فيلم عربي قديم

بقلم   عبداللطيف المناوى

أنا من  عشاق الأفلام العربية القديمة ، الأبيض والأسود ، أجد فيها من المستوى الفني الذي لا يقل عن مثيله من أفلام أوروبا وأمريكا في ذات الفترة ، وأجد أيضا فيها ملامح مصر التي كنا نتمنى أن تستمر ، وأرى أيضا فيها كثيرا  مما ننادي ونأمل في أن نراه في مجتمعنا اليوم ، ولكن أصواتنا تضيع هباء ، ثم نكتشف عندما نشاهد هذه الأفلام أن كثيرا مما نفتقد في بلادنا هذه الأيام كان موجودا في بلدنا ذاتها ، ولكن في زمن مختلف ، فأضيع بين تحديد هوية ما نريد ، هل هو رؤية للمستقبل ، أم حنين غير مدرك للماضي .

المهم ، لست أتحدث هنا اليوم عن الحنين للماضي بإطلاقه ، ولكن استوقفني ظهر اليوم وأنا اتابع شاشة التليفزيون المشهد الأول من فيلم ” أنا وهو وهي ” لفؤاد المهندس ، ولست هنا من أجل سرد الفيلم ولا الحديث عن قيمته الفنية ، ولا التذكير بأن القانون ” مافيهوش زينب ” ، ولكن فقط أتحدث عن المشهد الأول فيه ، ولم أكن أعلم أنه الفيلم ، ولكن يبدأ المشهد بلافتة نحاسية صغيرة مكتوب عليها ” نقابة المحامين ” ، ثم تتحرك الكاميرا إلى الداخل أمام رجل يبدو أنه النقيب يترأس اجتماعا لما يبدو أنه مجلس نقابة المحامين ، نجح المخرج في اختيارهم بما يبدو عليهم من جدية واحترام ، واستطاع أن يضع على ملامحهم الجدية ، وأن تكون ملابسهم رسمية راقية داكنة ، ويبدأ النقيب بالحديث موجها كلامه إلى محامي واقف أمام المجلس ، فيما يبدو أنه مجلس تأديب ، ويتحدث النقيب موجها حديثه للمحامي بأنه قد تجاوز في أدائه بما يسيء إلى مهنة المحاماة ، وأنه أي المجلس ـ قرر أن يوقفه عن ممارسة المحاماة لمدة شهر ، مع إنذاره بالشطب في حال تكرار المخالفة .

وهنا ينتهي حديثي عن المشهد و الفيلم ، وأبدأ حديثي عن المشهد الذي نعيشه ، وأسأل أين أصبحت نقاباتنا من التداخل و الاهتمام بشئون المهنة ، بل أين باتت نقاباتنا وجودا أو عدما ، ومن المسئول عن هذا الوضع الذي وصل إليه العمل النقابي في مصر ، سواء للنقابات  الفاعلة أو النقابات المجمدة ، وسؤالي الآخر : متى حدث تدخل نقابي لعقاب عضو من أعضائها لتجاوزات مهنية ؟ لقد أصبح العمل النقابي خلط ما بين السياسة والمصلحة الشخصية لمحترفي العمل النقابي ، وبات الحكم في العلاقة هو النفاق من أجل الأصوات .مشهد من فيلم مصري قديم ، ولافتة نحاسية تحمل ” نقابة المحامين ” نكأت  جروحا نعيشها ، وتساؤلات عن مستقبل نتمنى أن يرتكز على ما كان في الماضي .

الفيل ليس أرنبا

بقلم   عبداللطيف المناوى

أحد التعبيرات التي توقفت أمامها مبتسما أمس في حديث لي مع المسئول عن أراضي الدولة عندما قال إن البعض أتي إلى الدولة في يوم من الأيام ، وهو يحمل فيلا ضخما كتب عليه أنه ” أرنب ” ، فصدقته الدولة  ، أو بعض مسئوليها ، وتم التعامل مع الفيل على أنه أرنب ، وخرجت التصاريح  ، وتم تسعير الأراضي ، وتم التخصيص على أن الفيل ليس سوى أرنب ، ومرت السنوات وعاش الفيل وصار أفيالا ، وظل قادرا على إقناع الدولة بأنه مجرد أرنب ، وظلت الدولة تصدقه ـ أو بعض مسئوليها ـ لا نعلم لماذا ، ونريد أن نعلم لماذا .

ما حدث في مصر خلال العقود الأخيرة يحتاج إلى وقفة حقيقية يتم فيها فتح ملفات ما كان من صفقات على حساب أراضي وأملاك الدولة ، نريد أن نعلم كم فيلا تعاملت الدولة معه على أنه مجرد أرنب ، ونريد أن نعلم من من صغار أو كبار مسئولي الدولة تورط بعلم أو بغير علم في ذلك ، والأهم نريد لهذا الوطن ولأبنائه أن يستعيدوا  ما لهم من حقوق ضاعت نتيجة إجراءات خاطئة أو ضعف نظر من لم يستطع أن يميز الفيل من الأرنب .

لا أتوقع مع ما أتابعه من توجه للقيادة السياسية هذه الأيام تجاه هذه العشوائية في التعامل مع ملف املاك الدولة وأراضيها أن يتم اتباع سياسة ” عفا الله عما سلف ”  ، ولنحافظ على ما تبقى ، لا اظن أن هذه السياسة تتفق إطلاقا مع توجهات القيادة السياسية التي ترجمتها ـ أي هذه التوجهات ـ في شكل إجراءات .

للدولة مركز اسمه المركز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة ، هدفه وفقا لقرار إنشائه التنسيق الكامل بين أجهزة الدولة لتحقيق أحسن استغلال ممكن لأراضيها ، ومتابعة تنمية هذه الأراضي ، وإحكام الرقابة عليها من التعديات ، وأظن أنه ينبغي أن يضاف إلى مهام هذا المركز ـ الذي يرأسه اللواء عمر الشوادفي ـ مهام مراجعة ما فات من إجراءات بيع أراضي الدولة ، وحصر ما تم التعامل معه باعتباره فيلا أو اعتبر أرنبا .

الذي اغتصبوا أراضي الدولة ارتكبوا مخالفات تستحق المحاسبة ، أولى هذه المخالفات انتهاك شروط التعاقد ، فهم أخذوا الأرض لهدف محدد هو استصلاحها وزراعتها ، وهذا هدف ” قومي ” نبيل ننحني له جميعا ـ لو كان قد حدث ـ ، ولذلك تم منحهم الأراضي بأسعار زهيدة ورمزية ، ولن أقول بخسة لأنكم ستقولونها ، لكنهم لم يلتزموا بهذا الهدف ، بل تاجروا في الأرض وتربحوا منها في مشروعات لا علاقة لها بالزراعة ، بل تحولت إلى مشروعات عقارية، وملاعب جولف ـ ولها مقام آخر في الحديث ـ وتجارة أراض بهدف الكسب و فقط ، ولتذهب الزراعة و الاستصلاح و الأهداف القومية ومعها المياه الجوفية ” بالمرة ” إلى الجحيم .

إنها مأساة .

ثورة الشك

بقلم   عبداللطيف المناوى

قال الإمام الشافعي ” وجود الشك هو أصل بداية الخيط لإيجاد الحقيقة ” بمنطوق آخر ، فإن الشك هو أساس اليقين ، هذا النوع من الشك هو شك إيجابي ، فلا سبيل لليقين من الأشياء إلا من خلال بذرة الشك تدفع إلى البحث عن حقائق الأشياء للوصول إلى اليقين ، أيا ما كان هذا اليقين سلبيا أو إيجابيا ، هذا ما يمكن أن نطلق عليه الشك البناء .

النوع الثاني من الشك هو الشك المدان ، وهنا يمكن أن ينطبق عليه مفهوم التشكيك أكثر منه الشك ، ولا تكون الوسيلة هنا هي البحث للوصول إلى اليقين ، ولكن يكون الشك من أجل خلق تلك الحالة من زعزعة اليقين ، وتكون هنا الأهداف واضحة المعالم ، الغرض هو التهديم ، وبكافة الوسائل المتاحة .

هذه ليست مقالة فلسفية ، ولا أسعى هنا لاستعراض مفهوم الشك الفلسفي لدى ديكارت ، أو مفاهيم الشك المختلفة في العلوم الطبيعية ومجالاتها التطبيقية أو العلوم الإنسانية ، ولكني هنا أتحدث عن نوع الشك الذي بات يسود المجتمع ويقود حركته ، وهل يندرج هذا النوع من الشك تحت مفهوم الشك البناء أم الهدام ، ومن يدفع به ـ أي الشك ـ في أي من الاتجاهين .

مع الأسف الشديد نحن نعيش حالة يسود فيها إلى حد كبير مفهوم الشك الذي لا يهدف إلى الوصول إلى اليقين ، ولكن هناك من يدفع الأمور دفعا في اتجاه النوع الآخر من الشك ، من الملاحظ ان هناك حملة دائمة في كل ما يواجه المجتمع من أجل المجتمع من أجل التشكيك فيما يحدث من وقائع .

أنا أؤمن تماما بأهمية البدء بالشك في الأمور ،  من أجل البحث عن اليقين الذي سبق أن أشرنا إليه ، من حقي كمواطن أن أشك مثلا في أسباب وفاة شاب الإسكندرية ، طالبا وضاغطا من أجل البحث عن أسباب الوفاة ، ومن حقي في مرحلة تالية أن أشعر بدرجة مختلفة من استمرار الشك مع ظهور تقارير أولية ليست نهائية من أجل الوصول أيضا إلى اليقين .

ولكن لست مع من يستغلون هذه الحالة من أجل الدفع بشكل مستمر إلى تصعيد حالة الشك إلى مستويات أعلى ومستمرة في كل ما يحدث من إجراءات ، أو أن أصل بالشك بسبب دفع هؤلاء إلى درجة عدم اليقين في كل ما يحيط بنا ، وكل ما يحدث معنا .

أظن أن حالة عدم  اليقين ، وحالة الشك الدائم في كل ما يحيط بنا ليست  في  صالح هذا الوطن ، وأظن أن من ينظرون إلى الأمور ، بنظرة ضيقة من أجل تحقيق هدف سياسي أو حزبي ضيق ، أو من تسيطر عليه روح انتقام أو عداء للنظام أو للمجتمع ، أظن أن هؤلاء إنما يقامرون بل ويحرقون مستقبل هذا الوطن .

أنا هنا لا أتحدث عن قضية بعينها ، ولكن أتحدث عن حالة تستدعي التوقف للتفكير ، ودق جرس ـ بل أجراس ـ الإنذار ، فثورة الشك  الهدامة إذا سادت لن تبقي بناء دون هدم .

سوق الجمعة الذي كان هنا

بقلم   عبداللطيف المناوى

سوق التونسي المعروف باسم ” سوق الجمعة ” يبدو أنه سوف يختفي من مكانه الذي اعتاد عليه رواده من التجار والزبائن ، جاء حريق فجر الثلاثاء الماضي ليضع كلمة النهاية على استمرار هذا السوق في هذا المكان ، ولكن يبدو أن الحريق الذي أتى على السوق نتيجة سقوط سيارة مسرعة من أعلى الكوبري رحم الله من كان فيها الذين أنهوا حياتهم بسبب السرعة ، وكذلك وضعوا نهاية لهذا السوق ، يبدو أن هذا الحريق لن ينتهي عند هذا الحد ، بل بدأ شرارة لحريق آخر بين التجار الذين اعتادوا أن يكون سوق التونسي هو مكانهم لسنوات ، وبين الأجهزة الإدارية للدولة التي رأت أن هذا يصلح لأن يكون مناسبة لنقل هذا السوق من هذا المكان إلى مكان جديد في مدينة 15 مايو ، ففي الوقت الذي أكد فيه رئيس حي الخليفة صدور تعليمات من محافظ القاهرة بإزالة السوق تماما ، وعدم السماح بإقامته في موقع الحريق ، هدد تجار السوق بقطع طريق الأوتوستراد إذا لم يتم تعويضهم عن الخسائر التي تكبدوها .

سبق وأن زرت سوق الجمعة  من قبل ، وهو يعتبر من اكبر الأسواق في مصر إن لم يكن في المنطقة العربية كلها. يمتد لمسافة عدد من الكيلومترات، يبدأ من منطقة السيدة عائشة مرورًا بالبساتين وسط المقابر وحتى أطراف حي المعادى ، ليس هناك اختلاف كبير بين حال تجاره ورواده، فكلاهما تجمعهما ظروف معيشية صعبة أجبرتهما على التواجد في هذا المكان، بائع يبحث عن مصدر رزقه وقوت يومه، ومشترٍ لن يجد بضاعته إلا في هذا المكان بالسعر الذي يناسبه .

نظام خاص بالسوق فرض نفسه ونظم نفسه ، يبدأ بسوق طيور الزينة والعصافير، ومن بعدها سوق الملابس، ثم الأنتيكات والتحف، فسوق الحمام ومن خلفها سوق الكومبيوتر والساعات والنظارات، ثم سوق الكلاب والحيوانات والطيور ومن ورائها سوق الجوالات، ثم بعد ذلك سوق الحديد الخردة ، المسروقات خاصة من الأحذية وأجهزة الجوال والدراجات والملابس والنظارات والساعات ، لها مكانها بين القبور في السوق، ولها زبونها أيضا، الذي لا يجد حرجا في شرائها.

 لكن تظل بعض الملاحظات على ماحدث : المتابع يكتشف أن هناك قرارا بالإزالة منذ أكثر من عامين للسوق ، وإيجاد مكان بديل ، ولم يحدث هذا ولا نعرف لماذا ؟ هل كان انتظارا للحريق ؟ أيضا ما حدث هو تعبير عن ذلك الاقتصاد العشوائي الذي لا ينظمه قانون ولا يوجد أي أساليب حماية للعاملين تحت مظلته ، بحيث لو حدث مثل ما حدث فلا يوجد غطاء تأميني يعوض هؤلاء ، ولا توجد وسيلة لمعرفة من أضير وكيف يعوض .

ما حدث هو إنذار جديد حول حالة العشوائية التي تحكم الكثير من حياتنا ، نحتاج إلى وقفة حقيقية لرصد هذه الحالة العشوائية وأسبابها وسبل التعامل معها ، ولا ينبغي أن ننتظر حريقا أو سقوط صخرة لمعالجة أمور نراها أمام عيننا

أمنيات برلمانية قد لا تتحقق

بقلم   عبداللطيف المناوى

البرلمان القادم كيف نتمناه ؟ ما هو شكله ومن هم نوابه ؟ أتمنى أن أرى برلمانا ممثلا بحق لنا جميعا كمصريين ، أن أجد نوابا شاركنا نحن بالفعل كمصريين في اختيارهم ، نزلنا إلى صناديق اقتراع شفافة ، تبدأ اليوم وهي خالية من أوراق التصويت ، وتنتهي بأوراق حقيقية ملأناها بأيدينا .

أتمنى وأظن  كثيرون معي يتمنون ـ ألا نجد نوابا تاجروا بقوت الشعب ، ولا بأموال علاجه ، نتمنى أن نرى نوابا بحق عن الأمة ، وينظرون إلى مصالح الأمة لا مصالح الأشخاص ، أن نجد من يرعى مصالح دائرته بحق ، وليس مصالح من دفعوا له أو دعموه ليصل إلى مقعد البرلمان ، أن يعمل من أجل صالح جميع أهل الدائرة لا من أجل مصالح خاصة ضيقة .

هل لنا أن نتمنى ألا يكون هناك نائب في البرلمان القادم قد تورط أخلاقيا ، أو تهرب تجنيديا ، أو فسد ماليا أو تعامل تهريبيا لدواء أو مخدر أو بضائع ، أو تاجر دينيا بتأشيرات حج .

نتمنى أن تنجح الأحزاب جميعها في أن تختار المرشحين المعبرين بحق عن رغبة أهالي كل دائرة ، أن يكون من يقع عليه الاختيار محل ثقة لدى ناسه ، وألا يكون من أولئك الذين سبق وأن أشرنا إليهم في الفقرات السابقة ، و العبء الأكبر هنا يقع على الحزب الوطني الحاكم ، الذي ينبغي أن يتوقف قادته ليتدارسوا تجاربهم السابقة في الاختيار ، وآخرها مجلس الشورى الأخيرة ، و القواعد التي وضعوها لهذا الاختيار ، وأن يستمعوا إلى صوت الجماهير الحقيقية التي تمتلك والتي تذهب إلى الصناديق بالفعل ، بل وأن تقنع من لا يذهب بأن يذهب بالاختيار الصحيح لمن يخوضون الانتخابات .

أتمنى أن أجد برلمانا به معارضة حقيقية تمثل القوى المدنية بحق ، وأن تكون حاضرة بنسبة حقيقية وقوية ، وأن يكون تمثيل القوى السياسية تمثيلا حقيقيا عاكسا لأوضاعها وقوتها الحقيقية في الشارع  .

أتمنى أن يقتنع من تخوف من المعارضة المدنية الليبرالية من قبل أن تخوفه أدى بنا إلى صعود المعارضة الدينية بشكل مبالغ في حضورها على حساب المعارضة المدنية ، وهو الأمر الذي يدفع بنا بعيدا عن مفهوم الدولة المدنية .

انتهت الدورة البرلمانية بالأمس ، وأعلن فض الدولة وخرج منها النواب كلهم يتمنى أن يعود إلى مقعده الدورة القادمة ، ونحن لا نتمنى ألا يظل فيها إلا من يستحق أن يكون ، فهل تتحقق الأمنية ؟.

مهابة شيخ القبيلة

بقلم   عبداللطيف المناوى

كان ذهابي إلى سيناء فرصة لفتح ملفات كثيرة تخص أهلنا في سيناء أعتقد أنها جديرة بالمناقشة حولها ، في سيناء ـ وإثناء لقاءاتي مع شيوخ قبائلها ومجاهديها ـ تناقشوا معي في  ملفات كثيرة أمامي ، لم يخفوا ابتهاجهم بأن هناك من يناقش مشاكلهم بعيدا عن التعامل معهم بشكل فولكلوري أو احتفالي  في أعياد تحرير سيناء ،  من  هذه القضايا التي سأناقشها في مقالات مقبلة التنمية ، والعلاقة مع الأمن ، ومفهوم الانتماء ، أيضا هناك قضية توقفوا عندها طويلا ، وهي غياب مفهوم مهابة شيخ القبيلة .

ورغم أن المجتمع السيناوي مجتمع قبلي ، يقوم على عدد من القبائل أشهرهم السواركة والطرابين ، إلا أنه مع التوسع والزيادة السكانية ، زادت القبائل  و العشائر و الأرباع كما يسمونها ، ومع هذه الزيادة تراجعت هيبة الشيخ في بعض هذه القبائل ، فبعد أن كان عدد شيوخ القبائل يعدون على أصابع اليدين تجاوزوا المائة بكثير ،  أسباب هذا التراجع يعود إلى الآلية  التي يتم بها اختيار هذا الشيخ الذي يقود هذه القبيلة ، السبب الثاني هو علاقة بعض أفراد القبيلة بالأمن ، أحد الشيوخ قال لي ، من الممكن أن يذهب ولد صغير يشكوني في القسم ، فأذهب إلى القسم ويتم احتجازي بسبب شكوى ولد صغير ويتم التعامل معي بشكل سيء ، السبب الثالث هوعدم الرجوع إلى شيخ القبيلة في اختيار أعضاء المجالس المحلية للقرية أو المدينة ، أو في اختيار أعضاء مجلس الشعب الذين يتم اختيارهم أو تعيينهم ،  وهو الأمر الذي أدى إلى وجود أكثر من مركز قوة ، وبالتالي أدى إلى سقوط سطوة الشيخ على القبيلة .

هناك أسباب أخرى كثيرة  ذكرها لي شيوخ قبائل سيناء ، لكن الأمر في النهاية أدى إلى وجود خلل في المجتمع السيناوي الذي يقوم بالأساس على احترام شيخ القبيلة الذي يقوم بفض النزاعات ، ويكون بمثابة ميزان عدل في القبيلة  يحذر المخطئ  ،ويعاقب المارق، الأمر يحتاج إلى إعادة نظر خاصة أن عددا من شيوخ القبائل هم من مجاهدي سيناء الذين قدموا خدمات جليلة للوطن ، والذين يحتاجون إلى إعادة خلق وضع اجتماعي واقتصادي وقيمي مناسب لهم كمجاهدين  أو كشيوخ القبائل ، عن طريق دعمهم ماديا ، وتحسين المعاشات  ، وتمليكهم الأراضي ، وتحسين صورتهم الاجتماعية ، فبإمكانهم إعادة التوازن إلى المجتمع السيناوي الداخلي ،  وهذه هي بداية صحيحة للتكاتف من أجل  بداية تنمية حقيقية .

 

جهلة يحملون شهادات

بقلم   عبداللطيف المناوى

مرة أخرى الحديث عن مجلس الشعب والتعليم ، وذلك بمناسبة الجلسة الصاخبة التي شهدها المجلس بالأمس وتناولت من بين كثير تناولته موضوع وضع إستراتيجية التعليم ، وأنا هنا أحيي د. احمد فتحي سرور علي إشارته المهمة عندما حذر من ان مجلس الشعب ليس من وظيفته تحديد إستراتيجية للتعليم ، مؤكدا أن هذا الأمر من اختصاص الحكومة ، ودور البرلمان مراقبة تطبيق هذه الاستراتيجية .

وفي إطار الحديث حول التعليم ومشكلاته فإن إحدى القناعات المهمة حول هذا الموضوع أو هذه القضية هي تلك القناعة بأن الأساس في تطوير التعليم هو خلق حالة تعليمية متناسبة مع قيمة مصر واحتياجاتها و تغيير ثقافة المجتمع الذي مازال يتعامل مع التعليم باعتباره رشوة من الدولة للمواطنين عليها ان تلتزم بدفعها لكل مواطن بغض النظر عن استحقاقه لها من عدمه ، وهنا عندما نتحدث عن مفهوم التعليم فلا اقصد به مستوي معين من التعليم ، ولكن مفهوم التعليم  انحصر  عند عدد كبير منا عند حدود الشهادة الدراسية ، الحصول علي شهادات دراسية هو الأساس وهو المهم ، ليس مهما التحصيل ، ليس مهما إذا خرج الطالب يعرف كيف يكتب ويقرأ ام لا ، ولكن المهم ان يحصل علي الشهادة ، وليس مهما أن يكون متحدثا بالانجليزية او يفهمها اولا , ولكن المهم ان ينجح في امتحان اللغة الانجليزية , ويحصل فيها علي اعلي الدرجات ليس مهما ان يخرج المهندس عالما بالهندسة , او الطبيب عارفا باسرار العلاج والطب , او المحامي قادرا علي التعامل مع القانون ولكن المهم ان يخرج كل من هؤلاء حاملا شهادة جامعية تقول انه تخرج مهندسا او طبيبا او محاميا , ولكن ماذا تعلم او ماذا حصل ،  فهذا لا يهم .

اظن ان هنا بيت الداء , عندما نصل نحن كمجتمع الي الاقتناع بان هدف التعليم هو التعليم بالفعل هنا فقط تكون البداية الصحيحة , لاننا في هذه الحالة سوف نتراجع نحن كمواطنين وآباء لاصحاب الخبرة الحقيقية في مفاهيم التعليم ليضعوا استراتيجية صحيحة للتعليم , إستراتيجية تهتم بتخريج متعلمين حقيقيين لا حاملي شهادات , عندها علينا ان نسلم بان لهذا ثمن , وعلي المجتمع ان يكون مستعدا لدفع هذا الثمن , بالتنازل عن مفهوم الحصول علي الشهادة باي ثمن , ولكن الحصول علي متعلمين حقيقيين , لا جهلة يحملون شهادات .

زيارة إلى سيناء في غير الموعد الرسمي

بقلم   عبداللطيف المناوى

لست من المحبين للحديث عما يفعلون ، ولكن هذه المرة مختلفة ،  منذ أعوام  و لدي اهتمام كبير بالشأن السيناوي – أي شأن سيناء – ومنذ فترة طويلة واعتقادي الذي يشاركني فيه كثيرون أن سيناء هي نقطة القوة التي يمكن لنا كمواطنين ان نبني عليها وننطلق باعتبارها جزءا من ركائزنا ، وأيضا هي النقطة التي من خلالها يمكن لمن يريد الشر بمصر ان يعبث بها وفيها ، ولن ينجح احد في ذلك ما لم نعطه نحن الفرصة بايدينا للسماح بمثل هذا العبث .

من هنا كنت حريصا دوما علي متابعة شأن سيناء ، وأهلها المصريون هناك ، ومنذ فترة طويلة خططت لأن اذهب هناك التقي بساكنيها من أهلنا ، و أستمع منهم إلى مشكلاتهم الحقيقية  ، أو أن أعطي لهم الحق في أن يعرضوا هذه المشكلات وتلك الرؤى من خلال جهاز إعلام الدولة الذي يشاركون هم في ملكيته باعتبارهم أبناء هذا الوطن الذي يمتلك هذا الجهاز من خلال أموال دافعي الضرائب وهم من بين هؤلاء , من بين أصحاب هذا الوطن ، واخترت أن ازور وألتقي بأهلها هناك ولكن بعد موسم الحديث عن سيناء ، وهذا الموسم هو ذكري 25 ابريل عندما تسارع قنوات التليفزيون المختلفة إلي السفر إلى سيناء شمالا وجنوبا ، وترتدي المذيعات ملابس البدويات ، ويتحدث المذيعون والصحفيون مع أبناء سيناء وتكون الصورة السائدة هي الحديث عن أرض الفيروز ، وتنمية سيناء ، وفولكلور  سيناء ، كل هذا والإذاعة تصيح بأغنية ” سينا  رجعت كاملة لينا ومصر اليوم ، مصر اليوم في عيد ” .

ذهبت الي سيناء بعد انتهاء موعد الحديث وموعد زيارة سيناء ، وكانت هذه النقطة الايجابية الاولي عندما شعر المصريون هناك بان هناك زائر في غير موعد الزيارة التي اعتادوها ، وكان هذا سببا في سعادتهم  قبل أن نبدأ الحديث ، ولسان حالهم يقول ، بل وهم أنفسهم يقولون ، أنهم سعداء أن تكون الزيارة بعد مرور ايام الاحتفال .

اللقاء كان مع حوالي 30 إلى 40 شيخا من شيوخ القبائل من وسط وشمال سيناء , و أذكر قبل أبدأ الحوار أن قص لي أحد المشايخ حكاية من ايام الكتاب – بضم الكاف – أراد منها في النهاية أن يسأل هل نتحدث بجدية أم تريد أن تسمع شيئا بعينه ، وكان تأكيدي أن ما أريده أن يكون حديثا من القلب ، صادقا ، صريحا ، ينبغي منه ان يعبر فيه المصريون في سيناء عن مشكلاتهم وواقعهم .

سيناء طوال السنوات الماضية تعرضت للكثير من الجدل والحوار حولها وحول أهلها ، وتعرض الكثيرون للحديث حول مدى التزام مصر بدفع عملية التنمية فيها ، وحول مدى الجدية والالتزام بما تعهدت به الحكومات المتعاقبة نحو سيناء ، هذه الأسئلة الإجابة عليها ترتبط بما أشرت إليه في البداية حول المناخ المواتي لكي تكون سيناء اما عنصر قوة كبير لهذا الوطن ، أو نقطة نعطي من خلالها الفرصة لمن اراد ان يعبث كي يعبث من خلالها  .

ما فات هو مقدمة في حدود ما هو متاح من مساحة لحديث قادم عن ماذا فعلناه وما الذي ينبغي ان نفعل في أرضنا في سيناء .

” بجد عيب “

بقلم   عبداللطيف المناوى

هناك مواقف في الحياة لا تعلم كيف يكون رد فعلك فيها ، تقف حائرا ، هل تغضب ؟ هل تسب ؟ هل تصمت ؟ ماذا تفعل ، لا تدرى ، و بعض هذه المواقف تجد نفسك ناظرا أمامك  لمن هو السبب  في هذا الموقف  قاطبا جبينك ناظرا بنظرة غضب وحزن وعدم تصديق لتقول ” بجد عيب  اللي بتعلمه ” أو اللي بتقوله ” حسب الحالة

من هذه المواقف التي واجهتها شخصيا ، و أظنني لست وحيدا فيها هذه المرة  ، هو ذلك الموقف الذي أبداه المحامون في أزمتهم اللا معقولة مع القضاة ، وذلك عندما هدد المحامون بنقل الأزمة إلى الأمم المتحدة . جاء ذلك على لسان أحد قيادات المحامين في عمليات تنظيم الأحزاب و الاحتجاجات وزاد من الشعر بيتا عندما قال أن المحامين يدرسون التوجه بالأرواب السوداء في مسيرة إلى القصر الجمهوري في حال فشلهم في اخذ حقوقهم ، كما يبحثون اللجوء إلى لجنة المحاماة في الأمم المتحدة في حال عدم التوصل لحل الأزمة ، وأن ذلك يلقى دعما من عدد من المسؤلين في اتحاد المحامين العرب الذين أبلغوه بمساندتهم لهم في الأزمة .

هكذا يهدد المحامون أبناء الشعب آن يلجئوا في أزمتهم المفتعلة إلى الأمم المتحدة ، أراد المحامون أن يطيحوا بالقانون الذي ينبغي أن يكونوا هم المدافعين  عنه وعن إعماله واحترامه ، ليقرروا التوجه بشكوى للمنظمات الدولية ، و يقرروا تدويل الأزمة .

وهنا كمواطن ألجأ إلى المحامين للدفاع عن حقوقي والاستعانة بهم ، كيف الجأ إلى من استعان في أزمته المفتعلة والمبالغ فيها بالمنظمات الدولية لتنصره أو تسانده في موقفه أمام قضاة بلده و قانون بلده ؟ هل لي الحق أنا الآخر كمواطن أن اطلب أن الجأ إلى محام  اجتبى لان محامى وطني قرر هو الأخر أن يلجأ إلى الاجنبى ليدافع له عن حقه ؟ مرة أخرى أيها السادة المحترمين أطراف عملية العدل والقانون كمواطن أعيد طرح السؤال ، هل ما يحدث الآن هو أمر يحترم القانون ؟ هل ما تقومون به الآن يدعم احترام  للقانون أم يطيح  باحترامه وسيادته ؟ .

لم أجد رد فعل أخر على تلك الدعوة لتدويل أزمة المحامين المفتعلة والمبالغ فيها ، ودعوة بعض المحامين للشكوى للأمم المتحدة إلا أن انظر ممتعضا وأقول ” بجد عيب “

حكاية 400 قرية في سيناء

بقلم   عبداللطيف المناوى

تحدثت بالأمس عن سيناء ، وأشرت إلى حكاية ال 400 قرية ، ووعدت بروايتها اليوم ، تعود هذه الحكاية إلى عصر الرئيس السادات عندما استدعى المهندس حسب الله الكفراويوكان وزيرا للإسكان وقتها ، وأصدر إليه تكليفا بالبدء في إعداد الدراسات اللازمة لإعادة إعمار سيناء مع التركيز الشديد على القطاع الأوسط والذى يسمى مسرح الدبابات لأن له أهمية إستراتيجية خاصة فى أمن سيناء من الناحية العسكرية ، يومها طلب الرئيس الراحل استصلاح وزراعة 400 ألف فدان فى هذه المنطقة بالذات وطلب أيضا إنشاء 400 قرية بحيث توزع هذه الأراضى وهذه المساكن على الجنود المسرحين من قواتنا المسلحة وطلب أيضا أن يقام كل بيت فى هذه القرى وفيه مخبأ تحت الأرض به مخرن للسلاح ومخبأ للسيدات والأطفال.. وقد تم تصميم هذا البيت وشارك فى ذلك اللواء فؤاد عزيز غالى قائد الجيش الثانى والذي كان على علم بكل هذه الخطة ، وفقا لما رواه فيما بعد الكفراوي .

أقيم فى بداية هذه الخطة التى أعدت وقتها ولا نعرف أين هي الآن  نموذج فى قرية ميت أبو الكوم الجديدة أمام مبنى هيئة قناة السويس شرق الإسماعيلية ، و من أجل تحقيق هذا الهدف وإقامة هذه القرى واستصلاح هذه المساحة الضخمة من الأراضى كان من الضرورى التركيز على توفير مياه الشرب والطرق والكهرباء وبالفعل تحقق ذلك بإنشاء محطة القنطرة غرب ومحطة مياه أحمد حمدى وإنشاء الطريق الأوسط من نفق أحمد حمدى ، وحتى الآن توجد نماذج للبيوت التى طلب السادات إنشاءها فى رمانة وبالوظة على الطريق الدولى للعريش وهى بيوت بدوية يسكن فيها أهالى سيناء. يومها كان السادات واضحا ـ كما يروي الكفراوي ـ وهو يؤكد تملك المصريين فقط للأراضى فى سيناء بحيث يكون المالك مصريا حتى جده الثالث ، ومنع تمليك الأراضى تماما فى سيناء للأجانب .

وهنا يطرح السؤال: لماذا توقف مشروع زراعة 400 ألف فدان وإنشاء 400 قرية بمواصفات أمنية واضحة وصريحة وتمليك هذه الأراضى للجنود المسرحين من القوات المسلحة وللمجاهدين من أهل سيناء الذين يحصلون على 13 جنيه شهريا كإعانة  ، و لماذا توقف مشروع انتقال ثلاثة ملايين مواطن من الدلتا إلى سيناء؟!