مولد «ميسى» وبلد نسى بعض أبنائه قدره

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لاشك أن قدوم الأرجنتينى ليونيل

ميسى 1إلى مصر حدث مهم، والاستفادة منه كان يجب أن تتصدر اهتمام وأولويات مسؤولى الرياضة والسياحة فى البلاد، وبالتالى كان على الأطراف المختلفة فى الدولة أن تعمل على أن تخرج بالشكل الأمثل. وفى نفس الوقت فإن تعاملنا مع هذه الزيارة كان ينبغى أن يكون فى ظل إدراك أهمية هذا البلد وقيمته. مع اقتناعى بأهمية الزيارة إلا أنها ليست الأهم ولا الأعلى مستوى، كما أحسست ممن تعامل مع هذه الزيارة من إعلاميين ومعلقين، يبدو أننا أُصبنا- من بين ما أصابنا- بفقدان ذاكرة وإحساس بقدر هذا البلد.

شعرت وأنا أتابع التغطية الإعلامية المكثفة للزيارة وكأن هذا البلد من مجاهل العالم، أو أنها دولة حديثة تسعد وتشرف بزيارة بدا وكأن أهلها لا 100_0757-1.jpgيصدقون أنها تحدث، ولم يتخيلوا أن

ميسى يمكن أن تطأ قدماه أرض هذا البلد. شعرت بقدر عظيم من الغضب والإحباط لما أصاب تقديرنا لبلدنا. وتذكرت وقت لم تحترم إحدى كبار النجمات العالميات موعدها لزيارة الأهرامات فقرر دكتور زاهى حواس المغادرة وإغلاق الأهرامات أمام الزيارة.

أعلم أننا نمر بفترة شديدة الصعوبة فى الترويج للسياحة لأسباب كثيرة، وأعلم أن مثل هذه الزيارة مهمة إذا ما تمت إدارتها بشكل صحيح وعلمى، ولكن للأسف هذا ما لم يحدث، وتعاملنا مع الزيارة بمنطق مَن لا يصدق أن بلده يستحق الزيارة.

أقل من عشر ساعات قضاها صاحب 5 كرات ذهبية كأفضل لاعب، خلال زيارته مصر، كان يمكن أن تكون كل دقيقة لها ثمن مع

ميسى 1الذى يزور مصر ضمن برنامج
السياحة 1العلاجية والترويج لحملة القضاء على
فيروس سى 1Xالتى تستهدف وضع مصر على خريطة
السياحة 1Xالعلاجية عالميًا. لن أقف كثيرا أمام الأخطاء التى صاحبت الزيارة، والتى من أهمها هذا التزيد فى الإجراءات الأمنية، التى لا تعطى إلا رسالة واحدة لمَن يفكر فى زيارة مصر، هذه الرسالة هى: «إن كنت تضمن هذا المستوى من الحماية فأهلاً بك فى مصر». لست أدعو إلى تجاهل التأمين، ولكنى أنتقد المبالغة والمباشرة التى تعطى رسالة سلبية.

أما الحفل الذى بدا وكأنه «مولد وصاحبه غائب»، والذى خلا من أى حضور أجنبى من السفراء أو غيرهم، فقد كان مظهراً عشوائياً، بدا أنه يحمل وراءه العديد من المشكلات، التى كانت سببا فى هذا القدر من العشوائية والفوضى.

حضور ميسىمناسبة مهمة للغاية للترويج للسياحة فى مصر، التى تأثرت بالغ الأثر بالظروف الأمنية والاقتصادية والسياسية فى البلاد فى السنوات الأخيرة. ذلك حتى لو كان الهدف غير ذلك. تأجلت الزيارة مرتين، الثانية كانت بسبب تعرض فريق

برشلونة 1X

لهزيمة كبيرة أمام باريس سان جيرمان الفرنسى برباعية، فى ذهاب دور ثُمن النهائى لدورى أبطال أوروبا، الشهر الماضى، والأولى كانت مقررة منتصف ديسمبر الماضى، إلا أنه تم تأجيلها إثر حادث تفجير الكنيسة البطرسية. أما وقد تاه الهدف من زيارة ميسى وهو محاربة
فيروس سى 1X

فإنه يكون جديرا بالذكر أن نُعيد التذكير بأن مصر هى الدولة الأكثر تضررًا فى العالم من أمراض الكبد، إذ يعانى من 10 إلى 12% من السكان من
مرض 1Xالتهاب الكبد الوبائى بأنواعه، إلا أنها مؤخرًا استطاعت تحقيق طفرة فى مكافحة
المرض 1Xعبر استيراد عقاقير حديثة بأسعار مخفضة، وتطبيق منظومة علاجية جديدة، وهو الأمر الذى أشادت به منظمة
الصحة 1Xالعالمية. مرة أخرى، الجهد الذى بُذل محل تقدير، الشركة التى تحملت مسؤولية استضافة هذه الزيارة لها التقدير لاتباعها تفكيرا مختلفا ومكلفا، ولكن هذا لا يوقفنا عن الإشارة مرة أخرى إلى أن التنظيم الصحيح لأى حدث هو سر النجاح، وهذا التنظيم يجب أن يعتمد الأسلوب العلمى. الأمر الآخر، نعم الزيارة مهمة، لكنها ليست قُبلة الحياة لمصر، ومصر اعتادت منذ عشرات السنين أن تكون حلما وأملاً بل شرفاً لأسماء عظيمة فى العالم والتاريخ أن يحظوا بزيارتها. كثير من التنظيم وكثير من الاحترام لقيمة وتاريخ بلد أهمل أبناؤه طويلاً فى حقه.

عصر الفرص الضائعة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

مرت على مصر الأيام الماضية الذكرى السادسة لأحداث يناير التى أدت إلى الإطاحة بنظام الرئيس الأسبق حسنى مبارك. على الرغم من كل ما قيل، ومعظمه صحيح، عن استغلال قوى سياسية داخلية، على رأسها الإخوان المسلمون، وقوى خارجية استهدفت استمرار هز المنطقة ودفعها نحو تشكيلها بشكل مختلف يحقق لهم ما اعتبروه أهدافاً تحقق مصالحهم، على الرغم من ذلك فإن ما حدث ما كان ليحدث لو لم تكن التربة مهيأة لذلك، ولعل أكثر الأخطاء التى وقع فيها نظام مبارك أنه أضاع الكثير من الفرص التى كان من الممكن أن تغير وجه مصر وتحفظ لها الاستقرار.

تمر السنوات وتزداد الأسئلة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

دور الجدل، ولا أظنه سيتوقف، حول ما شهدته مصر فى الخامس والعشرين من يناير منذ أكثر من ستة أعوام وما شهدته يوم الثلاثين من يونيو منذ أكثر من ثلاث سنوات وتقترب من الرابعة. لن أخوض كثيرا فى هذا الجدل ولكنى سأتوقف عند نقاط أظنها أساسية من وجهة نظرى، وسأمر عليها سريعا خلال بعض المقالات لكشف الحقيقة كما شهدتها.

15_19_52

عبد اللطيف المناوى

إن ما شهدته مصر فى الحدث الأول كان تعبيرا عن رفض لحالة من السكون الذى اقترب من الجمود نتيجة الإصرار على عدم التغيير، واعتبار أن التغيير مرادف للفوضى أو يعنى الإطاحة بالنظام. وزاد الأمر تعقيدا الإحساس بأن الحالة التى كانت قائمة مرشحة للاستمرار نتيجة ما بدا وقتها من مقدمات فهم منها الناس أن النظام مستمر حتى مع اختفاء الرئيس، وذلك بتولى ابنه الرئاسة من بعده، سواء بترتيب فى حياته أو بعدها. وبغض النظر عن صحة هذا أو عدم صحته فإن الأكيد هو أن الاقتناع العام تبنى هذه الرواية وباتت حقيقية أكثر مما لو أعلن عنها صراحة. هذا الطريق، الذى رآه العديد من أهل الوطن مغلقا ورافضا للتغيير، هو الذى هيأ بشكل أساسى الأجواء للقبول بالخروج فى أول فرصة للتعبير عن الغضب. وهكذا خرج مجموعة من الشباب لتقود جموعا مهيأة للتعبير عن غضبها. وبغض النظر عما إذا كانت مجموعات من الشباب مدربة ومعدة لمثل هذا اليوم أو لا فإن الحقيقة أن الأجواء كانت مهيأة. خروج معظم من خرج وقتها كان بهدف التعبير عن الغضب والرغبة فى التغيير، وكانت حدود المطالب وقتها ذات سقف منخفض، لكن الإدارة للأزمة البعيدة عن أى ذكاء سياسى هى التى أسهمت فى الاندفاع بما حدث ليصل إلى ما وصلت إليه.

لكن ماذا عن الإخوان؟، أصبح من المعروف قطعا الآن أن الإخوان فى إطار الانتهازية السياسية أعلنت عدم مشاركتها فى مظاهرات الخامس والعشرين، وفى إطار الانتهازية السياسية شاركت فى نهاية يوم الخامس والعشرين عندما اكتشفوا أن المظاهرات كبيرة وعدم إعلانهم المشاركة سيحسب عليهم، رغم اتفاقهم السابق مع أمن الدولة على عدم المشاركة، وهو الاتفاق الذى كان أحد أطرافه أحد قيادات الجماعة المسؤولة عن

الاتصال مع الأمن واسمه محمد مرسى العياط، النائب السابق فى البرلمان وقتها.

يظل السؤال: لماذا اندفع الإخوان فى مظاهرات ما بعد الخامس والعشرين؟، والإجابة هنا تعود أيضاً إلى غياب الذكاء فى الإدارة السياسية للأحداث وقتها، فخرجت وزارة الداخلية ببيان منتصف الليل لتلقى فيه باللوم الكامل تقريبا على جماعة الإخوان، رغم أن الجميع علم ورأى أنهم لم يشاركوا إلا فى اللحظات الأخيرة من اليوم، وتحديدا بعد العصر. ولكن يبدو أن قيادة الداخلية وقتها اعتقدت أن الوقت مناسب لتوجيه ضربة للجماعة باتهامها بالمسؤولية الكاملة عن أحداث اليوم، وقد قرأت قيادة الجماعة الموقف وأدركت أنها قد وضعت فى موقف المواجهة التامة، وبدا الأمر كأن ساعة الصفر لتنفيذ مخططهم قد أذنت. وهكذا فتحت مصر منذ السادس والعشرين من يناير ليتسلل إليها كل من استطاع من أعضاء الجماعة وحلفائها فى الخارج عبر المطارات وعبر الحدود البرية والبحرية والأنفاق. واستنفرت قيادة التنظيم الدولى وأعلنت ساعة الصفر لتنفيذ المخطط المعد سلفا للتنفيذ فى الوقت المحدد، ولم يكن معلوما هذا التوقيت ولكن تطور الأحداث ساعد فى تحديده.

تحركت الجماعة بقدر كبير من الدهاء والانتهازية واستغلال أخطاء النظام وقتها، والأهم استغلال بعض الانتهازيين ممن انتسبوا إلى الحركات الشبابية، واستغلوا أيضاً براءة الكثير من شباب مصر وأهلها الذين خرجوا تعبيرا عن غضبهم وإعلانا لرغبتهم فى تحريك المياه الآسنة. والملاحظ أن الجماعة وقتها لم ترفع أى شعار دينى، لكنهم فى الوقت نفسه سيطروا تقريبا على الحركة فى الميادين المختلفة. كل ذلك كان بدعم وإشراف مباشر من قيادة دولة كانت تدعى أنها شقيقة، لم يعد خافيا على أحد أنها قطر. وأيضاً بدعم ومباركة أمريكية لتنفيذ استراتيجيتها الجديدة فى المنطقة.

جاء يوم الثامن والعشرين من يناير لتسيطر الجماعة على الحركة، وتستغل الشباب المشارك ومعرفتهم بأساليب مواجهة الأمن كما تدرب بعضهم عليه، وبدأوا تحت هذا الغطاء فى تنفيذ مهمتهم فى إحراق مصر مستغلين حالة الغضب التى أعمت كثيرين عن حقيقة ما يقومون به. وانخدع كثيرون بما حدث، والمشكلة أن هؤلاء ظلوا فى حالة خداع لوقت طويل، بعضهم دون أن يدرى، والبعض الآخر كان يدرى أو بات يعلم ولكنه لم يكن يريد إلا أن يستمر فى عملية تدمير الدولة متخطيا، بمراحل، إسقاط النظام. واستمر الحال فى هذا الخداع الاختيارى لدى هؤلاء حتى اكتشفوا ماذا فعلت أيديهم، فحاولوا التوبة والرجوع عما ورطوا أنفسهم فيه عندما دعموا الإخوان، ليس فقط ليسرقوا حركة قطاع من الجماهير ولكن ليخطفوا الوطن كله نحو المجهول، ساعتها أفاقوا وانضموا إلى ركب الثورة المصرية الحقيقية من أجل استعادة مصر. وهنا كانت 30 يونيو.. ولهذا حديث آخر.

كلام قديم عن الأمل.. مازال صالحاً

بقلم عبد اللطيف المناوى

أستعير كلاماً قديماً قلته يوماً ما، وأظن أنه لم يفقد صلاحيته بعد، رغم تسرب الوقت من بين أيدينا. فى خطابه إلى الشعب المصرى، والذى أعلن فيه ترشحه للرئاسة، تحدث الرئيس عبدالفتاح السيسى – وزير الدفاع وقتها- فى آخر مرة ارتدى فيها زيه العسكرى، عن ثلاثة محاور رأى أنها ستكون محددات أساسية، شعارا لحملته الانتخابية كمرشح، وهدفا له يحققه كرئيس بعد انتخابه، هذه المحاور وذلك الشعار هى «الأمان والاستقرار والأمل».

العمل الجاد يخلق الاستقرار والأمن، لكن قبل ذلك يجب أن يكون هناك أمل، الأمل بتعريف السيسى فى خطابه ذلك «هو نتاج العمل الجاد. الأمل هو الأمان والاستقرار، الأمل هو الحلم بأن نقود مصر لتكون فى مقدمة الدول، وتعود لعهدها قويةً وقادرةً ومؤثرةً تُعَلّم العالم كما عَلّمَته من قبل».

والحديث عن الأمل الآن لا يقل أهمية عن الحديث عن أهمية العمل والاستقرار، فبالعمل وحده لا يمكننا أن نفعل ذلك، ولكن بالأمل يمكن أن نفكر فى المستقبل ونحلم به، ونفكر كيف نبنى وطنا أفضل لأبنائنا.

DSC_8195

عدو مصر الحقيقى الآن هو اليأس، تلك الحالة التى أصبح لها دعاة، هم قاتلو الأمل فى نفوس الناس، هم الذين لا يفكرون فى المستقبل، وإنما طوال الوقت يجروننا إلى الماضى، هم الذين لا يريدوننا أن نخطو خطوة واحدة إلى الأمام، وإنما يدفعوننا دوما إلى الخلف، هم الذين لا يهتمون بما يمكننا أن نفعل من أجل هذا الوطن، بل يجروننا إلى مشاكل وهمية، حول ماضٍ تجاوزته مصر فى 30 يونيو.

دعاة اليأس لن يصمتوا، سيواصلون النفخ فى رماد اليأس، حتى لا يقوم هذا البلد من غفوته، فكلما طال الرقاد طال وجودهم، وهؤلاء لا يمكن محاربتهم إلا بالأمل، الأمل الذى ستحيا به وله ومن أجله هذه الأمة التى عانت طويلاً.

ليس دعاة اليأس ممن هم خارج النظام، بل إن بعضهم من داخله. هم أولئك الذين يغلقون الأبواب دون مشاركة الناس فى صنع مستقبلهم، أو أولئك الذين يعتقدون أنهم يحتكرون الحقيقة، كذلك الذين يظنون، وفِى بعض الأحيان يؤمنون، بأنهم هم فقط الوطنيون وغيرهم إما خونة أو لا يفقهون. هذه النماذج تقتل الأمل فى نفوس الناس، ويشاركهم المسؤولون الذين يصرون على الفشل لعدم اتباعهم أساليب علمية أو لعدم الاستعانة بمَن يعرفون.

الأمل يعنى أن نعتمد على العلم فى كل خطواتنا، على أهل الخبرة فى قيادة أمور هذا الوطن ومقدراته، الأمل فى خلق كيانات سياسية حقيقية قادرة على جمع المصريين حولها، من أجل البناء، لا من أجل الهدم، من أجل أن تكون هناك مشاركة حقيقية لا من أجل مجرد الوجود فى الصورة.

الأمل هو أن نفكر فى لحمة وطنية حقيقية تُنهى عصر الانقسامات والفتن الطائفية، أن تكون هناك قوى سياسية، حتى لو اختلفت توجهاتها وأيديولوجياتها، لكنها تعمل جنباً إلى جنب من أجل هذا الوطن، تضع الطوبة بجوار الطوبة، كى نقيم جداراً واحداً قوياً نستظل جميعاً بظله.

الأمل هو أن نفكر فى أن نطور جميع منظوماتنا التعليمية، فإذا كان الأمل هو المستقبل، فإن هذا المستقبل فى الأجيال التى تتعلم الآن فى مدارس تحتاج إلى كثير من الجهد لكى تقدم ما هو مطلوب منها، فإذا أردنا أن نرى الأمل فى عيون الأبناء والطلاب فلابد أن نقدم لهم ما يستحقونه، ما يُحفزهم على أن يقدموا لوطنهم مثل ما قدم لهم من تعليم حقيقى.

لا حديث عن مستقبل حقيقى لهذا الوطن بدون الحديث عن الأمل، لا حديث عن استقرار وأمن وأمان دون حديث عن الأمل، لا حديث عن اقتصاد حقيقى، وعودة مصر إلى دورها الحقيقى دون الحديث عن الأمل. الأمل هو مستقبل مصر الحقيقى، المهم أن نملك القدرة والرغبة فى أن نحلم ونأمل ونحقق ما نأمله ونحلم به.

مازال مَن يمتلك أن يفتح طاقة الأمل أمام المصريين هو ذلك الرجل الذى انتخبوه رئيساً، هو وعدهم به، وعليه أن يحققه لهم، لذلك فكل ما يصدر عنه يجب أن يحمل فى طياته عنصر أمل، حتى لو كان ما يصدر عنه قرارات صعبة. الناس على استعداد للتحمل، بشرط أن يمتلكوا «الأمل».

البطولة الوهمية والحكمة الغائبة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

إحدى أدوات الإنسان في التكيف مع واقعه الخيال، نعم، عندما يعجز إنسان عن مواجهة تحديات تواجهه فإنه يلجأ إلى خلق واقع آخر في خياله، في هذا الواقع الخيالى ينتصر على تحدياته ويحقق طموحاته وينتشى بقوته الوهمية ويحل مشكلته. أعتقد أن هذه الحالة من الهروب هي جزء من تكوين النفس البشرية بشكل أو بآخر، بصورة أدق، بدرجة أو بأخرى. إذا ما زادت هذه الدرجة عن مستوى معين تتحول إلى حالة مرضية. وأكثر الأمثلة إيضاحا لهذه الحالة يبدأ مع الإنسان في مرحلة الطفولة، مثلا إذا ما تعرض الطفل للاعتداء عليه بالضرب من طفل آخر أكبر منه أو أقوى منه فإنه يعوض ذلك بخيال يعيشه وهو يضرب من ضربه، بل ويتخيل كيف أنه وجه له ضربات قوية وأسقطه أرضا. يغمض الطفل عينيه ويعيش هذا الخيال، بل ويتفاعل معه جسديا بحركات يديه وقدميه، فيشعر بالارتياح ويتخلص من إحساس القهر حتى لو كان ذلك في خياله. تتحول هذه الحالة إلى ظاهرة مرضية إذا ما صدق خياله وبدأ يصدّر حكايته المتخيلة للآخرين على أنها حقيقة، وتزداد حدة الحالة عندما يصدق هو نفسه ويعيش حالة البطولة الوهمية، وينذر هذا بأن الرجل القادم من هذا الطفل هو رجل مريض نفسيا يحل مشكلته بالعيش في الأوهام ليخلق لنفسه واقعا p1010061.jpgمزيفا بديلا عن الواقع الحقيقى الذي يعانى فيه.

للأسف إن كثيرين ممن يحيطون بنا يعانون من هذا المرض، وللأسف أيضا فإن التغيرات الأخيرة والتى اتسمت بأنها تغيرات حادة شهدها مجتمعنا سمحت لهؤلاء المرضى بأن يطلقوا علينا أوهامهم باعتبارها حقائق، ويصدرون لنا حكمتهم التي لم تكن موجودة يوما، لكن كل هذا بأثر رجعى. نكتشف اليوم كيف أن رجالا ونساء احتلوا مواقع النخبة وتشكيل الرأى العام مصابون بهذا المرض النفسى الخطير، الجديد هنا هو أنه إصابة اختيارية، بمعنى أن هؤلاء اكتشفوا أنهم كى يعيشوا في الوسط والمستوى ودائرة الضوء التي يريدونها فإن الطريق لذلك هو ادعاء البطولة والحكمة بأثر رجعى. فسنكتشف من كان واقفاً موقف المتسول لنظرة رضا من مسؤول سابق يخرج اليوم ليتحدث عن بطولاته وصولاته وجولاته في مجابهة هذا المسؤول، ويخرج آخر ليدعى أنه كم قدم من نصح ومشورة للمسؤولين السابقين الذين لم يسمعوا له ولحكمته، فدفعوا الثمن بخروجهم المرير. أيضا أولئك الذين فيما يبدو أن نسبهم يعود في أصوله إلى «زرقاء اليمامة» فامتلكوا القدرة على رؤية القادم، فيخرج أحدهم ليتحدث اليوم عن أنه كيف رأى مستقبل مصر في ظل الإخوان منذ الجمعة التي خطب فيها القرضاوى في ميدان التحرير، وحذر كزرقاء اليمامة من القادم لكن الأغبياء لم يسمعوا منه. هذه هي نماذج الهروب الطفولى إلى الخيال للانتصار على إحباط الواقع، لكنه كما ذكرت يتحول إلى مرض إذا ما سيطر على صاحبه، وهو جريمة إذا اختار شخص أن يعيش هذا المرض بإرادته ليدعى الحكمة والبطولة بأثر رجعى.

المشكلة التي نعانيها أن أمثال هؤلاء ملأوا الساحة، بل وتمكن بعضهم من أن يفرض نفسه في دوائر متعددة من دوائر تشكيل الرأى العام والتأثير في صنع القرار، ويحاول بعضهم أن يجد لنفسه مكاناً جديداً تحت الضوء. إن سيطرة مثل هذه الشخصيات على أي مساحات تأثير في المجتمع أو الإدارة لن تصب إلا بالسالب ضد مصلحة هذا الوطن. ومثلهم أولئك الذين يتعاملون وكأن الناس بلا ذاكرة أو أن الأموال تنجح في مسح الذاكرة والبدء من جديد، وهؤلاء باتوا أيضا حاضرين خادعين بعلم أو دون علم قطاعات مهمة.

قد ينجح الزمن لفترة طويلة في أن يضع أقنعة على وجوه الكثيرين، ومع طول الزمن يبدو الأمر وكأنه حقيقة، وتبدو هذه الأقنعة لوهلة كأنها وجوه حقيقية، وينجح هؤلاء الحكماء «فى غفلة من الزمن» والأبطال «من ورق» في أن يحدثوا ضجة ويحتلوا مقدمة الصورة، ويطرحوا أنفسهم باعتبارهم المخلصين والمخلصين- بكسر اللام مرة وتشديدها مرة أخرى- معتمدين في ذلك على ضعف ذاكرة الناس، الإنسان طبعه النسيان. ومن الطبيعى أن يصاب بالإحباط من يفهم هذه الحالة ويرى خطورتها على المجتمع والدولة، لكن يظل الرهان والأمل في القاعدة التي تقول إنه في النهاية لا يصح إلا الصحيح، ونظل نعيش على الأمل في أن نرى هذا الصحيح، وحتى يأتى ويصح الصحيح لا ينبغى أن نتوقف عن كشف البطولات الوهمية والحكمة الغائبة.