هل مازالت صورة «حماس» حركة مقاومة؟

31thعبد اللطيف المناوي
نحتاج في حياتنا في بعض الأحيان إلى وهْم يساعدنا على تجاوز لحظات الإحباط والانكسار والهزيمة، نخلق أحياناً عالماً مختلفاً قد يستند في الواقع إلى بعض العناصر، لكنه بالتأكيد ليس كل الحقيقة ونكون محظوظين كلما اقترب من الحقيقة، هذا الوهم الذي نصنعه، وهذا العالم الذي نظنه حقيقياً هو إدمان وقتي نحاول به ألا نواجه لحظة الحقيقة أو لحظة الإفاقة، لأننا عندئذ نكتشف كم ضيعنا من عمر ونحن نعيش الوهم، الكارثة الكبرى عندما نكتشف أنه لم يكن فقط مجرد وهم بل كان سلاحاً مصوَّباً إلى صدورنا وكنا نظنه سلاحنا، ظنناه حامياً فإذا بنا نكتشف أننا أسرى، وأن السلاح كان لمنعنا من الخروج من الأسر لا لحمايتنا.
قد يبدو ما سبق كأنه محاولة تفلسف في غير موضعها، ولكن الحقيقة أنه تعبير عن صدمة كنت مدركاً لها من فترة، ولكنني حاولت دوماً تكذيب الواقع وفضلت التوحد مع الواهمين. الواهمون هنا هم كل أولئك الذين اعتقدوا أن حركة “حماس” هي المقاومة الباقية في وجه إسرائيل، لكننا لم نسأل أنفسنا أبداً كيف واجهت وكيف قاومت وهي التي بدأت بمباركة إسرائيلية في وقت مبكر من إطلاقها؟! لم نسأل أنفسنا كيف واجهت إسرائيل وهي التي لم تشتبك مع الجيش الإسرائيلي اللهم إلا ببعض الصواريخ التي تحدث ضجيجاً صوتياً أكثر منه تأثيراً على الأرض أو تحقيق هدف استراتيجي، والأكثر من ذلك أن من يطلق هذه الصواريخ جماعات جهادية أخرى تختلف مع “حماس” أحياناً وتستخدمها “حماس” أحياناً أخرى، لكن الثابت مؤخراً أن وظيفة “حماس” في غزة هي مراقبة تلك الجماعات ومنعها من إطلاق أية صواريخ باتجاه إسرائيل لأن الثمن يكون غالياً، وعادة ما يدفعه المواطن الفلسطيني المغلوب على أمره، والذي عاش يوماً وهْم “حماس” المقاومة ليصحو على حقيقة “حماس” الجماعة الهادفة لتكوين الإمارة، وليذهب الفلسطينيون الآخرون إلى الجحيم.
أعلم أن البعض سينبري لتكذيب ما أقول والتدليل على أن “حماس” انتصرت على العدو الإسرائيلي أكثر من مرة، وهنا أطلب ممن يعتقد هذا الاعتقاد أن يعود بذاكرته إلى ما يعتبره انتصارات حمساوية على إسرائيل، ليكتشف ما الثمن الذي دفعه الفلسطينيون من أرواح ودماء، وما حجم الخسارة التي مني بها الجيش الإسرائيلي، أظن أن زيارة سريعة عبر محرك البحث “غوغل” الآن ستنعش الذاكرة وسنكتشف أن هذه الانتصارات المدّعاة لم تكن إلا انتصارات كلامية وخطابية، وكنا متعاطفين معها ونصدقها لأننا كنا نبحث عن انتصار حتى لو كان وهماً، لذلك ذكرت في البداية أننا أحياناً نختار أن نبحث عن وهم، لن أعيشه وأصدقه، ليساعدنا على تجاوز الواقع المؤلم الذي نعيشه.
يخرج البعض ليقول إن “حماس” تحولت إلى قاعدة مقاومة عسكرية ضدّ الكيان الصهيوني، وقد ثبتت هذه الحقيقة التي تأكدّت من خلال انتصارها في صدّ حربيْن عدوانيتين كبيرتين عامي 2008/2009 و2012، كما تأكّدت من خلال صمودها في وجه حصار عسكري وسياسي واقتصادي دام إلى الآن وعلى مدى أكثر من ست سنوات، وإن هذا الوضع يكرس لما تعنيه من أهمية استراتيجية عسكرياً وسياسياً، عظيمة الأبعاد، بالنسبة إلى القضية الفلسطينية والشعب الفلسطيني والأمّتين العربية والإسلامية (مع إشارة خاصة إلى أهميتها الاستراتيجية العسكرية بالنسبة إلى الأمن القومي المصري)، وهنا أسأل: أي أمن قومي مصري يتحدثون عنه وهم الذين يستعرضون قواتهم في عرض عسكري رافعين شعار “الإخوان المسلمين” وعلامة رابعة كأنهم يتوعدون؟ لقد وفرت علينا “حماس” جهد إثبات أولويات الولاء لديها، وكشفت عن نفسها كجناح عسكري لتنظيم دولي ليس هدفه بالتأكيد الفلسطينيين، ولكن أهدافه هي أهداف التنظيم، التي تتخطى حدود الوطن والمواطنين، أما الإشارة إلى أن “حماس” تشكل قاعدة المقاومة العسكرية فإن هذا بات في حاجة إلى إعادة نظر.
أعلم أن ما أقوله سيتسبب في عاصفة في وجهي أنا في الغالب، ولكن هكذا علاج الإدمان، المواجهة لحقيقة الأشياء وكشف الغطاء عن الوهم الكبير الذي أدمنّاه، وعلى الآلاف التي تشكل “حماس” أن يعيدوا حساباتهم مرة أخرى، وأن يخرجوا هم أيضاً من الوهم الذي أغرقهم قادتهم فيه، وقد تكون أولى خطوات العلاج أن ينظروا كيف يعيش قادتهم وماذا هم فاعلون.
أظن أنه آن الأوان أن نتوقف عما يسمى المصالحة الفلسطينية بين “فتح” و”حماس” وأن تبدأ الحركة في اتجاه مصالحة فلسطينية بمفهوم استعادة الفلسطينيين لمصيرهم المخطوف في غزة.
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

بن لادن والبلتاجى والجزيرة

عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوي

تحوّل أسامة بن لادن فى مرحلة من حياته إلى نجم إعلامى، نجم بمفهوم أن وسائل الإعلام كانت تسعى لتجرى معه اللقاءات فى جبال أفغانستان، وأدرك بن لادن أهمية الإعلام وقتها، كان ذلك فى النصف الثانى من تسعينيات القرن الماضى. أيضاً أدرك قيمته الإعلامية، فأصبح هو من يحدد أى وسيلة إعلامية يلتقى، وأى صحفى يسمح له بشرف اللقاء. ولم يقف الأمر عند هذا الحد بل وضع شروطا لموضوعات الحوار والالتزام بالخط الذى يحدده. المسألة كانت مغرية صحفياً، وبالفعل تمكن قليل من الصحفيين من الذهاب إليه فى جبال أفغانستان عبر وسائله هو التى يحددها. وتقريبا التزموا بما اتفقوا عليه وقتها رغم التفاخر بالبطولات بأثر رجعى بعدها من قبل بعض من التقوه. لم يكن شهر العسل بين الأمريكان وصنيعتهم القاعدة قد انتهى وقتها بعد، ولم يكن الإدراك الغربى قد اكتمل فى فهم حجم الخطر الذى كان يمكن لهذا الفكر المتطرف أن يساهم فى إطلاقه إلى العالم ويصل إليه من تدمير لمفهوم الأمان والسلم فى المجتمع الإنسانى، وأنه قد يطولهم مهما اقتنعوا بأنهم فى قلاع حصينة. وهذا ما حدث بالفعل، وجاءت هجمات سبتمبر لتوقظ الغافلين بشدة وعنف لما فعلت أيديهم، كانت تلك الهجمات نتاجا طبيعيا لإخراج الإرهاب الأسود من مكمنه وإعطائه آفاقا جديدة وأبعادا إقليمية وعالمية بحماية وغض طرف أمريكى وغربى، وكان الثمن باهظا.

هجمات سبتمبر كانت البداية، حيث تلتها العمليات الإرهابية المتعددة، ولعل أبرزها تفجيرات مدريد وتفجيرات لندن، كان ذلك بمثابة لطمة قوية على وجه أولئك الذين يعتقدون أنهم قادرون على اللعب بالنار دون أن تصيبهم، لم يدركوا أنهم سوف يدركهم الإرهاب الذى دعموه ولو كانوا فى حصون مشيدة.

كان النقاش الرئيسى بينى وبين كل من التقيت من أهل الغرب سياسيين أو إعلاميين أو حتى شخصيات عادية يدور حول الخطأ الكبير الذى يقعون فيه فى تقديرهم بأن تمكين الإسلام السياسى سوف يؤدى إلى تخفيف الضغط عليهم، وأن أفضل الحلول لهم فى الغرب أن يشغل الإسلاميون بالصراع على السلطة فى بلادهم. كنت دائماً أحذرهم من أنه على الرغم من أننى أتمنى ألا تتكرر أحداث سبتمبر أو مدريد أو لندن مرة أخرى إلا أننى أستطيع أن أجزم بأن مثل هذه الأحداث مرشحة للتكرار، حيث إن ما يحدث هو توفير سماء آمنة للتنظيمات الإرهابية من مختلف أرجاء العالم، تستطيع أن يلتئم شملها فى ظلها لتنطلق لتنفيذ رؤيتها التى هى بالتأكيد تتناقض مع الحضارة الإنسانية. الشخصيات العادية وأصحاب المنطق كانوا يستقبلون هذا الطرح بالاهتمام والقلق وإعادة التفكير، لكن كانت هناك قلة من السياسيين الذين كانوا يرون أمورا أخرى من زاويتهم تجعلهم يرفضون المنطق الذى كنت أطرحه.

المهم وعودة إلى أسامة بن لادن، فقد قرر أن يختار بنفسه الوسيلة الإعلامية التى يظهر من خلالها وتتبنى رسائله، وبالطبع جميعنا يعلم أنه اختار قناة الجزيرة وحدها لتكون قناته ولسان حاله وحاملة رسائله إلى العالم، وبدا وقتها اختيارا غريبا، لكن الأيام والأحداث التالية فسرت أنه اختيار طبيعى جداً يتوافق مع الغرض من صناعة بن لادن والغرض من صناعة الجزيرة والغرض من تحريكهم من عناصر أخرى متعددة لتحقيق أهداف بالتأكيد ليست عربية أو وطنية، لكنها أهداف ومصالح عابرة للدول والأوطان وحتى لشيوخ بلدهم الذين لا يملكون من أمرهم شيئاً، كما يبدو ويتأكد يوما بعد يوم، وحتى الآن.

قُتل بن لادن بعد أن قُتل قبله عديد من قيادات القاعدة التى صنعتها أمريكا، ودارت حوارات وشكوك حول دور الجزيرة فى قنص وقتل بعض هذه القيادات، وادعت أمريكا إصرارها على محاربة الإرهاب، ولكن فى الوقت نفسه قامت بدعم جماعات الإسلام السياسى بناء على الحسابات الخاطئة التى أشرت إليها، فما يحكمهم هناك هو ما يعتقدونه يحقق مصلحتهم من منطلق المصلحة الوطنية والأمن القومى لهم.

عندما رأيت البلتاجى، القيادى الإخوانى الهارب من العدالة، على شاشة الجزيرة وخلفه ستارة فقيرة المظهر، ويبدو أن التصوير كان بكاميرا فقيرة الإمكانيات أيضاً، تذكرت شرائط بن لادن خاصة أنه اختار، أو اختير له، أن تكون رسالته عبر الجزيرة، وقال ما سمعناه من غث القول، وتأكدنا أن مرض الإنكار مازال ينخر فى عقولهم، واطمأن من كان لديه شك فى أن قرار المصريين بالثورة على هذه الجماعة والإطاحة بها كان هو الخيار الصحيح. ولكنى أتوقف أيضاً عند ذلك المشهد الذى يتكرر بشكل مختلف نسبيا، ولكن ما يجمع بين المشهدين: بن لادن والبلتاجى والجزيرة، هو أن الصانع يبدو واحداً، الأجهزة التى صنعت بن لادن هى ذاتها التى دفعت البلتاجى إلى نفس المساحة، وصانع الاثنين ليس بعيداً عن صناعة الجزيرة، بل قد يكون موجوداً داخلها أكثر مما يعتقد من يعملون فيها ويظنون خطأً أنهم يفهمون.

لا تفاوض بين شعب وجماعة

33333 2عبد اللطيف المناوي

بينما كنت اجلس مع اللوردات و أحد أشهر العاملين فى ىمجالات الاتصال السياسى فى بريطانيا تطرق الحديث الى الاوضاع فى مصر ومن بين كلام كثير تحدثنا فيه أشار الى اهمية ان يقوم طرف ثالث بجمع الاطراف او الطرفين الرئيسين المختلفين من وجهة نظره الى مائدة تفاوض ومن بين من اقترح ان يقوموا بهذا الدور با نكى مون الامين العام للامم المتحدة وأعتبر ان هذا أحد الخطوات الاساسية للانطلاق نحو وقف ما أعتبره دفع مصر الى دوامة العنف, أوقفته عند هذه النقطة وذكرت له ان هناك مجموعة من الحقائق التى لا يمكن تجاوزها وهى بدون توكيدان الوضع فى مصر لا يمكن إعتباره موقفا بين طرفين ولكنه موقف بين جماعة وشعب وبالتالى فإن احد اهم الاخطاء فى الحسابات هو الانطلاق من هذه النقطة الخاطئة التى روج لها الإعلام الغربى وتبنتها مؤسسات سياسية غربية وساسة غربيون فالملايين التى خرجت 30 يونيو ثم 26 يوليو لا يمكن مساوتها بجماعة قررت ان تدافع عن نهمها لللسلطة بسلوك حرب عصابات وإعتماد وسائل إرهابية , النقطة الأخرى هى ايضا أحد الأخطاء الراسخة فى العقلية الغربية بأن إذا ما قرر الفريق السيسى قرارا بالتفاوض مع تلك الجماعات فإن ذلك سوف يلقى موافقة من المصريين الحقيقة هنا هى ان مساحة المناورة –  إذا  كانت هناك مناورة – المتاحة امام الفريق السيسى صغيرة للغاية فان هذا القرار يصطدم برغبة وقناعة الملايين التى خرجت لتتخلص من حكم فاشى وعندما أعطته تفويضا فانه أعطته تفويض لمحاربة الارهاب او وقف العنف ولم تعطيه تفويض للتفاوض مع أولئك الذين يمارسون العنف والارهابولو ان هذه الجماهير شعرت بأن رغبتها وقرارها لا يحترم فسوف يعودوا الطريق الذى سلكوه من قبل وهو الخروج لإعلان رفضهم. فهم لم يخرجوا كل هذه المرات السابقة ليبدأو تفاوض مع من إختار معادتهم . القضية الاخرى التى أشرت اليها فى حديثى الى الرجل ان هناك حساسيةو شديدة لدى المصريين لأى ملامح تعنى تدويل ما يحدث فى مصر , فما يحدث فى  مصر هو أمر مصرى الشعب المصرى بدولته ومؤساساته قادر على ان يتعامل معها , ما يطلبه فقط هو ان لا يتدخل الاخرون لدعم جماعة إرهابية على حساب رغبات الشعب صاحب الحق والمصلحة .

 النقطة الأخرى فى هذا الموضوع الذى دار حوله حديث طويل حول السماح لكافة الاطراف بالمشاركة فى العملية الساسية فإنه حسب ما أعلم ومنذ اللحظة الاولى ومنذ إعلان الفريق السيسى فى الثالث من يوليو وإعلان خارطة الطريق فإن جميع المصريين كانوا مدعويين للمشاركة فى العملية السياسية وفى رسم خارطة المستقبل ولكن ما حدث هو ان ذات الجماعة هى التى رفضت الانخراط مع بقية المصريين فى إنشاء دولتهم التى حلموا بها. إذا فلم يستبعد طرف او مصرى واحد من المشاركة ولكن كأى مجتمع انسانى يحترم قواعد الانسانية والقانون فان لهذه المشاركة شروط رئيسية أهمها إحترام القانون والقواعد وعدم السماح لمن لوثوا ايديهم بدماء إخوانهم ان يشاركوا قبل ان يتم إبراء ساحتهم او حسابهم على ما فعلوه والحديث هنا ينحصر فى السماح بالمشاركة وعدم الاقصاء ولا حديث عن تفاوض للقبول بهذه المشاركة صاحب القرار هو الشعب والشعب قرر وعلى الجميع ان يلتزم بما قرر الشعب وليس مقبولا ان تصل مصر أحد أقدم الدول فى تاريخ الانسانية بان تعيش بشروط تفرضها عليها جماعة إختارت العداء والكراهية والعنف والارهاب إسلوبا فى التعبير عن مواقفها وطريقا لتحقيق أطماعها.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

هل ننتظر ستين عاماً لنعرف؟

24thعبد اللطيف المناوي

بعد ستين سنة اعترفت الولايات المتحدة أنها التي أطاحت رئيس الوزراء الإيراني محمد مصدق، ظلت الإدارات الأميركية المتعاقبة تنفي أن يكون لأميركا دور في الانقلاب، وتمسكت وكالة الاستخبارات المركزية السي آي إيه بذلك حيث كانت تصدر دائماً نفياً عاماً لأي دور لها في الانقلاب، ظل هذا هو الموقف إلى أن خرج علينا السي آي إيه بوثائق أفرج عنها تعترف رسمياً وللمرة الأولى بدور أميركا الرئيسي في الانقلاب الذي وقع في إيران عام 1953 وأطاح رئيس الوزراء المنتخب ديمقراطياً آنذاك محمد مصدق. وكالعادة قال أحد الخبراء: “نُفِّذ الانقلاب العسكري بتوجيه من وكالة الاستخبارات المركزية الأميركية في إطار تطبيق بنود السياسة الخارجية”.

وللتذكير سريعاً فقد انتخب الإيرانيون مصدق عام 1951 إذ بادر بسرعة إلى إعادة تأميم شركات إنتاج النفط الإيرانية، التي كانت تخضع للسيطرة البريطانية من خلال الشركة البريطانية- الفارسية للنفط، والتي أصبحت تعرف في ما بعد بشركة بريتش بيتروليم، وكانت تلك الخطوة مصدرا لقلق بالغ لدى كل من الولايات المتحدة وبريطانيا، إذ كانتا تعتبران النفط الإيراني مصدراً رئيسياً لهما لإعادة البناء الاقتصادي في فترة من بعد الحرب العالمية، كما كانت الحرب الباردة أيضا عاملاً مهماً بالنسبة إلى البلدين في تلك الحسابات.

وقال دونالد ويلبر، وهو أحد مخططي الانقلاب، في وثيقة من التي أفرج عنها وكانت قد كتبت بعد أشهر من الإطاحة بمصدق: “كانت هناك تقديرات بأن إيران كانت تواجه خطر السقوط الحقيقي خلف الستار الحديدي، وإذا ما وقع هذا، فإن ذلك سيعني نصراً للسوفيات في الحرب الباردة، وانتكاسة كبرى للغرب في الشرق الأوسط”، وتشير الوثائق أيضاً إلى كيفية إعداد الاستخبارات المركزية للانقلاب من خلال وضع أخبار معارضة لمصدق في كل من الإعلام الإيراني والأميركي.

إذن ظلت الإدارات المتعاقبة تنفي ما هو حقيقة بالفعل، يعلمون جيدا ماذا فعلوا ويصرون على عدم وجود أي مسؤولية أو دور لأجهزتهم، يفعلون ذلك وهم يعلمون أنه في يوم من الأيام ستنكشف الحقيقة، وأنهم هم الذين سيكشفون عنها عندما يحين الوقت.

هذا الموقف دفع إلى ذهني التساؤل البسيط، متى يحين الوقت وتنكشف حقيقة العلاقة بين “الإخوان المسلمين” وتوابعها في المنطقة العربية مع الإدارات الأميركية؟ والسؤال المرتبط به وهو أكثر أهمية ما هي طبيعة الدور الأميركي في إعاقة حق الشعب في تقرير مصيره وما يرغب؟ ولماذا هذا الموقف المريب مما حدث في مصر الذي خرج شعبها ليطيح بالجماعة من صدارة المشهد السياسي في مصر لتقرر الجماعة نفسها أن تتحول إلى عدو الشعب انتقاماً لفقدها السلطة.

في أكثر من لقاء لي مع من هم في دائرة القرار كان السؤال الذي عجز الجميع عن الإجابة عنه، ماذا تريد أميركا والغرب منا؟ ماذا يريد الأميركيون؟ ويسألون دون أن ينتظروا إجابة ما الذي بينهم وبين الإخوان؟ هل هناك اتفاقات سرية بينهم وبين الإخوان في إطار إعادة تنظيم المنطقة وتخشى الدول الغربية أن يكشف عنها الإخوان فيفتضح أمرهم؟ هذه أسئلة لا ينحصر ترددها في أوساط صناعة القرار فقط بل تصل إلى مستوى المواطن العادي الذي يقف عاجزاً عن فهم المواقف الغربية والأميركية من بلاده وسعيهم إلى تحطيم أملهم في العيش في بلدهم كما يعرفونه.

من المعروف أن الاتصالات بين الأميركان والإخوان لم تنقطع منذ فترة طويلة، لكن هذه الاتصالات تكثفت بالتحديد في عام 2004 بعد المقولة الشهيرة لوزيرة الخارجية الأميركية السابقة كونداليزا رايس “الفوضى الخلاقة”، حيث كان الأميركان وقتها لديهم تصور بأن الإرهاب الذي حدث، سواء في 11 سبتمبر بالولايات المتحدة أو مدريد أو لندن، منبعه الاعتقاد لدى هذه الجماعات المتشددة بمساندة أميركا لأنظمة “دكتاتورية” تحول دون وصول الإسلاميين إلى الحكم، وفي نفس الوقت كانت هناك أصوات داخل الولايات المتحدة تنادي بوصول الإسلاميين إلى السلطة بشرط إزالة المناطق الرمادية، ومنها الموقف من المرأة والآخر (الأقباط) والديمقراطية والغرب بصفة عامة، وكانت هذه الرؤية تؤكد أن وصول الإسلاميين إلى السلطة سيحول الشباب الإسلامي عن التنظيمات العنيفة مثل تنظيم القاعدة إلى هذه التنظيمات الإسلامية المعتدلة، وبعدها لن تكون هناك مشكلة من وصول الإسلاميين إلى السلطة، خصوصا الإخوان.

هذه العلاقة المريبة والتي تعود جذورها إلى نشأة الجماعة ثم أطلت برأسها في الخمسينيات ثم باتت اتصالات خفية مع مطلع الألفية الجديدة لتتطور إلى علاقة “شرعية” معلنة عقب أحداث يناير 2011 ويشهد مكتب إرشاد الجماعة على جبل المقطم المسؤولين الأميركيين يحجون إليه بصحبة سفيرتهم في القاهرة، حتى أن هناك من رصد هذه اللقاءات خلال عام باثنتي عشرة زيارة لمسؤولين أميركيين وأعضاء كونغرس.

خرج المصريون وأطاحوا الإخوان وأطاحوا معهم مخططات واتفاقات لا نعلم عنها الكثير حتى اليوم، ويظل السؤال هل سننتظر ستين عاماً أخرى قبل أن نفهم ماذا يحدث؟

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

من القاتل؟

عبد اللطيف المناويعبد اللطيف المناوي

ليس دفاعاً عن حق وليس ثباتاً على موقف وليست حرباً من أجل الإسلام، لكنها ببساطة حالة صدمة لضياع السلطة ونهم من أجل استعادتها، هذه هى الحقيقة البسيطة التى يتجاهلها كل من يقف مترددا، لأسباب تختلف، ولا يدين الجماعة الخارجة عن الوطن والوطنية. من يتابع الأزمة التى خلقوها منذ أخرجهم المصريون بثورتهم عليهم فى الثلاثين من يونيو يكتشف أن الدافع لم يكن يوما إلا رغبة جامحة فى السلطة التى لم يصدقوا بعد أنهم فقدوها بغبائهم وإنكارهم الدائم واستئثارهم غير المسبوق بالسلطة. هذا الفهم ليس منطلقا من المشاعر السلبية تجاه الإخوان أو تجاه مفهوم الإسلام السياسى، لكنه أصبح موقفا مرتبطا بفهم حقيقة الجماعة حتى من أقرب الجماعات إليهم ممن يمتلكون قاعدة فكرية واحدة وكانوا حلفاء يوما. وقد عبر عن ذلك أحد قيادات الدعوة السلفية، أحمد الشحات، عندما شن هجوماً حاداً على قادة جماعة الإخوان المسلمين، قائلاً: «النقد كله موجه لقادة الإخوان، الذين يديرون المشهد بشكل مصلحى ونرجسى لأبعد الحدود، فبدايةً هم الذين صنعوا هذا المسلسل القاتم بعدم اعترافهم بأن إرادة الشعب قد تغيرت تجاه الدكتور مرسى، فرفضوا كل الحلول وسدوا كل الطرق أمام الجميع، واتهمونا بأبشع التهم لمجرد أن طالبنا باستفتاء أو بانتخابات مبكرة مع أنهم الآن هم من يطلبون ذلك، وقد حذرناهم أكثر من مرة أن التأخر فى قبول العرض يفقده قيمته، وقد كان».

كما سبق أن كررت كثيرا منذ أن تولوا السلطة، فقد كانت السمة الغالبة هى العناد والتكبر، هذا العند الذى ولّد الكفر بهم وجدوى وجودهم، فنزل المصريون لينزعوهم من موقع السلطة، وكان سلوك الجماعة التالية هو الذى يؤدى إلى خسارتهم أى فرصة فى العودة كفصيل سياسى، وضعوا مانعا كبيرا بينهم وبين بقية الشعب المصرى، يزداد هذا المانع وتتسع الفجوة يوما بعد يوم بسبب الدماء التى تراق والإرهاب الذى بات ملمحا يوميا من حياة المصريين على عكس طبيعة الشعب. قبل أن نصل إلى هذا الوضع لم تتوقف المحاولات كى يعيش قادة الجماعة الواقع، ويعترفوا بأن التغيير قد حدث ولا مجال للعودة إلى الوراء، لكنهم كانوا يفاجئون الجميع بأنهم لا يريدون أن يفهموا، ولا يقبلون بأى مبادرات ولسان حالهم يقول: «نحن نعى ما نفعل جيداً وسنسترد حقوقنا كاملة»، ومع استمرار الاعتصام لأسابيع وعدم فضه تصوروا أن الدولة عاجزة عن تنفيذ القانون وحماية أبنائها، ومن جانبهم تصاعدت لهجة الاستنجاد بالخارج، ومطالبته بالتدخل. وفيما يبدو فإن بعض الجهات الغربية أعطت إشارات تحمل معنى الدعم لهم فى مسعاهم للعودة إلى السلطة، وكان هذا دافعا قويا لهم للاستمرار والتصعيد. ولكن وقع ما حدث متأخرا وهو فض الاعتصام وسقط ضحايا من المصريين، مئات من المصريين الذين خدعهم نفر من قيادات الجماعة التى لم تتوان عن استخدام هؤلاء البسطاء وقودا فى معركتهم من أجل السلطة التى يقولون عنها إنها زائلة، لكن الواقع أنها ساكنة فى كل جوانحهم بدرجة مفاجئة، حتى لأولئك الذين اعتقدوا يوما أنهم يفهمونهم.

الإخوان كانوا يقسمون بالأيمان المغلظة، على عدم قدرة القوات على فض الاعتصام، بل كانوا يتحدونهم بشكل مستفز، وكانوا يتعاملون مع البيانات التى تطالبهم بالرحيل بسخرية شديدة، وكانوا يدللون بذلك على ضعف موقف الحكومة وفشلهم فى التعامل مع الموقف، وعجت صفحات الإخوان بالكذب الأسود حول انشقاقات داخل الجيش على أشدها، ومحاولات انقلابية داخل الجيش على قياداته، وأن الجيش فقد السيطرة على سيناء، والسيسى يستعد للهروب من المطار، وغير ذلك كثير. لقد كانوا يدفعون الأمر إلى منطقة الصدام الدموى، وكما قالها لها أحد الذين شاركوا فى الجهود السياسية الدولية السابقة على فض الاعتصام، فإن ثانى أفضل خيار للإخوان هو سقوط ضحايا لهم بالآلاف ليكونوا فى موقع الضحية، وهذا ما سعوا له ولم يضعوا فى اعتبارهم دماء الضحايا الذين خدعوهم وأقنعوهم بأنهم يحاربون من أجل الإسلام والشريعة، والحقيقة أنها حرب من أجل السلطة والانتقام، السلطة لهم والانتقام من المصريين الذين كشفوهم بسرعة ولفظوهم.

ولم يتوقف الأمر بهم عند حدود الاعتصام، الذى تسببوا هم فى كونه دمويا، بل قرروا نقل المواجهة إلى باقى أجزاء الوطن، وأسقطوا عن المواجهة ادعاءهم الكاذب بالسلمية وانتقلوا إلى التعامل بالسلاح وعلناً، فالعنف لا يقابل إلا بالعنف، والسلاح لا يواجه إلا السلاح، كما يقولون وتؤكد أدبياتهم. قرروا تحدى دولة القانون ورغبة الشعب، وقبل ذلك قرروا معاقبة الشعب. هل هناك صعوبة الآن فى الإجابة عن السؤال: من القاتل؟

الإخوان وسياسة «الأرض المحروقة»

عبد اللطيف المناوي17th

سياسة الأرض المحروقة هي استراتيجية عسكرية أو طريقة عمليات يتم فيها “إحراق” أي شيء قد يستفيد منه “العدو” عند التقدم أو التراجع في منطقة ما، في الأصل كان المصطلح يشير إلى إحراق المحاصيل الزراعية لعدم استعمالها من طرف “العدو” كمؤونة، أما الآن فهو يشير إلى إحراق المنتجات الغذائية وتدمير الهياكل الأساسية مثل المأوى والنقل والاتصالات والموارد الصناعية.

أيضا تدمير موارد “العدو” بشكل عقابي هو أحد أهداف تطبيق سياسة الأرض المحروقة، لاحظ أن هذا السلوك يكون موجهاً دائماً إلى “العدو”، ولو طبقنا هذا المفهوم على سلوك جماعة “الإخوان المسلمين” تجاه المصريين خلال الأيام الأخيرة الذي التزم حرفياً بمفهوم الأرض المحروقة لفهمنا إلى أي مدى سلكوا سلوكاً عدائياً تجاه من يفترض أنهم جزء منهم.

لم أرغب أن أصدق الأنباء التي خرجت في البداية لتؤكد أن قيادة الجماعة أعطت أوامر لجميع قيادات الجماعة بالقاهرة والمحافظات لشن هجوم شامل على كل المنشآت ومؤسسات الدولة الحيوية وإشعال النيران فيها وتحطيمها، لكن السلوك التالي لهم أسقط رغبتي في عدم التصديق.

الأنباء قالت إن الهجوم يشمل أيضاً حرق كل الصحف القومية والخاصة وجميع مباني الوزارات وأقسام الشرطة واستهداف وزارة الداخلية واقتحام وتدمير مدينة الإنتاج الإعلامي بالكامل.

 جماعة “الإخوان” استخدمت سياسة الأرض المحروقة كأساس لعمليات الإرهاب المنتظمة التي قامت بها خلال الأيام الماضية مثل الحرق وإضرام النيران بالمؤسسات والممتلكات العامة والخاصة بشكل يعكس صوراً لدولة تحترق واستهانة واضحة بكل الملكيات والأرواح ورسالة واضحة لكل المخالفين للمسيرة الإخوانية، بينما كان اقتحام وتدمير ونهب الهيئات والمؤسسات العامة هو الوسيلة الثانية من أشكال العنف التي مورست من الإخوان ضد الدولة ومواطنيها، أما قطع الطرق الرئيسية فشكل المحور الثالث لإحداث شلل مروري بالدولة.

وفي سلوك ذكّرنا بأحداث حرق الأقسام واقتحام السجون في يناير 2011 استهدف الإخوان أقسام الشرطة والأبنية الحكومية لتدميرها وحرقها في خطة واضحة لتوجيه ضربة إلى المؤسسة الأمنية وإسقاط هيبة الدولة، وكانت مهاجمة كنائس وممتلكات المصريين المسيحيين بشكل أدى لإحراق عشرات الكنائس والممتلكات الخاصة بالمصريين الأقباط أسلوباً قديماً متجدداً للجماعة وحلفائها سبق أن مارسته على مر تاريخها.

ولن يقف الأمر عند حدود مصر فقد رصدت أجهزة استخباراتية تعليمات صادرة من التنظيم الدولي للإخوان يعلن فيها حالة الاستنفار، في كل الدول العربية التي بها أعضاء للإخوان، عقب فض الاعتصام من أجل التصعيد ضد الدول التي يعتقدون أنها وقفت ضدهم.

ما يحدث الآن هو تنفيذ دقيق لما تمنيت ألا أصدقه من أنهم ينفذون خطة الفوضى على حساب شعبهم ووطنهم، وذلك بتوسيع دائرة المواجهة مع قوات الأمن بغاية إرباكها واستنفاد جهودها.

ما لا يدركه الإخوان أن سياسة الأرض المحروقة لم تزد إلا في عزلهم وأتباعهم بين المصريين الذين يفاجأ معظمهم اليوم بأن هؤلاء حكموهم يوماً ما، قطاع كبير من المصريين يحملون “الإخوان المسلمين” مسؤولية التصعيد الخطير الذي تشهده مصر وخلف عشرات القتلى والجرحى بينهم عناصر أمنية، وذلك بسبب رفضهم مبادرات محلية وخارجية لتطويق الأزمة والعودة إلى الحوار.

ظل الباب مفتوحاً منذ اللحظة الأولى لمشاركة الجميع في رسم خريطة مستقبل مصر، لكن الجماعة التي حددت ولاءها خارج حدود الوطن رفضت إلا أن تدمر وتحرق الأرض وراءها، كان لسان حالهم إما أن نحكم مصر أو نحرقها، وهذا ما يحاولون فعله، إن مشهد القاهرة المحترقة بأيدي بعض من أبنائها من أكثر المشاهد قسوة على النفس، وهم لا يدركون -أي أعضاء الجماعة- أنهم عندما يمارسون سياسة الأرض المحروقة فإنهم بذلك يخلقون حالة عدائية من الصعب تجاوزها بسهولة.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

الثغرة

198968_1925889754891_1471580740_32131816_3447614_nعبد اللطيف المناوي

يظل نصر السادس من أكتوبر أهم علامات التاريخ المصرى نصوعاً، هذا اليوم الذى تمكن فيه جيش مصر من تحقيق ما شكك كثيرون فى تحقيقه، تمكن المصريون من إسقاط أسطورة بدا كأنها عصية على السقوط. تمكن المصريون من وضع نهاية لمقولة «الجيش الذى لا يُقهَر»، بعد أن قهره المقاتلون المصريون. هذا الانتصار الكبير ظل كثيرون يشككون فيه، اعتمادا على ما اصطُلح على تسميته «الثغرة»، ووصل الأمر ببعض المؤرخين الكارهين إلى أن يعتبروا نتيجة حرب أكتوبر هى هزيمة مصرية ونصر للجيش الإسرائيلى، بسبب هذه «الثغرة».

وللتذكير فإن «الثغرة» جاءت نتيجة عمليات تطوير الهجوم، فى 14 أكتوبر، ومشاركة مؤخرة الجيش الثانى فى دعم وحدات الجيش الثالث الميدانى، ما أدى إلى إخلاء مساحة طولها ميلان وعرضها ميل استغلتها القوات الإسرائيلية، فتقدمت بقوة 7 دبابات و3 مدرعات و250 فرد مشاة، بقيادة أرئيل شارون. وقامت وحدات الجيش الإسرائيلى بمهاجمة وحدات الدفاع الجوى المصرية، المتواجدة غرب القناة، وأَسْر الجنود المصريين. ولم يتم التعامل بالشكل والسرعة المتوقعة من الجيش المصرى، ما أدى إلى تدفق القوات الإسرائيلية على منطقة غرب القناة. ليس هنا مجال الحديث التفصيلى عن «الثغرة»، لكنها كانت عنصرا سلبيا فى تاريخ حرب أكتوبر، واستغلتها إسرائيل فى عمليات التفاوض التالية.

لماذا الحديث عن «الثغرة» اليوم؟ ما دفعنى لذلك هو الشعور بأننا نمر بموقف مشابه، اليوم، لما حدث منذ أربعين سنة. لقد تمكن المصريون شعبا وجيشا من تحقيق نصر مهم سوف يذكره التاريخ، وتَمْتَنّ له الأجيال القادمة، لإنقاذ مصر من عملية خطف خارج التاريخ والثقافة، وإعادة مصر إلى الطريق الصحيح، كدولة مدنية وسطية وطنية يدين أهلها بالولاء لها. وكان إعلان الثالث من يوليو تتويجا لهذا الزخم الشعبى لاستعادة مصر. إذن يمكن براحة بال أن أُشَبِّه ذلك الفعل بيوم نصر السادس من أكتوبر. إذن أين «الثغرة»؟

«الثغرة» هنا هى حالة أكثر منها فعلا على الأرض، فقد سمحنا بهذه الحالة نتيجة أسباب متعددة على المستويات المختلفة، الشعبية والسياسية، وقبل ذلك الأمنية والعسكرية. ملامح «الثغرة»، اليوم، متعددة يمكننا أن نلمسها ونراها ونسمعها. قد يكون ما حدث ويحدث فى «رابعة والنهضة» هو التجلى الأكبر والأكثر وضوحا فى تطبيق مفهوم «الثغرة» على الأرض، إلا أن هناك أشكالا أخرى سوف أحاول التوقف عندها، لمحاولة فهم الأسباب التى أدت إليها.

قد يكون أول ملامح «الثغرة» قد ظهر فى الأيام الأولى، ويمكن تسميته «الثغرة السياسية»، التى بدأت مع اعتماد العنصر الحاكم الفصال السياسى، منذ اللحظة الأولى، ولتفسير ذلك أقول إن الشعب عندما نزل إلى الشوارع، فى الثلاثين من يونيو، لم ينزل ليستدعى الأحزاب والقوى السياسية التقليدية، ولكنه نزل لهدف واحد فقط هو الإطاحة بالإخوان، واستدعى طرفا واحدا فقط أعطاه ثقته هو الجيش المصرى الذى لبى النداء، وأطاع الأمر، وانحاز إلى الشعب، صاحب الشرعية الحقيقية. لذلك كان أول ملامح الخلل هو استدعاء القوى التقليدية من أحزاب وأشخاص وجماعات، لتتولى الدور المهم – المعطل على الأقل – فى صياغة المستقبل، وإدارة البلاد. كان أحد الأخطاء استدعاء هذه القوى، أحزابا وأشخاصا، ليكون لهم قول مؤثر فى الخطوات التالية من تشكيل الحكومة، وكتابة الإعلان الدستورى. لقد تسبب هذا الوضع فى إدخال عناصر لعبت وتلعب دورا معرقلا للتقدم إلى الأمام، ولا تضع فى حسبانها إلا تحقيق الانتصارات الصغيرة والمكاسب قليلة النظر، على حساب مصلحة الأمة، حتى لو ادَّعَت عكس ذلك. هذا الواقع سمح بوجود شخصيات، داخل دائرة الحكم والسلطة، لا تستطيع ولا ترغب فى التخلص من انتمائها وحساباتها الشخصية، لذلك أصبحت هناك أصوات داخل دائرة صنع القرار أعمت أعينها عن رؤية توجهات ومطالب الجماهير، ووضعت عوضاً عنها توجهات ومطالب أخرى تصب فى الرؤية الخاصة بكل شخص منهم. هذه الحالة يمكن أن يطلق عليها الحالة «البرادعية». وهنا لا أُحَمِّل الدكتور البرادعى كل الحالة، ولكنها يمكن أن تحمل اسمه فقط. أقدر شخص الرجل كقيمة قانونية ودبلوماسية ودولية، ولكن أظن أنه فى حاجة إلى مراجعة مواقفه، فلن يكون سعيدا بأن يقارن وضعه بوضع «الثغرة». وأضع فى ذات المقام مجموعة السياسيين الذين يداعبهم حلم السلطة والانتخابات البرلمانية والرئاسية القادمة، وهم هنا يداعبون الصوت المنتمى للتيارات الإسلامية، وأيضاً يفكرون فى تحالفاتهم المقبلة مع هذه التيارات. لذلك نجد بعضهم، اليوم، يتخذ مواقف تبدو متخاذلة إلى حد بعيد إذا ما قورنت بالرغبة الشعبية. أما «الثغرة» الكبرى فقد كانت السماح فى الأيام الأولى بتكوين هذين الورمين فى العاصمة، كان ضرورياً حسم الأمور من البداية، وعدم السماح بتكوين ما تكوّن، فقد بدأوا عشرات، وتسربوا ليكونوا «ثغرة» تحاول دائماً أن تتمدد، ووجدت صدى داخل بعض الجهات والأشخاص داخل دائرة الدولة والحياة السياسية.

سوف تظل حرب أكتوبر هى أعظم انتصارات المصريين، رغم «الثغرة»، وستظل ثورة الثلاثين من يونيو أهم إنجازات المصريين حتى الآن، رغم «الثغرة» التى ليس لها مستقبل إلا الإزالة.

مرض الإنكار أطاح بالإخوان واسال دماء المصريين

عبد اللطيف المناوي
abdl el latifالطب النفسي عرف المرض النفسي “الإنكار” انه ما هو إلا حيلة دفاعية شائعة بين الناس، فالأم شديدة التعلق بإبنها، تنكر أية عيوب، أو نقائص فيه. والفرد نفسه يميل لإنكار ما به من عيوب، أو قصور، أو ما يقابله من فشل، عندما او فقدان السلطة يواجه الإنسان بشئ يفوق إحتماله كموت عزيز أو معرفته بإصابته بمرض خطير أو مرض إنسان أخر يهتم بأمره كثيرا يلجأ في كثير من الأحيان لتقنية دفاعية تعمل كحاجز بينه وبين ما لا يستطيع مواجهته هذه التقنية الدفاعية تعرف بالإنكار، إذا فالإنكار أحد ردود الفعل البشرية المعروفة والتي قد تظهر كرد فعل فردي على مشكلة شخصية أو حتى رد فعل جماعي في حالة وقوع مجموعة بالكامل تحت إحساس كاذب بالقوة او تضليل في مرحلة تالية، وإذا ما قادت الظروف  للحوار مع أحد المنكرين ينكشف كيف يعميه الإنكار عن كوارث تحيط به من كل جانب يرفض التعامل معها ومواجهتها حتى تستفحل وتنفجر أمامه وربما يسوقه هذا لإستخدام التبرير كسلاح دفاعي أخر يغطي به قصوره وما أكثر أسلحة النفس الدفاعية المضللة.
لا أظنني متجاوزا لو اعتبرت ان جماعة الاخوان المسلمين هي نموذج واضح يصلح كدراسة حالة عن هذا المرض المدمر لأصحابه، والميزة هنا ان هذه الجماعة عانت المرض في وقت القوة والتمكن وفي وقت الانحسار والهزيمة، والغريب في الأمر ان النتيجة مع اختلاف الممارسة واحدة، وهي في النهاية نتائج تدميرية.
عندما مارست الجماعة السلطة وأحكمت في أمور البلاد والعباد حدث ان تسبب قادة هذه الجماعة في إفساد الحياة على كل المصريين، وكان طبيعيا ان ينعكس ذلك على علاقة الناس بهم وتقييمهم لهم، وقد كان تقييما سلبيا بامتياز كما شاهدنا. كان المصريون يصيبهم الغليان من سلوك الجماعة، انكر الاخوان الحقيقة والواقع الذي يقول انهم تسببوا في انهيار الدولة، انكر الاخوان اصوات معاناة المصريين، تملكهم العند فكفر الناس بهم وبسياستهم، لقد نجح الاخوان في سنة فيما بم ينجح فيه ثلاث رؤساء وملك، كشفوا وجههم الحقيقي وتوجهاتهم وانتماءاتهم باتت مكشوفة امام الناس. فهم يعيشون حالة إنكار مرضي. يرفضون تصديق أن أحد أسباب سقوط الإخوان كحزب حاكم هو سوء الإدارة الحكومية الفاضح والصارخ الذي أقر به محمد مرسي نفسه، والذي أدهش حتى حلفاءهم الأميركان وأربك أوراقهم لسرعة تدهور الأوضاع الاقتصادية والتنموية، وعجز الحزب عن تحقيق أدنى درجات التعايش والتعددية مع القوى السياسية بقبول تشكيلهم على الأقل حكومة ائتلافية لا تحيد نصف الشعب المصري الذي صوت ضد مرسي.
تتابع الأخطاء الاستراتيجية الجسيمة التي ارتكبوها خلال عام واحد فقط جعلتهم يصطدمون منذ البداية بالمؤسسة العسكرية والمؤسسة القضائية ويستحوذون على المؤسسة التشريعية والتنفيذية. تلك كانت مؤشرات قوية على انعدام الخبرة ومؤشرات على حدوث انهيار في الأداء سيؤدي حتما لثورة المصريين الرافضين لتهميش هم، بل وإنكار وجودهم. ،وأصاب  الإخوان حالة من العمى نظرا وبصيرة مما جعلهم عاجزين عن قراءتها قراءة ما يحدث امامهم وبايديهم قراءة سياسية عاقلة واعية بمخاطر ما يفعلون بأيديهم، رغم نصائح كثيرة سمعوها من أصدقاء لهم وأصحاب مصلحة معهم الذي حذرتهم مسبقا من هذه الأخطاء، لكنهم لم يدركوا أن قيادة جماعنشأ أعضاؤها على السمع والطاعة، مسألة تختلف تماما عن قيادة شعب نصفه رفضهم والنصف الآخر وافق مضطرا.
هذا السلوك المرضي الذي يرفض أن يرى الشمس في رابعة النهار ويراها في ميدان رابعة العدوية هو من أجل الحفاظ على سلامة وعيهم وذاكرتهم وحماسهم وحبهم ودينهم وتاريخ ذكرياتهم لا حفاظا على صورة الإخوان كتنظيم.
ردود فعل وتعليقات الإخوان على مليونيات 30 يونيو كان أيضاً سلوكا نموذجيا للانكار، يقول أحدهم يومها «المتظاهرين المعارضين لمرسى عددهم 37 ألف بس والمؤيدين فى رابعة 370 ألف» بل ويقول الرئيس السابق لمن استقبلهم من مصريين واجانب اتصل بهم ان عدد المتظاهرين مائة وثلاثين الفا فقط. ولم ينافسه الا من خرج ليقول ان كل المتظاهرين فلول ونصارى. وتأتي مظاهرات السادس والعشرين من يوليو لتؤكد ان المرض عضال وغير قابل للعلاج، ويدفع الوطن كله الثمن. ويتحملون هم وحدهم الدماء المراقة على الطرفين.
كما سبق وذكرت فان الإنكار ميكانيزم دفاعى وحيلة نفسية من الممكن أن يصاب بها فرد، ولكن أن تصاب بها جماعة كاملة فهذا هو الغريب والعجيب والمدهش، وان ييصل الإنكار إلى درجة تعطل الحواس، فيروا الملايين بضع مئات. ثم يزايدون بالحديث عن تلك الملايين التي تنتفض في الميادين حتى اللحظة الأخيرة ينادون بكرسي رئيساً.
لا املك إلا القول شفاهم الله من اجل الوطن.
بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

خسر الإخوان الريف فلا تضيّعوه

p1010061.jpgعبد اللطيف المناوي

فى صلاة العيد الماضى كانت هناك ملاحظتان أساسيتان اختلفتا هذا العيد. الملاحظة الأولى كانت ذلك الشعور بالكآبة والخوف من المستقبل فى ظل جماعة قررت أن تسوق المواطنين كالأغنام فى الاتجاه والطريق الذى تريده، وهذا بدا فى صلاة العيد العام الماضى عندما سيطر الإخوان على جميع ساحات الصلاة- هذه هى الملاحظة الثانية- وبدوا فى حالة شديدة من الاعتزاز بالقوة، أو الإثم بالقوة، فكانوا على مداخل الساحات يقررون الخطيب من يكون ويقودون الجموع إلى الأماكن التى يرونها، وسوف يفهم هذا كل من صلى العيد العام الماضى فى أى قرية مصرية، حيث كانت سيطرة الإخوان على مسجد القرية الرئيسى ومركز شباب القرية، وهذه إشارة مهمة إلى أهمية مراكز الشباب التى كلفوا بها أحد أهم عناصرهم التنظيمية والحركية، ومن خلال المسجد ومركز الشباب فرضوا إحساساً من القوة والسيطرة، وتسبب هذا فى إحساس عام بالاكتئاب والخوف من المجهول فى ظل حكم الجماعة.

الأمر هذا العام بدا مختلفاً بشكل واضح، خاصة فى القرى، وهذه إشارة إلى أهمية القرى فى قرار المستقبل، فمصر ليست القاهرة ولا عواصم المحافظات، ومصر ليست التحرير أو رابعة أو النهضة أو القائد إبراهيم. مصر هى أكثر من خمسة آلاف قرية بها عشرات الملايين الذين يشكلون القوام الرئيسى للشعب المصرى، لذلك الاهتمام بهذه القرى سوف يكون عنصراً حاسماً فى مستقبل البلد، خاصة مع الإشارة الآن لملحوظة مهمة ذكرها لى منذ أشهر أحد أصدقائى المهتمين بمتابعة شؤون الجماعات الإسلامية وهى أن الخطير ليس سيطرة الإخوان وقتها لكن الأخطر هو سيطرة أعضاء الجماعات الإسلامية المتشددة، الذين كانوا ممنوعين من اعتلاء المنابر لانحراف فكرهم، على الزوايا والمساجد فى كل قرية مصرية، وهم هنا يجهزون لجيل جديد من المتشددين الذين يمثلون قاعدة مهمة للجماعات الإسلامية المتشددة حيث يركزون على الصبية والشباب الصغير لتشكيل وتكوين جيل جديد، وهؤلاء ما زالوا منتشرين وهى ظاهرة تحتاج إلى متابعة وإجراءات لحماية المستقبل. كانت هذه إشارة مهمة قبل أن أنتقل إلى ما تغير من أجواء فى صلاة العيد هذا العام.

ساحات صلاة العيد الخميس الماضى بدا فيها حالة ارتياح حقيقية، ترجمها البعض بأنه عيد بلا إخوان. ذهب الناس للصلاة فى الساحات الرئيسية ولم يكن هناك إخوان، لا أشخاص ولا شعارات. فقد هجر الإخوان تلك الساحات التقليدية ومن حاول منهم شعر بأنه غير مرحب به نتيجة مواقفهم منذ ثورة الثلاثين من يونيو ومحاولتهم إعاقة التقدم نحو المستقبل.

فى العديد من القرى المصرية صلى الأهالى صلاة العيد فى الساحات التى اعتادوا عليها فى كل عيد، بعض الإخوان طالبوا بالصلاة داخل المساجد ورفض الأهالى، فى بعض القرى حاول الإخوان السيطرة على الساحات وطردهم الأهالى، قرى أخرى أصر أهلها على منع رفع لافتات التهنئة بالعيد التى تحمل توقيع الإخوان أو أى من قادتها، وكان موقفهم حاسماً. وتطور الأمر فى قرى أخرى إلى اشتباكات ومطاردة من الأهالى لأعضاء الإخوان، خاصة تلك القرى التى فقدت أحد أبنائها على يد الإخوان أو تابعيهم من الإرهابيين فى سيناء. ونموذج متكرر لذلك ما شهدته قرية كفور نجم التابعة لمركز الإبراهيمية، فقد سيطرت حالة من الغضب والاستياء على نفوس الأهالى الذين أعلنوا عن عزمهم منع أعضاء جماعة الإخوان المسلمين من المشاركة فى تنظيم صلاة العيد لهذا العام بمساجد وساحات القرية أو المساهمة فى إقامة شعائرها وطقوسها أو تعليق لافتات خاصة بالجماعة لتهنئة الأهالى بتلك المناسبة، مؤكدين أنهم سيسمحون لهم بأداء الصلاة فقط. هذه القرية فقدت أحد أبنائها شهيداً فى هجوم إرهابى فى سيناء على إحدى الوحدات العسكرية.

إذن خريطة القرى فى مصر فى صلاة العيد كان الإخوان فيها إما مطاردين أو منبوذين أو معتزلين، فقد قرر بعضهم أن يكون له مكان منفصل ومنعزل عن أهل القرية الرافضين لهم. هذه الملاحظات لها دلالات مهمة ينبغى أن توضع فى الاعتبار، أشرت سريعاً لها ولا بأس من إعادة الإشارة إليها مرة أخرى. القرى المصرية هى أساس المجتمع المصرى وأصل المصريين، احتل الإخوان القرى المصرية فى ظل غياب الدولة وتخلى مؤسساتها عن القيام بدورها المفترض منها، سيطر الفهم المتشدد للإسلام فى غياب صوت الاعتدال واستيلاء المتشددين على منابر الجوامع وتحويل المساجد والزوايا إلى أكبر معامل تفريخ لجيل متشدد من الإرهابيين وتيارات الفهم الخاطئ للدين واستخدامه. هذا هو واقع الريف المصرى، يجب فهمه والاعتناء به لأنه كما كان نقطة انطلاق وقوة الجماعة وأتباعها فإنه مستعد الآن كى يكون نقطة انطلاق الدولة المصرية الوسطية كما يريدها أهلها. أهل الريف اكتشفوا حقيقة الإخوان وطردوهم كما ظهر فى صلاة العيد، ونبذ الإخوان أنفسهم فيما يشبه الجيتو اليهودى، وهذه هى الفرصة لبناء جسور جديدة من الثقة والاحترام بين الدولة وقراها إذا كنا نريد حقاً إنقاذ مصر.

صديق لى يقضى العيد مع أهله فى إحدى قرى الدلتا أرسل لى بهذه الرسالة: «ظاهرة أخرى، زفة الأفراح فى القرى والمناطق الشعبية أغنية تسلم الأيادى، لو السيسى كمل صح هيتحول لبطل شعبى».

قتل الآلاف هو ثاني أفضل خيار للإخوان

عبد اللطيف المناويIMG_0132

لم أتوقع، منذ اللحظة الأولى، لما سمى «جهود وساطة مع الإخوان» أن تنجح، وذلك لسبب بسيط هو أن نجاح هذه الجهود سوف يعنى خسارة الجماعة فرصة لعب دور الضحية والاستفادة منه، لقد خسرت الجماعة السلطة واعترافها وتسليمها بهذه الحقيقة يتماشى مع منطق الأشياء وعقلانية التفكير، لكن لديها يتحول الأمر إلى استغلال ما تسميه «محنة» لتحقيق مكسب تنظيمى مهم هو تماسك الجماعة. وهو سلوك يتماشى مع أسلوب الجماعة فى كل مراحلها، حتى فى مرحلة القوة فإن اللجوء إلى إيجاد صيغة تسمح لها بأن تكون الضحية كان أسلوبا يميزها، لذلك استغلت مثلا الخطاب المناهض لها والمعارضة لوجودها، اعتمدت الجماعة هذا الخطاب وذلك الاتجاه من أجل الحفاظ على السلطة فى ذلك الوقت، وتماسك التنظيم.

قال خليل العنانى، الأكاديمى المتخصص فى سياسة الشرق الأوسط بجامعة «دورهام»، إنه رغم اعتماد المعارضة بمصر بشكل متزايد على خطاب مناهض للإخوان بهدف «كشف الجماعة وتقويض رصيدها»، إلا أن الأخيرة تعتمد بشكل مؤكد على هذا الخطاب من أجل الحفاظ على السلطة وإدامة تماسك تنظيمها. وظلت الجماعة لا تهتم بحقيقة تراجع شعبيتها، وإن مرسى كان يميل لتجاهل وازدراء وتهديد قادة المعارضة، معتقدا أنهم يحاولون تقويض حكمه. ونظرت إلى المعارضة كجزء من مؤامرة عالمية ضد ما تسميه «المشروع الإسلامى». ومن يدرس سلوك الجماعة يكتشف أن ظاهرة العداء للإخوان- على عكس ما يعتقد الكثيرون- لها أثر عكسى على الجماعة، وأنها مفيدة لها بشكل كبير، وتلعب دورا لصالح قيادتها.

كذلك فإن العداء للإخوان يوحد أعضاءها ويزيد سلطة القيادة على التنظيم، باستخدام مفاهيم سادت طويلا داخل الجماعة مثل «المحنة» و«الصبر» و«الابتلاء»، التى تعكس المعاناة التاريخية ودور الضحية السائد بين قادة وأعضاء الجماعة».

اليوم إن انكشاف الجماعة واقتلاع الشعب لها من موقع السلطة هو بمفهومها محنة أخرى يجرى تسويقها لأعضاء الجماعة بالأساس، من يراقب مواقف «مفاوضيها»- إن صح التعبير- وتصريحات قياداتها، فسوف يلحظ أنها تدفع الأمور دفعا للوصول إلى الصدام، وهى هنا تتجاهل الحقائق الجديدة على الأرض، وتصر لدفع الأمور دفعا لتصطدم، وتحاول بشتى الطرق كسب ضحايا جدد، هؤلاء الضحايا الذين تتسبب فى مقتلهم بالدفع للصدام تستغلهم وهى تأمل فى أن يتسبب الاهتمام الدولى، وربما الاستياء مما يجرى فى مصر من أعمال عنف، فى إنقاذها، وأن يؤدى ارتفاع حصيلة القتلى إلى كسب تعاطف من لم يحسم أمره ويحدد موقفه فى مصر.

ما شهدته مصر، خلال الأيام الأخيرة، سماه البعض مفاوضات أو مساومات أو لجنة دولية للمصالحة، العديد من المسميات التى تصب جميعها فى مفهوم أن مصر تواجه حالة من الانقسام، ويصل البعض إلى الحديث عن انشقاق يكاد يكون متساويا بين المصريين. لكن حقيقة تسمية ما حصل أنه ليس تفاوضا أو مساومة، لأن الواقع يقول إن الصورة الآن هى جماعة فى مواجهة أمة، لذلك فإن القيادة المصرية ارتأت أن الأفضل اتخاذ جميع الاحتياطات لتجنب سفك الدماء، وبالتالى كانت الدعوة لمن رغب ليحضر ويرى بنفسه الحقيقة كما هى لا كما تروج لها دعايات الإخوان فى الداخل والخارج، أيضاً استخدام العلاقات «الخاصة» لبعض هؤلاء «الوسطاء» مع الجماعة أثناء حكمها البلاد لإعادتها إلى رشدها وإقناعها بأن المسألة حسمت، وأن العجلة لن تعود إلى الوراء. لذلك كان الموقف المصرى مزيجا من الحزم والحسم الخاص بالتمسك بما التزموا به أمام المصريين، مع الحرص الشديد على محاولة تجنب إراقة الدماء.

لكن السؤال هو: هل قادة الجماعة حريصون على عدم إراقة الدماء؟ الإجابة عن هذا السؤال أظن أن البعض ممن شارك فى جهود الأيام الأخيرة وتواصل مع هؤلاء القادة قد توصل إلى نتيجة هى إعادة اكتشاف حقيقة تفكير الجماعة، أو قيادتها، وهى أن ثانى أفضل خيار للجماعة هو أن تدخل فى صدام دموى تدفع فيه لقتل المئات أو الآلاف- لا يهم من وجهة نظرهم- من أجل أن يعيشوا مرة أخرى حالة «الضحية» أمام الرأى العام الداخلى، والأهم له أمام الرأى العام العالمى. أما من يموت من أعضاء الجماعة وقواعدها فهذا أيضاً لا يهم قياداتها كثيرا، طالما أن أبناءهم بعيدون عن ساحات الاشتباك. هذه الحالة تعيد لهم تماسك الجماعة وتفوت الفرصة على النقد الداخلى ودعوات التغيير والإصلاح داخل الجماعة.

أما أفضل خيار لها فهو عودتها للسلطة التى أصبحت مستحيلة.