الفتوة والبلطجى والدولة

بقلم عبد اللطيف المناوي

تتنافس الشاشات فى المقاهى والكافيهات- بحسب اللغة الحديثة- على إذاعة شيئين: كأس أوروبا ومسلسلات رمضان، التى وصل عددها هذا العام إلى حوالى 30 مسلسلاً.

لكن ما يحظى بالاهتمام الشديد من المصريين هو متابعة كأس أوروبا، التى ينقسم فيها رواد المقاهى فى تشجيع فرق يميلون إليها، لكن هذا الانقسام يتراجع أمام مسلسل واحد يتجمع حوله ويجمع عليه القطاع الأكبر من المصريين، سواء فى المنازل أو المقاهى أو النوادى، وهذا الإجماع هو دلالة على الخطر الذى يواجهه مجتمعنا.

قديماً، إذا عدنا إلى روايات نجيب محفوظ، نجد أن نموذج فتوة الحارة، وهو أحد أبطال عالمه الروائى، يشكل نموذجاً لبطل شعبى يميل فى الغالب للحق، والدفاع عن المظلوم، وعندما يتجاوز دوره المتوافق عليه شعبياً يفرز المجتمع من يستطيع أن يصحح الوضع مرة أخرى، ويظهر فتوة جديد. الملاحظ فى فتوة نجيب محفوظ أنه انعكاس لمرحلة الثلاثينيات والأربعينيات فى مصر، وأنه إفراز لشريحة مجتمعية تلتزم بقيم المجتمع فى الأساس، وأنه يلتزم أيضاً بالقانون ويتراجع أمام هيبة الدولة، إذن ففتوة نجيب محفوظ هو جزء من النسق الصحى فى تلك المرحلة.

هذه الأيام، هناك فتوة من نوع آخر، يبدو أنه يتحول إلى بطل شعبى رغم أنف المجتمع، ولكن فتوة هذا الزمان أصبح الوجه الآخر للبلطجى الذى لا يحترم القانون، ولا يضع فى اعتباره أى حضور لهيبة الدولة، بل يتحداها، ويتصادم معها، ويحقق العدالة من وجهة نظره، ومن وجهة نظر المتابعين لتلك الحالة التى تقدمها الدراما باعتبارها بطلاً، ويؤكد فلسفة أخذ الحق باليد، وعجز الدولة عن القيام بهذا الدور، وعندما يتعامل مع الدولة فإنه يتعامل معها باعتبارها إما أنها موالية له، وخاضعة له، ومطيعة له، أو أنها دولة فاسدة، فمن ليس مع البلطجى فبالتأكيد هو فاسد. ويتم التأكيد على هذا المعنى فى كل مشهد، وفى كل معنى يتم تمريره إلى المشاهدين فى صورة فنية تخلق حالة من التعاطف التام مع هذا البلطجى الذى يرسخ لشريعته، ولشريعة الغاب، وشريعة القوة والعنف والدماء، ولعل أكثر ما يدل على ترسيخ هذا المحتوى أن بعض المقاهى شهدت احتفالاً بعد أن انتقم بطل هذا المسلسل، فى مشهد دموى، من عائلة منافسة له، واحتضن المتفرجون بعضهم فرحاً بهذا «الانتصار».

المشكلة هنا ليست فى وجود هذا النموذج، ولكن فى هذا الميل، وهذا التعاطف الشديد معه، واعتباره نموذجاً يجب أن يتبع أو يحتذى، وأنه النموذج الذى يجب أن يسير على دربه من يستطيع، وأن يحلم بأن يكون مثله من لا يستطيع.

فى مرحلة من المراحل كنا ننتقد تلك النماذج الفنية، التى كان يقدم فيها فريد شوقى على سبيل المثال وغيره نموذج المجرم «خفيف الدم»، أو الذى يدعو للتعاطف، وكنا ننتقد أن يُترك على الشاشة شخص مثله، رغم أنه فى نهاية الفيلم ينتصر الحق أو الشرطة أو الدولة والمجتمع.

لكن هذه المرة المسألة مختلفة، فمن ينتصر دائماً هو من يأخذ حقه بيده، ويعتمد البلطجة أسلوباً، ومن يهين هيبة الدولة، ومن لا يثق إلا فى القوة الغاشمة القادرة على الفعل فى مواجهة دولة عاجزة- كما تصور- عن القيام بدورها تجاه المواطن.

مرة أخرى، الكارثة هنا أن هناك من يتعاطف، من مستويات مختلفة، ومن يشكك عليه أن يتوجه إلى الكافيهات أو المقاهى، ويلاحظ حجم الاهتمام والتركيز فى مباريات كأس أوروبا وفى متابعة والتعاطف مع الفتوة البلطجى.

Advertisements

العلم والفئران

بقلم عبد اللطيف المناوي

«إهدار الهيبة» هو مصطلح لا أدعى امتلاكه، لكن قرأته لأحد الأصدقاء، وأنا هنا أشير إليه وأستخدمه فى إطار الحديث عن مفهوم الهيبة، وفهم البعض له.

هيبة الدولةـ أى دولةـ تتكون من العديد من العناصر، وكما سبق أن ذكرت أننا عندما لا نجد مطباً صناعياً عشوائياً فى أحد الشوارع العامة، أقامه أحد المواطنين من تلقاء نفسه، غاضاً الطرف عن القانون ودون الرجوع إلى أى مسؤول، عندما تختفى هذه الظاهرة، فوقتها يمكن أن نتحدث عن هيبة الدولة.

وأنا هنا أتكلم عن هيبة المسؤول، التى هى جزء من هيبة الدولة، والتى تتكون بالأساس من طريقة تعاطيه مع المشكلات، وتعامله مع المحيطين، وتعبيره عما يفعل أو يفكر فيه، أو يقدم به أفكاره للمحيطين به.

وإذا تأملنا بعض التصريحات التى انتشرت خلال الفترة الأخيرة، سنجد أن هناك مشكلة حقيقة لدى العديد من المسؤولين، فى مستويات مختلفة، تتمثل فى أسلوبهم المستخدم فى التعبير عن مواقفهم أو أفكارهم، وسوف أشير اليوم إلى نموذج لأحد المحافظين الذين تحولوا إلى أحد أبطال الكوميكسات والفيديوهات الكوميدية على مواقع السوشيال ميديا.

وهذا المسؤول من النماذج المتكررة، فى التصريحات الغريبة، وكان آخرها حديث له عن طريقة تنظيف «الفئران» قبل القضاء عليها، وعلى الرغم من أن ما ذكره معروف وصحيح علمياً، وفيه جزء من الحقيقة، إلا أن أسلوب عرضه غير مقبول من مسؤول فى منصبه، فعلمياً من المعروف أن الفئران تنتشر فى ميادين القتال لتتغذى على جثث القتلى، ويصبح الفأر بهذا حاملاً للطاعون، كما أن الفئران تحمل البراغيث التى تتغذى على الدم أثناء تحركها، والتى تنتقل منها إلى الإنسان فتحمل له الطاعون، ولهذا عادة ما ينتشر الطاعون بعد الحروب، بسبب انتشار الفئران والجثث. ولهذا أيضاً يتم استخدام بودرة خاصة للقضاء على البراغيث الموجودة فى الفئران، قبل القضاء عليها، حتى لا تنقل المرض إلى الإنسان. وهذه حقائق علمية، لكن يظل السؤال المطروح أمام كل من شاهد الفيديو المتداول بكثافة على كافة منصات التواصل الاجتماعى للسخرية من المسؤول، هو كيف تحدث الرجل، وإلى من يتحدث، وكيف كان أسلوبه فى طرح أفكاره. والإجابة على هذه الأسئلة، تنتهى بنا إلى حالة لا يمكن وصفها إلا بأنها أسلوب لإهدار هيبة هذا المسؤول.

هذا المسؤول هو مجرد نموذج، ولكنه متكرر للأسف، وهذا يعنى ببساطة، أن المطلوب أن يتعلم المسؤول- والتعلم هنا ليس عيباًـ كيف يعبر وماذا يقول وكيف يقول، وكيف يخاطب المحيطين به، حتى لا تسقط هيبته، ويتم التعامل باعتباره مصدرا دائماً للسخرية.

وحتى أكون منصفاً أنا هنا لا أوجه هجوماً على هذا المسؤول بعينه، وإنما حظه العاثر أنه تم نشر تصريحاته المثيرة عبر مواقع السوشيال ميديا، وأصبح له متابعون، وآخرون يفتشون عن تصريحات قديمة له للسخرية منها، ومنه، وهكذا تحول الرجل إلى مادة للسخرية لعشرات المتعطشين لمثل هذه التصريحات.

وما أردت الإشارة إليه هنا هو العديد من المسؤولين الذين يتصدون للرأى العام، ولكن لا يعرفون ماذا يجب أن يقولوا.

مصر «2013- 2016» هذا ما حدث

بقلم عبد اللطيف المناوي

عندما نعود بالذاكرة إلى 8 يونيو 2013، والأجواء المشحونة فى ذلك الوقت، وحالة الانهيار التى كانت تشهدها الدولة فى كافة المجالات، يمكننا أن نعرف إلى أى مدى تغيرت مصر، وأى طرق عبرت وأى مصاعب واجهت، وإلى أين وصلت.

كانت الأمور قد تجاوزت كل الحدود المقبولة، النظام الحاكم فى ذلك الوقت «فعل بمصر ما لم يفعله أسوأ الغزاة وأكثرهم تدميراً وغلظة واستهانة، بل فاقت الأمور كل المتوقع عندما اكتشف الجميع أن إدارة البلاد فى أيدى مجموعة من الهواة».

الجملة السابقة هى بعض ما كتبت قبل ثلاث سنوات من الآن، عندما كانت الدولة مختطفة فى يد جماعة تناصب الوطن العداء، فتغولت فى كل اتجاه، فى الإعلام والقضاء والصحافة والوزارات، عندما كان قادتها يهددون أن يحكموا مصر 500 عام، عندما كانت ميليشياتها تحاصر المحكمة الدستورية، ومدينة الإنتاج الإعلامى، عندما تحولت إدارة مصر إلى إدارة فاشلة بامتياز، لا تنفذ إلا التزامات السمع والطاعة، وتُدار من مكتب الإرشاد فى المقطم لحساب مصالح أبعد ما تكون عن الوطن.

عندما نستعيد كل تلك الأجواء الآن، بعد ثلاث سنوات من رحيل الإخوان، وبعد عامين من تولى الرئيس عبدالفتاح السيسى الحكم فى مصر، نعرف ماذا تغير فى مصر.

تجاوزت مصر خلال السنوات الثلاث الكثير من المصاعب، واستطاعت عبورها، تمكنت من القفز عليها إلى الأمام، وبدأت مرحلة جديدة من البناء، بالتأكيد هناك العديد من المشكلات التى مازالت تواجهنا، لكننا فى المقابل أصبحنا على أرضية مغايرة، نختلف من أجل الوطن، لا يكفرنا أحد لأننا أبدينا رأياً مخالفاً.

مصر الآن على الطريق الصحيح، حتى لو اختلفت الآراء وتباينت وجهات النظر حول إدارة الدولة لبعض القضايا، فلا أحد يستطيع أن ينكر أن هناك تغييراً تم على أرض الواقع، وأن هناك حركة حقيقية تتم من أجل النهوض بالبلاد، التى استمرت منذ عام 2011 فى حالة تدهور وانهيار.

ولا أحد ينكر أن ما حدث خلال السنوات الثلاث الأخيرة انتشلها مما كانت تسير إليه، وعاد بها إلى الطريق الصحيح، قد يكون ما يحدث لا يلبى كل متطلبات المواطن المصرى، وقد نختلف على سرعة الإنجاز، وقد نتناقش أو نختلف حول عدد من القضايا العالقة أو طريقة إدارة مشكلة ما بسبب فهم كل طرف للمشكلة وطريقة إدارتها، لكن فى النهاية من المؤكد أن مصر تجاوزت مرحلة الخطر، التى كانت تحدق بها، واستطاعت أن تعود إلى مسارها الصحيح.

بالتأكيد مازال هناك العديد من المشاكل التى تحتاج إلى معالجة سريعة وفعالة وناجزة، ونأمل أن يتم التعامل معها بشكل سريع، كما أن الدولة مازالت فى حاجة إلى وضع رؤية عامة «ماستر بلان»، توضح المشروع الاستراتيجى لمصر، والذى يجب أن يلتف حوله المصريون، سواء فى مستوى المسؤولين أو حتى المواطنين فى الشارع.

هذه الرؤية «الماستر بلان» بحاجة أيضا إلى أدوات واضحة، ويجب أن تشارك فيها الدولة بكافة قوتها وطاقتها، وأن تكون هناك أدوات عمل تربط هذا المشروع القومى بكل ما يتم تنفيذه، سواء على مستوى الرئاسة، أو على مستوى الوزارات التنفيذية.

لنا الحق الآن فعلاً، عندما نتأمل ما حدث فى مصر خلال السنوات الثلاث الماضية، أن نسعد بالتطور والتغيير الذى حدث، وما تم تحقيقه، وأن تكون لنا ملحوظات على ما يتم من أجل التغيير للأفضل، ودفع سفينة الوطن للأمام لتجاوز الماضى تماماً.

فض اشتباك

بقلم عبد اللطيف المناوي

على الرغم من التاريخ الطويل والإنتاج الكبير للسينما المصرية، فلم يكتب لها كثيراً أن تدخل محافل سينمائية ومهرجانات دولية مرموقة، إلا مرات قليلة خلال السنوات الماضية، وعلى أيدى أسماء مخرجين معدودين ومعروفين.

ومؤخراً، كان لمصر الحظ أن تكون حاضرة على يد أبنائها فى مهرجان كان السينمائى، فى افتتاح قسم «نظرة ما»، بالفيلم المهم «اشتباك»، الذى أخرجه محمد دياب، وقامت ببطولته الفنانة المتميزة والتى تثبت كل يوم جدارتها بأن تكون فى مصاف النجوم الأوائل فى تاريخ السينما المصرية، نيللى كريم، واستطاع الفيلم أن يلفت الانتباه إليه بشدة فى المهرجان الدولى، واختاره نقاد موقع «هوليوود ريبورتر» فى قائمة أفضل 10 أفلام عُرضت ضمن فعاليات الدورة الـ69 من مهرجان كان.

وكنت قد اطلعت على فكرة الفيلم قبل تصويره، وتحمست لها كثيراً، رغم التخوف من أن البعض قد يفسر فكرة الفيلم بأنها تدعو للمصالحة، وهنا أود التنويه إلى أننى لست مع المصالحة مع أى تنظيم غير شرعى أو يلجأ للإرهاب، لكنى مع الحوار مع أبناء الوطن الذين يلتزمون بقوانينه ونظمه.

لكن بمجرد وصول الفيلم إلى مهرجان كان والإشادة به، بدأت حملة كبيرة على الفيلم وعلى مخرجه، مع اتهامات له بأنه ثورجى ومن «نشطاء السبوبة»، وأنه دائم الهجوم على مؤسسات الدولة، ويقدم صورة مشوهة عن المجتمع المصرى فى أفلامه، وهذا أحد أشكال التجاوز المجرمة فى الأداء والتعامل، أن نسعى للاشتباك مع الذين نختلف معهم ومع رؤيتهم من أبناء الوطن، حتى لو كان السبب صغيراً، أو لو كانت مساحة الاختلاف لا تسمح بكل هذا الهجوم الكاسح.

لا أعرف المخرج محمد دياب، ولم ألتقه من قبل، وقد أختلف معه فى المواقف السياسية، وفى التعبير عن الطرق التى يعبر بها عن آرائه السياسية، لكن ما أعرفه هو أنه مخرج جيد، وأحد الأسماء المهمة فى عالم السينما، ويقدم مستوى فنياً جيداً فى أفلامه، وأنه يمثل مصر ويحمل اسم مصر فى أفلامه التى يشارك بها فى المهرجانات الدولية.

وما أعرفه أيضاً أننا نعانى من إشكالية كبيرة وأساسية فى التعبير عن اختلافنا، وهى أننا لا نعرف كيف نختلف، ولدينا حساسية شديدة إذا طرح شخص رأياً مغايراً لنا، فنبدأ على الفور بانتقاد الشخص، والاتهام جاهز دائماً، وهو يبدأ من عدم الفهم، وينتهى بالتخوين.

هذه الطريقة فى فهم «الاختلاف» تدفع الكثيرين من أبناء الوطن للتوقف عن دفع سفينة الوطن إلى الأمام، كما تمنعهم أيضاً حتى من الحديث وإبداء آرائهم، والاختلاف كما يحدث فى كل المجتمعات التى يؤدى فيها الاختلاف إلى تطور الأفكار وتطور الوطن.

هناك، للأسف، عملية طرد تقوم بها أجزاء من الدولة، للأفكار المختلفة عن الأفكار التى تتبناها، والتعامل مع أى حوار فكرى باعتباره معركة، بها فائز وخاسر، والخاسر لابد أن يخرج خارج اللعبة، وللأسف، الخاسر فى هذه اللعبة هو الوطن ككل، وليس الشخص «المطرود» بأفكاره.

نحن فى حاجة ماسة فى هذه المرحلة أن نستعين باسم الفيلم «اشتباك»، وأن نحوله إلى «فض الاشتباك»، حول المعارك الصغيرة فى الدولة، وأن يتحول الاختلاف إلى حالة صحية من النقاش الذى يبنى ويدفع الوطن للأمام.

وأنتهز هذه الفرصة لأهنئ المخرج محمد دياب والفنانة نيللى كريم بفيلمهما «اشتباك»، وأتمنى أن نهنئ أنفسنا جميعاً قريباً بمرحلة «فض الاشتباك».