»ثقافة «السلمة المكسورة

 بقلم   عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

.. وهكذا نجحت الجماعة فى تحقيق هدفها، سواء بالتزوير أو بالحشد وجمع الأنفار فى وسائل النقل الجماعية بأشكالها المختلفة أو باستغلال الفقر والحاجة إلى الزيت والسكر وقليل من الجنيهات أو بتغرير بسطاء الناس بمظهر التدين وإقناع هؤلاء البسطاء بأن «نعم» هى مفتاح الجنة فى وجه أعداء الإسلام الذين يقولون «لا»، سواء ببعض هذه الوسائل أو كلها وأكثر منها، فقد تمكّنت جماعة الحكم الجديدة فى مصر بمرشدها وأعوانه فى المقطم وممثلهم فى قصر الرئاسة من تمرير وثيقتهم للسيطرة على مصر وجر

ها إلى مستقبل غير واضح. استطاعت الجماعة فى خلق سلسلة من الأزمات تشغل بها منافسيها السياسيين، من أجل تنفيذ الخطوة المهمة من مخططهم بتمرير ما سموه «دستورا»، وهو فى حقيقته وثيقة التمكين الجديدة.

أصبح لدينا واقع جديد لا يبشر بالخير فى المستقبل المنظور، لكن لم يعد أمامنا إلا التعامل مع هذا الواقع والبحث عن سبل تغييره.

ظللت طوال الشهور الطويلة الماضية وأنا يسكننى الخوف من أن يتحقق ما كنت أتوقعه، ظل التعبير الملازم لى فى قراءتى لتطورات الأحداث هو «أخشى ما أخشاه»، ومع الأسف فى كل مرة حدث ما كنت دوما أخشاه، حتى أصبت بعقدة من استخدام هذا التعبير. لم تلعب الجماعات والقوى الليبرالية اللعبة السياسية بقواعدها وبتجرد من الأطماع قصيرة النظر، غابت القيادة القوية، وتنازعت قيادات لا تستطيع أن تملأ الفراغ وحدها، لكن أصروا على الزعامة والمكاسب قصيرة النظر، فأصابوا الجميع بالضرر، غابت الحسابات السياسية وطغت الرغبة فى الانفراد أحيانا والانتقام أحياناً أخرى والرومانسية الثورية وأمور أخرى عديدة، فضاعت البوصلة وسيطر من وضع أمامه هدفا واضحا منذ البداية وهو السلطة تحت شعار الدين بأى ثمن.. لعبوا بكل السبل غير المشروعة فى معظم الأحيان والمشروعة أحيانا، وتفننوا فى دق «الأسافين» بين الأطراف والقوى التى كان ينبغى أن تكون فى جبهة واحدة، ونجحوا فى ذلك كثيرا للأسف، واستطاعوا أن يحيدوا القوة القادرة على الحسم وقتها وهى الجيش.

العنصر المهم والفاعل الذى لم يظهر بقوته الكاملة حتى الآن هو تلك الأغلبية الصامتة، أولئك الذين اصطلح على تسميتهم «حزب الكنبة».. صحيح أنه تم كسر حالة الغياب عن الفعل لقطاع لا بأس به منهم عدة مرات مؤخراً، إلا أن حجم مشاركتهم فى الفعل مازال دون قوتهم الحقيقية وحجمهم الطاغى، فهم بحق الأغلبية الحقيقية وليست أغلبية الصناديق المزورة والمشتراة. هذه الأغلبية هى التحدى الحقيقى لمن يريد مصر المستقبل، وإذا أردنا أن نكسر حدود الواقع المتراجع بشدة، الذى تضعنا فيه الجماعة وحلفاؤها، فإن ذلك لن يكون سوى باختراق هذه الأغلبية ودفعها للتحرك بإيجابية.

نعانى مما أطلق عليه «ثقافة السلمة المكسورة»، وهى باختصار أن أحدنا لو سكن شقة فى عمارة وكانت إحدى درجات السلم المؤدى للشقة مكسورة فإن الزوجة تطلب من زوجها أن ينتبه للسلمة المكسورة، وعندما يذهب الأولاد للمدرسة يعلو صوت الأم، منبهة أولادها: «حاسبوا السلمة المكسورة»، وهكذا أيضاً الأمر عندما يأتى زوار للشقة، نحذرهم من السلمة المكسورة، الأمر الوحيد الذى لا نفعله هو محاولة إصلاح السلمة المكسورة، وفى المقابل نحاول أن نتكيف مع الخلل ولا نصلحه. ينبغى العمل على تخليص أهلنا من تلك الصفة التى ندفع اليوم ثمنا لها، ينبغى العمل على محاربة حالة التكيف التى سوف يندفع لها قطاع كبير من أهلن.

الخامس والعشرون من يناير قادم، وأظنه الفرصة الحقيقية الأولى لإيقاظ تلك الأغلبية وخلق الإحساس بالخطر على مستقبل هذا الوطن، ينبغى أن تصل الرسالة إلى أولئك الحكام الجدد بأن هناك شعباً لن يقبل بالاستئثار والاستحواذ والإقصاء، وأن يعلموا أن هناك أغلبية تم تغييبها، عادت لتراقب وتقرر. لكن السؤال كيف يمكن الوصول لذلك؟ إخلاص وتفانى وصدق من يتحركون ويقاومون من أجل الحفاظ على مدنية الدولة أو ما تبقى منها هى الخطوة الأولى، وتراجع الاهتمام بالذات وتحقيق المكاسب الصغيرة والبطولات الوهمية والامتناع، ولو بشكل مؤقت، عن الاتهامات المتبادلة بعدم الثورية أو الرجعية أو التخوين أو الفلولية.

أظن أن الأمر يحتاج إلى تحرك سريع ونية صادقة، فالصدق عندما يكون حاضرا يصل إلى الناس بسرعة، وأظن أن الأغلبية الصامتة تحتاج إلى الإشارة الصادقة.. والتجربة الأولى على بعد أسابيع.

من قتلنا بالأمس أو حاول وأصبح شريكا فى حكمنا

  بقلم   عبداللطيف المناوى15IN_TH__EGYPT_1299966g

لن أتحدث عن استفتاء تمكنت به الجماعة الحاكمة من أن تعطى دروساً للعالم عن الأساليب المبتكرة للتزوير، وهذه ليست شهادة من مصادر محلية، لكنها شهادة دولية من الـ«سى. إن. إن» التى انبهر مراسلها بما رأى. أيضاً سوف أتجاوز النتيجة الكاسحة لجموع المصريين التى قالت «نعم» دون أن تدرى، والنتيجة أننا أصبحنا فى مواجهة واقع دستورى جديد يبشر بدولة استبدادية، كما توقع محمد حسنين هيكل، وكما توقعت صحيفة «جارديان» البريطانية، أن الكثيرين يعتقدون أن الإخوان أوفوا بوعودهم للسلطة وليس للشعب، وأضيف أنهم أيضاً يوفون بوعودهم لحلفائهم وعائلاتهم غير مبالين بموقف الشعب. وأعود مرة أخرى لما ذكرته الصحيفة البريطانية أنه بينما تلقى سياسات الرئيس وجماعته سخط الرأى العام فى مصر فإنها تجعله مقبولًا أكثر للغرب، فهى سياسات تخدم السلطة وتتماشى مع السياسة الخارجية التى لا تغير شكل المنطقة، خاصة بالنسبة لإسرائيل، كما أن خطط الولايات المتحدة الاقتصادية تعتمد على مصداقية الإخوان المسلمين الدينية التى ستحافظ على الأوضاع والسياسات كما هى، الدستور الذى تم تمريره بكل الوسائل غير المشروعة – بما لا يخالف شرع الله – يعطى لمن يشغل منصب الرئيس – سواء كان هو صاحب القرار أو كان مجرد ناقل له – صلاحيات كبيرة لم يشهدها دستور فى مصر، ولم تشهدها حتى دساتير الدول الشيوعية أو الفاشستية، من بين هذه الصلاحيات حق الرئيس -أو من يلعب دور الرئيس- فى العفو عن الجرائم دون الرجوع إلى أى جهة أخرى للدولة، والحقيقة أن هذا الحق لم يقصر الرئيس الحالى -أو من يلعب دور الرئيس- فى استخدامه وتجربته سواء لأسباب «عائلية» أو لأسباب تحالفية، ونتيجة لاستخدام هذا الحق جمع شمل عائلة بالإفراج عن كبيرها رغم إدانته والحكم عليه ويقال إنه عاد لعمله. وهكذا انقلبت الآية، ولن يكون مستبعدا أن تتغير مناهج التاريخ العام القادم – بعد أن اقتصر التغيير هذا العام على تاريخ الجماعة فقط – لتتحدث عن تلك القيادات الإسلامية التى كان لها السبق فى التمرد على نظام الحكم، وأن هذه الجماعات كانت قد دخلت فى صدام مسلح للإطاحة بنظام مبارك، أما الإرهاب ودماء المصريين والأجانب التى سالت على رصيف الوطن بأيدى هؤلاء فعلينا أن ننساها!!

وأنا هنا أتوقف عند بلاغ تقدمت به ابنة أحد هؤلاء الشهداء ضد هذه القرارات، وسوف أترك البلاغ بتفاصيله لتنشيط ذاكرة من يريد أن يغمض عينيه عما حدث، وتفاصيل البلاغ أن «رؤى شرين على مصطفى»، ابنة اللواء شرين على مصطفى، قائد قوات أمن محافظة أسيوط الأسبق، أقامت دعوى قضائية أمام محكمة القضاء الإدارى بمجلس الدولة ضد رئيس الجمهورية طالبت فيها بإلغاء القرار رقم ٧٥ لسنة ٢٠١٢ الخاص بالعفو عن المتهم عبدالحميد عثمان مرسى عمران عفوا رئاسيا.

وأوضحت الدعوى أن المتهم المذكور الذى تم العفو عنه، طبقا لما جاء بقرار الإحالة من النيابة العامة، قام ـ بالتخطيط والاتفاق مع باقى عناصر الخلية الإرهابية التابعة له ـ بقتل اللواء شرين مصطفى والد المدعية وأمين الشرطة حسن سعد فى القضية رقم ٧٢٣٣ لسنة ٩٤ جنايات أسيوط، كما أوضحت الدعوى أن المتهم قام بحيازة الأسلحة والمفرقعات بهدف القيام بالأعمال الإرهابية والانضمام لجماعة تخالف القانون.

كما شارك مع ٣٢ شخصاً بزعامته فى ارتكاب ٨ عمليات مسلحة بأسيوط، وكان منطوق الحكم عليه بالسجن ٢٥ سنة فى القضية الأولى و٢٥ سنة فى القضية الثانية، بعد أن كانت محكمة أول درجة قد حكمت عليه بالإعدام شنقا.

واليوم خرج هو وآخرون كثيرون بعفو رئاسى أصبح اليوم دستورياً، حتى لو كان دستورا مر باستفتاء مزور، فقد أصبح واقعا حتى يسقط، وعلى ابنة شهيد الإرهاب وكل عائلات الشهداء الآخرين أن يخبطوا رؤوسهم فى الحائط، فالبلد بلدهم هم وحلفائهم وأهلهم وعشيرتهم، والدستور دستورهم هم وحلفائهم، أما نحن فلنا الله، وعلينا الاستمرار لاسترجاع ما خطف منا.

ساعة الصفر الآتية بعد تمرير دستور شق الصف

بقلم   عبداللطيف المناوى56334_660_Untitled-328

تردد على لسان العديد من المتأسلمين سياسيا فى الفترة الأخيرة حديثهم عن «ساعة الصفر»، وحار المراقبون – وهم ملايين المصريين الآن-: متى هذه الساعة؟! البعض توقع أنها ستكون رد فعل على اقتحام الاتحادية – كما القصة الركيكة عن مؤامرة قلب من يجلس داخل القصر – والبعض الآخر توقع أنها ساعة إصدار المحكمة الدستورية حكمها ببطلان «التأسيسية» ودستورها المسلوق. وساعة الصفر هذه هدد فيها هؤلاء المتأسلمون بالويل والثبور وعظائم الأمور لأولئك الكفرة الذين هم معظم المصريين.

لكنى هنا أعتقد إسهاما منى فى التوقعات أن ساعة الصفر هذه -كما قال أحدهم صادقا على غير العادة – ستكون بعد إعلان نتائج الاستفتاء المزورة، التى بها تكتمل حلقات السيطرة الرئيسية على مصر، وساعتها هى ساعة الصفر وقت ينطلقون كى ينتقموا تحت مظلة دستورية وقانونية صاغوها هم بمعرفتهم وعلى مقاسهم. الانتقام الذى يدعو إليه قيادات الجماعة وأعضاؤها وحلفاؤها سوف يكون الغرض منه عملية تطهير عرقى على أساس سياسى وعقائدى ودينى، ينتقمون من كل من ليس على شاكلتهم، هم لا يريدون أحداً معهم، هم يخططون لذلك منذ زمن، وظهر ذلك جليا مع الإشارات الأولى عن الأهل والعشيرة، هى عنصرية جديدة.

ساعة الصفر هى تلك الساعة التى سوف يحاولون فيها الانفراد بغنيمتهم بعيدا عن أعين الجميع يحددون لها مستقبلها، كما يرون، والخطوة الأولى هى ذلك الدستور الذى تم سلقه على عجل فى ليلة غريبة مريبة.

 من المؤكد أنهم سوف يحاولون بكل الطرق تمرير هذه الوثيقة، وهذا فى حد ذاته قد يكون عاملا دافعا للإحباط والإحساس باللاجدوى، لكنى مع ذلك أظن أن الإصرار على إعلان الموقف من هذا الدستور هو الأمل الباقى فى الإعلان عن أن مصر لم تفقد أبناءها القادرين على الحيلولة دون خطفها عكس حركة التاريخ. لذلك أستمر فى الدعوة إلى الإعلان المستمر عن الموقف الرافض لهذا الدستور الذى تلوث بالدماء، دماء أبناء الوطن الذين حاولوا الإعلان عن رفضهم، دستور يطعن وحدة الوطن ويشق صف أبنائه، والنتائج التى ظهرت فى المرحلة الأولى للاستفتاء تؤكد ذلك بشدة، فمع كل التجاوزات وعمليات التزوير فإن نصف من صوتوا تقريبا يرفضونه، وهذا ليس دليلا على الديمقراطية، كما سوف يدعى متحدثوهم، لكنه تعبير عن انقسام واضح.

الأغلبية البسيطة تكون تعبيرا عن الديمقراطية فى المجتمعات المستقرة التى حسمت خياراتها الرئيسية، لكن الوضع لدينا مختلف فلم نحسم بعد طريقنا، وكان الأمل أن تكون هذه الوثيقة هى البداية لرسم طريق المستقبل، لكن الجماعة الحاكمة قررت أن تصفى من خلاله حساباتها، وأن تمارس مبدأ المغالبة لا التوافق لتؤسس لرؤيتها ودولتها وأهدافها فوق الوطنية.

المرحلة الثانية من الاستفتاء على الدستور، الذى سيجرى بعد ساعات، يعد إصراراً على الاستهانة بذكاء وقدرات المصريين، وهذه الحالة من الكبر والمكابرة التى تتلبس قيادات الجماعة وحلفاءها تذكرنى بأجواء ما قبل سقوط الأنظمة، لذلك أطلب من كل حريص على هذا الوطن رفض عملية الاختطاف، أطلب من كل حريص أن يرفض هذا الدستور، وأظن أن عديدين من المنتمين لهذه الجماعات ممن مازالوا يحتفظون باستقلالهم الفكرى ويحترمون عقولهم سوف يوافقوننى على هذا الموقف.

وسريعاً سوف أتوقف أمام النقاط الرئيسية التى بسببها أطلب من كل ذى عقل وموقف أن يرفض. هذه الوثيقة «المسلوقة» سوف تفعل التالى: تقييد حرية الصحافة والإعلام، للرئيس سلطة الاستفتاء ولو على أحكام المحاكم، جعل الرئيس رئيس السلطة التنفيذية، وفى الوقت نفسه حكمًا بين السلطات، منح الرئيس سلطات غير محدودة دون أى محاسبة سياسية، جعل مجلس الشورى هو المشرع الأوحد حتى الانتخابات النيابية، وهو مجلس ٨٥% منه من الجماعة وحلفائها. أبقى على نسبة العمال والفلاحين نفاقا لهم لدورة واحدة، ووسع فى الوقت نفسه تعريف العامل والفلاح لتشمل الأغلبية من المواطنين، يسيطر على النقابات من خلال السلطة التنفيذية التى تملك حق حلها بالكامل، أعطى الرئيس وحده الحق فى تسمية رؤساء الأجهزة الرقابية وعزلهم وتسمية أعضاء المحكمة الدستورية مع تقليص اختصاصاتها بشكل مهين، وامتلك وحده حق تعيين قادة القوات المسلحة. باختصار: هى عملية صناعة فرعون.

الأهم من ذلك أنه يؤسس بحق لدولة لا مدنية، حيث يجيز إنشاء الأحزاب الدينية، ويمتلئ بالنصوص التى تبتعد بمصر عن أن تكون دولة كل المصريين ووطنهم.

يموت القاضى حراً ولا يقتات ببيع مبادئه

 2012-634864298088568970-856_main_thumb300x190 بقلم   عبداللطيف المناوى

الارتباط شرط لا يتجزأ بين الكرامة والتمسك بالمبدأ. لا يجوز فى بعض الحالات القبول بنسبية الأشياء، فى بعض الأوقات لا يجوز استخدام «ولكن». من بين هذه الحالات المواقف المبدئية والأحكام الأخلاقية، وأظن أن على رأسها يأتى من قرر أن يكون قاضيا يحكم بين الناس.

أقرأ لبعض من انتسب إلى مهنة القضاء حالياً لغة هى أقرب لأساليب الحواة فى الالتفاف على الأمور، وكما قالوا من قبل «النحاة لا يخطئون» امتد ذلك إلى البعض من رجال انتسبوا إلى القضاء والقانون فى غفلة من الزمن، فاستغلوا ما يملكون من علم، فتعاملوا بأسلوب الحواة، وامتلكوا الجرأة لأن يقلبوا النصوص والحقائق.

أحار كثيرا فى تفسير انقلاب الأشخاص أو بعضهم على ما ادعوه دائماً من أن لهم مواقف ثابتة، وأعجب من أشخاص أدارت السلطة رؤوسهم، فتنصلوا أو تجاهلوا أو غضوا الطرف عما كان موقفا راسخا لهم بالأمس كانوا يتفاخرون به ويدعون الدفاع عنه، واعتمدوا على آفة النسيان، التى هى داء مزمن عاش قرينا بالشخصية المصرية.

إذا أمكن فهم، ليس قبول، تغير وتحول بعض البشر وخيانتهم ماضيهم، طمعا فى مستقبل يدفعون من كرامتهم ثمنا له فإن هذا الأمر لا يمكن فهمه أو قبوله، وعند بعض الحالمين، لا يمكن تخيله لدى رجال حملوا على عاتقهم العدل بين الناس.

تحولوا إلى نموذج الشيخ مبروك فى فيلم «الزوجة الثانية»، الذى وجد الغطاء الدينى والقانونى وهو يلوى عنق الحق ويُلبِس الباطل ثوب الحق، قائلا: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم». أنظر إلى وجوه ادعت يوما استقلالها وامتطت خيول البطولة، دفاعا عن استقلال القضاء ونوادى القضاة، ولبست أوشحة القضاء ونزلت بها إلى شوارع مصر وهم يدعون أنهم خرجوا للدفاع لا عن القضاء، بل عن كل المصريين وكرامتهم، هؤلاء تحولوا إلى الشيخ مبروك وهم يدورون على المصريين ليقنعوهم بعكس ما كانوا يدعون بالأمس القريب، تحولوا إلى خدام فى بلاط أولى الأمر، وهم لا يعلمون أى خسارة يخسرون، وأكاد أسمع صوتهم وهم يبررون لنا بصوت الشيخ مبروك: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم».

قلت مرات عدة فى مناسبات مختلفة إنه لا وصول إلى دولة ديمقراطية دون وجود دولة القانون، وهو كما نرى أبعد الأمور عنا، تحولت الدولة إلى غابة غاب عنها القانون، ولا يمكن أن نلوم الناس هنا إذا ما شعروا بأن مَن كان عليهم أن يحموا ويؤكدوا قيمة وسيادة القانون هم أول من يغتاله ويدوس عليه بالنعال! السادة الذين ادعوا يوما أنهم سدنة القانون والمدافعون عن القضاء هم الذين يسروا طعن القضاء والقانون، ويبدو أن للسلطة بريقاً يصيب العيون بالعمى والقلوب أيضاً. السلطة والاقتراب من الحكام الجدد هى التى دفعت قدامى المدافعين عن القضاء ليكونوا هم رأس السهم الذى يطعنون به حصن المصريين الأخير.

فى عام ٢٠٠٦ سمعنا دفاعا مستميتا عن نوادى القضاة وأهمية دورها فى المجتمع، وسمعنا حديثاً عن القضاة، روح الأمة وحصنها، وشهدنا استنكارا لمحاولات إبعاد القضاة عن الحياة السياسية، كان من يدعو إلى ذلك مجموعة من شيوخ القضاة وشبابه، وعاشت مصر فى هذه المرحلة جدلا كبيرا أظنه أسس لإحساس المصريين بعدم الاستغناء عن ذلك الحضور.

 ما يدمى هو أن من بين هؤلاء الذين ادعوا الدفاع عن استقلال القضاء واستقلاله عن السلطة التنفيذية فى ذلك الوقت أولئك الذين يعملون اليوم على تقزيم مؤسسة القضاء، وتحويلها إلى أداة طيعة فى يد من يحكم الآن من الاتحادية أو المقطم، وشارك هؤلاء فى تحويل وظيفة محامى الشعب إلى عدو الشعب، وأيدوا وهللوا لإعلان من يرأس البلاد بأنه يهدف إلى منع القضاة من العمل بالسياسة، وأن «شغلتهم أن يحكموا بما أمامهم من قوانين»، وأظنه أضاف فى سره: «وهمه ساكتين»، لم ينتفض هؤلاء كما ادعوا الانتفاض من قبل عام ٢٠٠٦، بل كان لسان حالهم يقول: «أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولى الأمر منكم».

مارس النظام الحاكم -عفوا، الجماعة الحاكمة- كل أشكال العناد ضد الشعب وضد جموع القضاة، ووجدت الجماعة أن تابعيها داخل مؤسسة القضاء على استعداد دائم لأن يعلوا كلمة أولى الأمر على رغبة أغلبية القضاة، ورغم أنف الشعب، وتجاوز بعضهم إلى حد خداع الناس بتصوير القبيح جميلا فى الدستور المشوه، الذى يتم دفعه بأى ثمن إلى النور كحقيقة واقعة علينا أن نتعامل معها، كل ذلك بأيدى رجال كان المتوقع منهم أن يكونوا أمناء نحو ما التزموا به تجاه مجتمعهم ووطنهم. وكانت المهزلة الثانية عندما تحدى «قضاة السلطان» رغبة غالبية القضاة، وأصروا على الإشراف على مهزلة الاستفتاء بمن حضر من القضاة.

وقد شهدنا ما شهدنا حتى الآن من تجاوزات فى الاستفتاء، والسؤال الآن لأولئك الذين نسوا مواقفهم السابقة: ألا يُذَكركم هذا بما حدث عقب انتخابات ٢٠٠٥ وصدرت وقتها القائمة السوداء للقضاة المتورطين فى تجاوزات الانتخابات البرلمانية وقتها؟ ما أشبه الليلة بالبارحة، مع فارق أساسى، أن بعضا ممن ادعوا وقتها أنهم محاربون من أجل استقلال القضاء قد باعوا راية النضال واستبدلوها بطاعة أولى الأمر الذين أصبحوا منهم، ولنا الله.

التضحية بالوطن كما عرفناه من أجل الجماعة

بقلم   عبداللطيف المناوىp1010061.jpg

نجح الرئيس، الذى يفاخر هو ومن حوله بأنه «منتخب»، فى أن يشق الوطن، استطاعت جماعته، باستخدامه كأداة ملتزمة بالسمع والطاعة لقيادته وشيوخه، تنفيذ سياستها وعقيدتها فى التطهير العرقى على أساس الانتماءين السياسى والدينى، تمكنوا من ذلك منذ اليوم الأول من خطفهم انتفاضة المصريين وقيادتها لتكون وسيلتهم فى تحقيق حلم الجماعة منذ تأسست بدعم بريطانى لاقتناص السلطة وتأسيس الدولة الدينية التى تتخطى مفهوم الوطن إلى المفهوم الأممى.

نجحت الجماعة وحلفاؤها، من تيارات الإسلام السياسى وذيولهم من المنتفعين دائماً، فى أن تقسم المصريين إلى «نحن» و«هم»، أجبرت الجماعة، من خلال مندوبها فى قصر الرئاسة، المصريين على أن يصنفوا أنفسهم: التيار الرئيسى هم أولئك الذين التزموا وسمعوا وأطاعوا فوافقوا على الإعلانات الدستورية وإلغائها، وأيدوا قرارات زيادة الضرائب ومدحوا حكمة تأجيلها، ومنهم من شارك فى صياغة مواد دستورية لم يعلموا عنها سوى أنها تعليمات «فضيلة» المرشد الذى لا يُرد له أمر، أما الغالبية فهم أولئك الذين رضوا أو لم يجدوا طريقاً للسكر والزيت إلا أن يُقادوا كالقطيع إلى أى ميدان أو تجمع «سمعاً وطاعة». يضاف إلى هؤلاء قطعان أخرى من الحلفاء، ما يجمعهم جميعا هو استحلال الأرض والعباد. وفى وسط هذه الحالة الجنونية ضاعت الأصوات الوسطية الوطنية العاقلة.

من بين الهتافات التى سمعتها ممن أطلقوا على أنفسهم حماة الشرعية والشريعة هتاف يقول «وراهم إيده فاضية واداهم ضربة قاضية»، والمقصود هنا بالطبع السيد مرسى الذى خدع معارضيه بيد خاوية ليضربهم بالأخرى الضربة القاضية، باتت هذه هى العلاقة مع الآخر فى المجتمع الذى نجحوا فى شقه.

توازى مع كل ذلك رغبة عارمة لدى هذا التيار فى خلق حالة من الإرهاب لكل معارضيه ممن اعتبرهم أعداء الإسلام والشريعة، ويأتى فى إطار ذلك تلك التصريحات التى سمعناها مؤخراً من بعض من يدعون أنهم رجال دين أعماهم الإحساس بالقوة والرغبة فى السلطة، أحدهم قال: «الآلاف فى انتظار ساعة الصفر»،

وأضاف آخر: «خيرت الشاطر أبلغ الإخوة أن هناك مئات الآلاف فى شوارع القاهرة فى انتظار، وفى حالة تأهب»، وغير بعيد عن ذلك تلك القوائم المعدة للتصفية فى حال سقوط الدولة، ويتماشى ذلك مع حالة العجرفة بالقوة والإرهاب اللفظى لممثليهم الذين احتلوا جميع الشاشات رغم أنف الجميع، ولِمَ لا، ألم يتم «التمكن» من وسائل الإعلام القومية وحصار البقية تحت سمع وبصر من خدع المصريين بأنه سوف يكون للجميع، لكنه فيما يبدو لم ير سوى أفراد العشيرة، ولم يتبع سوى تعليمات قياداته فى الجماعة، حيث إن قسم الولاء والسمع والطاعة، فيما يبدو، لا يسقط حتى لو ادعى غير ذلك.

فيما يبدو أيضاً فإنهم مستمرون فى طريقهم لتحقيق هدفهم بالسيطرة التامة من خلال دستور لا أظن أنه يرقى لأن يكون دستوراً، وليضرب الباقون رؤوسهم فى الحائط، أو يعملوا بنصيحة أحد قادتهم الذى قال إن من لا يعجبه حكم الإسلاميين فليترك البلد، فالقاهرة بها عشرات السفارات. ألم أقل لكم منذ البداية إنه تطهير عرقى على الانتماء والهوية.

احذر، كما يفعل كثيرون هذه الأيام، من أن القادم أسوأ فى ظل سيطرة هذه العقلية على مقدرات البلد: شق وحدة الأمة وخلق حالة من التمزق، وسيادة التعامل بمنطق «إحنا وهمه»، وفرض دستور معوج رغم أنف الجميع. هذه الحالة من التحفز والعنف تدمر مقومات المجتمع وتقضى على وطن لن يكون بعدها الوطن الذى نعرفه.

منذ أسابيع سألت سؤالاً: «هل يفعلها؟»، وكنت أقصد مدى قدرة السيد مرسى على قطع الحبل السرى بينه وبين جماعته ليكون قراره من أجل الجميع، واليوم أعيد السؤال: هل يمكن بحق أن يستقل بنفسه قبل فوات الأوان؟

الكفر بدولة الجماعة

عبد اللطيف المناويبقلم عبداللطيف المناوى
«أمسكونى وجرونى على الأرض، ثم قيدونى وأتى شخص منهم يطلب منى أن أعترف بأننى أتلقى أموالاً من شخصيات سياسية معينة لأهاجم وأضرب الإخوان، ظلوا يعتدون على بالضرب والصفع على الوجه، ثم ألقوا بى فوق عدد آخر ممن كانوا مقيدين إلى جوار قصر الاتحادية».. هذا ما قاله واحد من بين العشرات الذين قامت أفراد ميليشيات الجماعة بالقبض عليهم وتقييدهم والتحقيق معهم فى ظل الضرب والإهانة لإجبارهم على الاعتراف بالمؤامرة الوهمية التى تبناها «رئيسهم المنتخب»، مؤكدا أن الضالعين فى المؤامرة اعترفوا بينما تحقيقات النيابة لم تكن قد بدأت بعد، بل الأنكى من ذلك أن من ألقى القبض عليهم فى محيط الاتحادية قد أفرج عنهم، وهذا يعنى، ببساطة، أن السيد مرسى قد اعتمد على تحقيقات ميليشيات الجماعة، التى قامت بالقبض والضرب والتحقيق، فى الوصول إلى نتائج يصدم بها المواطنون على شاشة تليفزيون الدولة، التى كانوا يظنون أنها دولتهم، لكنه نجح هو وقيادته الجماعة فى أن يثبت لهم خطأهم، فهى لم تعد دولتهم، ولكنها باتت دولة الجماعة ومن معهم ينافقهم ويخدمهم. وبات واضحا أن سلوك الجماعة كشف عن وجههم الحقيقى، وهو وجه يكشف حقيقتهم كجماعة ذات فكر إقصائى متسلط يرفض الآخر ويصر على الانفراد بـ«الغنيمة»، وهم فى الواقع لا يهمهم كثيراً انكشاف ذلك الوجه، فهدفهم الآن هو السيطرة والانطلاق إلى الأمام بأى ثمن إلى نقطة التمكن التام من مفاصل الدولة، وحدهم لا شريك لهم، كل ذلك تحت اسم الدين الذى يستغلونه ويوظفونه من أجل تحقيق أهدافهم الدنيوية فى السلطة.

كل ممارسات الجماعة وقياداتها التى ينفذها ممثلهم فى الرئاسة لا تصب إلا فى صالح شق الوطن إلى «فسطاطين»، كما قال من قبل أسامة بن لادن، الجماعة وحلفاؤها فى فسطاط وبقية الأشقياء من أبناء الوطن فى فسطاط آخر، وبدا سلوكهم من خلال ممثلهم فى الرئاسة كملك فرنسا لويس الرابع عشر، الذى حكم فرنسا ٥٤ عاما «١٦٦١-١٧١٥»، وارتكزت قاعدة العمل السياسى لديه على الطاعة، حتى صارت هذه المقولة مثالا للاستبداد السياسى، الذى كان يقول «أنا الدولة والدولة أنا»، أما هم فى الجماعة فيضيفون إلى تلك المقولة الشهيرة، من خلال ألسنة دعاتهم وبعض حلفائهم التى تقطر غطرسة وكراهية «واللى مش عاجبه يخرج منها».

لكن الأكيد أنهم سيصلون يوماً إلى ما وصل إليه لويس الرابع عشر كما يقال وهو يحتضر، كما سوف يحتضرون، حيث نسب إليه قوله «أنا سأذهب أما الدولة باقية»، ولكن ما نخشاه أن يكون ذلك بعد أن يكونوا قد هزوا، إن لم يكن دمروا، أسس تلك الدولة ودعائمها.

هم يسيرون فى اتجاه واحد كالقطار فاقد الفرامل، هدفهم السلطة بكل تفصيلاتها وأدواتها، لا يريدون أحداً معهم يشاركهم غير بعض من حلفائهم وخدامهم، الذين سوف يلقون لهم ببعض من الغنيمة، هم يرون أنفسهم الأحق والأنسب والأصلح لهذا الدور، ومن أراد أن يبقى فليبق معهم بشروطهم، راضيا بدونية موقعه ومكانه الذين يضعونه فيه. ويمكنا أن نلاحظ أن تقسيم الأدوار بينهم يتم بشكل واضح ما بين حركة الميليشيات وهجوم الدعاة وكتائب القانونيين والمحامين المستعدين لرفع الدعاوى، إضافة إلى التهديدات بالقتل والخطف والحرق ومحاصرة المحاكم والاستوديوهات، التى لها أيضا ناسها ومجاهديها.

الأكيد أن رد فعل الناس كان مفاجئاً لهم، ومربكاً فى بعض الأحيان، لكن هذا لم يثن القيادة المتشددة عن الاستمرار فى الدفع بالأمور إلى حافة الهاوية وحدود الانفجار، وهم عندما يدعون أنهم يتراجعون فإنهم فى الحقيقة يناورون، وتكون حركتهم أشبه بالانسحاب التكتيكى استعداداً للانقضاض مرة أخرى، وهذا يبدو واضحا فى الإعلان الدستورى الأخير، الذى خرج بعد مفاوضات «جورج الخامس» مع «جورج الخامس» يوم السبت الماضى، التى حضرها شخصيات أظن أن بعضهم سوف يجد صعوبة فى تفسير موقفه بالحضور لأبنائه وأحفاده الذين سوف يدفعون ثمن هذا التواطؤ وتسهيل تسليم الوطن لجماعة تريد إقصاء الجميع. الإعلان الجديد ما هو إلا خطوة تكتيكية نتيجتها ببساطة التالى: تقديم موعد إلغاء الإعلان الاستبدادى السابق لمدة سبعة أيام، ومحاولة شق صف القضاء بتقديم تنازلات وهمية، كل ذلك من أجل تمرير الاستفتاء على الدستور الطائفى الإقصائى الاستبدادى، الذى يؤسس لدولة الجماعة القادمة، التى إن أتت وتمكنت فهى جاثمة على أنفاس هذا الوطن لقرون. قالوا قديماً «إن العند يولد الكفر»، واليوم يمكن أن نقول إن العند والإصرار على الاستبداد قد ولد بالفعل الكفر بدولة الجماعة.

قبل أن أختم هذا المقال فقط أريد أن أصحح مفهوماً، فإن الذين يقفون اليوم فى وجه الاتجاه بالدولة نحو الاستبداد لا ينبغى أن نطلق عليهم معارضين، فالمعارضة تكون فى إطار دولة مستقرة واضحة الملامح والطريق، ولكن الأصح والأدق أن يوصفوا بأنهم حراس الدولة المدنية والمدافعين عن خلق دولة كل المواطنين لا دولة جماعة تتحكم فى كل المواطنين.

حكاية من التاريخ الذى يعيد نفسه أحياناً

بقلم عبداللطيف المناوى
hitler

بينما أراجع بعض المواقف فى التاريخ، الذى يعتقد العديد من الناس أنه يعيد نفسه أحيانا لكن بأشكال مختلفة تتواءم مع الزمن، توقفت أمام جملة مهمة جداً منسوبة إلى الزعيم النازى الأشهر أدولف هتلر يقول فيها: «إذا أردت السيطرة على الناس أخبرهم بأنهم معرضون للخطر وحذرهم أن أمنهم مهدد، ثم شكك فى وطنية معارضيك».. هذه الجملة بدت لى كأنها «دستور» من يريد أن يقود الناس كقطيع من الخرفان لا تعلم مصيرها بل يقودهم هتلر ومن ورائه جماعته.

عُدت لقراءة جزء من تاريخ هذا «الزعيم» الملهم وجماعته، وكيف قفز إلى قمة السلطة ثم احتلها كلها – أى السلطة – ليدمر بعدها العالم ومعها بلده ألمانيا.

كان هتلر خطيبًا مفوهًا استولى على قلوب الكثيرين بضربات يده على المنصة التى كان يقف خلفها، وإشارات أصبعه التى كان يشير بها متهماً كل معارضيه، محذراً ومتوعداً وهو يلقى خطاباته، وبصوته الهادر وخطبه الحماسية. وكان يصقل مهاراته بإلقاء الخطب على الجنود خلال عامى ١٩١٩ و١٩٢٠، وأصبح ماهرًا فى التحدث إلى الناس بما يريدون أن يسمعوه منه.

كانت الاجتماعات السنوية الحاشدة يتم ترتيبها وشحن قطعان المتظاهرين إليها.

وكان هتلر يلقى بالخطبة نفسها (ويصقلها بلسانه المعسول لدرجة أكبر فى كل مرة) مئات المرات، فيلقيها أولاً أمام الجنود ثم يقوم بإلقائها فى النوادى المنتشرة فى كل أنحاء ألمانيا، والتى كان يرتادها الشعب الألمانى.

بوصول هتلر إلى زعامة الحزب النازى وصل إلى قمة الهرم السياسى فى ألمانيا، وقد وجد الدعم المباشر من أجهزة الإعلام التى أخذت على عاتقها مهمة الترويج للحزب، وذلك من أجل أن يحصد التأييد الشعبى لسياسته، فتم التعامل معه كمنقذ لألمانيا من الكساد الاقتصادى الذى تعرضت له بعد الحرب العالمية الأولى.

وصل هتلر إلى قمة السلطة بالوسائل والأدوات الديمقراطية، كانت نقطة التحول السياسى فى حياة هتلر هى فترة الكساد العظيم الذى أصيبت به (ألمانيا) فى عام ١٩٣٠. تسببت حالة الارتباك السياسى والتناحر بين الأحزاب والقوى السياسية فى هذه الفترة – وهى تفاصيل أنصح بقراءتها – إلى الدعوة لانتخابات مبكرة فى سبتمبر من عام ١٩٣٠. وفقدت الأحزاب الجمهورية المتناحرة مقاعدها فى البرلمان بينما قفز الحزب النازى من مركزه السابق كتاسع أصغر حزب فى المجلس إلى ثانى أكبر الأحزاب فيه بنسبة ١٨.٣% من الأصوات، وبعدد مائة وسبعة من مقاعد البرلمان.

تمكن هتلر بشكل أو بآخر من إحكام قبضته على مقاليد الحكم فى البلاد، وكان يعمل على فرض سياسته حتى وإن لاقى معارضة، فكانت سياسته تعتمد على قدر كبير من العنف والقوة من خلال الجستابو، وسياسة التهجير ومعسكرات الإبادة.

وافق مجلس الوزراء الذى يرأسه هتلر على قانون يهمل سلطة رئيس الدولة بعد وفاة الرئيس الألمانى وقتها، ويضعها فى يد هتلر باعتباره «فوهرر» ومستشاراً للرايخ، وبصفته رئيسًا للدولة، أصبح هتلر الآن القائد الأعلى للقوات المسلحة. وعندما حان الوقت الذى يؤدى فيه أعضاء القوات البرية والبحرية يمين الولاء التقليدية، تم تغيير اليمين التقليدية لتصبح يمينًا بالولاء الشخصى لهتلر نفسه. وفى استفتاء عام تم إجراؤه وقتها، حظيت التصرفات التى قام بها هتلر بموافقة نسبة ٨٤.٦% من الناخبين، وانتهكت هذه التصرفات عمليًا كلاً من القانون والدستور لكن لم يجرؤ أى شخص على الاعتراض على ما يحدث. وبهذه التصرفات تخلص هتلر من آخر الوسائل الشرعية التى يمكن عن طريقها استبعاده من السلطة قانونيًا، وتخلص معها من أى شكل من أشكال الرقابة أو التوازن التى يمكن فرضها على سلطته.

التفاصيل كثيرة وحياة «الزعيم» جديرة بأكثر من المساحة المتاحة، لكن أظن أنها جديرة بالقراءة لعلنا نتعظ من نهايته.

كابوس الدستور الذى «كبس» على أنفاسنا

بقلم عبداللطيف المناوى56334_660_Untitled-328

هناك لحظات لا يدرك فيها الإنسان إن كان حقاً يعيش هذه اللحظات أم هى كابوس، مثل هذه الحالة مررت بها منذ عدة أيام وكان الوقت قد تجاوز الثانية صباحا، ولم أدرك وقتها إن كنت نائما أو مستيقظا، عندما تسمرت أمام شاشة التليفزيون وهى تنقل الاجتماع الأخير للجنة التى تسمى «لجنة صياغة الدستور»، بدا الأمر كأنه كابوس، شخصياته كتلك التى تظهر فى أفلام الرعب الكوميدية، لا تعلم هل تخاف منها أم تضحك عليها.

على المنصة جلس «الرجل الكبير» يدير، لم يكن طبيعيا، بدا كأن خلفه من هو أكبر منه من وراء ستار، نشعر به ولا نراه، يدفعه لأن ينتهى من «العملية» بسرعة، فموعد التسليم – تسليم «الدستور» طبعا- قد صدر قرار بتبكيره حتى لا يستطيع الآخرون -أعداء «الكبير» و«الأكبر» منه والحاضرون – أن يقاسموهم «دستورهم». استمرت الجلسة الكابوس فى «سلق» ٢٣٤ مادة فى أسلوب تفوقوا فيه مئات المرات على برلمانات مصر جميعا فيما سبق، عندما كانت تناقش قوانين فى نهاية الدورات البرلمانية.

لا أظن أن ما حدث فى ذلك الكابوس سبق أن حدث فى أى مكان فى العالم، وهذا إنجاز يحسب لمن شارك فيه وينبغى أن يسجل كرقم قياسى جديد فى موسوعة «جينيس». دستور وطن ومستقبله فى ٢٣٤ مادة يتم تمريره فى تسع عشرة ساعة. وأرجو أن يراجع «كبير القعدة»، التى مررت الدستور، تصريحاته التى جاء فيها أن كل مادة استغرقت ٣٠٠ ساعة مناقشات، لأنه لو كان هذا قد حدث بالفعل، وكانت النتيجة ما رأيناهم يناقشونه من صياغة ركيكة فى العديد من المواد، ومناقشات سفسطائية وتعديلات كانت تجرى للمواد بأسلوب لا يمكن وصفه إلا بأنه أسلوب مهين لعقول ورغبات أبناء هذا الوطن.

ولم يخل الأمر من مشاهد كوميدية كان أعلاها عندما أعطى دور تمثيل المصريين المسيحيين الذين انسحبوا من اللجنة إلى «نيافة الأنبا محمد» فى شكل من أشكال التعبير الكوميدى السوداوى عن مفهوم الوحدة الوطنية كما يراها هؤلاء الذين قال كبيرهم إنه لم يعتبر المسيحيين منسحبين «لأننا جميعا نمثلهم». أما نقيب الصحفيين، الذى خالف قرارات الجمعية العمومية لنقابته وقدم التزامه التنظيمى للجماعة الحاكمة التى ينتمى إليها وقدمت له الكثير على التزامه المهنى والنقابى، فحضر منذ بداية «القعدة» ليكمل العدد المطلوب،

وكانت جماعته فيما يبدو قد وعدته بأنه لن يخرج بيده خاوية فسوف يحصل على نص فى الدستور لوضعه فى أعين أعضاء نقابته بأنه حقق لهم ما لم يكن ممكنا تحقيقه، لكن للأسف بعد أن أرجئ طلبه للنهاية، وبعد أن استنفد الغرض من حضوره رفضت اللجنة وكبيرها أى طلبات له، بل عايره كبيرهم بأن لديه هو شخصيا مشاكل مع نقابته.

ظل «الكبير» يفاخر بأن هذا الدستور هو الأعظم فى تاريخ الدساتير، فى حين أن القارئ بعناية له سوف يكتشف أنه يؤسس لدولة دينية ويبدأ الخطوات الأولى نحو وجود ولاية الفقيه من خلال مرجعية الأزهر، وسوف أشير إلى جزء صغير من انتقاد منظمة العفو الدولية للدستور «المسلوق»، قالت المنظمة إن «مسودة الدستور التى وافقت عليها الجمعية التأسيسية تقصر جدا فى حماية حقوق الإنسان، وعلى وجه الخصوص، فى تجاهلها لحقوق المرأة، وتقيد حرية التعبير باسم حماية الدين، وتسمح بالمحاكمة العسكرية للمدنيين». وأشارت المنظمة إلى أن «هذه المسودة، والطريقة التى اعتمدت عليها، تأتى بمثابة خيبة أمل كبيرة لكثير من المصريين».

أجواء الكابوس الدستورى بدا من خلالها داخل اللجنة توافق و«تربيطات» مسبقة بين أبناء الفصيل الواحد والعشيرة التى حاولت أن تتماسك فى مواجهة كل الوطن، وبدا أن هناك حرصاً على عدم اختلاف الحلفاء، وبالتالى تمرير ما يريدون من خلال صياغات ملتوية تحقق أهدافهم.

فهمى المتواضع للدستور أنه لجميع الوطن لا لشقه، وأن أساسه التوافق الوطنى لا الاختطاف الذى شاهدناه ونشاهده. وأظن أيضاً أن الجماعة ورئيسها أرادوا أن ينتقلوا بصراعهم مع بقية أطياف الوطن إلى منطقة متقدمة تتجاوز إعلانهم الديكتاتورى إلى دستورهم الذى يمكنهم من ضمان الإمساك بتلابيب السلطة.

استمر الكابوس الدستورى حتى الصباح، وظللت حتى اللحظة الأخيرة متمنيا أن يكون كابوسا بحق ينتهى بأن أستيقظ، لكن للأسف ثبت لى أن الواقع الذى نعيشه قد تجاوز الكابوس كثيرا، ولا أدرى هل سنستيقظ منه قريبا أم ليس بعد؟