هل يمثل الإعلام خطراً على الدولة؟

Abdul-Latif-Al-Minawiشهدت الساحة الإعلامية حالة من السيولة والفوضى الإعلامية تطيح بكل مصالح الدولة وقدرتها على السيطرة فى ظل غياب أهداف أو استراتيجية واضحة للدولة فى التعامل مع الإعلام تخدم مصالحها وتراعى الحالة غير المستقرة للوضع السياسى فى مصر والمنطقة العربية، وتزداد حالة السيولة والفوضى الإعلامية مع وصول عدد وسائل الإعلام من فضائيات وقنوات تليفزيونية رسمية، ومواقع إلكترونية إخبارية إلى المئات، 20 منهم على الأقل لهم جمهورهم الذى يؤثرون فيه، زاد هذا الجمهور أو قل.

 وتعمل جميع الوسائل الإعلامية الإلكترونية أو المطبوعة أو المسموعة أو المرئية بدون تحديد أو معرفة بقضايا الأمن القومى، أو تحديد أهداف محددة لحماية الدولة ومراعاة المرحلة الانتقالية، كما أن هناك بعض أشكال التواصل غير المنضبطة بين بعض وسائل الإعلام والإعلاميين وبعض الأجهزة الأمنية، حيث يتم تناول أسرار ووثائق ومعلومات تتعلق بشخصيات سياسية أو اجتماعية بارزة فى المجتمع، ولأن هذه التسريبات تبدو غير محكومة فإنها تخلق حالة من التوتر فى المجتمع، خاصة مع انتشار الاتهامات بالعمالة والخيانة على مختلف الأطراف دون أن يكون لها داعٍ أحيانا أو سند قانونى فى معظم الأحيان. غياب سياق يعمل داخله الإعلام، وغياب خطة مركزية قادرة على تعبئة الجماهير حول قضية وطنية واحدة تفتح الباب واسعا لسيادة هذا الشكل من الأداء.

 وتزيد حالة السيولة والفوضى الإعلامية مع ازدياد الاستقطاب السياسى والعقائدى مما يهدد السلام الاجتماعى، وقد يصل الأمر إلى تحريض بعض الإعلاميين على القتل وتنصيب أنفسهم قاضيا ومحققا ووكيلا عن المجتمع، وأصبحت الوسيلة للانتشار لدى عديد من الإعلاميين أن يخاطبوا العوام بلغة غير مهنية ولا تراعى مواثيق شرف ولا قوانين ولا أخلاقيات مهنية، ويقوم الإعلام بقصد أو دون قصد ويبتز مشاعرهم فيخلق حالة من السيولة السياسية يجب أن تتوقف، كما أنه يتجاهل قضايا اجتماعية واقتصادية، ويقوم باستدعاء رجال الدين ليزيد من حدة الاحتقان الطائفى والعقائدى حتى بين المذاهب المختلفة فى الدين الواحد أو الأديان المختلفة دون مراعاة أى معايير مهنية، وإبراز أمراض المجتمع دون تقديم أى معالجة اجتماعية، وهو ما يهدد المجتمع نفسه.

 فى إطار توصيف الحالة يمكن الحديث عن كيانات إعلامية تبدو متنافرة تَخَلُق صورة غير متماسكة أو واضحة المعالم، لكن على الرغم من ذلك تقسيم الإعلام المصرى إلى إعلام تملكه الدولة – غير معروف أى جزء فيها هو المالك- وإعلام خاص يبدأ مستواه من صحف أو مواقع صغيرة، هو إعلام «بير السلم» كما أسميه وصولا إلى كيانات إعلامية ضخمة معظمها يحقق خسائر ضخمة مما يثير تساؤلات مشروعة وجادة وقلقا حقيقيا حول مصادر تمويل وطبيعة أهداف تلك الوسائل، وهذا يمس بشكل مباشر حدود الأمن القومى للبلاد.

Advertisements

يد تبنى ويد تحمل السلاح

الأيدى الآثمة التى اغتالت الجنود المصريين وقت الإفطار فى رمضان، فى مذبحة رفح الأولى، أيام اعتلى الإخوان سدة الحكم فى مصر، هى نفس الأيدى التى اغتالت الجنود المصريين وأصابت العشرات فى العريش فى العملية الإجرامية الأخيرة، لا يمكن الفصل بين العمليتين، بل يمكن أن نقول إنهم كانوا فى العملية الأولى يمهدون الطريق لإبعاد الجيش عن الساحة، وعندما فقدوا السيطرة على مقدرات البلاد جُنّ جنونهم، فانطلقوا فى عملياتهم الإرهابية التى تقتل وتدمر وتخرب.hqdefault

لا أوجه الاتهام لأحد بعينه فى جماعة الإخوان، لكن لهم جميعاً، لمن تواطأوا وسكتوا، ولمن خططوا ونفذوا، ولمن دعّموا فى الخفاء، ولمن هللوا، ولمن تربصوا، ولمن كانوا يريدون إبعاد الجيش المصرى والشعب المصرى والسيطرة على البلاد، لإقامة خلافتهم المزعومة التى لا تختلف فى شىء عن خلافة تنظيم داعش فى العراق إلا فى اختلاف الواجهة.

فى العملية الإرهابية التى طالت سيناء وسقط فيها شهداء ومصابون من المصريين، اختلطت دماء الجنود المصريين بدماء المدنيين لتؤكد مجدداً أن هذه معركتنا جميعاً، جيشاً وشعباً، جميعنا فى خندق واحد، ضد تنظيم أعمى إرهابى لا يرى إلا نفسه، ولا يعبد إلا ذاته وتعاليمه الجاهلة والكافرة بالإنسانية والوطن، والتى تضحى بأى شىء للوصول إلى أهدافها، فتستهدف المدنيين والجيش، وتضع قنابلها فى المطاعم والقطارات والأتوبيسات، لتكذّب ادعاءها السابق بأنها لا تستهدف إلا الجيش والشرطة، ولتوقظ الجميع مجدداً، وتذكّرهم بأن العدو لا يفرق بين مصرى مدنى ومصرى مجند، فهم ضد المصريين على طول الخط.

انتقلت عملياتهم من سيناء إلى أحياء القاهرة، وإلى المحافظات، بعد ذكرى 25 يناير، فى محاولة لخلق حالة من الفزع والخوف، فى الوقت الذى تتقدم فيه مصر قدماً للإعداد للانتخابات البرلمانية- ثالث مراحل خارطة الطريق وآخرها- وفى الإعداد للمؤتمر الاقتصادى العالمى، فى محاولة من التنظيم الإرهابى لإيهام العالم بأن مصر تعانى من توتر وعنف، والإيحاء بأن هناك خللاً، وفى محاولة لإفشال المؤتمر الاقتصادى وعدم إكمال خارطة الطريق.

المطلوب الآن من الدولة هو التعامل بقدر من الحدة والحسم مع هذا العنف الذى استشرى وبدأ يضرب بأذنابه فى كل مكان، حتى وإن كان غير مؤثر فى بعض الأماكن إلا أنه مثير للقلق، وهو ما تسعى إليه الجماعات الإرهابية وأذنابها وأبواقها الإعلامية لتقول للعالم إن مصر عادت إلى أجواء العنف مرة أخرى.

وعلى الدولة، وهى تتعامل بالحسم الكافى مع هذه التجمعات الإرهابية، ألا تغفل بُعدين مهمين، هما: البعد الاقتصادى، والبعد الاجتماعى، ولكل منهما أهميته، فالبعد الاقتصادى أن تتقدم الدولة إلى الأمام فى المشاريع الاقتصادية والقومية التى بدأت فيها بالفعل، وأن تواصل البناء وخلق حالة من التنمية، لأن أحد أهداف هذه العمليات التخريبية تعطيل وإفساد أى عملية تطور وبناء اقتصادى تحدث فى البلاد، أما البعد السياسى فهو بجمع السياسيين حول الوطن، وحول مشروعاته القومية، وحول زعامته الجديدة، وأن يشعر المصريون بأنهم يد واحدة فى مواجهة التطرف والتخريب، فهذا وحده كفيل بإفساد خطط الإرهاب والتنظيم، الذى يبدو مستعداً للقضاء على جميع المصريين بلا تمييز، لكى يعود مجدداً إلى الحكم.

أمام المصريين معركة طويلة، معركة من أجل بناء وطنهم، ومعركة ضد الإرهاب الأعمى، لن يكفى أن نخوض معركة دون أخرى، بل يجب أن نخوضهما معاً، وننتصر فيهما معاً، وربما على المصريين فى هذه اللحظة أن يتذكروا الشعار الستينى القديم «يد تبنى ويد تحمل السلاح».