفائلون نوعين، الأول يمكن وضعهم تحت عنوان «المخدوعون»، وهم أولئك الذين لم يعلموا الكثير عن تاريخ الجماعة وفكرها وحقيقتها، كجماعة رافضة للآخر، إلا بشروط، وهؤلاء لا يلامون، لأنه ليس مطلوبا من كل شخص أن يدرك كل التفاصيل. النوع الآخر هم من يمكن أن نطلق عليهم «الخادعون»، الذين يعلمون حقيقة الجماعة، لكن لأغراض وقتية وانتقامات شخصية تجاهلوا ما يعلمون، وساهموا فى توريطنا جميعا، وبعدها اعتذروا، بعدما أضيروا شخصيا هم وأطماعهم، وكان اعتذارا بعد فوات الأوان، أو بعد «الفأس ما وقعت فى الرأس».

البعض ممن كان يدرك حقيقة الجماعة وتاريخها كان فى موقف المتشائمين، وهذا التشاؤم كان تعبيرا عن واقعية أكثر منه تعبيرا عن موقف سياسى، أولئك المتشائمون فضّل بعضهم الصمت والانتظار، تخوفا من أن يُتّهَم بأنه ضد الجماعة، بالمفهومين اللغوى والتنظيمى، أما من جاهر بموقفه فقد ناله الكثير من النقد والهجوم من قبل أتباع الجماعة.

لم نحتَجْ الكثير من الوقت لتكشف الجماعة عن حقيقتها، ولن ينتظر المتشككون الصامتون كثيرا حتى يخرجوا عن صمتهم. أما أولئك المؤيدون- لرغبة فى النفس – لا تعبيرا عن موقف حقيقى – فقد اكتشفوا الخدعة التى وقعوا فى غيّها، أو قل «المقلب» الذى شربوه فتراجعوا وأعلنوا عن أسفهم واعتذارهم عما اقترفت يداهم بتأييدهم للجماعة، رغم معرفتهم بحقيقتها، ولكن بعد فوات الأوان.

فى الحقيقة خذلت الجماعة كل المصريين فى البداية إلا أتباعها، فقد كشفت سريعا عن حقيقة الخواء الكبير الذى هو حقيقتها، ظللنا نسمع كثيرا من القرع والضجيج، وعندما أتى موعد الطحين لم نحصل إلا على نتائج الفشل. الخبراء والكوادر التى لا تعد ولا تُحصَى لم تكن إلا جعجعة، فلم نر منهم إلا أقل القليل، وهذا يعنى إما أن هؤلاء كل مَن يملكون، أو أن الآخرين يرفضون أن يشاركوا فيما يعرفون أنه فشل إدارة يؤدى إلى مهزلة. أما المليارات المتخمرة فليست سوى مليارات ضائعة، تسعى حكومة الجماعة للحصول على عدة مليارات أقل من أصابع اليد الواحدة، وتمثل عشرة فى المائة من احتياطى مصر الذى ضاع فى عامين، ويحاولون إقناع البسطاء بانتصارات وإنجازات وهمية أجهزة الدولة تُسَخّر قدراتها على الإعاقة و«التطفيش» تجاه مستثمرى واستثمارات الدول الأخرى التى يغيب الود أو الدفء فى علاقة الجماعة بها، ويكفينا أن ننظر ونرصد حجم الإعاقات والمشكلات التى تواجهها الاستثمارات الإماراتية على سبيل المثال، وأظن أن الكثيرين يعلمون حجم المشكلات التى تواجهها هذه الاستثمارات والمستثمرون فى مصر، وهم فى الحقيقة يدفعون ثمن توتر العلاقة بين الجماعة والدولة فى الإمارات، بسبب نشاط الجماعة المعادى لنظام الحكم هناك والعمل على تفجير الأوضاع فيها، وهكذا أصبحت الاستثمارات والمستثمرون أسرى لهذا التوتر، وبالطبع يكون شعار الجماعة الدائم هو «طظ فى مصر»، كما قال كبيرهم يوما. وهكذا تُضَيِّع الجماعة بإدارتها للدولة مليارات، وتجرى وراء أخرى تضيع فيها ماء وجوهنا، وتُوَتِّر علاقات مع دول، وتُطَوِّر أخرى، والعنصر الحاكم فيها ليس مصلحة الدولة بل مصلحة الجماعة.

أما فى الشأن الداخلى وإدارته فقد تمكنت الجماعة بكل ممثليها من شق صف الوطن وتقطيع أوصاله، ساهم فى ذلك كل عناصرهم، وأصبح المصريون خنادق مختلفة تستعد لمعارك حذر البعض من أنها قد تتحول إلى حرب أهلية. نجحوا فى دفع مساوئ النفس البشرية لتظهر على السطح، وتتحكم فى شؤون حياة الناس.

أما هم فمنشغلون بالسيطرة على أوصال الوطن، والتمكن من استكمال تقييده، واستبعاد كل من على غير مواقفهم، ويدرك المتعاملون معهم حاليا، أو معظمهم، أن حضورهم وقتى مرتبط بالحاجة لهم، وما إن تنتفى الحاجة فإن التخلص منهم هو الأسلوب الوحيد وقتها.

إن وضع الدولة فى مصر الآن هو وضع غريب، فالأمر ليس فقط فشل الإدارة، ولكن الملحوظة الأخرى المهمة أن مصر الدولة تزداد فقرا فى ظل الجماعة، بينما تزداد الجماعة غنى، وهذا أمر سوف يأتى يوم الحساب فيه، ولكن للأسف لا يبدو قريبا.

ذبح القضاء مقدمة لاستباحة الوطن

gavelعبد اللطيف المناوي

يخطئ من يتقاعس عن حماية المؤسسات الباقى الأمل فيها بدرجات متفاوتة، وهنا أقصد تحديداً ودون ترتيب الجيش والقضاء والأزهر. وأظن أنه يمكننا ببساطة أن نلحظ تلك المحاولات المستمرة من أجل السيطرة عليها من قبل الجماعة، أو بحد أدنى تحييدها أو تقزيمها، بحيث لا تمثل عائقاً أمام الطموح الجامح للجماعة.

الأكيد أن القضاء المصرى يعانى من الاضطهاد ومحاولات فرض السيطرة عليه بالقوة من فصائل سياسية إما منتمية أو موالية للنظام الحاكم وعلى مرأى ومسمع منه دون أن يتدخل لإلزامها باحترام سيادة الدستور والقانون واحترام استقلال القضاء ورجاله. هذه الحقيقة جاءت فى بيان صدر للجنة شباب القضاة والنيابة العامة.. أهميته تنبع من أنه يعبّر بصدق عن تيار يقرأ ما يحدث برؤية ثاقبة، وصدق وصفهم لما يحدث بأنه عملية إرهاب لشيوخ القضاء وشبابه لمنعهم من حماية مؤسستهم من مشروعات الهدم التى تتعرض لها من الجماعة وتابعيها.

أظن أن ما يحدث الآن يصغر معه ما اصطلح على تسميته «مذبحة القضاء» فى الستينيات التى كانت إحدى أكثر النقاط سواداً فى تلك الفترة رغم كل ما قيل وقتها وبعدها تبريراً أو تفسيراً، وللتذكرة سريعاً أقول، وقع ما عُرف باسم «مذبحة القضاة» فى 31 أغسطس 1969، بعدما حدثت نكسة 1967 وكانت لها آثارها النفسية الهائلة فى الشعب بكل فئاته وطبقاته بمن فيهم رجل القضاء، فأصدر نادى القضاء بياناً يدعو فيه إلى إعادة البناء وإصلاح ما فسد.. لإزالة آثار العدوان الإسرائيلى. ونادى البيان بوجوب تلافى الأخطاء السابقة التى أدت إلى النكسة.. بوجوب احترام سيادة القانون وتأمين استقلال القضاء..

وإلغاء الازدواجية والتعددية فيه وتأمين حق كل المواطنين فى أن تكون محاكماتهم أمام قاضيهم الطبيعى.. وإلغاء جميع المحاكم والقوانين الاستثنائية، ورُفع الأمر مشوهاً إلى عبدالناصر عن طريق الجهاز السرى الطليعى المشكل من بعض ضعاف النفوس من رجال السلطان فى القضاء فى ذلك الوقت- ما أشبه الليلة بالبارحة- لكن كل هذا الكلام فسره أعوان السلطة بأنه هجوم على المكاسب الاشتراكية، كما يفسرون اليوم مواقف القضاة الذين يقدسون دورهم بأنها ضد الشعب.

وتشكلت لجنة لكتابة كشف بأسماء بعض رجال القضاء بناء على التقارير المكتوبة وقامت اللجنة بالتوصية بإحالة حوالى مائتين من خيرة رجال القضاء إلى المعاش منهم جميع أعضاء مجلس إدارة نادى القضاء فى ذلك الوقت.

وكان نص القرار الذى أصدره عبدالناصر هو عزل جميع رجال القضاء فى مصر ثم إعادة تعيينهم بعد استبعاد 200 أحيلوا للمعاش وآخرين نقلوا لوظائف مدنية.

أعود إلى تحذيرات شباب القضاة الذين يتوقعون أنه سيتم الضغط بكل السبل المشروعة وغير المشروعة على القضاة ليقبلوا أن يناقش مجلس الشورى المعين غالبيته بغير انتخاب من قبل الحزب الحاكم تعديل أحكام قانون السلطة القضائية تحت شعار تحقيق استقلال القضاء، بيد أن ما يحاك هو الاستغلال بعينه.

وعند مناقشة القانون والتعديلات المقترحة تتطوع بعض الأحزاب الموالية للحزب الحاكم بتقديم مشروعات للتعديلات التى يقترحونها، والتى بالقطع ستكون فى غاية التطرف. هنا يتدخل الحزب الحاكم بمشروع قانون يُصوَّر على أنه يحقق استقلال القضاء ويلقى بالقطع استحسان الأحزاب الموالية له ويحوى هذا المشروع بين طياته بعض التعديلات كخفض سن التقاعد للقضاة إلى 65 سنة، وزيادة نسبة المعينين فى القضاء من غير أعضاء النيابة العامة، وفرض قيود على سلطات الجمعيات العامة للمحاكم، وتقويض صلاحيات واختصاصات مجلس القضاء الأعلى مع زيادة أعضائه بالانتخاب، وهى قد تبدو وكأن فى ظاهرها الرحمة ولكن فى باطنها العذاب.

عندما يعارض القضاة هذا المشروع سيُتهمون بالفساد والإفساد ثم يأتى دور قضاة النظام الذين سيسارعون بإعلان موافقتهم التامة على هذا القانون المقترح وينتشرون فى جميع وسائل الإعلام لإشعار الشعب أن القضاة المعارضين لهذا القانون هم قلة قليلة فاسدة يجب أن يتطهر القضاء منها. بعد عزل آلاف القضاة الذين تجاوزت أعمارهم 65 سنة بموجب سريان أحكام قانون السلطة القضائية المصطنع، ومع بدء العام القضائى الجديد اعتباراً من أكتوبر 2013 سينكشف الغطاء عن أن التقاضى أمام محاكم الجنايات بات على درجتين وفقاً للدستور وبالتالى ستحتاج هذه المحاكم التى يعمل فيها قضاة الاستئناف مزيداً من القضاة لأنها فقدت الآلاف فى «التطهير» بل إن قضاتها الحاليين قبل خفض سن التقاعد غير كافين لذلك.

وهنا يأتى الفصل الأخير لتتحقق النهاية المرجوة، فوفقاً للقانون المصطنع من الحزب الحاكم وأعوانه يجوز تعيين قضاة بمحاكم الاستئناف والنقض «أعلى درجات المحاكم ويعمل فيها شيوخ القضاة» ومن ثم سيُعيَّن فى هذه المحاكم أعداد ضخمة من المحامين مؤهلاتهم الرئيسية أن يكونوا من الأهل والعشيرة.

هى مؤامرة متكاملة الأركان فهل سنكتفى- أقصد هنا أفراداً ومؤسسات مسؤولة عن الوطن- بالمشاهدة والشكوى من الزمن الذى نعيشه، أم أن هناك مواقف أخرى؟

“عيد القيامة “المصري

issue14 2عبد اللطيف المناوي

نعيش أياما لا يعلم الا الله الى أين ستنتهي بنا، أظن ويظن كثيرون معي أن المصريين قد أصابتهم حالة عظيمة من الاكتئاب والاحساس بمزيج غريب من الغضب واليأس واللاجدوى والرغبة في الصراخ والاقتراب من الله للدعاء بأن يخلصنا ويخلص الوطن من العبء الشديد الذي نعانيه منذ اختطف الوطن ومستقبله وأمل أهله في مستقبل أفضل لنجد أنفسنا في طريق تتلاشي فيه ملامح الوطن الذي حلمنا بهلكن ذلك لن يمنعنا من أن نحاول دائما الحفاظ على الأمل في استعادة لوطن الى أبنائه، كلهم بلا تفرقة أو استبعاد أو اقصاء، ليكون الوطن لكل المواطنين

جزء من التمسك بملامح وطننا هو الاستحضار الدائم لثقافته الأصيلة، والاحتفال كلما تيسر الأمر بملامح هذه الثقافة دون النظر الى كونها ثقافة مسلمين أو مسيحيين، انما هي ثقافة مصر.

تظل مصر الوطن تحمل داخلها ثقافتها ، مصر الوطن قادرة دائما على مر التاريخ أن تتجاوب وتتفاعل مع كل الثقافات التي مرت بها وعاشت فيها ، حتى تكون ذلك النسيج الفريد للشخصية المصرية، وبات لمصر مذاقها الخاص في التعامل مع الثقافات بل والديانات، فكل ثقافة مرت أو دين دخل إلى مصر اكتسب مذاقا مصريا خالصا ، ولم تتمكن ثقافة من البقاء بمصر إلا بتجاوبها مع طبيعة الشخصية المصرية الوسطية المعتدلة ذات المزاج الخاص .

وعندما دخلت المسيحية مصر جاء عيد القيامة” موافقًا لاحتفال المصريين بعيدهم ، فكان احتفال الأقباط بعيد الفصح – أو عيد القيامة” – في يوم الأحد، ويليه مباشرة عيد شم النسيم” يوم الإثنين ، و يوم شم النسيم هو يوم إحتفال ورثه المصريون عن آبائهم الفراعنة واستمر الاحتفال بهذا العيد تقليدًا متوارثًا تتناقله الأجيال عبر الأزمان والعصور، يحمل ذات المراسم والطقوس، وذات العادات والتقاليد التي لم يطرأ عليها أدنى تغيير منذ عصر الفراعنة وحتى الآن ، وعندما دخل الإسلام مصر أصبح المصريون جميعا أقباطا ومسلمين يحتفلون بذلك العيد المصري بعد أن يحتفلوا جميعا بعيد القيامة

عيد شمّ النسيم هو عيد مصري قديم، كان أجدادنا المصريون يحتفلون به مع مطلع فصل الربيع.

وكلمة شم النسيم” هي كلمة مصرية قديمة ، تعني: “بستان الزروع“. “شوم” تعني بستان” ، ونيسيم” تعنى الزروع“.. وحرف إن” بينهما للربط.فتصير الكلمة شوم إن نسيم” بمعنى بستان الزروع” ، وقد تطوَّر نطق الكلمة مع الزمن فصارت شم النسيم” التي يظن الكثيرون أنها كلمة عربية، مع انها في الأصل مصرية قديمة .وهو اليوم الذي كان يقتنع المصريون القدماء بأن العالم خلق فيه

بعد انتشار المسيحية في مصر حتى غطتها بالكامل في القرن الرابع الميلادي ، واجه المصريون مشكلة في الاحتفال بهذا العيد المصري (شم النسيم)، إذ أنه كان يقع دائماً داخل موسم الصوم الكبير المقدس الذي يسبق عيد القيامة المجيد وفترة الصوم تتميَّز بالنُسك الشديد والاختلاء والعبادة العميقة، مع الامتناع طبعاً عن جميع الأطعمة التي من أصل حيواني بما فيها الأسماك التي تعد أحد المظاهر المهمة في الاحتفال بشم النسيمفكانت هناك صعوبة خلال فترة الصوم في الإحتفال بعيد الربيع، بما فيه من انطلاق ومرح وأفراح ومأكولاتلذلك رأى المصريون المسيحيون وقتها تأجيل الاحتفال بعيد الربيع(شم النسيمإلى ما بعد فترة الصوم، واتفقوا على الاحتفال به في اليوم التالي لعيد القيامة المجيد ، والذي يأتي دائماً يوم أحد، فيكون عيد شم النسيم يوم الإثنين التالي له.

واستمر الاحتفال بهذا العيد في مصر بعد دخول الإسلام تقليدًا متوارثًا تتناقله الأجيال عبر الأزمان والعصور، يحمل ذات المراسم والطقوس، وذات العادات والتقاليد التي لم يطرأ عليها أدنى تغيير منذ عصر الفراعنة وحتى الآن.

وقد استرعى ذلك انتباه المستشرق الإنجليزي إدوارد وليم لين” الذي زار القاهرة عام 1834 فوصف احتفال المصريين بهذا العيد بقوله: “يُبَكِّرون بالذهاب إلى الريف المجاور، راكبين أو راجلين، ويتنزهون في النيل، ويتجهون إلى الشمال على العموم؛ ليتَنَسَّموا النسيم، أو كما يقولون ليشموا النسيموهم يعتقدون أن النسيم – في ذلك اليوم– ذو تأثير مفيد، ويتناول أكثرهم الغذاء في الريف أو في النيل“. وهي نفس العادات التي ما زال يمارسها المصريون حتى اليوم.

تظل مصر هي ذلك الوطن الذي خلق ليبقى ، ويظل المصريون هم ذخيرة وزينة هذا الوطنكل عام ونحن المصريون جميعا بخير .

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

استمرار مخططات الإشغال

p1010061.jpgعبد اللطيف المناوي

منذ أشهر تحدثنا عن مخططات الإشغال التى سوف تكون أسلوبا فى إدارة حكم البلاد، وهو الأمر الذى بدا واضحاً خلال الفترة الماضية، حيث يتم إثارة موضوعات أو أحداث يتفرق حولها المجتمع ويثور جدل كبير حول قضايا وأحداث ينبغى أن تكون أبعد ما تكون عن دائرة اهتمام الرأى العام فى هذا التوقيت. فى هذه اللحظات التى يثور فيها هذا الجدال تستغل جماعة الحكم الفرصة لتأكيد تمكنها من مفاصل المجتمع والدولة وتبقى أسسا لقواعد جديدة لهذا التمكين، وفى الحدود الدنيا للاستفادة تكون بعض هذه الأوقات التى ينشغل بها الناس عن متابعتهم ورصد حركتهم، تكون هذه الأوقات فرصة لهم لالتقاط الأنفاس وإعادة ترتيب المواقف.

وفى الحقيقة فإن الإخوة فى التيارات المدنية والليبرالية لا يبخلون فى تقديم هذه الأوقات للجماعة، بل إنهم أحيانا يتبرعون بتقديم بعض القضايا الخلافية التى تشق صفهم ليبدأوا شجاراً ونزاعاً وصراخاً بينهم وبين بعضهم البعض لا تملك الجماعة الحاكمة وقتها إلا النفخ فى نار الخلاف وتقديم الشكر لهم على ما يفعلونه بأنفسهم.

 وأظن أن النماذج هنا كثيرة ومتعددة ولا تحتاج إلا إلى جهد يسير لاستحضارها. وليس موضوع ابتسامة الرئيس السابق مبارك وتاريخه، ثم الحكم القضائى القانونى بإخلاء سبيله فى إحدى القضايا، وهو ما لم يحدث لوجود قرارات أخرى بحبسه على ذمة قضايا أخرى، ليس هذا الموضوع سوى نموذج لانجرار القوى المدنية نحو الجدل والخلاف حول هذا الموقف، والذى بغض النظر عن تفسيره، وبغض النظر عن تقييم الحكم وتنفيذه من عدمه، إلا أننى أعتقد أن مثل هذه المواقف لا ينبغى أن تكون سببا لخلاف و«تقطيع هدوم» فهذا أكثر ما يريد جماعة الحكم.

أتابع باهتمام كل ما يأتينى عبر البريد الخاص بى، وأتابع الجمعيات الجديدة وبياناتها حول المواقف المختلفة، وفى إطار ما أتحدث عنه وجدت بيانا يتحدث حول القضية التى أطرحها اليوم، وأنا هنا أستأذنهم فى الاستعانة بأجزاء من بيانهم الصحفى الذى مس الحقيقة، فهذا البيان الصادر عن «المركز العربى للنزاهة والشفافية» يعرب عن شدة اندهاشه من رد فعل تيارات الإسلام السياسى على ضحكة مبارك ثم تلاها ردة فعلهم عن إخلاء سبيله، حيث تلقف تيار الإسلام السياسى هذين الحدثين وقام بالتركيز عليهما أكثر من اللازم وشن حملة إعلامية ضخمة على مؤسسة القضاء بسبب إخلاء السبيل بلامبرر معقول، يضيف البيان «والحقيقة أن هذه التيارات وجدت فى الحدثين طوق نجاة لها يتمثل فى صرف الأنظار عن فشلها فى قيادة البلاد وسقوطها على المسارين السياسى والاقتصادى لذلك وجدنا من يتحدث فى مجلس الشورى عن تأنق مبارك وضحكاته كما وجدنا ذوى التاريخ الإرهابى فى هذه الجماعات يتوعدون المخلوع بعدم إفلاته من العقاب، وآخر يدعى أن النائب العام السابق هو من مهد لإخلاء السبيل ولم يحدد كيف كان هذا التمهيد – وفى الحقيقة فإن كل ذلك ماهو إلا مزايدات مكشوفة ومحاولة لتغييب العقل وصرف الأنظار عن الفشل الذريع فى إدارة البلاد، بل قد يكون هناك ماسيمرر فى الخفاء تحت هذا القصف الكثيف الذى يقذف فى الهواء وبلا داعى وبلا مبرر لأن الإشكالية الآن ليست فى مبارك فمبارك أمام القضاء فليحاكمه كيفما شاء دون معقب، فلم يعد هناك فرق ولكن الإشكالية الآن فيما آلت إليه الأمور فى البلاد وأحوال العباد وارتفاع الأسعار واستمرار الأزمات وقرض الصندوق وقوانين الانتخابات. الإشكالية الآن فى الأخونة والاستحواذ على مقدرات البلاد ومحاولات خلخلة مؤسسة الدولة كالشرطة والمخابرات والجيش.

الإشكالية الآن فى غياب أمن المجتمع على الرغم من وجود أصحاب اللحى فى الحكم حافظى القرآن الذين جاءتهم آية تقول (ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين). الإشكالية الآن فى الانسداد السياسى وتجاهل المعارضة. الإشكالية الآن فى شعب قام بثورة من أجل الحرية والعدالة فاختزلت فى اسم حزب انفرد وحيدا بكل الأدوار وفاق فى غيه سلفه الوطنى الديمقراطى، لذلك فإننا نحذر الشعب المصرى من ابتلاع هذا الطعم حتى لا ينصرف عن الأهداف الحقيقية التى ضحى من أجلها بشهدائه وحتى لا يعطى الفرصة لسارقى الثورة بالاستمتاع بما سرقوه لأن ما يحدث هو جزء من خطة التمكين وفى النهاية لن يجنى الشعب سوى المزيد من الجوع والفرقة والانقسام والضعف أمام تيار محترف مؤامرات وصفقات فياليتنا نحترس ولا ننجرف خلف الشعارات البراقة، وليس بعيدا عن هذا أيضا تلك المعركة التى بلا طائل ولا جدوى عندما أعلن الفريق أحمد شفيق عن استعداده للانضمام إلى جبهة الإنقاذ ثم ما تلاه من رد فعل من بعض قيادات الجبهة على هذا الإعلان، أنا أعتقد أن الإعلان دون تنسيق كان خطأ ورد الفعل من قيادات جبهة الإنقاذ كان أخطأ هو الآخر. المطلوب الآن هو التوحد لكل القوى المدنية الراغبة فى الحفاظ على مصر كما نعرفها وكما نريدها.

اختفت المرأة الحديدية وتركت خلفها الجدل والاحترام

abd el latifعبد اللطيف المناوي
على الرغم من التوقع باختفاء بعض الشخصيات من الساحة بوفاتهم إلا ان لحظة الموت في حد ذاتها تبدو للحظة وكأنها مفاجأة، وبعض الأشخاص يتركون وراءهم جدلا يستمر كما كان أثناء حياتهم، من هؤلاء الأشخاص مارجريت تاتشر المرأة الحديدية التي شغلت العالم وساهمت في تشكيل ملامحه في مرحلة ما بعد الحرب الباردة وصاحبة أكبر بصمة في شكل بريطانيا الحديثة. ماتت تاتشر على سريرها في فندق ريتز الذي يطل على الحديقة الملكية الشهيرة (جرين بارك) ليس بعيدا عن قلب الحياة السياسية في العاصمة البريطانية لندن، حيث مقر البرلمان والحكومة وقصر الملكة. رغم اختفاءها عن الحياة العامة منذ فترة إلا ان خبر وفاتها كان الخبر الأهم على الإطلاق في بريطانيا، المرأة الحديدية التي انقسمت بريطانيا على نفسها بسبب سياستها اتفق الجميع على قيمتها وأثرها في الحياة البريطانية.
حاول المذيع كثيرا مع عدد من قادة الأحزاب والسياسيين  المختلفين مع تاتشر وسياستها وسياسة حزبها أن يدفعهم لانتقائها لكن الجميع بقدر كبير من الاحترام والتقدير لها رفضوا الانسياق وراء الاختلاف وقرروا ان يتحدثوا عن مارجريت تاتشر القيمة في التاريخ البريطاني وكيف أنها ساهمت في وضع بريطانيا بشكلها الجديد على خريطة العالم وكيف شكلت المجتمع البريطاني وكيف دفعت الأحزاب والقوى السياسية المختلفة ان تعدل وتطور من مواقفها السياسية لتتمكن من مجاراة المرأة التي غيرت وجه السياسة والاقتصاد في بريطانيا. هنا القيمة التي توقفت أمامها كثيرا كيف يحترم الناس تاريخهم ولا يهيلون عليه التراب ولا يتهمون صناعه بالخيانة والخسة ولا يسبونهم ولا يعلنوا أيامهم. هذا هو التعامل باحترام مع التاريخ ومع الأشخاص الذين صنعوا هذا التاريخ حتى لو اختلفنا معهم.
 ثاتشر كانت من أبرز الشخصيات التي رسمت السياسات في النصف الثاني من القرن الماضي. وثاتشر التي توفيت عن عمر يناهز 87  لم تنم أكثر من 4 ساعات في الليلة، اعتادت على مواجهة التحديات، أصعبها عندما نصحها وزراؤها بالتفاوض مع الأرجنتين لشكوكهم في قدرة بريطانيا عسكريا على تحرير جزر الفوكلاند عام 1982. السيدة الحديدية لم تتخذ طوال تاريخها السياسي سوى مواقف مبدئية، فرفضت التفاوض وأبحرت سفن البحرية الملكية نحو الفوكلاند.
ثاتشر أطول رؤساء حكومات بريطانيا بقاء في «داونينغ ستريت» (بين عامي 1979-1990) ولم يخسر المحافظون انتخابات أثناء زعامتها للحزب فوصفوها بأقوى الزعماء منذ السير ونيستون تشرشل. لقي انتخابها زعيمة للمحافظين عام 1975 امتعاض التقليديين من الطبقة العليا لأنها ابنة بقال من الريف لا ابنة جنرال أو أحد أقطاب النخبة.
عندما دخلت خريجة أكسفورد في العلوم «داونينغ ستريت» بفوز المحافظين الكاسح في انتخابات 1979، كان اقتصاد بريطانيا في حاجة إلى إدارته بعقلية «ابنة بقال» على دراية بتقشف ربة الأسرة من الحرب العالمية الثانية. ولم توظف طاهية أو خدما كرئيسة حكومة؛ بل أدت الأعمال المنزلية بنفسها، وأصرت على طهو وجبة الإفطار بنفسها وتقديمها لزوجها دينيس وطفليها كارول ومارك.
ولدت مارغريت هيلدا في 13 أكتوبر (تشرين الأول) 1925 لاب بقال، وفي حديثها عن والدها ذات مرة، قالت ثاتشر: “يرجع الفضل بالطبع إلى أبي في كل شيء. لقد عمل على تنشئتي وغرس لدي كل القيم التي أؤمن بها الآن.”.
.
أدت سياستها إلى صدام مع النقابات العمالية، خاصة النقل وعمال المناجم، في صراع استمر عاما وانتصرت فيه ثاتشر؛ وهو ما لم يغفره لها اليسار البريطاني.استقالت عندما واجهت تحديا لقيادتها داخل حزبها عام 1990. تخلت عن عضويتها في مجلس العموم عام 1992 وحصلت على لقب بارونة.
لم تبخل بتقديم النصيحة لخلفائها، خاصة توني بلير. وقد لقي بلير غضب اليسار البريطاني لاتباعه سياستين، اقتصادية وخارجية أقرب للثاتشرية من السياسة التقليدية للعمال.
ثاتشر التي أمرت الملكة إليزابيث، بأن يشيع جثمانها في جنازة دولة رسمية، خلفت تركة، قد ينقسم المؤرخون والمراقبون على آثارها المعاصرة أثناء حكم السيدة الحديدية، لكن لا يختلف اثنان على بصماتها الهائلة التي تركتها على المشهدين البريطاني والعالمي، في تحرير الاقتصاد، اختفت ليدي “ماجي” من الحياة بجسدها ولكنها سوف تظل دائماً من أكثر الشخصيات المثيرة للجدل والاحترام في ذات الوقت لمن اتفق معها ومن اختلف معها وكلاهما كثر.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

إلى أهلنا في سيناء: لستم وحدكم.. كلنا يعاني

IMG_0132عبد اللطيف المناوي

ليس تربصًا بالمرشد السابق للجماعة الحاكمة، ولكن لأنه الأكثر صدقا ووضوحا بين قياداتها، هذا هو السبب الذى يدعونى لتناول جزء من تصريحاته التى هى دائماً سبب فى إثارة الجدل. صراحة الرجل وضيق خلقه أحيانا يدفعانه لأن يخرج ما بداخله دون لف أو دوران، لسان حاله يقول «هكذا نحن، وهذه هى أفكارنا ومخططاتنا واللى مش عاجبه طز فيه» هو لم يقل ذلك بهذا النص ولكنه قال ذات المعنى بنصوص أكثر حدة وصراحة مما قلت.

ولأن تصريحاته يمكن اعتبارها التوجه الحقيقى لجماعته التى مازال يمتلك فيها قولا وتأثيرا واضحين، فإننى أتوقف اليوم عند تصريح آخر منسوب له «بالصوت» حول أبناء سيناء الذين أطلق عليهم وصف «عربان» وأيا كان استقبال هذا اللفظ سلبا أو إيجابا فإننى دائماً وجدت أن وصف أى أبناء الوطن لو لزمت الإشارة إلى انتمائه الجغرافى فينبغى أن تكون التسمية مرتبطة بوطنه أساسا ثم يتلوها التوصيف التالى، فيكونون مثلا «المصريون» من سيناء أو «المصريون الأقباط» أو «المصريون المسلمون» أو الصعايدة أو أهل النوبة ولكنهم أولا وقبل كل شىء هم مصريون. لذلك تحفظت دائماً ومنذ سنوات طويلة على وصف أهلنا فى سيناء ببدو سيناء أو العربان، ولكنهم أولا وأخيرا أهل مصر فى سيناء.

نعود إلى التصريح المزعج الذى يعكس رؤية الجماعة الحاكمة لمصريى سيناء، فقد قال نصا فيه «سيناء مافيهاش جهاديين وبس، زرت سيناء وأعرف من المقربين أن عربان سيناء فئات، فئة مع الموساد وفئة مع المخابرات وفئة مع أمن الدولة، وبيتصارعوا وهما اللى عاملين القلق هناك»، هكذا اختصر رؤيته ورؤية جماعته لأهل سيناء، فيما عدا أعضاء الجماعة طبعا هناك، وأدعو أهلنا هناك ألا يغضبوا أو يعتبروا أنهم فقط المقصودون، فهذه الرؤية هى رؤية الجماعة لكل من ليس جزءا منها أو حليفا لها. لذلك عندما يقرر بعض قادتهم إهدار دم المرشد السابق لو لم يعتذر علنا عن تلك التصريحات المسيئة بحقهم فإن ذلك هو تعبير عن حالة الغضب الكبيرة والمفهومة ولكن ذلك لن يحل المشكلة، فما قاله كما سبق أن ذكرت هو جزء من تكوينهم الفكرى ونظرتهم المتعالية لمن هو ليس منهم، وبالتالى فكلنا سواء، الأمر الآخر أن اعتذاره لن يغير شيئا من ثوابتهم، كما أنه ليس وحده المتفرد بهذه الأفكار.

المشكلة الكبيرة التى معانيها هنا هى تلك الرؤية الفوقية للجماعة لبقية أطياف الشعب المصرى، مسلمين، مسيحيين، صعايدة، بحراوية، كل هؤلاء لا يرقون فى نظرهم لمستوى الانتماء إلى الجنس الأرقى، محتكرى الإيمان، القابضين، ليس فقط على الصكوك السيادية التى سوف يصدرونها، ولكن الأهم هم القابضون على صكوك الغفران، أشعر أحيانا وكأننى أتحدث عن الكنيسة فى العصور الوسطى، عصور ظلام أوروبا، أو فترة ما قبل الحرب العالمية الثانية، وليس كما قال أحدهم وهو على سرير المرض أو الإصابة «اللهم توفنى إخوانيا»

الانتماء لدى الحكام الجدد هو انتماء فوق الوطنى، يتخطى الحدود إلى آفاق دولتهم هم، وهنا للتذكرة فقط أشير إلى ما سبق أن نسب إلى المرشد الحالى عندما استقبل العام الماضى قيادى حماس الذى كان يشغل منصب رئيس الوزراء الفلسطينى قبل أن ينقلب، كالعادة، على الشرعية لينفصل بإمارة غزة كجزء من حلمهم الأكبر فى دولة الخلافة. قال محمد بديع فى لقاء علنى جمع أعضاء مكتب الإرشاد للجماعة عندما استقبل رئيس حكومة حماس المنقلب (كنتُ أتمنى أن تكون رئيس وزراء مصر) وهكذا يفضح رؤيتهم المتجاوزة للانتماء الوطنى على السطح، وهذا التصريح لا يختلف فى معناه عن تصريح مرشدهم السابق الذى نتحدث عن تصريحاته اليوم قال فيه إنه لا بأس من أن يتولى رئاسة مصر (ماليزى) أو أى شخص (مسلم) غير مصرى ولكن (المرشد) الحالى أضاف إلى تصريحه كارثة أخرى عندما قال لإسماعيل هنية (أعدك بمنح أعضاء حركة حماس الجنسية المصرية) ولن أستكمل الجزء الذى نسب إليه وقتها لأنهم نفوه، الذى جاء فيه (ليكون لهم نفوذ وأولوية فى التوطين داخل سيناء) سوف أعتبر نفيهم صادقا فيما يتعلق بالتصريح ذاته، ولكن تظل شكوكى وشكوك كثيرين فى نواياهم قائمة، وهى شكوك مشروعة ومبنية على أدلة وشواهد.

الانحراف الفكرى فى عقيدة الجماعة فيما يتعلق بمفهوم الوطن يحتاج إلى مراجعات حقيقية منهم، تراجع عما يعتبرونه ثوابت من أيام «شهدائهم» الذين يدعونهم. هذه الجماعة تحولت إلى موقع المتمكن من السلطة، وهذا التمكن أيا كانت أسبابه يفرض عليها مراجعة أفكارها وقت كانت جماعة اعتادت وعشقت العمل تحت الأرض ومؤامرات القصور والعمل السرى والاغتيالات، لا يمكن إدارة وطن بعقلية جماعة ترفض الاعتقاد بثقافة وحدود هذا الوطن وتعتبره مجرد جزء من مشروع أكبر وأهم من وجهة نظرهم وفق معتقداتهم.

لأهلنا فى سيناء: كلنا فى الهم سواء، ولن يغير إهدار دم قيادة من الواقع كثيرا، صبرا آل مصر.

دولة مواطنين لا دولة جماعة

عبد اللطيف المناويعبد اللطيف المناوي

مرة أخرى أحذر من أن الإدارة الحالية للبلاد لن تدفع بها إلا إلى هاوية سحيقة لن ينجو منها أحد، يخطئ من يعتقد ممن يدير البلاد الآن أنهم بدفعهم للأوضاع الى هذه الحافة الخطرة سوف تسمح لهم بالسيطرة أو إتمامها، ويخطئون لو توقعوا أن سياسة اللامبالاة وعدم الاستماع للآخر والانطلاق نحو ما يعتقدونه فى صالحهم مهما كان الثمن، يخطئون لو توقعوا أن ينجح هذا الأسلوب، فالحافة التى يدفعون البلد إليها هم أول من سيدفعون ثمن الانزلاق من فوقها، فكما قلت من قبل البركان عندما يأتى لن يستأذن.

وفى إطار هذه السياسة التى تدفع إلى حافة الهاوية هو ذلك الأسلوب الذى تعاملت به الدولة مع أحداث الخصوص وما تلاها فى الكاتدرائية، والتى هى نموذج مصغر ولكن يعبر بامتياز عما يحدث عندما تشتعل الفتنة الطائفية، وفى البداية علينا أن نعترف أن هذا الخطر هو من الأخطار التى تواجه مصر منذ سنوات طويلة، وكان الخطأ الرئيسى الذى وقع فيه النظام السابق هو فى تعامله مع هذا الخطر باعتباره قضية أمنية علاجها يكون من خلال الأجهزة الأمنية ولم يتخذ خطوات حقيقية من أجل حل مسببات هذا الاحتقان الطائفى بشكل جاد وعملى على الأرض على الرغم من النوايا الحسنة الحقيقية التى تمثلت فى التعديلات الدستورية الأخيرة التى اعتبرت أن المواطنة هى أساس الدولة.

 الخطأ الثانى الذى وقع فيه النظام وقتها هو تلك المغازلة التى كانت مستمرة للتيارات الدينية وهو الأمر الذى دفع النظام ودفعنا نحن ثمنه الآن. نتيجة لهذه الأخطاء لم يتم ترجمة مفهوم المواطنة بشكل عملى من خلال تفعيلها فى المستويات المختلفة للدولة ومن خلال حزمة من القوانين التى تؤصل وتؤكد هذا المفهوم، بمعنى أن تتحول الدولة الى دولة مدنية بحق وأن يكون المواطن هو أساسها والمواطنة هى العنصر الحاسم فى رسم العلاقات بين الدولة ومواطنيها وبين المواطن وأى مواطن آخر.

ما وقع فى مصر خلال الأيام الأخيرة هو نموذج لهذه الإدارة العابثة والتى لن تؤدى إلا إلى الانهيار، ولغة الخطاب المستخدمة من مختلف مستويات المسؤولين إضافة إلى القرارات المتخذة تؤكد هذا المعنى. أيضا كان الأسلوب المفاجئ لجهاز الشرطة فى التعامل مع الوضع المتفجر داخل الكاتدرائية أثناء تشييع الجنازة مثيرا للتساؤل، فالشرطة التى نجحت باقتدار يشهد لها به فى الذود عن مقار الجماعة والمقر الرئيسى فى المقطم هى ذات الشرطة التى فشلت فى الدفاع عن حرم مشيخة الأزهر، وهى أيضا ذات الشرطة التى فشلت فى تأمين الكاتدرائية فى وقت مشحون، بل قررت أن تساهم فى إشعال الموقف بقنابل الغاز المستوردة حديثا!! هذا الموقف هو فقط جدير بالتوقف أمامه وتقديم تفسير مقنع للمصريين أصحاب هذا الوطن.

وفى سلوك يفتقد أولويات الحس السياسى يخرج مساعد الرئيس فى بيان له حرص أن يكون باللغة الإنجليزية ليخاطب به الرأى العام الدولى الذى بدأ يدرك حجم الخطأ الذى وقعت فيه قياداته بتبنى مشروع تمكين جماعات الإسلام السياسى من الحكم فى المنطقة، اتهم السيد المساعد بعض المشيعين الغاضبين من المسيحيين بالاعتداء على المارة وعلى السيارات فى شارع رمسيس مما أدى إلى قيام بعض الناس بجوار الكاتدرائية بإلقاء الطوب وإطلاق النار مما أدى إلى مزيد من التصعيد وتبادل إطلاق النار، مؤكدا – مساعد رئيس كل المصريين- أن كاميرات المراقبة أثبتت وجود أشخاص يحملون أسلحة ومولوتوف على سطح الكاتدرائية وأيضا خارجها وداخلها مما دعا الشرطة إلى التدخل لتفريق المتجمهرين باستخدام قنابل الغاز. وكالعادة كما فى كل الأحداث السابقة ليس هناك من يوجه إليه اللوم والمسؤولية من «الأطهار» أعضاء الجماعة والمتحالفين معها، المجرمون هم كل من لا ينتمى إلى الجماعة وتوابعها، ولا يهم هنا إن كانوا مسلمين أو أقباطا.

أظن أن ما يحدث هو تأكيد على أن الدولة المصرية قد تحركت كثيرا إلى الخلف فى مفهوم المواطنة كما حدث ويحدث فى الكثير من المجالات الأخرى، ومفهوم المواطنة لن يتحقق بالكلام المعسول الفارغ الذى ينطق به مسؤولو الجماعة وأتباعهم من مساواة بين المواطنين أمام القانون وغيره مما يشبه هذا الكلام، ولكنه يتحقق فقط عندما يكون الوطن لكل أصحابه، وعندما تكون الدولة هى دولة كل المواطنين وليست دولة لجماعة تحمل فى يدها صكوك المواطنة تمنحها لمن ترضى عنهم وتمنعها بالممارسة عمن يختلف معها فى الدين أو السياسة. دولة مواطنين لا دولة جماعة حتى لو اعتبروا أنفسهم هم فقط المؤمنين.

حماية الأزهر واجب وطني

52بقلم عبد اللطيف المناوي
لن أمل من التحذير بأن القادم من الأهداف من اجل إكمال مخطط الاستيلاء التام على الدولة المصرية هو التمكن من السيطرة على الأزهر، وهنا عندما أتحدث عن الأزهر فإنني أتحدث عن احد العناصر المهمة والأساسية الضامنة أوسطية ومدنية الدولة، نعم مدنية الدولة، فاللهم الصحيح لمفهوم مدنية الدولة المصرية لا يستبعد المؤسسة الدينية الأهم التي تشكل جزءا مهما من كيان الدولة عبر التاريخ، الأمر ذاته ينطبق على وضع الكنيسة المصرية ومكانتها، لكن هذا يكون دائماً بشرط مهم وحاسم هو ان يظل الأزهر كيانا مستقلا عن الميول السياسية ومحاولات السيطرة والتحكم، وهذا للأسف ما يحدث منذ شهور عندما قرر الحكام الجدد ان يسيطروا على الأزهر بأي شكل من الأشكال والعقبة الرئيسية التي تواجههم هم أولئك العلماء المخلصين لمؤسستها والمدربين لقيمتها ودورها ومكانتها ويفهمونها ان تقزيم الأزهر يكون بالسماح لجماعة ان تسيطر عليه كجزء من مخطط لا يهم إلا الجماعة ذاتها، وتتحول المؤسسة الشامخة منارة الإسلام في العالم واحد اهم مكونات الدولة المصرية إلى أداة سيطرة وتمكين من مفاصل الدولة. ويأتي على رأس هؤلاء العلماء فضيلة الإمام الكبر دكتور أحمد الطيب.
لم يلق خبر تولي شخصية عامة منصبا من الترحيب كما لقي نبأ تعيين دكتور أحمد الطيب شيخا للأزهر وقت إعلانه، رغم بعض الأصوات الصادرة وقتها من بعض الاتجاهات السياسية والتي انتقدت قرار توليه الإمامة الكبرى ، إلا أن هذه الأصوات اختفت وسط تيار الترحيب برجل يحمل من الصفات ما سمع الناس عنها ولمسها من اقترب منه ، والأمل في أن يعيد للازهر المكانة التي هي له بحكم التاريخ والمكانة والأثر في العالم .
شخصيا كنت من أشد المتحمسين للشيخ الطيب منذ أن كان مفتيا للديار المصرية ، كنت قد التقيته ذلك الوقت بمكتبه بدار الإفتاء ، واكتشفت ملامح شخصية المصري الحقيقي في د. الطيب ، ليس فقط ملامح  ” الطيبة ” على وجهه والتي هي تأكيد على أن لكل من اسمه نصيب ، ولكن أيضا لما امتلك من أركان تكوين لشخصية ضاربة في جذور مصر بثقافتها ، وتاريخها ، وتسامحها وتعددها ، لذلك ما كنت أتمناه عندما بدأ الحديث عن شيخ جديد للازهر ، أن تلقى المهمة على عاتق د. الطيب .
الدكتور أحمد الطيب شخصية متعددة الجوانب ، ويجمع بين صفات تبدو للوهلة الأولى متناقضة لكنها بشيء من الـتأمل تبدو متكاملة ، فهو يحمل صرامة الرجل الصعيدي القادم من الأقصر ، ويحمل استنارة وليونة الرجل المتحضر ، ولديه زهد المتصوفين الذين ينتمي إليهم .
بسيط من أسرة بسيطة ، لكنها متميزة من الناحية العلمية والاجتماعية لا من الناحية المادية ، فأجداده جميعهم تقريبا من العلماء، ويقول أنه اكتسب صفاته من جده الأكبر العالم الجليل الذي توفي عام 1956 عن عمر يناهز مئة عام ، وبلدته التي ينتمي إليها وهي القرنة بمحافظة الأقصر بجنوب مصر ، لا هي قرية ولا هي مدينة ، ولا هي خليط بين الاثنين لكنها تجمع كل تاريخ وحضارات مصر المتعاقبة منذ الفراعنة
إذن د. الطيب هو ابن الحضارة المصرية الضاربة في جذور التاريخ ، وهو ابن الثقافة المصرية الوسطية ، ووثيق الصلة بالصوفية التي بدأت من مصر ، وجذوره الفكرية هي الأصول الفكرية الصحيحة  للإسلام
المحاولات المستمرة للسيطرة على الأزهر تستهدف كخطوة أساسية الإطاحة بشيخه الذي هو حائط الصد الرئيسي ضد تقزيم الأزهر بإدخاله وإخضاعه لمخطط “الأخونة” لذلك لا تفوت فرصة ولا بأس من خلق الفرص أحيانا لمحاولة اقتلاعه من مكانه كخطوة أساسية في طريق السيطرة، وفي هذا الإطار أتت حادثة تسمم طلاب المدينة الجامعية لجامعة الأزهر كفرصة ساقتها الظروف -أو صنعتها- قام من قام باستغلالها من اجل المطالبة بإستقالة شيخ الأزهر، وهم هنا يتحدثون عن المسؤولية السياسية، وهي ذات المسؤولية التي نتساءل عنها في أحداث استشهاد جنودنا في سيناء التي لا نعلم عنها شيئا حتى الآن وهم يعلمون، أو أحداث الاتحادية التي راح ضحيتها من راح أو ضحايا بورسعيد وغيرها من الأحداث والضحايا التي لو صح الحديث عن المسؤولية السياسية لتحملها كل أركان النظام القائم وعلى رأسه رئيسهم.
الحوار الذي أظن ان هذا وقته هو الحوار حول تأكيد مكانة الأزهر وشيخه في المؤسسة المصرية ، أعيد مرة اخرى ” المؤسسة المصرية ” بمفهوم التكوين المصري كله وليس السياسي أو الحزبي الضيق، وتأكيد هذه المكانة يبدأ بالدفاع عن المؤسسة والقلعة المهمة في حياة المسلمين ومكونات الدولة المصرية، وأولى الخطوات هو عدم السماح بدفع المؤسسة الى منطقة الغنائم التي يرغبون في الاستيلاء عليها، ثم الدفاع عن استمرار شيخ الازهر كاحد العناصر الاساسية في الدفاع عن الازهر ككيان مستقل من اجل كل المصريين.
أظن  ـ ويظن معي كثيرون ـ أن أولى خطوات تأكيد استعادة مكانة شيخ الأزهر هو التأكيد على أسلوب التعامل معه في مؤسسات الدولة بإكمال محددات هذه المكانة في قواعد التعامل وبروتوكولات الدولة ، فشيخ الأزهر يستقبل في المشيخة المسئولين ، ويتعامل باعتباره ممثلا للأزهر بما يعني هذا الاسم من مكانة ودلالة .
المسألة أكبر بكثير من مجرد الدفاع عن شخص بل هي دفاع عن قيمة، وحماية لمستقبل هذا الوطن الذي يغيرون ملامحه يوما بعد يوم، ولم تتبقى إلا بعض الأصوات القليلة والمؤسسات القليلة تحاول حماية ملامح الدولة المصرية التي عرفناها وحلمنا بتحسينها وتطويرها كوطن لكل المصريين، ويظل من بين أهم هذه المؤسسات القابضة على الجمر مؤسسة الأزهر، لذلك اخترت عنوان المقال ليعبر عن هذا المعنى “حماية الأزهر” واجب وطني.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

ليست إمارة.. ولن تكون جزءاً من مشروع

DSC_8195عبد اللطيف المناوي

كان أحد الأخطاء القاتلة التى وقع فيها النظام السابق عدم التقدير الصحيح لرد فعل الرأى العام وقدرته على التعبير عن غضبه بفعل قادر على التأثير فى رسوخ النظام وقوته، وأحياناً وصل عدم التقدير الصحيح إلى حد الاستهانة بالناس والاستخفاف بهم والتعامل معهم، وفقاً لمعادلات وحسابات صماء، سقط منها العنصر البشرى القادر على قلب أى معادلة رأساً على عقب. عندما تعامل من أدار شؤون المصريين باعتبارهم معادلات رياضية وإحصائيات كانت النتائج الحقيقية لا تمت بصلة لنتائج أجهزة الكمبيوتر المحمولة أو أجهزة الآى- باد، وسقط النظام أو لم يستطع أن يجد دعماً من ناسه لمقاومة مخطط إسقاطه.

أنا اليوم لا أتحدث عن النظام السابق، ولكن ما دفعنى لذلك هو النظام الحاكم الحالى، فقد تخطى الحدود التى وقع فيها من سبقه، وتجاوز كل المقبول، فإذا كان السابق مخطئ فى الحسابات، فإن الحالى لم يحسب من الأساس، وتعامل بأكبر قدر من اللامبالاة والاستهانة بكل من عداهم، ذلك الإحساس المتضخم بالقوة والجبروت والرغبة فى الانتقام هو كتاب سلوك الجماعة الحاكمة الذى يتبعونه فى ممارسة الحكم فينا، ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن قيادتهم السابقة شكلاً والمؤثرة حقيقة أكد من خلال تصريحاته الجديدة مواقفه ومواقف جماعته القديمة المتجددة، وأثبت أنها لم تكن زلة لسان عندما قال سابقاً «طظ فى مصر» فهذه الرؤية لمصر يبدو أنها راسخة فى أدبيات الجماعة تبدو فى لحظات الحقيقة مهما حاولوا إخفاءها بمعسول الكلام والخير الذى يحملونه. وقد أتت التصريحات المنسوبة للقيادة السابقة لتؤكد هذا المعنى بين معانٍ أخرى أظهرت معدنهم الحقيقى، وذلك عندما أنكر تصريحاته متهماً الصحفى والصحيفة بالكذب، فكذبته الصحيفة والصحفى بالتسجيل الصوتى لحواره، بل زادته من الشعر بيتاً عندما نشرت أجزاء رأوا حذفها لاستشعارهم أنها حادة ومتجاوزة.

ولتأكيد أو شرح ما أقصد بالمقارنة دعونا نستحضر بعضاً مما قالته القيادة السابقة، صاحب النفوذ الكبير داخل الجماعة.

المفاجأة الكبيرة التى بشرنا بها فى البداية بتأكيده أن مشروع «النهضة»، المعلن كبرنامج انتخابى للرئيس المصرى محمد مرسى، لا يمكن تنفيذه دون «أخونة» أجهزة الدولة، مؤكدًا أن الرئيس، ورغم عدم تعاون بعض مؤسسات الدولة، ومواجهته هجمة إعلامية وقضائية شرسة- باقٍ فى منصبه رغم أنف الحاقدين.

يقول «عاكف»، فى حواره، إن المطالبة بعزل النائب العام «عيب»، وقال:« وعندما تم حل مجلس الشعب الذى تم انتخابه عبر 32 مليون مواطن، فذلك دليل على أن القضاء مريض»، وأضاف:« كل القضاة خايفين لما ييجى مجلس النواب هيصدر قرار بعزل 3500 مستشار وقاضٍ». أذكر هنا أن اللجنة القانونية للحزب الحاكم تعد مشروع قانون للسلطة القضائية، يتضمن خفض سن تقاعد القضاة، ما سيؤدى إلى خروج عدد كبير منهم، ويؤكد صدق تصريحات عاكف لـ«الجريدة»، التى قال فيها: «فيه 3500 قاضى هيتفوروا قريب».

قال «عاكف» إن الولايات المتحدة قدمت، عبر وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة هيلارى كلينتون، 10 ملايين دولار للمصريين، لكى يصوتوا على الدستور الأخير بـ«لا»، لكن المصريين رغم ذلك صوتوا بـ«نعم».

وذكر المرشد السابق، رداً على سؤال بشأن الإعلامى باسم يوسف، المتهم من قبل النيابة العامة بازدراء الإسلام وإهانة الرئيس:« باسم ده عابث، اتفرجت عليه مرة واحدة، عابث، وطوِّل لسانه على أسياده». وعن الاتهامات الموجهة إلى المرشد العام الحالى الدكتور محمد بديع، بأنه هو الذى يحكم مصر، قال «عاكف»:« هو المرشد فاضى لك، الإخوان فى 80 دولة، ومرسى مش مالى عينكم؟». حيث يقول إن المرشد منشغل بالشؤون الأهم للتنظيم العالمى، حيث إن مكتب الإرشاد هو جزء صغير من التنظيم ووصف محمد مرسى بأنه «حاكم» مصر، لكنه يحدد رؤيته لمصر التى هى« أصغر» من تنظيمهم الدولى، هل هى إمارة، أم ضاحية، أم شارع، أم حارة؟!

وهنا تحضرنى تصريحات سابقة لذات القيادة، عندما كان يتحدث عن الحدود مع السودان قال فيها: «إن الإخوان المسلمين لا يعتبرون أن هناك مشكلة بين حدود الأقطار الإسلامية والعربية التى فرضها الاستعمار فى وقت كان فيه العرب والمسلمون فى غفلة»، مؤكدا أن هذا المبدأ راسخ وأصيل فى جماعة الإخوان المسلمين، موضحاً أنه لا يجوز للأشقاء بحال من الأحوال أن يتصارعوا على أمتار هنا وهناك. وقال:« إن مشكلة مصر والسودان حول مثلث حلايب وشلاتين مفتعلة، وقصدها التشويش وإثارة البغض بين الأشقاء».

وتابع:« إن الجانب السودانى يؤمن نفسه من الجانب الإثيوبى والإريترى من ناحية الحدود، للوقوف فى وجه هذا العابث المتمرد الذى تصله المعونات من كل البلاد، وللأسف تأتى من معظم البلاد العربية، لكى يشغلوا السودان ويسحب جيشه إلى الشمال، وبالتالى الشعب السودانى لا يريد أن يجعل هذه المشكلة تثير حرباً بين القطبين الشقيقين، فهم من أخلص الناس حبا لمصر ولشعب مصر».

واختتم قائلاً:« سواء كانت حلايب وشلاتين موجودة بالأراضى السودانية أو المصرية، فلا أرى بها أى مشكلة حسب معرفتى بالأطراف المختلفة، والمستقبل هو مستقبل الأمة الواحدة التى يجمعها الدين واللغة، ويجرى بها شريان هذا النيل».

الأمر الأكيد أن هذا التوجه وهذا الأسلوب لا يقف وحده فيها، ولكنها باتت أسلوباً استفزازياً استعلائياً يتنافس فيه المتنافسون من أعضاء الجماعة إلى الحد الذى يدفعنا للنظر إلى أخطاء الماضى والتى تبدو ضئيلة أمام ما يفعل هؤلاء.

نؤمن بأن مصر دولة ووطن وحضارة، ولن تكون يوما جزءاً من دولتكم الأكبر، ولن يسمح لكم شعبها بتقزيمها، ولن تكون إمارة يحكمها حاكم.