«الأراجوز» لم يكن يوماً خنجراً فى ظهر الوطن

عبد اللطيف المناويDSC_8195

ظل «الأراجوز» فى الثقافة المصرية سلاحا وطنيا من أجل كشف الكذب والانتصار للناس فى مواجهة السلطة، هذه حقيقة أبدأ بها قبل أن أتابع لأبين منذ البداية أن دور الأراجوز لم يكن يوما مهانا فى عقول المصريين، حتى لو كان مصدر ضحكهم، وكان دائماً محل حبهم حتى وهو يكشف لهم عيوبهم، لأنه فى المقابل كان دوما جزءا منهم ولم ينفصل عنهم.

طالعنا كثيرا خلال الأيام الأخيرة تعبير الأراجوز، استخدمه البعض فى سبيل الهجوم على باسم يوسف فى إطار التهوين منه والتقليل من قدره، واستخدمه هو شخصيا فى وصف نفسه فى إطار حماية نفسه فى مواجهة النقد أو الهجوم، وكان لسان حاله أنه لا أحد «ياخد على كلام الأراجوز»، واليوم أكتب عن الأراجوز لأنه مظلوم لدى الطرفين من أراد استخدامه للتقليل والإهانة ومن أراد الاحتماء به باعتباره هزلا لا يستحق المحاسبة.

قدم علماء الحملة الفرنسية وصفاً له فى كتاب وصف مصر، فجاء وصفهم له كما هو الآن فى مصر «وقد شاهدنا فى شوارع القاهرة عدة مرات رجالاً يلعبون الدمى، فيلقى هذا العرض الصغير إقبالاً كبيراً والمسرح الذى يستخدم لذلك بالغ الصغر يستطيع شخص واحد حمله بسهولة، ويقف الممثل فى المربع الخشبى الذى يمده بطريقة تمكنه من رؤية المتفرجين من خلال فتحات صنعت لهذا الغرض دون أن يراه أحد ويمرر عرائسه عن طريق فتحات أخرى».

الأراجوز لم يكن مجرد وسيلة للتسلية والمرح، لكنه كان منبرا مباشرا لنقد الأوضاع الاجتماعية وعرض أهم القضايا التى تدور فى بال الناس فى ذلك الوقت، كان المصرى يجد حياته اليومية متجسدة فى عرض كوميدى ظريف أبطاله عرائس خشبية، مما كان يهون عليه معاناته، وأيضا يساعده على تقبل مواجهة أخطائه عن طريق نقدها بشكل لطيف. ومن ثم فهو جزء أصيل من التراث الثقافى المصرى، الذى استمر على مدار عقود يحمل رسالة رفض ونقد المجتمع وأشكال السلطة السائدة داخله.

ساهم الأراجوز، على مدار عقود، فى خلق ثقافة الاعتراض، إذ ينهى الأراجوز عروضه بضرب خصومه وطردهم من المجتمع بكلمه (اطلع بره)، التى تكون آخر ما ينطق به فى عروضه، فهو يميل إلى إقصاء العناصر الفاسدة وطردهم من المجتمع، ومن ثم كان الأراجوز أحد أهم مكونات الوعى الجمعى للمصريين، فالأراجوز يبحث عن التغير نحو الأفضل، كذلك يحث الآخرين على التغير بشكل سلمى من خلال إقصاء العناصر الفاسدة.

اختلفت الآراء حول أصل كلمة أراجوز، فهناك رأى يُرجع كلمة أراجوز إلى اللغة الفرعونية «أورو جوز»، أى صانع الحكايات، وآخر يرجعها إلى كلمة «القرة قوز» باللغة التركية، التى تعنى العين السوداء، وآخرون يقولون إنها تحريف لقراقوش نسبة إلى بهاء الدين قراقوش، أحد حكام مصر فى العهد العثمانى، واخترع المصريون شخصية الأراجوز ليعبروا من خلالها عن موقفهم من قراقوش، وسواء كان أى من هذه التفسيرات صحيحاً أو غير دقيق تظل قيمته حاضرة فى حياة المصريين بشكل إيجابى.

يقدم الأراجوز عروضه من خلال دمى القفاز الشعبية، التى يصل عددها إلى قرابة 14 دمية مختلفة فى شكلها، أشهرها دمية الأراجوز الشخصية الرئيسية فى جميع العروض، يقدم العرض فنان (محرك عرائس) لا يراه الجمهور يعتمد على عدد محدد من العرائس، ويشاركه العرض مساعد يسمى (ملاغى)، يقف أمام الجمهور وعليه تقع مسؤولية العزف والحوار مع الدمى وإشراك الجمهور، ويؤدى العرض مباشرة دون تسجيل، معتمدا على محفوظات الفنان المؤدى. للأراجوز صوت مميز بفعل آلة يضعها فى سقف الفم لها اسم غريب تسمى به هو «الأمانة»، وهى تسمية يمكن أن نلبسها نحن دلالة، دوره أمانة والتزامه بناءه أمانة، وحفاظه على قيم مجتمعه أمانة، حتى وهو يوجه النقد القاسى له.

الأراجوز لم يكن يوما إلا سلاحا فى يد الناس، ولم يكن يوما خنجرا فى ظهورهم، رسم لهم حلمهم من خلال نقده سلبياتهم، وواجه معهم بطش حكامهم وسخر منهم، كان يفعل كل هذا ولم يتجاوز فى اللفظ ولم يسئ الأدب، ولم يكن استخدام الإيحاءات الجنسية والنكات المتجاوزة أدبا وأخلاقا أسلوب الأراجوز. احترم قيم المجتمع وأحلام الناس.

كم من حكايات تروى عن رد فعل الناس- الذى نسميه بلغة العصر الرأى العام- إذا ما تجاوز الأراجوز لفظا أو استهان بأحلام الناس أو تحدى التوجه العام والمزاج العام للناس، كان رد الفعل يتلخص فى لفظهم للأراجوز أو ضربه أو طرده. هذا نصيب من يتحدى ثقافة وأحلام الجموع.

أظن من يريد أن يكون أراجوزا بحق فعليه أن يراجع نفسه حتى لا يكون منبوذا ومحظورا، لأنه تحدى إرادة الناس وأهان أحلامهم.

خواطر كروية على هامش الهزيمة

عبد اللطيف المناوىعبد اللطيف المناوي
مثل كثير من المصريين توقفت عن متابعة اي نشاط رياضي مصري دولي او محلي، خاصة مع الارتباط الذي حدث بين هذه الأنشطة وحوادث عنف باتت احد الملامح الحاضرة على سطح الأحداث في مصر. يضاف الى ذلك حالة الإحباط العامة والعميقة التي عشنا فيها لأشهر طويلة جعلت من متابعة الرياضة أمرا فقد تأثيره على المصريين. لكن الامر تغير هذه المرة، مع صحوة المصريين بثورتهم على حكم الاخوان واستعادتنا لوطننا المخطوف عاد إلينا الأمل واستعدنا الرغبة في الحياة، لذلك أتت مباراة مصر مع غانا التي كان يعني الفوز في مجموع المباراتين تحقيق حامنا في الوصول الى كأس العالم في البرازيل، وهو الحلم الذي تأخر حوالي اربع وعشرين عاما، ويبدو انه سيتأخر اكثر، شعرنا بالرغبة في إنجاز سريع يؤكد لنا عودتنا الى الحياة، رغبنا في أني تواكب مع عودة الحياة الى الجسد المصري ان نسعد بتحقيق حلم قديم حتى لو كانت المقومات غير كافية، لكننا سمعنا كلاما مثل “من حقنا ان نشعر بالسعادة” وآخر يقول “الناس تعبت ومحتاجة بحق ان تشعر باستعادة الروح” لذلك كان تعلقنا جميعا بمباراة فريقنا القومي مع غانا، وكان السؤال الذي يتردد بين الأصدقاء والمعارف “ها تشوف المباراة فين؟” عشنا لحظة الحلم والحماسة وأردنا استعادة طعم الحياة.
البعض وصلت حماسته الى اعلان الرغبة في تحمل تكلفة سفر المشجعين المصريين على طائرات يؤجرونها لهذا الغرض، والبعض الاخر بدأ في استعادة اجواء مباراتنا الشهيرة مع الجزائر في السودان وما حدث وقتها فبدأوا في طرح أفكار للدفع بمشجعين لدعم الفريق وهذا بالطبع استلزم التفكير في إجراءات لحماية المصريين هناك ولكن صوت عاقل خرج ليتساءل ولكن ماذا لو خسرنا هناك في ظل هذا الشحن وخلق ثورة توقعات معلقة باثنين وعشرين فردة حذاء؟ وكان للصوت العاقل تأثير في التعامل مع المباراة على هذا المستوى.
لكن على المستوى. الشعبي ظل لنا جميعا في حالة التعلق بالأمل في خلق لحظة سعادة، ليس مهما ان كانت سعادة حقيقية او وهمية المهم نحن تعبنا ونحتاج الى ابتسامة لذلك انتظرنا المباراة، وقتها توقفت التليفونات عن استقبال رسائل التهنئة بعيد الأضحى الذي أتى مختلفا هذا العام حيث كان اكثر بهجة، وتوقفت الاتصالات التليفونية وتعلقت العيون والقلوب والمشاعر مع المباراة التي قرر التلفزيون المصري نقلها بالاتفاق مع التلفزيون الغاني رغم أنف القناة القطرية التي وضعت تحذيرات وتهديدات باللجوء لحفظ حقها وأجبرت مذيعيها المصريين على قراءة التهديد كل عدة دقائق، وضحك المصريون على هذه التهديدات فالاخوة في الدولة “الشقيقة” اشترطوا ان يتصل مسؤول مصري كبير بالمسؤولين القطريين يطلب منه السماح بنقل المباراة، وهم هنا لا يعلمون ان الأمور في مصر تغيرت، لا يوجد شيء يجبر مصري مسؤول للتنازل عن حق وموقف حتى لو كان في ذلك خسارة مادية وقتية، لذلك كان الموقف لتذهب المباراة الى الجحيم ولا يتحكم هؤلاء بإملاء إرادتهم علينا وكانت الثقة في ان مثل هذا الموقف سوف يلقى دعما شعبيا حتى لو لم تنقل المباراة. العقل والإدراك العام بات اكثر نضجا.
بدأت المباراة وتغلبنا على مشاعر بدت واضحة من ان حالة من التفكك والتخبط تسود بين أقراد الفريق، صديق علق قائلا يبدو ان السياسة دخلت الملعب.
لا اريد ان استعيد التسعين دقيقة التي تسببت في رفع ضغط دمنا الى مناطق غير مسبوقة، ولا الى حالة الإحباط الوقتي التي اصابتنا ولكني سأتوقف عند بعض الملاحظات السريعة والنتائج التي أظنها مهمة. وسأبدأ بالملحوظة التي سبق وان أشرت اليها بحضور الخلاف السياسي الى ارض الملعب، والملحوظة التي لدي هنا هي تلك اللحظة التي سجل فيها ابو تريكة لاعب المنتخب القومي الهدف الوحيد من ضربة الجزاء يبدو انه لم يتخلص من تعاطفه الإخواني فرفض مصافحة زملاءه بعد سجوده وتجاهل زميله الذي حاول تحيته وبدا أشعث الذقن غاضب الملامح، حتى ان الشك يمكن ان يساور البعض ما اذا كان قد سجد بعد المباراة شاكرا الله على هزيمة منتخب “الانقلابيين”!!
هناك إيجابيات فيما حدث، صحيح ان فرد الأحذية الثلاثين، اذا أضفنا حذاء برادلي المدرب، قد أطاحت بأحلام المصريين في الوصول الى البرازيل الا ان ما حدث يحمل بعض الإيجابيات، تحقيق نصر سريع على غير أسس كان كفيلا بخلق حالة من الخدر لدى قطاع لا بأس به منا، سيشعر البعض ان المصريين قد عادوا لتحقيق ما فاتهم وهذا سيكون خداع بصري غير حقيقي، فالواقع يقول انه فاتنا الكثير ونحن بحاجة ماسة لتعويض ما فاتنا، ليس في مجال كرة القدم ولكن في كافة المجالات الاخرى المهمة، كان الفوز، رغم أهميته النفسية، سيكون سببا في شعور كاذب بنشوة القوة، العديد ممن تحدثت معهم بعد المباراة وجدت عندهم ذات التفكير، وهذا دليل على ان المصريين قد تغيروا وباتوا اكثر واقعية.
خسرنا المباراة وتحطم الحلم ولكن كسبنا مواجهة الواقع. فاتنا الكثير ونحتاج الجهد الصادق من اجل تحقيق الحلم الأهم بخلق مصر الجديدة.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

المصريون يسألونكم: من أنتم؟

عبد اللطيف المناوي

يبدو وكأننا شعب من الأيتام استحل مالَنا بعضٌ قليلٌ منا ممن وضعوا أنفسهم محل النخبة قسراً واغتصاباً، وممن أطلقوا على أنفسهم «القوى السياسية»، فعشنا نحن الشعب دور اليتامى، وعاشوا هم دور آكلى أموال اليتامى. وأظننى هنا لا أبالغ، حتى لو بدا فى التشبيه قدر من المبالغة. وما أقوله هنا هو تعبير أو تكرار لما يدور فى كل المجالس العامة والخاصة فى بر مصر. هناك حالة غضب حقيقية ممن يحاولون تنفيذ عملية الاختطاف الثانى لمصر وأهلها. تدور الحوارات التى تبدأ هادئة وتنتهى صارخة محبطة، انتقاداً لأولئك الذين يعملون- دون أن يدروا أو وهم يدرون- على اختطاف واجهات حلم المصريين فى الانطلاق نحو المستقبل بدولتهم المدنية الحديثة.

ولكى أوضح الصورة هنا فإننى سوف أطرح نقاطاً وتساؤلات أوضح فيها ما أعتقد أن معظم المصريين يتفقون معى فيه، وما سوف أطرحه. وأبدأ بالتساؤل لما يطلق عليها «القوى السياسية»: من أعطى لكم الحق فى أن تقفزوا على حلم المصريين لتحققوا أهدافكم الصغيرة الذاتية؟ ماذا فعلتم لتستحقوا ما تطالبون به؟ الحقيقة التى لا يملك أحد أن ينكرها أن المصريين الذين نزلوا إلى الIMG_0132شوارع فى الثلاثين من يونيو والأيام التالية لم يفعلوا ذلك تلبية لنداء أى من هذه القوى التى لا تمتلك من عناصر القوة حتى الآن سوى الأسماء: «التيار»، «التحالف»، «القوية»، «الوحدة» ومشتقاتها، «الشعب والشعبى» وقس على ذلك. هذه «القوى» لا تمتلك القدرة على أن تحشد عشرات الأشخاص فى شارع. هذه «القوى» هى التى قفزت على السطح الآن، وبدأت فى فرض شروطها وتقسيم الغنائم وتحقيق المكاسب على حساب الناس الحقيقيين الذين نزلوا بالفعل وساهموا فى التغيير دون أن يسمعوا عن أى من هؤلاء الذين يحاولون اليوم أن يفسدوا ثمرة صحوة المصريين.

تخرج علينا قيادات ما تسمى «القوى السياسية» لتفرض شروطها على العملية السياسية وتحدد أسلوب الحركة لتنفيذ خطوات خارطة الطريق، وهم فى الواقع يفسدونها ويفرغونها من أهدافها، لكن هذا لا يهم، المهم تحقيق المكاسب الصغيرة لهذه القوى الصغيرة التى ظنت أنها باتت كبيرة ولم تجد من يقف فى وجهها ويواجهها بحقيقتها، وهى أنها لا تمثل شيئاً بين الناس. المشكلة هنا أن هذه القوى الوهمية باتت تتحكم فى مصير الأمة ومستقبلها، ولا تجد من يوقفها عند حدها، باتت تمارس وكأنها صاحبة الحق والإنجاز، فبدأنا نسمع عن شروط من هذا الحزب للمشاركة فى لجنة الدستور، ونسمع من الحزب الآخر اعتراضاً على قرار لحفظ أمن المجتمع. ولم يقف الأمر أيضاً عند هذا الحد بل بدأت الأخبار والشائعات تتسرب عن التحالفات الخفية بين بعض هذه القوى والأحزاب وبين جماعة الإخوان المسلمين والقوى الإسلامية المتحالفة معها من أجل تربيطات وتحالفات انتخابية تضمن لأعضاء هذه «القوى» دعم الإخوان فى الانتخابات البرلمانية ليصلوا إلى مقاعد البرلمان ممثلين لشعب لا يعرفهم، وفى مقابل ذلك يعطون للجماعة التى نبذها الشعب أبواباً خلفية للعودة واحتلال المشهد السياسى مرة أخرى رغم أنف الأغلبية. ما أقوله معلومات أطلب من زملائى الصحفيين الوطنيين أن يبحثوا فيها بحرفية وأن يكشفوها للرأى العام.

وفى إطار عملية النفاق المبنية على استغلال يتامى الشعب يقف هؤلاء يزايدون وكأنهم الأكثر وطنية وديمقراطية حتى يبدو من ضجيجهم وكأنهم يمثلون الشعب الذى لا يعرفهم، وكما سبق أن ذكرت: هذا هو السلوك المثالى لآكلى مال اليتامى. يصل الأمر بأحدهم لأن يخرج ليصرح بأن من ينتقد غياب «القوى السياسية» لا يعلم أن هذه «القوى» موجودة وتتحرك قبل 30 يونيو، بل إنها هى التى صنعتها، وأتى الجيش ليستكمل ما بدأته. يبدو هذا الكلام كنكتة سخيفة لا تثير ضحك من يسمعها بل تتسبب فى قدر كبير من الانزعاج والنفور من هؤلاء.

لم يتوقف الأمر «أيضاً» على هؤلاء بل تجاوزهم إلى بعضٍ ممن احتلوا مقاعد المسؤولية بطريق الخطأ الذى يلام عليه من اتخذ القرار فى هذه الفترة، فبعض هؤلاء يزايد على رغبات الناس، وقد سقط رأسه الذى كان يشغل نائب رئيس الجمهورية فى مرحلة مبكرة عندما اكتشف بتوجهاته ولكن بقيت امتداداته، فنرى السيد نائب رئيس الوزراء متعدد الأسفار يتجاهل بل يغيب تماماً عن الظهور فى الموضوعات والملفات التى يتولاها، فهو- كما نتذكر نحن- مسؤول عن الملف الاقتصادى الذى يشكل القنبلة الموقوتة فى الحاضر والمستقبل ولكن يبدو أنه نسى مهمته، فلم يعد يظهر إلا عندما يخرج مزايداً فى مواقف سياسية عنترية، مزايداً على الرغبة الشعبية، بالطبع ليس هو فقط بل هناك مثله العديد من المسؤولين الذين يمارسون العمل التنفيذى وأعينهم على تحقيق مجد شخصى أو مكاسب شخصية. كما ذكرت من قبل فإن هذا فى رأيى هو الخطأ فى تشكيل الحكومة على أسس سياسية بنظام المحاصصة. لكل هؤلاء نقف جميعاً نسألهم: من أنتم؟

«الإخوان المسلمين» في الخليج من الإيواء إلى التمرد

26octعبد اللطيف المناوي

انتقد صديق سعودي أسلوب تعامل وسائل الإعلام المصرية مع “الإخوان المسلمين”، لافتاً النظر إلى محدودية تعاملها مع التطورات الحالية، وعدم تأصيل الأفعال المنسوبة للإخوان بتاريخها المحقق، الأهم أنه ذكرني بموقف الأمير نايف بن عبدالعزيز وزير الداخلية السعودي الراحل، الذي قال منذ ما يقرب من أحد عشر عاماً إن “الإخوان المسلمين” هم “أصل البلاء”، أرسل إلي صديقي تصريحات الأمير نايف التي يظن أن التذكير بها واستخدامها في هذه المرحلة مهم، لتأكيد الكشف المبكر عن خطورة “الإخوان” في البنية السياسية والاجتماعية والفكرية في مجتمعات الخليج.

ويذكر الأمير نايف في تصريحاته التي أشير إليها “من دون تردد أقولها إن مشكلاتنا وإفرازاتنا كلها جاءت من الإخوان المسلمين”، وأضاف: “الإخوان لما اشتدت عليهم الأمور، وعلقت لهم المشانق في دولهم، لجأوا إلى المملكة فتحملتهم وصانتهم وجعلتهم آمنين، وإخواننا في الدول العربية الأخرى قبلوا هذا الوضع، لكن بعد بقائهم سنوات بين ظهرانينا، وجدنا أنهم يطلبون العمل، فأوجدنا لهم السبل، ففيهم مدرسون وعمداء، فتحنا أمامهم أبواب المدارس والجامعات، لكن للأسف لم ينسوا ارتباطاتهم السابقة، فأخذوا يجندون الناس، وينشؤون التيارات، وأصبحوا ضد المملكة!”.

ولم ينس أن يذكر بموقف “الإخوان المسلمين” المناور في بداية غزو العراق للكويت، والكشف عن أنفسهم عندما أصدروا بيانا، لدى زيارتهم بغداد، يؤيد الغزو العراقي.

تجربة “الإخوان” في دول الخليج تبدو متشابهة إلى حد كبير، في العهد الناصري هاجر “الإخوان” من مصر بعد صدامهم مع النظام ومحاولاتهم القفز على الحكم والانقلاب عليه، وتوسّط الملك سعود عند جمال عبدالناصر في أزمة “الإخوان” الأولى، واستجيب له نسبيا، لكن “الإخوان” عادوا إلى محاولاتهم الانقلابية فعاد الصدام من جديد.

وجد أعضاء الجماعة الهاربون في الدول التي هربوا إليها سماء آمنة فنشروا وانتشروا، واستطاعوا التواجد خاصة في منطقتي التعليم والاقتصاد، سيطر المنتمون للإخوان المسلمين على المناحي التعليمية في الجامعات، تحديداً في عقدي السبعينيات والثمانينيات، وكذلك على العديد من المنابر الإعلامية ومنابر الدعوة.

انتشر أعضاء الجماعة وكونوا تنظيمهم وشعبهم تحت أعين الحكومات الخليجية في معظم الأحيان، ولم يدركوا وقتها أنهم يربون ثعباناً داخل ثيابهم، اعتقدوا أن مزيجاً من الدعم والاستيعاب يمكن أن يضمن لهم مناخاً مستقراً، لم يدركوا وقتها أنهم يحولون الخليج إلى منطقة تمركز وانطلاق جديدة لتنفيذ مخططاتهم.

بعد الصفقة السياسية في عهد السادات مع “الإخوان” زار الهضيبي السعودية، وعقد عام 1971 اجتماعاً موسعاً للإخوان، تَشكّلت فيه ملامح التنظيم الإقليمي، الذي ضم إخواناً آخرين من البحرين والإمارات والكويت، ورغم هذا التوسع الجغرافي في التنظيم اعتقد عديدون أن دور الإخوان الخليجيين لم يزد على جباية الأموال، لكن الحقيقة أن جماعة الإخوان المسلمين الخليجية لم تعد تلك التي تجمع التبرعات والصدقات في الشوارع العامة والجوامع والمساجد، ولا يقتصر عملها على كفالة الأرامل والأيتام، لكن اليوم أصبحت ذراعاً سياسياً واقتصادياً للجماعة الأم في مصر، والأخطر أنها تبنت الفكر الانقلابي في دول مجلس التعاون، كما صرح وزير خارجية الإمارات الشيخ عبدالله بن زايد آل نهيان.

جماعة الإخوان المسلمين في الخليج العربي لها ارتباط بالتنظيم الأم في مصر، وتحمل نفس الفكر الانقلابي في مصر، ويتعجب البعض من الارتباط العضوي مع الجماعة الأم والتنظيم الرئيسي، فجماعة الإخوان المسلمين تحمل نفس الفكر للتنظيم الرئيسي، بل إن تحركاتهم الأخيرة في المنطقة بلغت الخطوط الحمراء إلى درجة التحذير العلني من قبل وزير خارجية الإمارات، ويعد إلقاء القبض في الإمارات على شبكة انقلابية إخوانية تسعى للإطاحة بالحكومات الخليجية دليلاً قاطعاً على نوايا “الإخوان” تجاه من أواهم عندما كانوا مطاردين.

يحكي الأمير نايف، في حديثه الذي أشرت إليه في البداية، عن قصة لرجل دون تسمية صاحبها: “أذكر أن أحد الإخوان البارزين تجنس بالجنسية السعودية، وعاش في المملكة 40 عاماً، ولما سئل عن مثله الأعلى، قال: مثلي الأعلى هو حسن البنا”.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

جماعة قررت الانتحار إلى الأبد

عبد اللطيف المناويعبد اللطيف المناوي

على مدار أكثر من ثمانين عاما فشل ملك وثلاثة رؤساء جمهورية وأنظمتهم، ومعهم تيارات ومؤسسات عديدة فى هزيمة الإخوان والقضاء عليهم، هم بأنفسهم فقط من استطاعوا بأيديهم أن يكشفوا حقيقتهم أمام الناس فى عام واحد فقط، واستمرارهم فى موقفهم المعادى للمجتمع الآن سوف يقضى على أى فرصة لعودتهم، لقد نجحوا فيما لم ينجح فيه أكثر خصومهم عداء لهم، وذلك بعدائهم السافر وإطاحتهم بكل القيم فى سبيل عودتهم بأى ثمن إلى السلطة التى فقدوها بسوء سلوكهم.

تاريخ الجماعة هو تاريخ من الانتهازية السياسية والعمل فى الظلام والنمو فى أجواء التضييق والاستبداد.

لم يكن قد انقضى على تشكيل الإخوان المسلمين خمس سنوات حين وصف مؤسس الجماعة حسن البنا عام 1933 الملك فؤاد بأنه «ذخر للإسلام» وبينما كانت شوارع مصر تغلى ضد الملك فاروق عام 1937، وصفه البنا، الذى يلقبونه بالإمام والشهيد، بقوله إنه «ضم القرآن إلى قلبه ومزج به روحه». وعندما طالب مصطفى النحاس باشا، زعيم حزب الوفد، بالحد من سلطات الملك غير الدستورية وخرجت جموع المصريين تهتف «الشعب مع النحاس» فتصدى لهم الإخوان بمظاهرات «الله مع الملك»، وفى مارس 1938 نادت صحف الإخوان بالملك فاروق خليفة للمسلمين، وردد الإخوان يمين الولاء للملك فاروق فى ميدان عابدين فى فبراير 1942 «نمنحك ولاءنا على كتاب الله وسنة رسوله».

وعلى امتداد سنوات النظام الملكى وقف الإخوان ضد حزب الوفد وهو صوت الحركة الوطنية، ووصل الصراع بين الجانبين إلى ذروته فى يوليو 1946، فلجأ الإخوان كعادتهم إلى العنف وألقوا بالقنابل على أنصار الوفد فى بورسعيد، ما أسفر عن مقتل أحد الوفديين وإصابة العشرات، فغضب الأهالى وأشعلوا النار فى دار الإخوان والنادى الرياضى ببورسعيد. وعندما شن إسماعيل صدقى، رئيس الوزراء القريب من الاحتلال الإنجليزى فى ذلك الوقت، حملة اعتقالات لمئات المثقفين والطلبة والعمال عام 1946، وأغلق عشرات الصحف، نشرت صحف الإخوان الرسمية أن الظروف تحتم ذلك لأن سلامة المجتمع وحرية الأمة فوق كل شىء، وخرج أحد قياداتهم مصطفى مؤمن، زعيم الإخوان بالجامعة، وخطب تأييدا لإسماعيل صدقى مستشهدا بالآية الكريمة «واذكر فى الكتاب إسماعيل إنه كان صادق الوعد وكان رسولا نبيا».

وبقيام ثورة يوليو التقى الإخوان عبدالناصر وحاولوا القفز على الحكم، وأغلقت أبواب التفاهم بين الإخوان والثورة بعد محاولتهم اغتيال عبدالناصر فى المنشية فى أكتوبر 1954. وما إن وصل السادات للحكم حتى قدموا أنفسهم له سلاحا ضد الناصريين واليساريين فى الجامعات، فاستخدمهم وعملوا على تأجيج الفتنة الطائفية، وخشى السادات من العفريت الذى أطلقه، فاعتقل الكثيرين منهم. وفى عهد مبارك لم يتركوا فرصة للتأييد إلا وانتهزوها.

لم يفعل الإخوان شيئا عبر تاريخهم سوى الانتقال من هتاف «الله مع الملك»، إلى تحية الرئيس المؤمن السادات، إلى «مبارك والد كل المصريين» إلى «يا مشير م النهارده أنت الأمير» وأخيرا إلى «مرسى مرسى.. الله أكبر».

اليوم سقطت الجماعة بعد عام واحد من القفز على السلطة فى مصر، أثبتت ما توقعه حليفهم حسن الترابى عراب الحركة الإسلامية فى السودان من أنهم لن ينجحوا فى إدارة الدولة، حيث نسب إليه قوله منذ فترة: «قلت للإخوان لا تترشحوا للرئاسة، وليكن عندكم أكثرية برلمانية، واستثمروا جو الحريات لصناعة الكوادر التى تقود الدولة بعد قيادة (المسجد)، فإدارة الدولة تختلف عن إدارة الجمعيات الخيرية»، حسب وصف الترابى الذى أضاف أن «العمل فى جو الحرية هو الذى يولد لكم فرصة الوجود ولو من بعد».

لكنهم لم يفهموا ذلك، وأخذتهم العزة بالقوة، وتمكن منهم العناد والإنكار وشهوة السلطة التى أعمتهم عن الحقائق ونفرت منهم الجميع أفرادا وجماعات.

كان أمام الجماعة فرصة أن تجد لنفسها مكانا، وأن تكون لديها فرصة لاستعادة قليل مما خسرت، الطريق الوحيد كان أن يدركوا أنهم خسروا السلطة بالفعل، فعلى الأقل لا يخسرون فرصة العودة كفصيل ينشط فى إطار دولة مدنية حقيقية، لكنهم لم يتمكنوا من الحفاظ على قناعهم الكاذب، وكشفوا حقيقتهم كجماعة فى مواجهة أمة، إما أن يحكموهم أو يقتلوهم.

صاحب اللحية الملوثة

19octعبد اللطيف المناوي

الشَّيْخُ: من أدرك الشيخوخةَ، وهي غالباً عند الخمسين، وهو فوق الكهل ودون الهرم.

هكذا عرّف المعجم الوسيط كلمة الشيخ، لذا لن أشعر بانزعاج نفسي عندما أُسبق يوسف القرضاوي بالشيخ، فتخطي سن الخمسين يعطي لكل شخص الحق في أن يوصف بالشيخ، ولكن ليس كل من يحمل وصف الشيخ يحظى بحصانة أو احترام.

ترددت كثيراً قبل أن أكتب عن القرضاوي الشيخ القطري الذي كان يحمل الجنسية المصرية، ولكنه فضّل عليها أخرى أعطته جواز سفر يدخل به بلده السابق مصر، لاحظت مبكراً ذلك النهم لديه للعودة للانتقام والاستحواذ، أذكر عندما حملته أيادٍ خفية ليؤم الصلاة في ميدان التحرير في الجمعة التالية لسقوط نظام مبارك، لم يكن ذلك مفهوماً وقتها، كيف ولماذا أتى هذا الرجل ليقفز فوق رؤوس وأكتاف المتظاهرين التلقائيين والمدسوسين والمنظمين، ولكن الأمر أظنه بات مفهوماً الآن، وبعد ذلك ازدادت زياراته لمصر بلده السابق، وحرص على أن يكون في مقدمة الصورة دائماً وحمل مهمة الترويج لفكر التنظيم الذي ينتمي إليه، وتم تكليفه من أطراف غير معلومة حتى الآن للقيام بهذا الدور، وقد يكون من المناسب هنا التذكير بأنه هو من قام بمهمة حل شعبة “الإخوان” في قطر ووقف نشاطها في قطر مقابل ضمان الدعم الكامل للجماعة على مستوى العالم وهذا موضوع آخر له حديث آخر.

ظل القرضاوي يحوم حول الأزهر المؤسسة الأهم في العالم الإسلامي وترددت شائعات وقتها عن أنه يتم الإعداد لتحقيق حلمه بالقفز والاستيلاء على منصب الإمام الأكبر الذي يشغله العالم الفاضل فضيلة الإمام الأكبر الدكتور أحمد الطيب، وبعدما اختطف مرسي منصب الرئاسة فُتِحت الأبواب أمام الشيخ القطري وبات ضيفاً دائماً ثقيلاً على قلوب المصريين الذين يدركون حقيقته والذين كانوا يزدادون يوما بعد يوم، كان يطل من خلال اللقاءات التليفزيونية التي أجاد الأداء فيها، لكن الذي كان أكثر إيلاماً هو احتلاله لمنبر الجامع الأزهر بوضع اليد، ففي تلك الفترة لم يكن لأحد الحق في أن يعترض على سادة الأمر الذين أمسكوا بتلابيب البلاد من جماعة “الإخوان”، لذلك اعتاد الشيخ القطري أن يخطب الجمعة عدة مرات من فوق منبر الأزهر داعياً الناس إلى تأييد “الإخوان” ومشروعهم الذي كان يحمل اسم “النهضة” ولم يرَ المصريون منه إلا الخراب.

لم يتحمل القرضاوي، مثله مثل كثيرين من أمثاله، صدمة يقظة المصريين وإطاحتهم بالإخوان من الحكم، بمن فيهم ممثلهم في قصر الرئاسة محمد مرسي، وأصابته ثورة المصريين بمزيج من الصدمة والغضب والارتباك وعدم القدرة على السيطرة على النفس أو الألفاظ والأفعال، وبدا ذلك واضحاً من خلال تخبطه وتصريحاته الغاضبة، والتي تجاوز فيها في اللفظ والموقف تجاه شعبه السابق وبلده الذي كان ينتمي إليه، ولم يسلم من تجاوزاته الإمام الأكبر الذي يتميز بعفة اللسان والتسامح فلم يرد على تجاوزاته اللفظية وهجومه الشخصي ورفض مجرد مناقشة فكرة طرده من هيئة علماء الأزهر، أيضاً لم يسلم منه الدكتور علي جمعة مفتي مصر السابق الذي وصل القرضاوي في تجاوزاته اللفظية تجاهه إلى مستوى مفاجئ للجميع، حيث وصفه بأنه صاحب فتاوى سامة وتعليمات مشبوهة وأحكام مسيسة ووصف وجه دكتور علي جمعة بالقبيح، وقوله بالأحمق وفعله بالأرعن.

ولكي أكون غير متجنٍّ على الشيخ سناً فإنني هنا أشير سريعاً إلى نماذج جديرة بأن تدرس لتجاوزات الرجل الذي يفترض أن دوره أن يتصدى لإرشاد الناس، ولكنها هنا تدرس كنماذج ينبغي معرفتها لتجنبها، في مقال له تحت عنوان “وقفات مع شيخ الأزهر وقضية الانقلاب على الشرعية” يقول: إنه “كان ينبغي ألا تلوث عمامة الأزهر، ولحية شيخه، بمساندة هؤلاء، الذين أثبتت الأيام القليلة الماضية فساد طوياتهم، وسوء مكرهم، وظمأهم نحو السلطة، وسعيهم إلى سدة الحكم عبر دماء الشهداء، وأشلاء الأحرار”، وفي موضع آخر قال إن “الفساد تفشى في مختلف المؤسسات المصرية، وفي مقدمتها الأزهر”.

هذا قليل من كثير من تجاوزات القرضاوي المستمرة تجاه الأزهر، الأمر الذي دفع مصادر في هيئة كبار علماء الأزهر، التي يشغل القرضاوي عضويتها، إلى وصف تعبيراته التي وردت على موقعه على الإنترنت، بأنها أثارت استياء الكثير من هيئة كبار العلماء، بينما اكتفى الشيخ محمود عاشور، وكيل الأزهر الأسبق بالتعليق بقوله إن “كل ما يقوله القرضاوي ليس من الإسلام في شيء”، مشيراً إلى أن القرضاوي، (87 عاماً)، أصبح غير مسؤول عما يصدر منه الآن، ومن جانبها، رفضت مشيخة الأزهر التعليق رسمياً على كلام القرضاوي، بقولها: “الأزهر وشيخه أكبر من أن يردا على مثل هذا الكلام”.

الجديد الذي خرج به الشيخ القطري هو هجومه المخزي على الجيش المصري والتحريض عليه، مما دفع بعض المواطنين إلى تقديم بلاغ إلى النائب العام المصري يتهمونه فيه بالتحريض على الجنود المصريين، وقد وصف الجيش المصري بالمتخازل والمهزوم، قائلاً: “إن الجيش المصري انهزم في ثلاث حروب 1948 و1967 و1956، وانتصر في حرب واحدة فقط، وهي 1973” وقبلها بأيام طالب الجنود المصريين بعدم الانصياع لأوامر الضباط.

لقد اختزل الشيخ الإسلام في “الإخوان المسلمين”، وقال إن من يهاجم “الإخوان” هو عدو الإسلام، وقبل، وهو في عمره هذا، أن يتحول إلى أداة لتحقيق أهداف الجماعة التي في ما يبدو لم يخضع فيها لمبدأ السمع والطاعة، ويفقد الرجل يوماً بعد يوم احترام جزء جديد ممن يكتشفون حقيقة مواقفه.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

مصريون جدد من أجل مصر الجديدة

ABD EL ELATIFعبد اللطيف المناوي

المصريون في كل مكان هم ذاتهم المصريين في أرض مصر يتركون بلادهم بأجسامهم ولكنهم يحملونها معهم أينما يذهبون لا يختلف مصري يعيش في برد لندن أو بين ناطحات سحاب منهاتن أو في شوارع الرياض كلهم يعيش وهو يحلم بالعودة ويستعد لها حتي لو كان قد فارق البلاد منذ عشرات السنيين. صديق مصري يعيش في لندن ومتزوج من إنجليزية حدثني أن أخر جدل حدث بينه وبين زوجته كان خلافا حول المكان الذي يدفن فيه فعلي الرغم من أنه ترك مصر منذ حوالي 35 عام الا أن قراره هو العودة الي أرضها لتحتضنه تربتها عندما يفارق الحياة . هذه هي علاقة المصري بأرضه هي علاقة حياة وتستمر حتي بعد الموت وقد يفسر هذا لماذا كان المصريون القدماء هم أول من تحدث عن الحياة بعد الموت وتركوا علامات علي ارض مصر لتعود اليها أرواحهم الهائمة.

وكما يرتبط المصريون بأرضهم فإنهم ينتقلون بعادتهم بمزاياها وسلبياتها وهذا ما لمسته خلال احتكاكي المستمر بالمصريين خارج البلاد نحن لا نعرف للأسف كيف نتعاون معا من أجل وضع أفضل لنا جميعا خلافاتنا دائما حول من يقود ومن هو صاحب القرار ومشكلاتنا تكمن في النجاح في ايجاد تناغم بين فريق عمل تسيطر عليه روح الجماعة و لذلك نجد مصريين متميزين كأفراد في مجالات مختلفة ويندر أن نجد تجارب لمجموعات مصرية أو لعمل مصري مشترك وهذه هي الأفة الكبري.

عندما ذهبت الي نيويورك الشهر الماضي للمشاركة في حوار حول العلاقات المصرية الأمريكية كان التطور الأخير أن الروح التي تسيطر علي مصر هذه الأيام هي روح التحدي ووحدة المصير وأهمية التعاون وجدت كل هذ الأمور مجتمعة في الحالة المصرية في نيويورك وذلك علي العكس من الوضع التي كانت عليه قبل عام. قبل عام او اكثر كانت الخلافات واضحة بين المصريين هناك جزء من الأقباط في جهة وجزء في جهة أخري ومسلمون في طرف أخر وعلمانيون بعيدا عن كل هؤلاء وبسطاء ذهبوا لينتشروا في شوارع نيويورك بحثا عن الرزق علي عربات الهوت دوج . كان الأنفصال واضحا بين كل هؤلاء. لكن ما حدث في مصر بعد 30 يونيو كما أنه خلق روحا جديدة بين المصريين في أرض مصر فإنه أيضا خلق روح جديدة بين أبناء الوطن حتي وهم بعيدين عنهم وازداد ارتباط من كان يتشكك في ارتباطه ببلده في هذه المرة شاهدت روحا مختلفة وإحساس بمصيرمشترك  وأظن ان هذا التوقيت يعد توقيتا مثاليا لإصلاح بعض مما عانينا من خلل علي مدار عشرات السنين . سأتوقف أمام أمرين الأمر الأول هو استغلال هذه الحالة للتوقف عن استخدام تعبير أقباط المهجر والعودة للتعامل مع المصريين جميعا كمصريين وأن تتحول السفارات المصرية في الخارج وأجهزة الأمن من متابعة المصريين من النشطاء والأقباط لتقديم تقاريرعنهم الي علاقة متابعة الهدف منها خلق ارتباط بين المصريين وممثلي الدولة المصرية متابعة من أجل معرفة أحتياجات ومشكلات المصريين مسلمين وأقباط لحلها وليست متابعة تربص وتحفظ.

الأمر الثاني هو إمكانية خلق علاقة تعاون وتنسيق بين النشطاء من المصريين في الخارج ويحضرني هنا نموذج المصريين في نيويورك  فأجد ماجد رياض المحامي المصري الذي عاش في نيويورك عشرات السنين ليصبح أبرز محاميها وكان المحامي المستشار القانوني الوحيد الذي يعترف به البابا شنودة رحمه الله هذا الرجل يعد من اكثر المصريين نشاطا هناك فاستغل علاقاته علي مستويات الإدارة المختلفة ليعزز موقف مصر والمصريين ونظم العديد من المؤتمرات والفاعليات لخلق التواصل بين المصريين في مصر وفي أمريكا ولم يبخل يوما بهذا العمل. وعلي الطرف الأخر أجد شابا مصريا نابها يعمل بمجال الدواء أسمه حسين عبد المقصود الذي ينشط مؤخرا بشكل مشابه واصدر مؤخرا صحيفة بعنوان المستقبل هي تعبير عن نوايا جيدة ولكنها تحتاج الي جهد. في ظل الظروف الجديدة التي أفرزتها ثورة 30 يونيو فانني اتخيل لو توحدت جهود مثل هذين النموذجين ومثلها من نماذج أخري في نيويورك أو أي عاصمة أو مدينه في العالم يجمعهم وحدة الهدف والأحساس بالخوف علي الوطن ويتعاونون من اجل عمل محدد لكي نستغل الأجواء الجديدة لخلق نموذج جديد للتعاون للمصريين وهم بعيدين عن أرض الوطن ولكن يجمعهم دائما الأرتباط بأرض هذا الوطن.

 
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

قرار أميركي يتطلب موقفاً عربياً جديداً

20octعبد اللطيف المناوي

في العاصمة البريطانية، وفي عشاء محدود، سألت السياسي المخضرم -لست في حل من ذكر اسمه- كيف تدير مصر علاقاتها مع أميركا؟ أجابني وهو القريب من الدائرة الصغيرة لصناعة القرار هناك: “استمروا في خارطة الطريق التي أعلنت مؤخراً، ولا تلتفتوا إلى أي إجراء. ليس هناك أحد ضد مصر في أميركا”. بعدها بيومين صدر قرار الولايات المتحدة الأميركية بتعليق المعونة العسكرية جزئياً عن مصر.

وعلق وزير الخارجية الأميركي جون كيري بقوله: “هذا ليس بأي حال انسحاباً من علاقتنا أو إنهاء لالتزامنا الجاد بمساعدة الحكومة”. ومثل هذا التعليق يؤدي إلى ردود فعل غاضبة لدى المصريين ومتجاوزة في أغلب الأحيان، ولكن جميعها يصب في المعنى الذي حملته بعض الصحف في عناوينها تعليقاً على القرار الأميركي “فلتذهب المعونة الأميركية إلى الجحيم”، وهذا هو أكثر التعبيرات تهذيباً في هذه الأجواء الغاضبة المسيطرة على نفوس المصريين من الموقف الأميركي الصادم للإرادة الشعبية التي تجلت عدة مرات منذ ثورة الثلاثين من يونيو. قد يبدو كلام السياسي الأميركي على العشاء صحيحاً في نصيحته بالاستمرار والمضي قدماً دون التفات، ولكني أظنه كان مجاملاً أو غير مدرك عندما أكد أنه ليس هناك أحد ضد مصر، فالأكيد أن هناك مجموعة مؤثرة قد يكون على رأسها أوباما شخصياً الذي بشر منذ فترة عقب سقوط حليفهم السابق مرسي أن العلاقات المصرية الأميركية لن تعود إلى طبيعتها مرة أخرى.

لقد أدارت أميركا ظهرها للمصريين، كما قال الفريق عبدالفتاح السيسي. لم يستطع المصريون فهم موقف الإدارة الأميركية المصر على الإبقاء على دور جماعة الإخوان في النظام السياسي المصري رغم ما تعرضت له مصر والشعب المصري من عنف وإرهاب على يد الجماعة الذي بلغ حد إحراق مصر من خلال الاعتصامات المسلحة، وتدمير المؤسسات والمنشآت الرسمية والمدنية، وحرق الكنائس، وتدمير المستشفيات، والجامعات، والمتاحف، وخلق حالة من الإرهاب المنظم الذي يستهدف إنهاك الدولة ثم إسقاطها، كما قال أحد قيادات الإسلاميين نصاً. بدا أمام المصريين أن أميركا تدير حرباً ضد مصر تحت المسمى الفضفاض للديمقراطية، واتبعت لتحقيق ذلك محورين أساسيين، أولهما تعليق المساعدات العسكرية عن مصر جزئياً، والثاني من خلال دعم جماعات الإرهاب والتطرف والعنف المسلح في الاستمرار في استنزاف الاقتصاد المصري ومواجهة الجيش والشرطة في الشوارع، وتدمير الموارد الاقتصادية الأساسية للدولة المصرية.

لم تستطع الإدارة الأميركية أو متخذ هذا القرار أن يدرك طبيعة وأهمية هذه العلاقة بين البلدين التي بدأت منذ القرن التاسع عشر وقت توقيع المعاهدة الأميركية – التركية التجارية في 7 مايو 1830. وبعدها بدأت العلاقات رسمياً بفتح قنصلية للولايات المتحدة في عام 1832. أما العلاقات العسكرية بين مصر والولايات المتحدة الأميركية فقد بدأت منذ عام 1976، وما لبثت هذه العلاقات أن تطورت حتى أصبحت مصر تحتل المركز الثاني في قائمة الدول التي تتلقى معونات عسكرية أميركية بعد التوصل إلى اتفاق بين البلدين يتم بمقتضاه تنفيذ خطة تطوير القوات المسلحة المصرية، والذي أصبحت مصر بموجبه من بين الدول التي تستطيع الحصول على قروض أميركية لشراء سلاح أميركي، وهي القروض المعروفة باسم قروض المبيعات العسكرية الأجنبية. وتقدم الولايات المتحدة مساعدات سنوية لمصر قدرها نحو 1.55 مليار دولار، من بينها 1.3 مليار دولار للجيش، وذلك قبل صدور قرارها المستفز الأخير.

هل ستستسلم مصر لهذا القرار؟ هل ستحاول استرضاء أوباما ومن حوله؟ أظن أن الإجابة حاسمة في هذه المرحلة، فمصر لم تعد كما اعتاد عليها الأميركيون سنوات طويلة. الرغبة في التحدي والقدرة عليه باتتا في أوجهما، لذلك كان رد الفعل الرسمي الحاد الذي وصف القرار الأميركي بأنه غير صائب من حيث المضمون والتوقيت، وأشار بوضوح إلى أن مصر سوف تعمل على ضمان تأمين “احتياجاتها الحيوية” بشكل متواصل ومنتظم، خاصة فيما يتعلق بأمنها القومي. وهو ما اعتبره مراقبون إشارة واضحة إلى إمكانية اللجوء إلى توفير الاحتياجات والسلاح من مصادر بديلة للولايات المتحدة الأميركية. وفي نفس السياق أعلن مصدر عسكري مسؤول أنه في حال قطع المعونة العسكرية الأميركية بشكل نهائي فإن القوات المسلحة ستفتح تعاملاتها مع جميع دول العالم، وخاصة القوى الكبرى فيما يتعلق بالتسلح وقطع الغيار والتصنيع.

رب ضارة نافعة، فمثل هذا القرار يجعل مصر تعيد النظر والتقييم في فكرة الاعتماد على قوة دولية واحدة، وأن تكون مستعده للتخلي عن المساعدات الأميركية، ومن ثم سيكون عليها أن تعدد اختياراتها ومصادرها وبشكل خاص في السلاح، وهنا تبرز قوى مثل الصين وروسيا والهند.

النقطة المهمة الأخرى، أن أحداث ما بعد 3 يوليو، وما تعرضت له مصر من تراجع تعاون قوى دولية مثل الولايات المتحدة والغرب، معها، أثبتا أن بعض الدول العربية ستظل الظهير الحقيقي لمصر، وهذا هو الوقت المثالي لاتخاذ خطوات جادة نحو إعادة بناء وهيكلة العلاقات المصرية العربية، ودعم وتماسك الموقف العربي إقليمياً ودولياً، والبدء بوضع أسس لمحور عربي مهم يبدأ بالكويت والسعودية والإمارات.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

قطر مرة أخرى

IMG_0132عبد اللطيف المناوي

الإغراق فى الحماقة هو أمر يصيب من يواجهه باليأس، فإذا كانت الحماقة وحدها أعيت من يداويها فما بالك بالإغراق فيها. أقف متعجباً من موقف حكام قطر وتابعيهم فى الأوساط القطرية والعربية، رزقهم الله نعمة الغنى فعربدوا بواسطة المال، وأفسدوا فى الأرض، بدلا من أن يكونوا سببا فى خلق حالة استقرار ينعمون بها وينعم بها الآخرون. تسبب حكام قطر فى خلق شرخ نفسى بين معظم أبناء العرب وبين أهل قطر دون ذنب جنوه إلا أن حكامهم أعمتهم الثروة والإحساس بالقوة والقدرة على شراء كل شىء- كما يعتقدون. هذا السلوك من حكام قطر يتسبب فى خلق حالة من سلبية المشاعر تجاه أهلها، وهو الإحساس الذى يقاومه من يتفهم الواقع، لكن من الصعب أن يتغلب عليه كثير من الناس. لدى شخصيا أصدقاء قطريون أعتز بصداقتهم وأقدر شخصياتهم، وأشعر بحرجهم لسلوك حكامهم، وكيف يحاولون تجنب الاحتكاك فى موضوعات قد تسبب لهم حرجا مع سلطاتهم أو أصدقائهم.

كثير من الشخصيات العامة من سياسيين وإعلاميين ورجال أعمال وفنانين وأدباء وعلماء يعلمون فى داخلهم حقيقة حكام قطر ومحاولاتهم لخلق حالة من الضخامة والحضور الكاذب، والتى هى أصغر كثيرا من الواقع والحقيقة والإمكانيات التى ليس لأحد يد فيها من حقائق جغرافية وديموغرافية وتاريخية، لكنهم يسايرون حكام قطر والمتحكمين فى ثروتها لسبب بسيط هو ثروتها. وقد تكون قصة تنظيم قطر كأس العالم دليلا على ما أقول.

أنا هنا لا أدخل فى الموضوع القطرى اندفاعا، فقد قمت شخصيا بمحاولات للتهدئة فى هذا الملف بعد الإشارات الأولى التى خرجت من قطر عقب ثورة المصريين فى الثلاثين من يونيو، حتى لو كانت إشارات صغيرة وخجولة، وذلك عندما صدر البيان الأول من وزارة الخارجية القطرية ليؤكد تأييد قطر لإرادة الشعب المصرى، ومن بعدها اتصال حاكم قطر بالفريق السيسى، فهمت وقتها أن هناك بدايات لتفهم قطرى لحقيقة ما يحدث وخطأ حساباتهم، وذلك ما دفعنى لمحاولة فعل ما يمكن حتى لو كان ضئيلا من أجل تنقية الأجواء، خاصة مع ما فهمته من أن القيادة المصرية الجديدة على استعداد لطى صفحة الماضى، والبدء من جديد مع من تعتبرهم أشقاء لنا. لكن المفاجأة كانت التراجع السريع عن هذه الخطوات، وقد بدأ هذا التراجع عندما طرح حاكم قطر الشيخ تميم على الفريق السيسى، فى الاتصال الذى استقبله منه ووافق على الرد عليه، تهذيبا منه، على الرغم من عدم استقباله اتصالات ذات صبغة سياسية، طرح حاكم قطر وساطة بين الأطراف المصرية، كما وصفها تميم، لحل الأزمة فى مصر، وأن هذه الوساطة تكون بتنسيق قطرى- تركى. وهنا أهمل أو لم يفهم أو لم يشرح له أحد من المحيطين بالشيخ أنه يخطئ أخطاء متعددة فى هذا الطرح، لم يفهم أن مصر ليس فيها أطراف أزمة، لكن فيها إرادة شعبية وجماعة من المصريين الذين لهم امتدادات خارجية ترفض الانصياع لإرادة المصريين، الأمر الآخر أن طرح نفسه مرتبطا بالأتراك يلقى بظلال من الشك على الفكرة من اللحظة الأولى، الأمر الثالث هو أن هذا شأن مصرى داخلى ليس لطرف، صغر أو كبر، أن يتدخل فيه. وأظن أن ردا بهذا المعنى تلقاه من الفريق السيسى بحزم واضح وحاسم، لكن بأدب جم. ويبدو أن الحاكم لم يستوعب الرد ولم يتوقع الصدمة لأن حساباته كلها كانت خاطئة.

المهم أن تحولا دراميا قد حدث فى الموقف القطرى، الذى اتجه نحو المزيد من التشدد والهجوم على مصر، وتجاوزت الحدود قناة الجزيرة، التى قال بعض ساستهم سراً إنه ليست لهم علاقة بها، وإن رضاها مرتبط برضى الأمريكان، تجاوزت الأمور حدود تلك القناة ليكون هناك موقفان قطريان رسمى وسرى لا يختلفان، هجوم بحدة علنا وخطوات تصعيدية فى مواجهة مصر، قيادة وشعبا. لذلك لم يكن غريبا أن نسمع عن شركات للعلاقات العامة تم تجنيدها بأموال قطرية لتنظيم حملة هجوم شديدة على مصر فى مختلف المستويات السياسية والإعلامية، وانتعشت حسابات بنكية كثيرة لشركات وأفراد فى مجالات السياسة والإعلام والشركات بأموال قطرية. ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل سمعنا عن شركات قانونية دولية تعمل بأموال قطرية لتجهز ملفات قانونية لتحريك دعاوى أمام المحاكم الدولية ومحاكم حقوق الإنسان ضد القيادة المصرية وضد الفريق السيسى. تزامن هذا مع حركة محمومة من شخصيات محسوبة على القطريين، ومن قطريين فى مختلف أنحاء العالم، دولا ومؤسسات دولية، من أجل محاولة عزل مصر ومقاطعتها اقتصاديا وفرض حظر على مصر فى المجالات المختلفة اقتصاديا وعسكريا وسياحيا. وهم فى كل هذا لا يبخلون، بل يسرفون فى إغداق الأموال. وأنا هنا لن أتحدث عما يفعلون داخل مصر من عمليات لهدم الاستقرار ودفع مصر إلى منطقة الصراع الدموى الداخلى. سأنتظر حتى أستكمل المعلومات فى هذا الشأن.

كل ما سبق يثير تساؤلا كبيرا عن هذا القدر من الغل الذى يسكن قلب حاكم قطر، أيا من كان، الصغير أو الكبير، هو ومن معه ومن حوله، وتفسير أن هناك تخبطا أو صراعا داخل دائرة الحكم فى قطر غير كافٍ لتبرير سلوكهم الذى تجاوز حدود المقبول والمفهوم من الحماقة.

وقد يقف على قمة قائمة التصرفات الحمقاء تلك الزيارة السرية التى قام بها حاكم قطر الصغير إلى تركيا قبل نحو أسبوع، وأعلن وقتها أنه فى فرنسا، فى هذه الزيارة السرية التقى تميم رئيس وزراء تركيا أردوجان واستقبلا معا خمسة من قيادات التنظيم العالمى للإخوان وناقشوا استراتيجية العمل المقبلة واتفقوا وقتها على أنهم خسروا معركتهم الحالية، وعليهم التركيز فى المعركة المقبلة، وهى الانتخابات البرلمانية والرئاسية، وقرروا وضع الدعم القطرى والتركى الكامل لعملائهم فى مصر لتحقيق إنجازات فيها.

لا أدرى ماذا أقول!!

الطيار محمد حسني مبارك

5octعبد اللطيف المناوي

قد يختلف البعض حول تقييم الرئيس المصري الأسبق محمد حسني مبارك، لكن من الظلم والتجاوز أن نقلل من قيمة ودور الطيار محمد حسني مبارك. هذه حقيقة لو آمنّا بها لكانت علامة مهمة وواضحة على أن المجتمع في طريقه إلى الارتقاء إلى مستويات أعلى في التعامل مع أبنائه، لم أنسَ أبداً تعليق أحد الأصدقاء الإنكليز أثناء مرحلة “تجريس” مبارك ومحاكمته ونقله من بيته إلى المستشفى، ومنه إلى القفص الذي بني له خاصةً، تحت إشراف الوزير المختص وقتها، ثم إلى السجن، عندئذ تساءل صديقي متعجباً: “ألم يحارب مبارك يوماً مع الجيش؟”، فأجبته: بل شارك في ثلاث حروب منذ حرب السويس عام 1956 ثم حرب يونيو 1967 ثم أخيراً حرب أكتوبر 1973 التي تعد بحق الانتصار الأهم في تاريخ العرب، تعجّب الرجل مما يتعرض له مبارك من مهانة، قائلاً: “لو أنه في بلادنا لكان الوضع مختلفاً، هذا رجل حارب ووضع روحه على كفه، ليس مرة ولكن مرات، وهذا له قيمة كبيرة أن تكون محارباً من أجل بلدك”.

لم تكن محاكمة الرئيس الأسبق هي أكثر التصرفات قسوة ضده، ولكنني أعتقد أنها اللحظة التي قرروا فيها سحب كل النياشين والقلادات والأوسمة التي حصل عليها، أظن أن إحساسه بنزع نجمة سيناء منه كان أكثر الأحاسيس قسوة على نفسه، يعتقد العديد -وأنا من بينهم- أن حساب السياسي على الأخطاء مكانه الفعل السياسي وحكم التاريخ، والفعل السياسي هنا يمكن تنفيذه من خلال أدوات التغيير الديمقراطية أو من خلال التظاهر ضده أو العصيان المدني أو خلعه من السلطة أو حتى الانقلاب عليه، لكن لا أتفق على أن من بين أساليب المحاسبة والعقاب لما يعتقد أنه أخطاء سياسية استخدام أدوات العدالة لتوقيع عقاب انتقامي تحت مسميات مختلفة، لكنها جميعاً تنتهي إلى اتباع سلوك غير حضاري لتحقيق الانتقام وشفاء الغليل.

حكم مبارك مصر ثلاثين عاماً، هناك من اعتبرها ثلاثة عقود من الظلام والديكتاتورية وامتهان الكرامة الإنسانية وسنوات من النهب والفساد والتراجع وكل التعبيرات المرادفة لهذه المعاني، وهناك على طرف آخر، وهم قطاع كبير، من يعتقد أن الرجل أصاب وأخطأ، وحاول فأصاب النجاح مرات وخاصمه مرات أخرى، ويعتقد هؤلاء أن مبارك لو كان قرر الانسحاب من الحياة العامة عقب وفاة حفيده والجراحة الكبيرة التي أجريت له لكان قد سطر اسمه في التاريخ بحروف أبدية، ولكان صاحب موقع متميز في نفوس المصريين، طرف ثالث من المؤمنين بمبارك ومن يطلقون على أنفسهم “أبناء مبارك” هؤلاء لا يجدون في رئيسهم إلا كل الصواب، وعزز موقفهم في ما بعد الأسلوب الذي حكم به “الإخوان المسلمين” فعاد قطاع كبير من الجماهير يتمنى عودة مبارك.

إذاً، كما نرى هناك اختلاف مفهوم على تقييم دور مبارك، أما ما لم يكن مفهوماً فقد كان هذا الهجوم الكاسح والمتجاوز ليس على مبارك الرئيس بل على مبارك الطيار المقاتل، فخرج البعض يسفه من دوره في حرب أكتوبر، بل وصل الأمر بالبعض إلى أن يسفه دور الطيران المصري في الحرب، ويدّعي أن كل ما ذكر عن دور سلاح الطيران كان من قبيل المبالغة والنفاق لقائدهم الذي أصبح رئيساً لمصر، وهذا الموقف كان تعبيراً عن انحدار ملموس في نفسية قطاع من المصريين أعماهم الغضب والرغبة في التشفي والانتقام عن أن ترى الأمور في صورتها وحدودها، بل قادتهم هذه المشاعر السلبية لأن يتجهوا إلى نزع القيمة عن جزء ناصع من تاريخهم وتاريخ وطنهم هو ذلك الدور المحوري والأساسي والشجاع لسلاح الطيران المصري في حرب أكتوبر.

كان الله حليماً بحسني مبارك أن أعطاه الفرصة ليرى جزءاً من رد الاعتبار إليه، بعد أن عانى ما عانى خلال الأشهر الطويلة التي أعقبت سقوط نظامه في فبراير 2011، فأتت الذكرى الأربعون لنصر أكتوبر وهو غير مدان بأي تهمة بعد، بل والأهم أن يبدأ الحديث مرة أخرى عن دور سلاح الطيران وأن يخدمه القدر لتخرج إلى النور مذكراته التي كتبها وهو يشغل منصب نائب رئيس الجمهورية حول دور الطيران الذي كان هو قائده في حرب أكتوبر لتُظهر معدنه الحقيقي كقائد عسكري وطيار مقاتل حارب من أجل بلده حاملاً روحه على كفه، أظن أن مبارك الطيار المقاتل قد يكون من أكثر الناس سعادة هذه الأيام وهو يحتفل بذكرى نصر أكتوبر الذي كان له ولزملائه فيه دور مهم لن يغفله التاريخ حتى لو بدا الأمر مختلفاً في بعض الأحيان.

التحق الشاب محمد حسني مبارك بالكلية الحربية عام 1947 وتخرج فيها عام 1949، وفي عام 1950 تخرج في الكلية الجوية. وشارك في حرب 1967 ثم قرر الرئيس عبدالناصر تعيينه مديراً للكلية الجوية في نوفمبر 1967، ثم قرر في يونيو 1969 تعيينه رئيساً لأركان حرب القوات الجوية، وأصدر الرئيس أنور السادات في 23 أبريل 1972 قراراً بتعيين اللواء حسني مبارك قائداً للقوات الجوية، ثم بعد ذلك نائباً لوزير الحربية (الدفاع) إلى جانب مهمته كقائد للقوات الجوية، وكانت المهمة واضحة: إعداد القوات الجوية لحرب تحرير كبرى تستعيد التراب الوطني، وتمحو ما لصق بالقوات الجوية المصرية من عار الهزيمة في 1967.

وفي الساعة الثانية من بعد ظهر السادس من أكتوبر منذ أربعين سنة انطلقت 222 طائرة تعبر قناة السويس، وفي الساعة الثانية و45 دقيقة دق جرس الهاتف في مقر القيادة العامة للقوات المسلحة (مركز رقم 10) وجاء نص المكالمة كالتالي: (تمام القوات الجوية… المهمة تم تنفيذها بالكامل في أوقاتها المحددة… عادت جميع طائراتنا عدا طائرة واحدة استشهد قائدها)، كان هذا نص المكالمة التي أجراها اللواء حسني مبارك الطيار المقاتل.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة