وحدة الأيادى لمواجهة قطع الأصابع

images1عبد اللطيف المناوي

ليست هذه المرة الأولى التى يفقد فيها مرسى أعصابه ويلقى بالتهديدات يميناً ويساراً، ثم يأتى بعدها من يحاول أن يخفف من الأثر السلبى لهذه التهديدات وكأنه يقول: «مش قصده، ما تخدوش على كلامه». وآخر هذه المرات هى تهديدات قطع الأصابع التى «تلعب» فى البلد. لكن تهديدات هذه المرة بدت أكثر حدة، والغضب حمل زَبَدا (بفتح الزاى والباء) أكثر من كل مرة، وتزامنت معها تسريبات عن نواياه لغلق قنوات ومطاردة سياسيين وإعلاميين، وقد فسر كثيرون هذه الغضبة المضرية كانعكاس لغضبة قادته فى الجماعة بعدما تعرضوا لرسائل واضحة من خلال تصريحات ولقاءات وتصرفات ومواقف، بعضها تجاوز إلى حد العنف – الذى كان للجماعة فضل الريادة فيه – هذه الرسائل جميعها حملت معنى الرفض لهم ونفاد الصبر.

كان ذلك سبباً فيما يبدو لغضب كبير استشعره أو تلقاه مرسى، فكان التهديد بقطع الأصابع.. لكن النقطة الجديرة بالملاحظة هنا هى أن المصريين لم يعودوا يأخذون كلامه على محمل الجد، فجميعنا يتذكر عندما خرج يهدد ويفرض حالة الطوارئ، وبعد يومين من إعلانه الأحكام العرفية وحظر التجول فى محافظات قناة السويس الثلاث ونزول الجيش لحفظ الأمن وحماية المنشآت، تبادل نشطاء مواقع التواصل الاجتماعى فيديو يصور مباراة كرة قدم أقيمت وقت ساعات الحظر بين عدد من رجال الجيش وبعض المواطنين من بين أهل بورسعيد الذين تحدوا مرسى واخترقوا قرار حظر التجول باستهزاء شديد هم وأهالى المحافظات الأخرى. مرسى الذى لم يخاطب المصريين إلا بعد ثلاثة أيام وقتها من انطلاق العنف فى العديد من محافظات مصر ومقتل أكثر من خمسين وإصابة أكثر من ألف، فاجأهم فى كلمته القصيرة بعبوسه وتهديده باتخاذ إجراءات أكثر مما اتخذ لو احتاج الأمر، لم يتحدث عن حل سياسى، ولم يعترف بخطأ أو تقصير، ولم يوجه انتقادات إلا إلى المعارضة و«المخربين»، ونسى جماعته «الإخوان المسلمين» وحلفاءه من الإسلاميين. هذا الكلام يصلح لوصف الحالة وقتها، ويصلح أيضاً لوصف الحالة الحالية وكل الحالات المقبلة.

عمليات المطاردة والإرهاب والترويع لكل من تسول له نفسه إعلان معارضته أو رفضه سلوك الجماعة وسياستها التى تتبعها فى تكبيل مصر من خلال تابعيها فى مختلف أركان الدولة من قصر الاتحادية حتى القابعين فى مقاعد التشريع، مصير أى من هؤلاء المعارضين هو التعرض لكل أشكال الإرهاب التى يستخدمون فيها ما ملكت أيمانهم من مؤسسات الدولة.

رغم أن رسالتى تنصب بالأساس على الزملاء الإعلاميين فإننى أعتقد أن دعوتى هى مطلب عام، ينبغى أن يتجاوز إلى القوى السياسية والاجتماعية المختلفة، وأيضاً إلى الشخصيات العامة والسياسيين الفاعلين ورجال الأعمال الذين يؤمنون بأهمية العمل الجاد للحفاظ على مصر التى نريدها.. التجاوز عن الخلافات والترفع عن المشكلات الصغيرة ومحاولة لمّ الصف هى أولى خطوات الإنقاذ.

الحالة المزاجية السائدة الآن بين المصريين هى حالة من الإحباط والحزن الشديد على ما آلت إليه الأوضاع فى بلدهم، يستوى فى هذا الغنى والفقير، مَن يسير فى شوارع مصر يستطيع أن يلمح بسهولة هذه الحالة الحزينة الممزوجة بالغضب والسخط، ولعل هذه الحالة هى السبب فى انطلاق أعمال عنف بين بعض الشباب الذين شعروا باللا جدوى من القيادات السياسية الموجودة حالياً، سواء من الحكومة المسيطرة أو من قيادات المعارضة الذين تجاوزهم الشارع وأصابه اليأس من قدرة هذه القيادات على تحقيق ما يأمل فيه، واعتقاده بانشغالهم بتحقيق مكاسب سياسية شخصية هو الدافع لهذه الحركة غير المنضبطة للمتظاهرين الذين انتشروا فى العديد من المدن المصرية، وأشك كثيراً فى وجود قيادة سياسية – سواء من جماعة الحكم أو المعارضة – قادرة على توجيه هذه الجماهير أو دفعها أو إيقافها، وهذه الحالة من السيولة وعدم الانتظام تجعل الوضع أشبه بسطح بركانى يبدو نشطاً، وهذا النشاط يمكن أن يؤدى إلى الانفجار أو قد يهدأ بعض الوقت، لكن الأكيد أن البركان لم يخمد بعد.

Advertisements

سؤال لم يجد الإجابة

عبد اللطيف المناويIssue 10part12

وأنا في طريقي من لندن الى القاهرة في مساء الثاني من أبريل عام ٢٠١١، خططت بعد السطور على أوراق كانت في يدي، كان العنوان الذي اخترته لما كتبت عبارة عن سؤال “ماذا بعد؟”.

“أكتب الآن وأنا في الطائرة، أقلعت منذ حوالي الساعتين، تركت أرض الوطن الى سماء مجهولة، مع تساؤلات عن مستقبل غير معلوم. غير معلوم لا بالنسبة للوطن الذي عشقته منذ عرفت معنى كلمة وطن.
كانت مسؤولية حملتها ولم يساورني في لحظة أي إحساس بالتعب أو الرغبة في التحلل مما حملته على كاهلي، أكثر من سبعين يوما حملت فيها المسؤولية، ورغم كل شيء لو عاد الزمن وملكت الاختيار فإنني سوف أختار مرة أخرى ما اخترت سابقا، لأن الدافع كان دائما حب هذا الوطن مهما كانت قسوة الثمن”.
كنت أظن أن الاجابة عن السؤال “ماذا بعد” وقتها، يمكن أن تكون صعبة ولكني لم أتوقع ان تكون بهذا القدر من التعقيد والغموض، التعقيد في الحالة المصرية التي وصلت إلى مرحلة يصعب معها تخيل تصور حل واضح الملامح معها، والغموض حول مستقبل هذا الوطن الذي عصفت به الأهواء والاتجاهات، وحالة الضعف الشديدة في البنية السياسية والاجتماعية لمصر، وذلك الاكتشاف المذهل لجوانب جديدة كانت خافية في الشخصية المصرية يبدو أنها نتاج لحالة التجريف التي تعرضت لها القيم والمفاهيم طوال ستة عقود منذ بدأت المرحلة الجديدة من تاريخ مصر مع ثورة يوليو ١٩٥٢، فكان مفاجئا ذلك العنف الذي ظهر بين قطاعات ملموسة من المصريين، وتلك الرغبة في الانتقام والتشفي وغياب القدرة على التعامل بنبل.
هذا الذي ظهر بشكل واضح بين قطاعات ملموسة من المصريين يتناقض كليا مع كل ما عرفناه وتوقعناه وآمنا بوجوده كأحد المكونات الرئيسية لهذا الشعب العريق، وهذا موضوع آخر أظن أنه ينبغي أن يكون محل دراسة حقيقية جادة ممن مازال يؤمن بهذا الوطن.
وأعود الى السؤال: وماذا بعد؟ ورغما عني تقفز إلى ذهني صورة مصر منذ خمسة وأربعين قرنا كما وصفها ايبور في برديته بعد أول انتفاضة في تاريخ الانسانية قام بها المصريون، وذلك عندما عاشت مصر بعدها فترة تراوحت ما بين المائتين والثلاثمائة عاما اصطلح علماء المصريات على تسميتها بعصر الانحطاط وهي الفترة ما بين نهاية الدولة القديمة وحلول الدولة الوسطى.
وتسهب البرديات القديمة في وصف الشقاء الذي حاق بالمصريين جراء انفكاك الأمر في دولتهم المركزية، ففضلا عن البدو الذين حكموا الدلتا وصاروا سادة فيها واستعبدوا المصريين، احتل البدو الليبيون مصر الوسطى وأسسوا مملكة فيها ما بين أقاليم الشمال الخاضعة لبدو الشرق وأقاليم الجنوب التابعة لحكام طيبة المصريون. وانهارت منظومة القيم والأديان وعمت فوضى أخلاقية هي دائما مصاحبة للتردي الاقتصادي، و تسمى كل من استطاع باسم فرعون. وقد حكم البلاد محتلون أجانب بدو قادمين من الشرق، وذكر المؤرخ مانيتون و هو يكتب مؤرخا لهذا العصر أن الأسرة السابعة تكونت من سبعين ملكا حكموا سبعين يوما.
هذه صورة مصر بعد انتفاضتها الاولى، وأخشى ما أخشاه أن تمر مصر بعد انتفاضتها الثانية الى مرحلة مشابهة بمعايير الحاضر، ذلك بسبب تلك الحالة من الفوضى التي دخلتها البلاد بعد انهيار نظام مبارك وزادت بعد وصول الإخوان ومحاولة سيطرتهم على الحكم، ولم يدرك – او يدرك بعضهم- أن هناك فارق بين انهيار نظام وهدم اسس الدولة، وهذا هو ما تشهده مصر، إضافة إلى أن ما حدث في مصر كان تغييرا للهارد وير وظل السوفت وير كما هو، وذلك بلغة الكومبيوتر.
ماذا بعد؟ يظل السؤال يقفز بحثا عن اجابة، وتظل الاجابات عصية، عصية في الوصول اليها، وعصية على التنفيذ اذا ما وصلنا الى بعضها، لكن ما أعتقده حلا او بداية لطريق الحل هو أن نعيد قراءة التاريخ، وننظر إلى ما مر بمصر من قبل، ونقرر ألا نمر بعصر انحطاط آخر، وهذا يكون عندما يكون مفهوم التوحد هو القناعة في مواجهة التشتيت الذي يفرض بين أبناء مصر المسلمين والمسيحيين والنوبيين والصعايدة والفلاحين والبدو والاسلاميين والسلفيين والعلمانيين، عناصر التفرق حاضرة، ولن يوقفها إلا قرار التوحد بإيمان وصدق.
ماذا بعد؟ الشعب المصري وحده يملك الإجابة.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

من أجل مصلحة الجماعة وحفنة دولارات

293641271eyy4ae02 بقلم   عبداللطيف المناوى

غضب منى من غضب عندما أكدت ما أؤمن به من مبدأ أنه يجوع القضاة ولا يأكلون ببيع مبادئهم، واليوم لا أعلم من سيغضب عندما أقول تجوع الأمم ولا تأكل من بيع قيمتها ومبادئها. واليوم نحن فى مصر نقع تحت حكم من يضيع لمصر قيمتها بين الشعوب التى ظلت تنظر لمصر دوماً باعتبارها الملجأ عندما تسود الدنيا فى وجوههم، وتغلق أمامهم أبواب الأمل، فيجدون مصر تفتح لهم ذراعيها ليجد المضطر لنفسه مكاناً آمناً بين أبناء مصر. أذكر دائماً عندما كنت أمازح زميلى السابق فى عملى فى لندن، وكان يحمل الجنسية البريطانية، لكنه من أصل عربى قائلاً له: «مهما فعلت فإن مصيرك لاجئ سياسى عندنا فى مصر». لا أظن أننى أستطيع أن أستمر الآن فى هذه المزحة بعد أن بدأ من يدير البلاد التفريط فى قيم مصر وقيمتها.

ظلت مصر، تاريخياً، ملجأ من لا ملجأ له، وكان أول اللاجئين إليها السيد المسيح، يمكن أن تعد أولى رحلات اللجوء السياسى تاريخياً هى نزوح السيد المسيح والسيدة مريم العذراء إلى مصر هروباً من الرومان، وكما نرى كانت مصر هى الملجأ.

بدأ الحكام الجدد فى مصر وليبيا تنفيذ اتفاقهم على تسليم ليبيين إلى طرابلس فى صفقة تسىء لمصر وتاريخها فى مجال حماية حق اللجوء وحماية اللاجئين إليها، وكان ما كان منذ يومين، عندما اقتحمت قوات الأمن منزل أحمد قذاف الدم وألقت القبض عليه فى أسلوب صادم ومفاجئ ويتناقض مع المنطق والقيم.

وكانت أنباء قد تسربت، منذ أسابيع، عن أن حكام مصر الجدد قد اتفقوا مع حكام ليبيا الجدد على تسليم عدد من الليبيين المقيمين فى مصر- نحو ١٨٠٠ ليبى ممن عملوا مع الرئيس الراحل معمر القذافى- وعلى رأسهم أحمد قذاف الدم، الذى كان منسقاً للعلاقات المصرية- الليبية، ولعب دوراً مهماً فى تقوية العلاقة بين البلدين على المستويين الرسمى والشعبى فى الفترة السابقة وأحد الذين شاركوا فى حرب أكتوبر١٩٧٣ ضمن القوات الليبية. والمقيم فى مصر بعد انطلاق الأحداث هناك بناء على دعوة من وزير الخارجية وقتها أحمد أبوالغيط.

هذه الصفقة المشبوهة نظير ثلاثة مليارات دولار وفرص عمل فى ليبيا، وكشف أحد المراكز البحثية فى واشنطن عن وجود صفقة بين جماعة الإخوان المسلمين فى مصر وبين السلطات الليبية، تسلم مصر بموجبها رجال القذافى مقابل الحصول على استثمارات نفطية بالمحافظات الشرقية فى ليبيا. وكنت قد علمت منذ حوالى أربعة أشهر عن مفاوضات تمت بهذا المعنى، وبدأ «المزاد» وقتها بخمسمائة مليون دولار. لم أتوقع وقتها أن تصل درجة الجهل بقيمة مصر والاستهانة بها ممن تصادف أن جلس فى مواقع قيادتها إلى هذا المستوى.

لا أعلم كم سيقف اليوم ليقول قولة حق فى حق أحمد قذاف الدم، الذى يحمل الجنسية الليبية، لكنه مصرى الانتماء والمواقف، ليس لأن أمه مصرية، لكن كان ذلك اختياراً حراً وصادقاً له، ولم يكن ذلك أثناء وقت مبارك فقط، لكنه منذ حكم السادات، فقد كان وقتها، وحتى النهاية، عنصر تأمين العلاقة مع مصر، وعامل التهدئة فى أوقات توترها- وهى أوقات كثيرة- وكان حرصه على مصالح المصريين البسطاء فى ليبيا يتجاوز، أحيانا كثيرة، حرص بعض المسؤولين المصريين. ولن أتحدث هنا عن مواقف بعينها إنسانية أو سياسية، ولن أطيل فى معاناته الداخلية مع نظامه وقتها عندما كان يعاقبه ويعاديه البعض بسبب مواقفه المصرية. لذلك كان مخزياً ومحزناً ما حدث معه، خاصة إذا ما أضفت أن تطمينات قوية كان قد تلقاها حتى أيام قليلة من الحكام المصريين الجدد بأنهم لن يفعلوا معه ما فعلوا بعد ذلك. وقد يكون خطأه هو خطأ كل من وثق فى وعودهم.

ما أستطيع توقعه أن كل الأجهزة المصرية المسؤولة ترفض التسليم، وأن رأيها الرسمى دوافعه وطنية بشكل مجرد، والرأى هو أن تسليمهم إساءة لمصر وفعل غير مسبوق فى تاريخها القديم والحديث، وأنهم يضمنون ألا يمارسوا أى نشاط سياسى، وإذا تمت محاكمة عادلة لهم فى ليبيا ساعتها يمكن عرض الأمر على الجهات القضائية المصرية، ويتم التصرف وفقاً للقواعد القانونية والدستورية التى تقرها السلطة القضائية المصرية. لكن ما رأيناه مرة أخرى هو الضرب عرض الحائط بآراء من ينظرون للمصلحة القومية المصرية.

لن أتحدث هنا عن الاتفاقيات الدولية التى تحظر تسليم اللاجئين، لكن يكفى أن أشير إلى الجانب اللاأخلاقى والإساءة إلى قيمة مصر وقدرها الذى كسبته فى تاريخ الإنسانية، والذى يتعرض للضياع على أيدى من لا يدرك ويفهم هذه القيمة من أجل هدف جماعة وحفنة دولارات.

الصوت الذي لا يضيع

articleعبد اللطيف المناوي

الحرية المطلقة والارتباط الأبدي هو مزيج صعب الاعتقاد في وجوده، بل ان التناقض بينهما هو الأقرب للمنطق، ولكن لأنها لم تكن تتعامل بحسابات أو منطق مسبق لا أعلم كيف خلقت هذه الرابطة العميقة بين ما يبدو متناقضين، هذا ما فعلته معي أمي التي عندما غابت عن حياتي بجسدها وصفت العلاقة بيني وبينها بالحبل السري الذي يقول العلم أنه ينقطع بعدما يخرج الوليد إلى النور، لكنني اكتشفت أنه ينقطع ماديا لكنه يظل موصولا إلى الأبد، أو هكذا شعرت وما زلت أشعر. تعلمت منذ الصغر حرية الاختيار، شارك في هذا التعليم كلاهما، أمي ووالدي. كنت أختار وأنا أعلم أن هناك مؤيد للاختيار دون شروط، شعرت دوما بالحرية المطلقة، ولكني كنت دوما مرتبطا ملتزما بها، وبهما، ارتباط لا تؤثر فيه المسافات أو طبيعة الاختيارات. دائماً ما أتذكر عندما حطمت حلميهما في أن يكون لديهم إبن طبيب، وكان اصراري على أن أختار الصحافة والاهتمام بالسياسة والشأن العام طريقا ومهنة واختيار. صدمهم اختياري في البداية ولكنهما تفهما اختياري وتعايشا معه ورضيا به.

أتذكر الآن حالة القلق الشديدة التي كانت تنتاب أمي عندما تسمع أو تقرأ عن أحداث أو مظاهرات في الجامعة، وهي التي تعلم انشغالي بالسياسة واندفاعي فيها، فاستيقظ اليوم التالي لأجد أبي قادما من دمياط، حيث نشأت، إلى المدينة الجامعية بالقاهرة منتظرا حتى استيقظ من النوم ليطمئن أنني بخير. “أمك يا سيدي لم تنام، الحل الوحيد هو أن آتي لأطمئن عليك وأطمئنها” هكذا كان يقول، لم يطلب مني أحدهما أن أتخلى عن اهتمامي بالسياسة أو الشأن العام رغم الإزعاج والقلق الذي عاشوا فيه دائماً.  كانت دائماً تدعو لي الله بأن “يبعد عنك أولاد الحرام” و”أن يحبب فيك خلقه” و”ما يوليش عليك ظالم”

تدور الأيام وأواجه فيها ما أواجه وأنا اسمع صوتها بدعائها الذي لم ينقطع أو يغيب عن أذني. أمر بمواجهات وصعاب وأزمات وأجد أن عنصر قوتي الكبير هو ذلك الصوت القوي الآتي من مكان لا أعلمه، صوتها وهي تكرر الدعاء بلا توقف وبنبرة لا أملك معها إلا الشعور بالحماية والاطمئنان.

آمنت باختيارتي حتى لو لم تدركها، شجعت الفريق الذي اخترته لأشجعه حتى لو كنت الوحيد بين إخوتي الذي يشجع هذا الفريق، تابعت الأخبار والسياسة لأنني احبها، كانت تنتظر عندما أعود لزيارتها وقد أعدت في ذهنها عددا من الموضوعات لتناقشني فيها، أدركت في معظم الأحيان أنها كانت فقط ترغب في تجذب اهتمامي لتسمعني أتناقش معها، لم يكن يهمها أي طرف على حق أو خطأ، لكنها فقط كانت تريدني سعيدا مرتاحا لما أختار “المهم سعادتك وراحة بالك” كانت من أكثر الجمل التي سمعتها منها في نهاية كل نقاش.

رغم هذه الحالة الفريدة من الإحساس بالحرية والانطلاق التي باتت جزءا أصيلا من تكويني لا يمكنني التنازل عنه، إلا أن الغريب أن هذه الحرية كانت ممزوجة بقدر غريب من الارتباط، كان شعورا جارفا لا ألاحظه كثيرا ولكني كنت أعيشه، بأن الأمور لا تكتمل دون أن تكون شريكة فيها ولو بالمعرفة، كنت أضبط نفسي متلبسا بهذا الشعور بالالتزام دون أن أدري. لم يمر يوم في حياتي دون أن أتصل بها، ولكني الآن حزين عندما أكتشف أنني أضعت فرصا كثيرة لأقضي معها ومعه وقتا أطول لكن شغلتني رغبتي في الاستمتاع بالخروج أو البقاء مع الأصدقاء وقتها. لم أفهم دائماً رغبة والدي -كان عيد ميلاده يوافق يوم عيد الأم- في أن يكون معي حتى اللحظة الأخيرة التي أغادر، لا يريد أن يضيع أي لحظة والسيارة أو الأتوبيس الذي اركبه يتحرك وهو يشير بيديه مودعا، لم أفهم قيمة هذه اللحظات إلا عندما بدأت أنا أودع أولادي.

لا أدري ان كان ما سأقول قسوة أم حب مبالغ فيه، لكن مع حزني الذي لا ينتهي لغيابهما إلا أن جانب مني يشكر الله على رحمته أن جنبهما أن يعيشا الأوقات الصعبة الأخيرة التي عشتها، فلم أكن أتحمل أن يواجها هذه الأوقات ولم يكونا ليتحملاها.

مهما دعوت لهما بالرحمة لن أكفيهما حقهما.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

البركان القادم لن يستأذن

بقلم   عبداللطيف المناوى

حالة من الإحباط العام تسود كل المصريين المدركين خطورة ما تمر به مصر، والإحساس بقلة الحيلة تجاه السياسة التى قررت الجماعة الحاكمة اتباعها، وهى سياسة التجاهل التام، اعتماداً على قوة الزمن السحرية فى جعل الناس تنسى واقعها أو تتكيف معه، والحقيقة أن هذا يحدث كثيراً، وما نعيشه الآن يؤكد ذلك، فقد نجحت الجماعة فى تمرير ما تريد من لجنة دستوريةعبد اللطيف المناوي وقانون انتخابات اعترض عليه معظم القوى السياسية ولم يعدله سوى حكم المحكمة الإدارية، الذى طعن عليه النظام بعد تأكيد احترامه حكم المحكمة، ولكنها عادة أصيلة فى نقض العهود والتراجع فى الالتزامات، والمسألة كلها تحل بصيام ثلاثة أيام، كما نسب من قبل لمن أقسم أمام المحكمة الدستورية، عندما تراجع عما أقسم عليه!!

 وقبل كل ذلك نجحت الجماعة فى خطف الوطن بقواه السياسية والاجتماعية منذ امتطت الساحة لتقود الأمور لمصلحتها منذ عصر الخامس والعشرين من يناير منذ عامين، وقتها قامت بعملية الخطف متزامنة مع عملية خداع للقوى السياسية والشبابية، التى كانت فاعلة وقتها، كل هذا تحت غطاء ودعم غربى لوضع نظام حكم المرحلة.

نجحت الجماعة فى خلق سحابة عامة من الاكتئاب الحاد واليأس القاتل بين كل المصريين المدركين لما يحدث، هناك من وضع لهم شعاراً يقول ما معناه إنهم أتوا بالخير لمصر، هل حقاً أتوا بالخير؟ أترك الإجابة لكل منكم ليجيب بنفسه من خلال ما يرى ويواجه. نجح الحكام الجدد لمصر فى أن يوحدوا بين المصريين بذلك الإحساس باللاجدوى واليأس فى ظل حكمهم، الذى تميز حتى الآن بلا مقدمات لتغيير بأكبر قدر من الفشل فى الإدارة شهدته مصر فى تاريخها المعلوم، ولا تقف المشكلة عند حدود الفشل، ولكن الأكثر إزعاجاً هو إنكارهم هذا الفشل والإصرار على البحث عن أسباب أخرى للفشل خارجهم، دائماً هناك الآخر الذى يخطط ويعمل من أجل إفشالهم وإفشال المشروع الإسلامى كما يدعون.

وكما قال رئيسهم مؤخراً أمام جزء من قواته التى يستخدمها ضد الناس دفاعاً عن جماعته إن العدو فى الخارج يتربص بالوطن وينتظر الفرصة لينقض علينا، والحقيقة أن أى عدو لن يتمكن من أن يضر بالوطن أكثر مما يضر هؤلاء الحكام من الجماعة ومن يمثلهم فى الرئاسة الآن.

المصريون باتوا يشكلون مستهلكة أساسياً لكل أنواع الأدوية التى تعالج الضغط والاكتئاب. أظن أن شركات الأدوية المنتجة لهذه الأدوية مدينة لحكام مصر اليوم بهذه القفزة الهائلة فى مبيعاتها. ويزيد من هذه الحالة ما يرونه من اللامبالاة التى يواجههم بها أولئك الحكام، بل إن تصريحاتهم لا تبشر بأى خير أو فهم لما يعانيه الشعب على أيديهم، وآخر هذه التصريحات ما نسب إلى مرسى عندما جعل شخصه مرادفاً للوطن كله، عندما قال إن الإساءة إلى الرئيس ليست إساءة إلى شخص ولكنها إساءة للوطن كله.

وهنا أعلى درجات الاستفزاز لمشاعر الناس، فلن يتم اختصار الوطن ليكون هو، وينبغى عليه أن يتوقف ويسأل نفسه: لماذا يواجه هذا السيل من الإساءة والسخرية؟ الأكيد أن السبب ليس أعداء الخارج ولا هم أعداء الداخل، لكن كما يقول أجدادنا إن الإنسان عدو نفسه، لذا ينبغى أن ينظر حوله وداخله قبل أن يلقى باللائمة على الآخرين، وفى كل الأحوال لا يملك الحق هو أو غيره فى أن يقزم حجم وقيمة الوطن لتكون مرادفاً لشخص، خاصة إذا كان هذا أسلوبه وأسلوب من أتوا به فى إدارة الدولة وإدارة الحوار مع الآخر.

نصيحة إلى من يراهنون على الزمن ألا يركبوا إلى ذلك كثيراً، حتى الاعتماد على الزمن يتطلب جهداً لإرضاء الناس ليقبلوا ما كتبه الله عليهم، ولكن إذا عجز من يدير البلاد عن أن يرضى الناس ولا يهتم إلا بأهله وعشيرته وحلفائه، فإن هذا الوضع لن ينجح فى أن يجعل الناس يرضون ويتعايشون مع هذا الواقع رغم عدم رضاهم عنه، وذلك بسبب غياب الحد الأدنى من الرضا عن أحوالهم، هذا الوضع هو أشبه بوضع بركان نشط، قد يبدو هادئاً أو حتى متحركاً نسبياً، يبدو السطح فى حالة من التأرجح بين الغليان والهدوء، قد يطلق بعض ألسنة اللهب هنا وهناك، لكنه لا ينفجر.

لكن الأكيد أنه سوف ينفجر يوماً ما، قد يكون هذا الانفجار فى خلال أسابيع أو أشهر أو حتى سنوات. لن يتنبأ أحد بموعد الانفجار، لكنه سوف يحدث، وعندها سوف يسقط رهان الزمن الذى تلعبه وتجيده الجماعة، ولن تنجح حالة اللامبالاة إلا فى تشجيع والإسراع بلحظة الانفجار. وساعتها سوف ندفع جميعاً الثمن.

البركان لا يستأذن قبل أن ينفجر، وليست له مقدمات، ولكنه حالة بركانية نحن نعيشها بامتياز، والفضل للحكام الجدد بسياساتهم الإقصائية الاستحواذية، والفشل الكبير غير المسبوق فى الإدارة المصحوبة بحالة الإنكار الدائمة والممزوجة بثقة كبيرة فى الذات بلا مبرر، ويساعدهم فى ذلك أدواتهم وصنائعهم فى مختلف مناحى الدولة، خاصة مؤسسة الحكم فى البلاد. مرة أخرى البركان لن يفرق عندما ينفجر.

عندما أحرق نيرون روما

عبد اللطيف المناويبقلم عبد اللطيف المناوي

ما يحدث الآن فى مصر ليس له مثيل فى حدود معرفتى، لم يمر بلد بتلك الحالة المتداخلة المعقدة التى نعيشها، ذلك العبث بمقومات الدولة، ذلك الاندفاع المجنون نحو تمزيق وحدة نسيجها. لا أظن أنه حدث أن ترك حكام بلد الأوضاع فى بلدهم لتصل إلى تلك الحالة وهم يقفون لا مبالين، همّهم الرئيسى أن يكونوا هم وحدهم الحكام لا شريك لهم. الأكيد أن كراسى الحكم وثيرة، وأن قصورهم أكثر اتساعاً من أماكنهم السابقة، وأن الطائرة لا تقارن بـ«التوك توك» الذى لا يخفون إعجابهم به، ولكن أى متعة هذه التى يدفعون ثمناً لها دولة تنهار دون أن يطرف لهم رمش؟!

هم يمتلكون فى خيالهم فقط صورة الدولة التى يريدون، ولا بأس أن يكون الثمن هو نهاية الدولة التى يجثمون على أنفاسها. هكذا فعل الإمبراطور نيرون، الذى أحرق روما سنة 64 م، حيث راوده خياله أن يعيد بناء روما، وبدأت النيران من القاعدة الخشبية للسيرك الكبير، حيث شبت فيها النيران وانتشرت بشدة لمدة أسبوع فى أنحاء روما.

قد يبدو ما أقول تزيداً فى التشاؤم، ولكننى أراه تخوفاً واقعياً من مقدمات تبدو أنها تؤدى إلى نتائج مأساوية، ولننظر إلى آخر هذه المقدمات التى لا تؤدى إلى طريق إلا أشبه باختيار نيرون إحراق روما.

أول هذه الدلائل أو المقدمات هو ذلك التجاهل الكامل لأى قوة أخرى فى المجتمع، سواء دينية أو سياسية أو عرقية، والتعامل بمنطق أنهم هم الأمة، وأن صوتهم هو صوت الشعب لا صوت سواه، وبدأوا يصدرون فكرة الصندوق الذى يروجون بأنهم باسمه يحكمون، وهم أول من يعلم كيف تمت وتتم السيطرة على نتائج هذا الصندوق، فهم أعلم بوسائلهم، هى شرعية منتزعة على جسد الحقيقة، تغذيها أكاذيب وإقصاء للآخرين، ويدعمها ويغذيها ذلك الضعف والوهن الذى أصاب معارضيهم من القوى الأخرى، لكنهم لا يلقون بالاً للقوة الساكنة التى يظنون خطأ أنها تحت سيطرتهم، وهم هنا واهمون.

أيضاً فإن الضرب بفكرة الدولة والدفع إلى الوصول إلى دولة الفوضى هو أحد الملامح لسلوك حكام اليوم، ويبدو ذلك فى تلك الرغبة الشيطانية فى الدفع لوقوع المواجهة الشاملة بين الشعب والشرطة، وهو بالمناسبة مخطط قديم أو جزء منه، بهدف هدم وتفتيت قواعد الدولة لإقامة دولتهم كما يرونها. إن هذه الجريمة فى حق الوطن والدولة لن تؤدى إلى سقوط أحد العناصر الرئيسية للمجتمع وتفتح الباب واسعاً لبدء عصر الميليشيات، التى بدأ الحديث عنها بالفعل، جدير بالذكر هنا أن البدايات الجادة لأى حرب أهلية هى تواجد الميليشيات. أيضاً تلك الفكرة «العبقرية» لإصدار قانون سريع لتنظيم عمل شركات الأمن لتسد ثغرة غياب الأمن، كما قال أحد قياداتهم، وهذا التنظيم القانونى لتواجد شركات أمن خاصة يمكن أن يكون قوامها أفراد ميليشياتهم هو أحد سبل الحريق.

أما نموذج الشيطانية فى الأفكار فهو تلك الفكرة «الشيطانية» التى صدرت عن أحد تابعيهم بإعطاء سلطة الضبط القضائى لأفراد الشعب، ولأن مثلى ومثلك لن يتمكن لأسباب جسمانية وأسباب أخرى مرتبطة بفهم خطورة هذا الإجراء، فإن من سوف يمارس هذا الحق المراد به باطلاً هم أولئك الذين شكلوا الميليشيات، ويأتى هذا الإعلان ليعطى لهم غطاء قانونياً شرعياً، تمهيداً ليحلوا محل الشرطة التى يدفع بها نحو حريق المواجهة مع الشعب، فأصبحوا لا يملكون إلا الإضراب أو الاحتراق فى محرقة المواجهة. صحيح أن آخر خرج ليصحح المقصود بحق الضبطية القضائية، ولن نلاحظ أنه لم ينف أو يسحب هذا الحق، ولكنه كان تصحيحاً أقرب إلى التأكيد.

ما فات هو بعض المقدمات وليس كلها، وأظن أن كلاً منا قادر على أن يرى تفاصيل أخرى تؤكد التوجه الذى يدفع بالوطن نحو ما لا تتمناه.

أما نهاية نيرون فكان جديراً بها بعد أن أفسد حياة أمه وأحرق دولة، فبعد المذابح والحرائق التى أشعل بها روما، انصرف إلى اليونان ليمارس هوايته فى الغناء والرقص والتمثيل، وفى هذه الأثناء قامت ثورة فى بلاد الغال، ومع تزايد وتيرة الثورة وانحسار وهزيمة «نيرون» وفشله فى إدارة الأزمة، انصرف عنه أصدقاؤه وحاشيته ولم يجد بداً من أن يهرب من قصره إلى كوخ بعيد لأحد خدامه الذين بقوا معه. وهناك كان يبكى كثيراً على ما وصل إليه، وتذكر أمه التى قتلها. وظل مختبئاً حتى شعر بأصوات سنابك الجنود تحوم حول المكان، فما كان منه إلا أن قرر أن يقتل نفسه، وبعد محاولات كثيرة فشلت بسبب خوفه من الموت، قتل نفسه ومات الطاغية الذى أرهق روما بمجونه وجنونه.

هل تعرف ما معنى الكلمة

photoبقلم عبد اللطيف المناوي

“أتعرف ما معنى الكلمة، مفتاح الجنة في كلمة، دخول النار على كلمة، وقضاء الله هو كلمة، الكلمة نور .. وبعض الكلمات قبور”. من أكثر ما أثر في منذ الصغر ما قرأته شعرا لعبد الرحمن الشرقاوي ،  خاصة مسرحيته الشعرية ” الحسين ثائرا ” ، من أكثر الشخصيات التي أحببتها من خلال ما قرأت شخصية ” الحسين ” ، وليس بعيدا أن أحد الأسباب في هذا الإعجاب يعود إلى ما كتبه  الشرقاوي  ،  ظلت كلمات عبد الرحمن الشرقاوي عن الكلمة وقيمتها محفورة في ذاكرتي منذ أدمنت الانكباب على الكتب والغوص في بحارها .

تمكنت الأيام من إزاحة الكلمات الكثير  مما قرأت وحفظت ، مرور السنوات  وزحام  الأحداث ساعد في ذلك ،  ولكن ظل بعض مما قرأت وحفظت صغيرا محفورا في عمق العقل والنفس ، ودون استدعاء يعود في الوقت المناسب له تماما  ، ويبدو أن هذا الوقت وهذه الأيام تبدو الأكثر مناسبة لاستعادة ما قاله الشرقاوي عن “الكلمة”، لتعود إلى سطح الذاكرة متأصلة ومتجزرة  بإيمان حقيقي بما تحمله هذه الكلمات من  قيم ومعان . دون أن أدري باتت جزءا  من تكويني وشخصيتي ” أتعرف ما معنى الكلمة ” ، هذا هو السؤال الذي خلق بداخلي ذلك الإحساس المقدس بالكلمة ، وأضاء لي مخاطرها التي يمكن أن تكون قبورا كما يمكن لها أن تكون نورا  لذا ظلت الكلمة هي المقياس لدي ، وهي المقدسة في كل ما أفعل في حياتي .

كل من يعرفني عن قرب يعرف أنني أتعامل مع الكلمات بمقياس يتجاوز في دقته من مقياس الذهب ، وأحاول بقدر المستطاع أن أستخدم الكلمات  بأكبر قدر من الدقة   وفي حدودها المرسومة ، يلاحظ من يعرفني إلى أي مدى أحترم الكلمة وأقدس قيمتها وقدرها .

وتبدو أهمية هذه الكلمات الآن، في ظل حالة التخوين والتربص والتشويه التي تتبعه بعض الأطراف في المجتمع، في الوقت الذي يجب أن نكون فيه يداً واحدة ضد محاولات أخونة الدولة، والاستيلاء على مفاصلها ومقدراتها، ومستقبلها.

الحالة من التربص الغير مسبوق من أطراف عدة ، وبدا الأمر كأن الزمن نجح لفترة طويلة في أن يضع أقنعة على وجوه الكثيرين ، ومع طول الزمن بدا  الأمر وكأنه حقيقة ، وكأن هذه هذه الأقنعة باتت وجوها حقيقية  ، ويبدو أيضا أن الكثير من الناس تمكنوا من أن يواصلوا حياتهم بهذه الأقنعة ،  ولا تسمح تطورات الحياة بأن تسقط هذه الأقنعة لتظهر الوجوه الحقيقية ،  وفيما يبدو أيضا  أن هذه هي  الحالة الأكثر حضورا و لكن هناك حالات تمر بها المجتمعات تكون بحق حالات قادرة على إظهار المعادن الحقيقية للبشر ، وتقذف بالأقنعة بعيدا  لتطهر الوجوه الحقيقية  لأصحابها ،وتكشف أيضا كم هم قليلون من الناس  الذين استطاعوا العيش بلا قناع بل بوجه حقيقي ، هذه الحالات هي حالات مزلزلة ، مثل مثل تلك الحالة التي عاشتها مصر مؤخرا   بسقوط نظام والدخول إلى مرحلة  بدء إقامة نظام جديد .

ومع سقوط نظام وبداية نظام جديد سقطت الكثير من الأقنعة ، وقرر  كثيرون أن يمارسوا تلك اللعبات البهلوانية في الانتقال من  موقف   إلى نقيضه، ومن أفكار إلى عكسها، بل ونقض الأفكار السابقة .

قدرة عجيبة كشفتها الأحداث الأخيرة بعد صعود الإخوان إلى الإخوان وما تبع ذلك من أحداث، وكما كشفت هذه الانقلابات البهلوانية الكثيرين  كشفت أيضا من ظلوا بلا أقنعة قبل وبعد، مواقفهم اتسمت بالاتساق دون انقلابات لا يصدقها حتى أصحابها.

محاولات التشويه مستمرة، ومحاولات شق الصف لن تتوقف، لكن أؤمن تماماً أن الكلمة وحدها قادرة على إزاحة كل هذا الظلام، بالرغم من التشويه والتخوين والتخويف والإرهاب، وذات يوم سينتصر هذا الوطن، بعزيمة أبنائه وبكلمتهم ضد من سرقوه ونهبوه وأرادوا تقسيمه وبيعه.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

لماذا المقاطعة؟

عبد اللطيف المناويبقلم عبد اللطيف المناوي

رغم كل الانتقادات التى بدأت تظهر بكثافة فى الإعلام الغربى لسلوك الحكام الجدد وممثلهم فى قصر الرئاسة، ورغم الاكتشاف الذى يتأكد كل يوم لمستوى الفشل غير المسبوق فى إدارة الدولة أو إدارة الأزمات، رغم ذلك التحول المهم إلا أن الصفة التى مازالت تسبق مرسى هى صفة أول رئيس منتخب ديمقراطياً. ومع ذلك يدور الحديث حول تزوير الانتخابات الرئاسية فيما يشبه اليقين بحقيقة تزويرها إلا أن صفة الرئيس المنتخب مازالت الصفة الأكثر حضوراً.

نفس الوضع ينطبق على الدستور الذى واجه ومازال يواجه الكثير من الانتقادات الجوهرية الكفيلة بإهدار شرعيته ووجوده، وتجعله أسوأ ما امتلكت مصر من مضمون دستورى من خلال المواد القليلة، لكنها حاسمة فى دفع مصر إلى طريق الدولة الدينية ومخاصمة مفهوم مدنية الدولة بمعناها الصحيح.

أيضاً رغم هذه الصورة الواضحة لحقيقة هذا الدستور الركيك داخلياً ودولياً إلا أنه عندما يبدأ النقاش يكون المنطق الحاضر هو أنه على الرغم من كل الملاحظات التى تبدو منطقية فإن هناك استفتاء شعبياً تم على هذا الدستور وحصل على أغلبية اقتربت من الثلثين، وهنا لا ينفع الحديث عن تزوير أو استغلال سيطرة الجماعة على مفاصل الدولة، وبالتالى تسخيرها لصالح التصويت بالموافقة على الدستور.. رغم وجاهة هذه الملاحظات ووجود ملاحظات أخرى تدعمها فإن الصورة الأكثر وضوحاً هى أن هناك استفتاء شعبياً شارك فيه الجميع فأعطى شرعية لهذا الدستور المعيب، وأصبحت هذه الشرعية بمثابة تحصين له ضد كل دعوات انتفاء الشرعية عنه وعدم تمثيله لحقيقة الشعب المصرى بتنوعه وطموحاته رغم أن هذه الانتقادات هى الأكثر صحة وتعبيراً عن الواقع الذى خطفته الجماعة وشوهته واستبدلت به واقعاً تحاول خلقه يتناسب مع أهدافها العابرة للأوطان.

شرعية انتخابات الرئاسة ومن بعدها استفتاء الدستور ما كانت لتتكون لولا مشاركة أطياف المصريين فى هذه العملية رغم عدم اقتناعهم بها، واليوم نفس الخطر يتكرر بالدعوة إلى المشاركة فى انتخابات غير شرعية ومشوهة وفى ظل قانون انتخابى مشوه وواقع ملتهب وشرعية مشكوك فيها لكل النظام وأركانه، وهنا المشاركة سوف تكون الخطأ القاتل الذى يقضى على الأمل فى التغيير لسنوات طويلة قادمة.

الشىء الوحيد الذى يجيده الإخوان هو لعبة الانتخابات، لأنهم يجيدون خداع الفقراء باسم الدين تارة وباسم المواد التموينية تارة أخرى، فالوصول إلى البرلمان هو الخطوة الأهم فى مشروع الأخونة والسيطرة على مفاصل الدولة، فمن خلال البرلمان، الذى يفترض فيه أن يكون المتحدث باسم الشعب والناطق برغباتهم، سيتم تفصيل القوانين التى تسمح لهم بالدخول إلى كل المؤسسات والسيطرة عليها، وبالإضافة إلى الدستور الذى يكرس لدولة دينية ويعادى الدولة المدنية سنجد هناك كل يوم قوانين جديدة تؤكد هذا المفهوم.

قرار المقاطعة هنا هو القرار السليم، بعد أن رفضت السلطة الحاكمة الاستماع إلى جميع محاولات القوى السياسية لتحقيق المصالحة الوطنية الشاملة، وتجاهلها حتى نتائج حواراتها الصورية التى أجرتها مع قوى تنتمى إلى نفس التيار الإسلامى لتجميل الصورة حولها ليس أكثر، وهذا بالضبط ما سيفعله الإخوان بعد وصولهم إلى سيطرتهم على آخر المؤسسات المنتخبة (مجلس الشعب) وهو تجاهل كل ما يقوله غيرهم، والتركيز فقط فيما يريدون الوصول إليه، واستكمال مشروع «أخونة الدولة».

قرار مقاطعة الانتخابات هو الحل الأمثل الآن، لأنه يأتى حفاظاً على مصر، وعلى مصالح شعبها ضد نظام يستمر فى إهدار دم المصريين فى بورسعيد والمنصورة والقاهرة، دون أن يرف له جفن، ودون أن يعتذر أو يرى خطأ فيما يفعله، ويصف المتظاهرين ضده بالبلطجية، الذين يجب إزاحتهم حتى يمكن الوصول إلى صندوق الانتخابات فى أسرع وقت ممكن.

مقاطعة الانتخابات واجب طبيعى بعد أن أصمَّ مرسى ومكتب إرشاده الآذان عن جميع طلبات قوى المعارضة طوال الفترة الماضية، فلم يستجب لطلبات إقالة الحكومة الحالية لمواجهة الموقف الأمنى والاقتصادى المتدهور وضمان أن تكون الحكومة المشرفة على الانتخابات نزيهة ومحايدة أو إقالة النائب العام أو تشكيل لجنة لتعديل الدستور المعيب أو إقرار نظام للعدالة الانتقالية والمصالحة الوطنية أو الاتفاق على قانون للانتخابات يضمن قواعد النزاهة والحياد، ولا يسمح بالطعن فى دستوريته.

هو لم يفعل ذلك، فقط استمر فى سعيه لانتخابات تكمل مشروع الأخونة، وهنا يجب أن يكون الرد الطبيعى من الشعب هو الوقوف ضد هذا المشروع الساعى لفك مفاصل الدولة وإهدار مقدرات شعبها وإعلان المقاطعة.

طوق النجاة الأمريكى

http://ww3.hdnux.com/photos/20/23/62/4275366/3/628x471.jpg بقلم   عبداللطيف المناوى

مازالت الإدارة الأمريكية تضع رهانها على الجماعة التى اختارتها حليفا خلال هذه المرحلة. أتى وزير الخارجية الأمريكى الجديد فى زيارته الأولى بعد تولى منصبه، وهو يحمل فى قبعته العديد من الحيل والألعاب السحرية ليدعم بها حلفاءهم الجدد الذين يضعونهم فى وضع محرج، منذ أن تمكنوا من اقتناص السلطة فى مصر، وذلك بإصرارهم على حرق المراحل وإنجاز عملية التمكين فى أسرع وقت ممكن، بغض النظر عما يسببه ذلك من أزمات تهدد وحدة وسلامة الوطن، والأهم من وجهة النظر الأمريكية هو الإحراج الذى تتسبب فيه هذه السياسة الإقصائية الاستحواذية فى كشف الخدعة الأمريكية الكبرى التى اسمها دعم الديمقراطية، وأيضاً تستحضر من التاريخ الحديث للإدارات الأمريكية ما يكشف ويؤكد هذه الخدعة.

إذن فما حدث فى مصر، بغض النظر عن تفاصيله الآن، هو محل تفضيل ودعم أمريكيين، منذ اللحظة الأولى وحتى الآن. وقد حاول الأمريكيون مرات عدة إنقاذ حلفائهم الجدد مما تفعله أيديهم، فقدموا النصيحة عدة مرات وشدوا الأذن مرات أخرى، لكن، كما سبق أن ذكرت، هى علاقة ضرب «ضرب الحبيب» أو «الحليف»، فهى لن تصل إلى حد التخلى إلا عندما يستنفدون الغرض أو يشكلوا عبئا غير محتمل أو يتواجد البديل، حتى ذلك الوقت فإن الرهان على الدور الأمريكى فى إحداث التغيير أو الدفع له هو رهان خاطئ، ناهيك عن أنه تدخل خاسر من يتبناه.

إذن الزيارة الأخيرة للسيد كيرى، والتى ثار حولها جدل كبير، حقيقتها تتلخص فى كونها طوق نجاة جديدا يلقيه الأمريكيون لحلفائهم لإنقاذهم مما يفعلون، وهم فى الواقع يقومون بذلك دون الطلب من حلفائهم تقديم تنازلات كبيرة، لكن كل ما ينصحون به هو «عملية تجميل» للواقع الذى يريدون فرضه، ومن هنا تأتى تعبيرات شبيهة باللقاء فى منتصف الطريق، والحديث عن الخيار الديمقراطى، وشفافية الصندوق، حتى إنه عندما تحدث أوباما مع مرسى طالبه بضمان تعددية الانتخابات المقبلة، وتجاوزا كل ما أدى إلى تلك الانتخابات.

قبل أن يأتى كيرى أرسل، سرا، أحد مساعديه المرتقبين ليلتقى الأطراف المختلفة، وكما علمت سعت أطراف متعددة للقاء هذا الرسول الذى لا يعلم عن مصر أكثر من أنه حقق ربحا محترما من شرائه حصة فى أحد البنوك الخاصة ثم باعها، ويبدو انه أحد الداعمين لـ«كيرى» منذ كان مرشحا للرئاسة. أتى الرجل الذى لا يعلم شيئا عن مصر، ليمهد للزيارة، وهذا يطرح التساؤل عن مغزى هذا الاختيار: هل هو جهل مطبق بالحالة أم هو تهوين لها من الإدارة الأمريكية؟

وقد حاول كيرى استخدام الوضع الاقتصادى كسلاح يضغط به على المعارضة وعلى الرأى العام، بدا ذلك فى تصريحات مسؤول أمريكى، وصف بأنه «رفيع المستوى»، بأن وزير الخارجية جون كيرى سيطالب فى القاهرة بضرورة التوصل لاتفاق بين القوى السياسية بشأن إصلاحات اقتصادية مؤلمة من أجل الحصول على قرض من صندوق النقد الدولى.

وأوضح أن كيرى سيؤكد أهمية التوصل لاتفاق بين القاهرة وصندوق النقد، يحظى بدعم مختلف الطيف السياسى فى مصر. إذا وافقت مصر على القرض بقيمة ٤.٨ مليار دولار، فإن هذا سيفتح الباب أمام تدفق أموال من الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبى والدول العربية، كما يقولون، لكن ذلك لا يتم سوى بالحوار، وهذا يبدو مقبولا إذا ما نظرنا إليه بشكل مجرد، لكن التنفيذ على الأرض لا يبدو فيه إلا ممارسة الضغوط على المعارضة للقبول بما يلقى لها على الطاولة. إذن ذنب معاناة المصريين سوف يكون فى رقبة المعارضة التى لا تريد أن تقبل بالحوار بشروط الجماعة بغطاء تحالفى أمريكى. ومن الواضح أن هناك محاولة من قبل الإدارة الأمريكية، متمثلة فى وزارة خارجيتها، لإثناء المعارضة عن قرارها بمقاطعة الانتخابات.

أمريكا تتحرك لإنقاذ ما يمكن إنقاذه من أجل دعم النظام الحليف لها، وذلك فى محاولة منها لإعادة فتح أطر الحوار بين المعارضة والنظام، لكن فى منتصف الطريق الذى حدده النظام وأصر عليه رغم أنف الجميع.

الدور الأمريكى تقوده مصالحهم، وهى الآن مع الوضع القائم إلى أن يستنفد «القائم» الغرض منه، فيبدأ العمل على هدمه واستبداله، عندما يكتشفون بعد سنوات أنه نظام غير ديمقراطى، تماما كصدام وغيره. والمبرر معروف دائماً «دعم الديمقراطية».