هل أتاك حديث الفرص الضائعة؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

دون قراءة التاريخ، تصعب قراءة الحاضر وتتضاءل فرص وضوح صورة المستقبل. هذا هو الدرس الأول فى التاريخ الحديث، وربما الأهم.

الواقع يحتم على الجميع أن يعيد النظر إلى الوراء قليلا، إلى الفرص الضائعة التى تركتها الدولة تمر دون عبرة أو اعتبار أو حتى دراسة لتفادى التعثر فى أمور قد تبدو مشابهة.

‎أكثر ما ميز عصر الرئيس مبارك هو أنه عصر الفرص الضائعة، العديد من الفرص التى كان يمكن أن تكون بداية حقيقية للتحرك إلى الأمام لاستعادة نهضة الدولة المصرية، ضاعت الواحدة تلو الأخرى. ‎أولى هذه الفرص كانت عام 1982، عندما أطلق الرئيس مبارك سراح كل المعارضين السياسيين، الذين كان قد اعتقلهم الرئيس الأسبق أنور السادات فى الأحداث التى أُطلق عليها «أحداث سبتمبر»، والتى كانت أحد الأسباب الرئيسية لاغتياله يوم 6 أكتوبر 1981. كانت فرصة ذهبية لكى تلتف حوله كافة التيارات السياسية فى تلك الفترة، ما يخلق منطلقا للتعاون، لكنها لم تُستغل.

الفرصة الثانية المهمة كانت عندما تعرض الرئيس مبارك لمحاولة اغتيال فاشلة فى أديس أبابا فى 26 يوليو من عام 1995، وتمكن من العودة إلى بلده، عندها التف الشعب حوله واكتسب على أثرها شعبية كبيرة نتيجة حالة التعاطف الكبيرة من قِبَل المصريين، ولكن القائمين حوله فى بلاط الرئاسة حولوها إلى شكل من أشكال الموالد الهزلية البدائية، حيث ساقوا العديد من أهالى المحافظات والمدن المصرية فى مظاهرات منظمة ليحيوا ويهنئوا الرئيس بسلامته، وبدلا من أن تكون مناسبة يتم البناء عليها تحولت إلى مسخ وموقف هزلى كان محل سخرية، حتى ممن شارك فى هذا الموقف الهزلى.

‎كانت معركة مصر ضد الإرهاب طوال التسعينيات، والتى شهدت التفاف المصريين جميعهم أو معظمهم مع نظامهم الذى يحكمهم، وحّدهم الإحساس بالخطر المشترك، هذا الإحساس- وهذا الالتفاف- كان جديرا بأن يُستخدم فى توحيد صفوف الدولة والحكم مع المواطنين، لكن بدلا من ذلك استخدم الأمن الداخلى خطر الإرهاب كوسيلة يبرر من خلالها استمرار الإجراءات الاستثنائية ومد العمل بقانون الطوارئ دون البحث عن أسلوب يضمن تأمين البلاد فى فترة الإرهاب ودون وسائل أو إجراءات استثنائية، واستخدم الأمن الداخلى أيضا (وزارة الداخلية فى مصر) خطر الإرهاب كفزاعة فى وجه النظام يُذكِّره دوما بأن سلامته وأمنه يتحكم فيهما الأمن، وأنه لا مجال للاستغناء عنه ولا بديل لتوسيع صلاحياته (..).

ويستمر مسلسل الفرص الضائعة عندما أفسد القائمون على انتخابات البرلمان المصرى فى 2005 هذه الانتخابات، وذلك عندما استشعرت قيادات الحزب الوطنى الحاكم ووزارة الداخلية بأن البساط ينسحب من تحت أقدام الحزب الوطنى، فتدخلوا فى الجولتين الثانية والثالثة، وتلاعبوا فى نتائج الدوائر الباقية لضمان النسبة الساحقة فى البرلمان، رغم الإشراف القضائى، ورغم أن هذه الانتخابات كانت آنذاك اختبارا لموجة الإصلاح السياسى وأتت بعد شهرين من أول انتخابات رئاسية متعددة (..).

‎إذا كانت هذه هى إحدى الفرص الضائعة فى مسلسل إضاعة الفرصة تلو الفرصة، فالانتخابات كانت فرصة لأن تكون منطلقا يُبنى عليه من أجل تطوير مستقبل هذا البلد، ولكن تم إجهاضه كالعادة، وتم التعامل مع البرلمان باعتباره إحدى الوسائل المساعدة فى إدارة الدولة بالشكل الذى لم يتوافق مع المفاهيم المطروحة للإصلاح السياسى.

‎التعامل مع برلمان 2005 ربما يعيدنا إلى تاريخ التعامل مع الحياة الحزبية فى مصر، والتى بدأت فى نوفمبر 1976، عندما قرر الرئيس المصرى الأسبق أنور السادات إنشاء منابر ثلاثة، يمين ويسار ووسط، تحولت بعد أشهر قليلة إلى أحزاب، وطوال هذه الفترة لم يكن هناك إلا حزب واحد قوى، هو الحزب الحاكم، الذى كان اسمه فى البداية «حزب مصر العربى الاشتراكى»، ثم أنشأ الرئيس السادات الحزب الوطنى الديمقراطى عام 78، ليهرول معظم أعضاء حزب مصر الحاكم إلى الحزب الجديد الذى ترأسه الرئيس، ورغم ضعف أحزاب المعارضة الأخرى فى تلك الفترة، فإنها كانت ملموسة نسبيا، وهنا يكمن الخطأ الآخر أو الفرصة الضائعة الأخرى عندما ركزت قيادات الدولة والقيادات المؤثرة صاحبة القرار فى الحزب الوطنى الديمقراطى فى معركتها ضد الأحزاب المدنية المعارضة، فمارست أسلوبا من الحصار الاقتصادى والإجراءات المقيدة، التى انتهت إلى إحداث حالة ضعف مزمن فى كل الأحزاب، ولم يكن يدرك هؤلاء أنهم بإضعاف الأحزاب المعارضة المدنية إنما يتركون الساحة واسعة لصعود تيار المعارضة الدينية، والتى تمثلت فى الأساس فى جماعة الإخوان المسلمين.

‎صفحات من كتابى «18 يوم.. الأيام الأخيرة لنظام مبارك»، الذى نشرتُه منذ ست سنوات.

الإعلانات

Egypt’s revolution: Seven years on, the questions pile up

by ABDELLATIF EL-MENAWY

Great debate surrounds the events that took place in Egypt on Jan. 25, 2011, and June 30, 2013. I will not go into the full controversy, but I would like to examine some of the crucial points and review some articles I have read to reveal the truth as I see it.
What Egypt witnessed in January 2011 was the rejection of the stagnation that had occurred because of the state’s refusal to consider change because it considered that to be synonymous with chaos and the overthrow of President Hosni Mubarak’s 30-year regime.
The situation was complicated further because of the general feeling that, even if Mubarak stepped down, the status quo would continue as his son would become his successor.
The fact that many Egyptian people saw no hope for real change even after Mubarak’s departure is what created the atmosphere for the first outbreak of angry expression.
Regardless of whether the groups of young people who led that first expression were trained and prepared for such a day or not, the truth is that the atmosphere was ready.
Their demands had a low ceiling, but the regime was clearly unaware of the potential for protests, and clearly unprepared, which was a main cause of the protests’ consequences.
But what about the Muslim Brotherhood?
It is well-known that the Muslim Brotherhood, in an act of political opportunism, announced that they would not participate in the demonstrations of Jan. 25 but went back on their word when they discovered the size of the demonstrations, deciding they would lose credibility if they did not declare their participation, despite their prior arrangement with state security. One party to that arrangement was Mohamed Morsi, a former member of the Parliament at the time.
So, why did the Brotherhood rush into the post-Jan. 25 demonstrations? The answer lies in the absence of intelligence in the political management of events at the time. The Interior Ministry issued a statement at midnight in which it put the blame entirely on the Brotherhood, although it was common knowledge that they participated only in the last moments of Jan. 25. But it seems that the leadership of the Interior Ministry at the time thought it was an opportunity to discredit the Brotherhood by publicly accusing them of being responsible for the events of the day.
However, that accusation simply forced the Brotherhood into a position where they had to confront the regime. Thus, from Jan. 26 onward, members of the group infiltrated Egypt.

“Muslim Brotherhood moved with a great deal of opportunism, manipulating the innocence of many young Egyptians who came out to express their desire for change.”

The leadership of the international organization mobilized and declared zero hour for the implementation of their plan. The development of events in Egypt helped determine the time to make their move. And they made it with a great deal of opportunism, exploiting the mistakes of the regime, and most importantly exploiting some opportunists in the youth movements; manipulating the innocence of many young Egyptians who came out to express their desire for change.
It was significant that the Brotherhood did not employ any religious slogans at the time, but it dominated the movement in different squares. All this was done with the support and direct supervision of the leadership of a state that claimed to be Egypt’s sister country, Qatar, along with the blessing of America to implement its new strategy in the region.
By Jan. 28, the Brotherhood was in full control of the uprising, and continued to exploit the youth. Using its knowledge of counter-security measures, it began to implement its task of burning Egypt, taking advantage of people’s overwhelming anger, which prevented many from realizing what it was actually doing.
So many were deceived by what was happening, and the problem is that they remained deceived for a long time. Even those who began to guess what was going on had no choice but to continue the process of destroying the state beyond the toppling of the regime.
Once they realized what they had done, some tried to repent and turn back, after they had pushed their country into the unknown. They woke up and joined the true Egyptian revolution in order to restore Egypt.
That set the scene for June 30, 2013, which I will address in my next column.

صفحات من تاريخ حكم

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

إضافة إلى أسباب كثيرة وتدخلات متعددة تناولتُها وتناولها غيرى، ومع اقتناعى بمعظمها، فإن أحد الأسباب التى مهَّدت لحدوث ما حدث منذ سبع سنوات بالضبط فى مصر هو تلك الأخطاء التى أصرَّ من أداروا النظام وقتها عليها، واستحضارُها درسٌ مهمٌّ.

«حسبما عرفت من مصادر ومسؤولين قريبين من الرئيس مبارك فى تلك الفترة فإنه بعد الجولة الأولى من الانتخابات البرلمانية 2010، التى حصد فيها الحزب الوطنى أكثر من 95 فى المائة من مقاعد المرحلة الأولى قبل جولة الإعادة، فإن الرئيس مبارك فوجئ بهذه النتائج، وغضب غضباً شديداً، لأن الأمور بهذا الشكل تتجه نحو الأسوأ (..) وبالتالى فى شرعية المجلس القادم، وهو المجلس الذى سوف يكون له دور مهم فى دعم من سوف يترشح فى الانتخابات الرئاسية المقبلة (..) المجموعة التى أدارت الانتخابات حاولت تصحيح الصورة بقدر الإمكان، وتدخلت أجهزة الدولة من أجل إنجاح من تبقى من المعارضة فى جولة الإعادة، وذلك لتفادى غضب الرئيس فى المقام الأول، وللحد من الانتقادات الحادة التى بدأ شلالها فى الفيضان عقب إعلان نتائج الجولة الأولى، لكن كان التدخل من أجل من تبقى من رموز المعارضة، إضافة إلى عضو واحد من جماعة الإخوان المسلمين رفض الانسحاب من الجولة الثانية من الانتخابات كما قررت جماعته (..) لم يكن هناك حلٌ مُرضٍ على الساحة السياسية فى تلك الفترة إلا إلغاء الانتخابات وإعادتها – وهو ما كنت أتمناه شخصياً وأدعو له – أو القبول كحد أدنى بالطعون الانتخابية التى أقرَّتها محكمة النقض، والتى تجاوزت 200 طعن فى هذه الانتخابات. وكلا الأمرين لم يقبل حتى فى أن يفكر فيهما (عز) أو (جمال)، بل وصل الأمر بهما فى مرحلة تالية إلى إقناع الرئيس بأن ما حدث هو بعض الأخطاء الناتجة عن ضعف الأحزاب والقوى السياسية الأخرى، وأن الحزب الوطنى «القوى» غير مسؤول عن ضعف تلك الأحزاب والقوى، فخرج الرئيس يتحدث فى الجلسة الافتتاحية للبرلمان عن أخطاء فى الممارسة الديمقراطية ينبغى التعلم منها، ولكنه نفى عنها صفة الفضيحة السياسية، وكان من دلالات موافقته على ما تم حينما أخبره البعض بأن المعارضة ستقوم بعمل برلمان ظل مواز، فقال جملته الشهيرة: (خليهم يتسلوا)، وهو ما اعتبرته قوى المعارضة موافقة ضمنية من الرئيس على ما تم، وسخرية منهم. ولم يدرك وقتها أن هذه الانتخابات كانت بحق إيذاناً بانهيار النظام كله، الذى لم يدرك هو ولا من حوله أنه بدأ يخلق داخله عناصر انهياره، وكان هذا الكِبْر وهذا الاستعلاء فى موضوع الانتخابات، كما موضوعات أخرى عديدة فى الفترة الأخيرة من حكم الرئيس مبارك، هى الشرارة التى أشعلت النيران وقضت على هذا الوضع.

من ينظر إلى المشاركين فى مظاهرات 25 يناير، فى اليوم الأول للأحداث، يكتشف أن معظم المشاركين المؤثرين فيها كانوا من ضحايا الانتخابات، سواء كانوا من المعارضين أو حتى من أعضاء الحزب الوطنى الذين أسقطهم الحزب، سواء فى المراحل التمهيدية للانتخابات أو فى الجولة الثانية من أجل إنجاح المعارضة، الذين تمكنوا من الوصول إلى جولة الإعادة فى محاولة لتجميل صورة الانتخابات.

تسببت نتائج الانتخابات فى إفساد المناخ العام تماماً، وساعد على ذلك الوضع الاقتصادى الذى يحقق نمواً اقتصادياً حقيقياً ولا يشعر به المواطن المحتاج فى الواقع، وإعلام تجاوز جزء كبير منه خارج حدود المنطق والمهنية فى المعالجة، وهو ما أسهم فى خلق حالة من الإحباط واليأس، من أجل تحقيق بطولات وهمية لبعض من هؤلاء الإعلاميين، إضافة إلى خطاب سياسى لرؤوس النظام تميَّز بالقدر الأكبر من الجفاء والاستعلاء وعمق الفجوة بين النظام والمواطنين. هذا التأجيل فى اتخاذ القرارات سيظهر فيما بعد أنه صفة أصيلة فى نظام مبارك، فى ذلك الحوار الذى أشرت إليه تحدثت مع رئيس الوزراء فى ذلك الوقت الدكتور أحمد نظيف فى حوار تليفزيونى عن تلك الفجوة بين الجماهير والحكومة، وغياب لغة الخطاب السياسى الجماهيرى، إلا أنه أنكر ذلك بشدة، مؤكداً شعبية حكومته واقترابها من الجماهير، وهى الإجابة التى لم تقنع أحداً ممن شاهدوا الحوار، وأنا من قبلهم.

كتبت فى مقال تالٍ لى عن تلك العلاقة بين النظام والشعب، التى باتت تتجلَّى فى نكتة تقول إن أعمى قال لأطرش: (أنا شايف إنه فيه حد بيراقبنا)؛ فلا الأعمى رأى، ولا الأطرش سمع، وهكذا: لا الحكومة رأت ولا الشعب سمع، فقد عجزت الحكومة عن الرؤية واختار الشعب ألا يسمع، قرر أن يعيش حالة (طَرَش اختيارى)، وهذه هى الفجوة الحقيقية بين الحكومة والنظام فى تلك الفترة، وبين الجماهير المصرية».

صفحات من كتابى «18 يوم.. الأيام الأخيرة لنظام مبارك» الذى نشرتُه منذ ست سنوات.

Egyptian diplomacy and troubled waters on the Nile

by ABDELLATIF EL-MENAWY

Until recently, relations between Egypt and Ethiopia were governed by an agreement signed under the auspices of Britain in 1902, in which the ruler of Ethiopia officially promised that his country would not allow any projects on the Blue Nile, Lake Tana or Sobat River that may harm Egyptian interests.
But secretly, in 2011, after the institutional collapse of the Egyptian state and Mubarak regime, Ethiopia exploited the situation and began constructing the Grand Ethiopian Renaissance Dam, confident that Egypt was not in a position to do anything about it. In 2013, the Ethiopian parliament officially voted in favor of revoking all old agreements with neighboring countries and concluding new ones. Muhammad Mursi came to power and then was overthrown and, when Abdel Fattah El-Sisi became president, he took care of the case and concluded a tripartite agreement with Ethiopia and Sudan in 2015. However, Egypt’s partners did not pay much attention to the vague promise of “taking into account the interests of Egypt” because the expression did not reflect any specific features or limits of the interests.
The current de facto situation is that Ethiopia is building the dam at the sources of the Nile, which would deprive Egypt of the river’s usual flow and endanger the country, whose population relies heavily on the Nile water. However, Egypt is sparing no effort to reach a solution that would save the region from a real crisis.
Negotiations over the dam stalled in November last year, after the ministers of irrigation of Egypt, Sudan and Ethiopia failed to reach agreement regarding the adoption of a report prepared by experts on dam studies. Both Sudan and Ethiopia rejected the report, while Egypt accepted it. Egypt was worried that building the dam would destroy its agricultural lands and deprive 100 million Egyptians of drinking water. On the other hand, Ethiopia says the dam is important for the development of the country, and stresses it has benefits for all downstream countries, including Egypt and Sudan. The position of Sudan seems closer to Ethiopia than to Egypt, and Khartoum, unlike Cairo, declared many times that the dam would benefit downstream countries.
President El-Sisi signed the “Declaration of Principles” in Khartoum in 2015, along with the Prime Minister of Ethiopia Hailemariam Desalegn and the Sudanese President Omar Bashir. The three leaders welcomed the agreement in their speeches in the Presidential Palace, where they watched a short documentary about the advantages of the dam.

“Ethiopia is building the Grand Renaissance Dam at the river’s sources, which would reduce its usual flow and endanger Egypt, whose population relies heavily on the Nile’s water.”

Ethiopia received strong support from other Nile Basin countries — Rwanda, Tanzania, Uganda, Kenya and Burundi. The inclusion of the good faith principle in the agreement was understood by the Egyptians to be an important, binding commitment to Ethiopia with regards to Egypt’s right to benefit from the Nile River and from the Renaissance Dam. The agreement included a mechanism to settle disputes between Egypt and Ethiopia regarding the interpretation or implementation of the agreement, which stressed the importance of preserving historical agreements on Nile water but did not address water quotas or usage.
Signing the document at that time indicated the Egyptian approval to Ethiopia on building the dam and the resumption of foreign funding, which had stopped after Egyptian diplomacy succeeded in convincing contributing countries to withhold it.
The dam, in this case, became legal and official, built with the consent of the three eastern Nile countries: Egypt, Sudan and Ethiopia. Thus, the international funding of more than $5.5 billion returned and Ethiopia accelerated the building process in a bid to complete it before the final non-binding report of the international advisory and expert bureau was issued 15 months later, because Egypt’s approval of the Renaissance Dam implied its approval of building a series of five other dams in Ethiopia.
Ethiopia imposed the word “respected” rather than “binding” regarding the report of the advisory bureau to ensure that Sudan and Egypt would not have the right to object to the report, while Ethiopia would still have the right to continue building the dam regardless of any objections.
In the context of Egypt’s efforts to contain the crisis diplomatically, Egyptian Foreign Minister Sameh Shukri held talks with his Ethiopian counterpart Workneh Gebeyehu in Addis Ababa last December. Shukri suggested the participation of the World Bank, which enjoys wide technical experience, as a neutral and decisive party in the work of the tripartite technical committee of the Renaissance Dam.
Egyptian diplomacy needs to continue its efforts to preserve Egypt’s water interests, and the political leadership has to be careful in its attempt to reach a decisive agreement that guarantees the historical rights of Egypt to the Nile water.

زيادة عدد «المهمين» فى مصر

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لست هنا أكتب عن مشكلة شخصية ولا عن أزمة مرتبطة بمدينة بعينها، ولكنى أنطلق من التجربة الشخصية للحديث عن ظاهرة أظن أن قطاعا كبيرا منا يلمسها. ما أتحدث عنه هو ظاهرة الازدحام الذى أصبح غير طبيعى، ليس فى شوارع العاصمة فقط، بل امتد إلى مدن مصرية أخرى عديدة. رد الفعل السريع لمن يقرأ سيكون: وما الجديد؟ نحن نعيش ذلك منذ أعوام طويلة، واستطراد آخر، ليست الدولة وحدها المسؤولة.

أؤكد على ما فات بل أضيف أن جزءا رئيسيا من مشكلة الازدحام غير المحتمل نتحمله نحن المواطنين بسبب سلوكيات القطاع الأكبر منا، أولئك الذى نفد صبرهم واعتقدوا أن الطريقة المثلى للتعامل مع الزحام هو أن «تخلّص نفسك» وتبحث عن اى سنتيمترات تحشر سيارتك فيها بغض النظر عن القواعد، ولا يعلم من يفعل ذلك، أو يعلم، أنه يعقّد الدنيا ويعيق المرور، ولكنه لا يأبه، فالدنيا زحمة بالفعل ولسان حاله يقول، بل أحيانا يقول بالفعل «يعنى أنا اللى ها اعقدها؟». وأيضا حالة الطرق وغياب الصيانة وغياب الذمة فى معظم من يتولون مسؤولية الصيانة، كل هذه أمور حقيقية وغيرها كثير مما يمكن سرده فى هذا المجال.

الْيَوْمَ سأتوقف فقط عند إحدى الملاحظات، هى قديمة ولكنها متجددة وبقوة، وهى ما يمكن أن أسميه ظاهرة «المهمين فى مصر»، هذه الظاهرة عشناها تاريخيا منذ زمن بعيد، وذلك عندما تغلق الطرق لفترات طويلة لمسؤول ما سوف يمر، كانت هذه الظاهرة مقتصرة فى وقت ما عند حدود معينة، تبدأ بما يطلق عليه «ركْب» رئيس الدولة وبعض كبار المسؤولين من رئيس الوزراء وبعض الوزراء وبعض رؤساء الأجهزة الأمنية. لكنى لاحظت، ولاحظ معى كثيرون، أن المسألة قد «وسعت» شويتين. وملاحظتى الشخصية كالتالى، منذ أن أصبح عملى فى منطقة جاردن سيتى منذ شهور لاحظت وعانيت من هذه الظاهرة، فقد أصبح طبيعيا فى حياتى أن أتوقف لفترات تمتد أحيانا لما يقرب من نصف الساعة لأن مسؤولا ما، أو عضوا ما فى البرلمان، أو وزيرا ما، أو شبه مسؤول ما يخرج من بوابات البرلمان أو من بوابة مجلس الوزراء القريب أو الوزارات الأخرى المحيطة، ونظل جميعا نطلب من الله أن يمر الموكب سريعا حتى لا يطول بِنَا المقام أمام بوابات ميدان التحرير دون أن نحظى بالمرور عبرها، لأن السادة «المهمين» يجب أن تتوقف الحياة، ومعها حياتنا، انتظاراً لمرور «المهم» مرتاحاً سعيداً منتفخ الأوداج لشعوره بإنجازات منصبه.

الأمر ليس مقتصراً على هذه المنطقة، لكنها كل مناطق المحروسة للأسف. أتحدى أن يكون أحد القرّاء لم يمر بهذا الموقف فى شوارعها الممتدة، إلا «المهمين» بالطبع، فتوقيف حارات مرورية أو مطالع كبارى أو منازلها- أمر بات اعتياديا فى حياتنا. وأضيف إلى ذلك تلك المواكب المصحوبة بسيارات ذات دفع رباعى، بعضها مضاد للرصاص، أو هكذا يبدو، يقودها أنصاف مجانين فقدوا النصف الباقى من عقولهم لإحساسهم بالأهمية المستوحاة من أهمية من يرافقه. وأظن أن عددا كبيرا منا قد شاهد عبر وسائل التواصل الاجتماعى ذلك الموكب «المهيب» للقائد «الركن» المسؤول الأمنى فى إحدى مدن الدلتا وهو يمر بركابه وسط شوارع مدينته ورعاياه يفسحون الطريق له خوفا من جنون مرافقيه أنصاف العقلاء. ونلاحظ أن القائمة باتت تشمل مستويات ورتبا لم تكن موجودة من قبل، بات الأمر يبدو وكأن درجة وظيفية أو رتبة معينة يكون من بين مزاياها إغلاق الشوارع من أجل تأمين مروره.

الأكيد أننى لست وحدى، وأن كثيرين عانوا ودفعوا الثمن المؤثر فى حياتهم الشخصية من أجل إشباع رغبة «المهمين» الذين زاد عددهم فى مصر فى الإحساس بالأهمية.

مرة ثالثة.. بل هناك حاجة إلى وجود ظهير سياسى

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

أصبحت الانتخابات الرئاسية على الأبواب، وهذا يطرح السؤال القديم الذى لم يكن التفاعل معه بالإيجاب من الرئيس أو دائرته المحيطة عندما طرحته للمرة الأولى منذ أكثر من أربع سنوات. والسؤال هو: هل يظل الدعم الشعبى صالحاً لأن يكون بديلا عن وجود تنظيم سياسى قوى ينظم حركة هذا الدعم ويترجمه فى صورة أدوات سياسية متعارف عليها؟. التجاوب السلبى مع هذا الطرح وقتها وحتى الآن هو الذى أوصلنا الْيَوْمَ إلى تلك الحالة التى يبدو فيها غياب أدوات تواصل حقيقية وفعالة مع الجماهير، بالإضافة بالتأكيد إلى عوامل أخرى، ليس هذا وقت الحديث عنها. لذلك أعتقد أن الحاجة باتت ملحة للحديث مرة أخرى عن أهمية وجود ظهير سياسى وليس الاكتفاء بالدعم الشعبى.

كشف الإقبال الكبير على شراء شهادات استثمار قناة السويس، وجمع 61 مليار جنيه فى ثمانية أيام، مدى الشعبية التى يتمتع بها السيسى فى الشارع المصرى، حيث لبى آلاف المصريين دعوته لتمويل قناة السويس بشهادات الاستثمار، وفعلوا ما توقع البعض أن يفعلوه فى شهور فى ثمانية أيام فقط.

تأييد المصريين للسيسى ظهر فى مواقف متفرقة، بداية من نزولهم تلبية لدعوته لتفويضه لدحض الإرهاب عقب ثورة 30 يونيو، وتكرر ذلك فيما بعد فى الاستفتاء على الدستور والانتخابات الرئاسية، فإن هذا الأمر ظهر بتأييد «مالى» إذا جاز التعبير عندما قرروا دفع ما يملكونه لشراء شهادات الاستثمار فى مشروع قناة السويس، لأنهم اعتبروه وقتها مشروعهم القومى. وبدا هذا واضحاً عندما تقبل الناس، ومازالوا يتقبلون الإجراءات الاقتصادية الصعبة لاقتناعهم بصدق نية وسعى الرئيس، والحقيقة أنه لم يبالِ أيضاً، أى الرئيس، بكل ما حذره منه البعض من هذه الإجراءات بأنها تتسبب فى تآكل شعبيته، لأنه ببساطة مقتنع بأن ما يفعله هو لصالح الوطن والمواطن على المدى الطويل.

كل هذا، وكل ذلك التأييد يكشف عن وجود ظهير شعبى حقيقى لشخص الرئيس فى الشارع المصرى، يصدقه، ويقف معه ضد أعداء الدولة الذين لا يكفون عن التخريب وقتل أبنائنا فى سيناء وغيرها من ربوع الوطن، لكن السؤال هنا: هل هذا الظهير الشعبى يغنى عن وجود ظهير سياسى؟.

الإجابة: وسنستعين هنا ببعض من المنطق الذى سبق أن تبنته المرحلة الحالية من أن إعادة بناء الدولة المصرية بنظامها الجديد تحتاج أن تكون قوية فكريا وكدولة، لتستطيع فصل الدين عن العمل السياسى والمحافظة فى نفس الوقت على قدسية المعتقدات. لكن السؤال المهم هنا هو: هل يمكن أن تصبح الدولة قوية بعدم وجود ظهير سياسى للمؤسسة أو للشخص الذى يحكم مصر؟، الإجابة هنا مرتبطة بتكوين المجتمع والشعب المصرى على مدار آلاف السنين، نحن المصريين نشأنا على ضفاف نهر، احتاج المجتمع المصرى الأول منذ نشأته إلى وجود قوة تقوم على تقسيم مياه النهر ومن هنا كانت البدايات الأولى للسلطة التى نشأت بطبعها مركزية قوية. كثيرة هنا التفاصيل فى تطور نشأة السلطة المركزية فى مصر وتطورها، ولكن ما أريد أن أخلص إليه فى هذه النقطة تحديدا أن قوة السلطة المركزية هى عنصر حاسم فى استقرار مصر، وتاريخيا كانت فترات الوهن الشديد للمجتمع المصرى مرتبطة بضعف السلطة المركزية فيها. ومن المناسب هنا الإشارة إلى أن الحديث عن لا مركزية السلطة سيظل محدود الأثر وفى إطار المناقشات حتى تتغير خريطة مصر سكانيا وإنتاجيا لينتشر المصريون بعيدا عن نهرهم، وهذا فعل يحتاج إلى أجيال.

بناء عليه، فإن القوة السياسية الحاكمة فى مصر على مر التاريخ اكتسبت قوتها باعتبارها القطب الجاذب سياسيا وثقافيا واقتصاديا، والعلاقة بين الشعب وهذه القوة السياسية الحاكمة ظلت مزيجا من التنافر والارتباط فى ذات الوقت، وأيضاً شكلا من أشكال المنفعة المشتركة. لتوضيح ذلك فإن القوة الحاكمة- أيا ما كانت- كانت تبحث وترتبط بأصحاب النفوذ من العائلات والأشخاص فى أنحاء مصر ليمثلوا القوة الداعمة فى أماكنهم وعائلاتهم وقبائلهم، على الطرف الآخر ظلت هذه القيادات الطبيعية فى مواقعها عائليا وجغرافيا تبحث عن الارتباط بالقوة الحاكمة- أى السلطة- لتدعيم وضعها والاستفادة من هذه العلاقة. إذ هى علاقة ارتباط يحكمها الدعم المتبادل والمصالح المشتركة.

هذا لن يتحقق إلا بوجود ظهير سياسى للنظام يؤمن بهذه الأفكار ويوصلها للناس، فرغم أن للرئيس وللنظام ظهيرا شعبيا، فإنه يجب أن يكون هناك ظهير أو كيان سياسى له يعبر عن رغبة المصريين ورؤية النظام الجديد، أولا للحفاظ على الظهير الشعبى وزيادة الارتباط به، وأن يكون قادرا على العمل كفريق واحد من أجل تحقيق أهداف المصريين. عندما تجاهلنا هذه الحقيقة منذ سنوات أتت الانتخابات البرلمانية، وكانت النتيجة برلمانا غير واضح الهوية. وفِى هذا مخاطر أن يتحول البرلمان إلى مصدر إعاقة، خاصة مع الصلاحيات الكبيرة للبرلمان فى مقابل صلاحيات الرئيس.

الظهير السياسى ليس رفاهية سياسية، وليس مدخلا للفساد السياسى، المهم هو كيفية إدارة هذا الظهير، وما الذى سيقدمه هذا الظهير للدولة، وللمشروع النهضوى الذى يتبناه السيسى ويعمل عليه، ومن ثم سيكون الظهير الشعبى والظهير السياسى جناحى المشروع حتى يتمكن من القفز على كل العثرات، والدفع بالمشروعات التنموية والدولة إلى الأمام. المهم أيضاً أن وجود هذا الظهير سيكون بمثابة عامل مشجع على استعادة بعض الحياة فى جسد الممارسة السياسية فى مصر حزبيا ومؤسساتها متعددة الأشكال والتى تعانى من ضعف مميت.

أعلم أن هناك نصوصا دستورية تمنع أن يكون الرئيس منتميا حزبيا وهو فى موقعه، وأنا هنا لا أتحدث عن حزب ولكنى أتحدث عن كيان سياسى- أيا ما كان مسماه- يستطيع أن يكون الظهير السياسى القادر على جمع المصريين فى المرحلة المقبلة، وأن يكون هذا الكيان قادرا على التعبير عن آمال المصريين التى وضعوها فى رئيسهم الذى اختاروه منذ أربع سنوات، وسيختاره من سيشارك فى الانتخابات الرئاسية المقبلة، وبالتالى سيحتاج إلى تنظيم هذا الدعم الشعبى فى كيان قادر على الحركة سياسيا على الأرض.

Media wrong to fuel Egypt-Sudan dispute

by Abdellatif El-Menawy

Egyptians and Sudanese people have always described the relations between their countries by saying that together they form one piece. This is an accurate description of their historical relations, which are characterized by affection, cohesion and good neighborliness.
Nevertheless, relations between Egypt and Sudan have suffered a lot, partly because one country believes it is more advanced than the other (this does not indicate any feeling of superiority over Sudan, as some unwise Egyptian journalists have unfortunately shown).
Then politics started to play a role. After Sudan gained its independence, the relationship was influenced by political tendencies in both countries. I was among the first group of people who visited Sudan the day after the 1989 coup led by Omar Al-Bashir. Many Egyptians thought at the time that the coming regime would be friendly to Egypt. However, the identity of the new regime soon turned out to be linked to political Islam, and this feature remained.
Despite the closeness, or what seemed to be closeness, there was always an overwhelming feeling of hostility on the part of the Sudanese regime towards Egypt.
The current Sudanese regime has survived on the fuel of crises for about 30 years now.
The problems, wars, blockades and regional and international pressures actually played an important role in its survival, with some observers thinking the regime itself creates crises in order to ensure popular mobilization or justify internal repression. The regime exploited the dispute with the South, which ultimately divided Sudan, as well as the crises of Darfur and the Nuba Mountains, the US attack on an alleged chemical weapons factory in Khartoum, and the issuance of an arrest warrant for Al-Bashir by the International Criminal Court over alleged crimes of genocide.
The Sudanese regime also intermittently attacked Egypt, portraying it as a source of danger to distract the attention of its people away from deepening economic and political crises at home.
Many problems remained, and the positions of the Sudanese government were hostile regarding many Egyptian issues, such as the Ethiopian Renaissance Dam and border demarcation.

“Relations between the neighboring countries have generally been friendly despite their many differences, but recent political disputes have left them facing unprecedented strife.”

Nevertheless, and despite understanding all these facts, Egypt maintained stable relations with Sudan. This was clearly manifested when the new Egyptian government ignored the unqualified support the Sudanese regime gave to the Muslim Brotherhood during its one-year rule. Moreover, Cairo was always keen to mend mutual relations, and no pessimist could have expected relations to worsen, especially after Egyptian President Abdel Fattah El-Sisi presented his counterpart with the “Star of Sinai” medal in recognition of his participation in a brigade of the Sudanese Army in the October War of 1973.
However, last week things took a different turn, with the media playing a major part in stoking the tensions, leading to Sudan recalling its ambassador for consultations.
I believe that the media should not have fallen into the trap of worsening relations, and it should have allowed diplomacy to handle this complicated issue. The media should have played an explanatory role in order to maintain relations between the two peoples, rather than fuel the dispute.
By taking a quick look at the chronology of the tensions, we realize it started with Al-Bashir’s official accusation last May that the Egyptian government was supporting militant Sudanese groups, which was denied by Cairo. The crisis intensified in November after Sudanese Foreign Minister Ibrahim Ghandour said in a TV interview with Russia Today: “We and the Egyptians are good friends until we get to Halayeb… Sudan will not give up the Halayeb area.”
Last month, the Sudanese Foreign Ministry stated it had notified the UN of its rejection of the so-called border demarcation agreement between Saudi Arabia and Egypt, stressing that the border includes an integral part of the maritime boundary of the Sudanese Halayeb Triangle.
In response, the Egyptian Foreign Ministry announced Cairo’s “absolute rejection of the allegations regarding the Sudanese sovereignty over Halayeb and Shalateen and the allegation of the Egyptian occupation of these areas.”
Things then calmed down before another media interchange flared up when Sudan decided to lease Suakin island in the Red Sea to Turkey for it renovate and use for an unidentified period of time. This sparked a media battle, with Egyptian papers criticizing the decision by saying Khartoum “opened its ports for the movement of terror weapons and terrorists to Egypt,” while the Sudanese media responded with a counterattack.
Meanwhile, the Ethiopian daily Addis Fortune published an allegation, attributed to unidentified Egyptian sources, that Egypt had asked Ethiopia to exclude Sudan from the Renaissance Dam talks. However, the Egyptian Foreign Ministry denied the allegation.
Another newspaper claimed that “Egypt objected to Sudan’s exploitation of its full share of water,” while another Sudanese official made matters worse by stating that “Egyptian aggression” on the Halayeb Triangle was aimed at dragging Sudan into direct clashes.
Therefore, wise people would say today: “The media should stay away from interfering in this strife, fueling war in the relations between Egypt and Sudan.”

هل آن أوان مراجعة قرار الإخوان؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تنطلق مصر فيما يخص علاقاتها بكثير من دول العالم من ثوابت لا تحيد عنها، ولعل أبرز هذه الثوابت الحفاظ على وحدة واستقرار المناطق التى تعانى من نزعات انفصالية تفككية، لذا كانت القاهرة أول من دعا إلى الحفاظ على وحدة العراق وسوريا وليبيا، ليس باعتبار أنها دول مجاورة فى المنطقة فحسب، لكن التاريخ يشهد أن مصر كذلك دعت إلى الحفاظ على استقرار كثير من الدول التى تفككت إلى جمهوريات وأقاليم.

يوغسلافيا كانت من بين هذه الدول، وذلك نظرا للعلاقات التاريخية بين البلدين والتى شهدت اقترابا كبيرا فى عصر الرئيس المصرى الراحل عبدالناصر واليوغسلافى جوزيف تيتو، اللذين كانا نواة تأسيس حركة «دول عدم الانحياز» فى أوائل الستينيات، لكن الحروب والنزعات الانفصالية لدى سكان بعض الأقاليم ذات الحكم الذاتى، والقمع الذى مارسه سلوبودان ميلوسيفيتش وبسببه تمت إدانته كمجرم حرب فى الثمانينيات والتسعينيات.. كانت سببا كافيا للانهيار.

ومن ضمن الأقاليم التى انفصلت وحصلت على استقلالها إقليم كوسوفو أو (كوسوفا)، الذى أجرى سكانه فى يوليو 1990 استفتاءً كانت نتيجته معبرة عن رغبة إقامة جمهورية مستقلة، الأمر الذى أدى إلى صدام مسلح عنيف بين الخلايا العسكرية التى كونها سكان الإقليم والتى عُرفت بـ«جيش تحرير كوسوفو» من جهة، والجيش الصربى من جهة أخرى، فانتهى الأمر إلى تدخل أعنف من قوات حلف شمال الأطلسى «الناتو» بقيادة أمريكا، أدى إلى انسحاب الصرب من الإقليم ووضعه تحت الحماية الأطلسية، ونشر نحو 17 ألف جندى متعدد الجنسيات فيه.

انفصال كوسوفو بشكل نهائى حدث فى فبراير 2008، وهو الانفصال الذى دعمه الأمريكيون ومعظم الأوروبيين وكثير من الدول العربية، وعارضته روسيا وبعض من الدول ومنها مصر، التى هى من جهة ضد النزعات الانفصالية كما ذكرنا، ومن جهة أخرى تحافظ على التوازن فى علاقاتها التاريخية القوية والعميقة مع صربيا.

ويتضح ذلك خلال تصريحات السفير حسام زكى، المتحدث الرسمى باسم وزارة الخارجية وقتها، بعد أشهر من إعلان الاستقلال، والتى قال فيها: «إن قرار الاعتراف بالدول يحتاج دراسة معقدة من جانب مصر ليتوافق موقفها مع مصالحها، وهو ما يستدعى دراسة ردود الفعل ومواقف الدول الأخرى وتداعيات الموقف على مصر حال تبنيها موقفا معينا».

كان حسنى مبارك يدرك أيضا أن الاعتراف بكوسوفو سيشكل ضربة قوية لعلاقات مصر بصربيا، حيث ربط الرئيس الأسبق مسألة الاعتراف بالإقليم المستقل بفتوى استشارية من محكمة العدل الدولية بشأن شرعية استقلال الإقليم المعلن من جانب واحد. فيما أكد وزير الخارجية المصرى أحمد أبوالغيط فى 2010 ذلك أيضا خلال لقائه مع سكندر هيسينى، وزير خارجية كوسوفو، مذكرا إياهم بأن مصر تنظر فى طلب الاعتراف بالإقليم، مؤكدا أن الاعتراف من عدمه ليس بسبب كوسوفو وإنما لأسباب أخرى.

حتى جاءت فترة التقلبات السياسية والاجتماعية فى مصر ما بين 2012 و2013، والتى امتطى فيها الإخوان الحكم وأصبح التأثير التركى التوسعى لاستعادة الدولة العثمانية الغابرة حاضراً على قرار الإخوان فى مصر. فزادت تطلعات الجماعة إلى تقوية دعائمها مع الدول ذات الغالبية الإسلامية والرعاية الأمريكية، ومنها كوسوفو، فسارعت مؤسسة الرئاسة ذات الصبغة الإخوانية وفى قلبها عصام الحداد، مساعد الرئيس المسجون مرسى، إلى محاولة الاعتراف بالإقليم، على الرغم من العقلانية التى اتسم بها خطاب وزارة الخارجية فى ذلك الوقت، فكان الأمر يوحى بأن ثمة تضاربا بين تصريحات الرئاسة المندفعة نحو الاعتراف، والخارجية التى حاولت أن تتناول الأمر وفقا لتوازن العلاقات الدبلوماسية والاقتصادية المصرية.

كانت كوسوفو باعتبارها دولة مسلمة (95% من المسلمين) تمثل إغراء لمصر الإخوانية للتمدد فى البلقان على أسس جديدة، أخذاً فى الاعتبار وجود دول مسلمة مجاورة لها، هى ألبانيا والبوسنة ومقدونيا، ما يمكن أن يشكل فتحاً إخوانياً لهذه المنطقة، إضافة إلى كونه سعياً آخر فى سبيل نيل الرضا الأمريكى.

واندفعت الخطوات الإخوانية فى هذا الاتجاه ووصلت إلى ذروتها مع دعوة مرسى رئيس الوزراء الكوسوفى، هاشم ثاتشى، لحضور القمة الإسلامية فى القاهرة، وكذلك قيام مساعدة الرئيس المصرى للشؤون السياسية حينها، باكينام الشرقاوى، بزيارة رسمية إلى بريشتينا فى الذكرى الخامسة لإعلان الاستقلال فى فبراير 2013، حيث صرحت فى مؤتمر صحفى بأن مصر فى طريقها للاعتراف باستقلال كوسوفو.

أيضا كانت العلاقة الوثيقة بين القائم بأعمال سفارة كوسوفو فى القاهرة بكر إسماعيل والقيادى الإخوانى المسجون صفوت حجازى امتدادًا للتواصل بين البلدين، حيث صار حجازى أكبر الساعين والمؤثرين لأجل اعتراف مصر باستقلال الإقليم، وعلى هذا الأساس زار حجازى كوسوفو فى أكتوبر 2011 والتقى بعدة مسؤولين، كما أصبح يستقبل كل المسؤولين الذين أتوا للقاهرة على الرغم من عدم وجود علاقات دبلوماسية، ومن هؤلاء وزير الخارجية الكوسوفى أنور خوجا.

هذه الاندفاعات الإخوانية أسفرت عن اعتراف مصر بكوسوفو يوم 26 يونيو 2013، أى قبل ثورة تصحيح الأوضاع فى 30 يونيو بأربعة أيام فقط. جاء الاعتراف عبر بيان من المتحدث باسم الخارجية وقتها بدر عبدالعاطى، يحمل من جهة اعترافا بدولة كوسوفو ذات استقلالية وسيادة، ومن جهة أخرى يحاول تطييب خاطر صربيا التى تربطها بمصر علاقات وطيدة، حيث ذكر البيان: «إن مصر بإعلانها عن رغبتها فى إقامة علاقات طيبة مع جمهورية كوسوفو فى كل المجالات، فإنها فى الوقت ذاته تؤكد حرصها على استمرار وتعزيز علاقتها الطيبة التى ربطتها دائماً بمختلف دول المنطقة».

المأزق الذى وضع الإخوان فيه مصر والخاص بمسألة الاعتراف بكوسوفو تم تداركه بشكل أو بآخر فى ظل القيادة الحالية، فلا العلاقات الدبلوماسية والتجارية تطورت، ولا السفارات تُبُودلت، وظل الحال كما هو عليه، أما المتضرر فعليه ولاشك أن يلجأ إلى محاولة إدراك الضرر، وأن يلجأ إلى مراجعة قرارات اتخذت فى ظل هوس وزخم بإرضاء أمريكا أولا، وتكوين حائط صد «ذى صبغة إسلامية» خارجية ثانيا، وثقافة أنانية وضعت فيها الجماعة مصلحتها على أى اعتبار دبلوماسى وسياسى واقتصادى ثالثا وأخيرا.

«كان إيه اللى هيحصل؟»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

ليس من عادتى أن أستخدم العامية إلا فى أضيق الحدود، لكنى لم أجد ما يمكن أن أعبر به عن تلك الحالة من المزيج من الحزن والألم والغضب والاستنكار إلا ما اخترته عنواناً للمقال «كان إيه اللى هيحصل؟»، وهو السؤال الاستنكارى الذى قفز إلى ذهنى وأنا أقرأ الخبر العاجل عن وفاة الأستاذ إبراهيم نافع، الصحفى المصرى الذى خط اسمه فى تاريخ الصحافة المصرية.

منذ حوالى أسبوعين، رأيت صور الأستاذ إبراهيم نافع فى إطار المتابعات الصحفية لحالته الصحية، وبدت ملامحه تحمل أعباء المرض والغربة، ولعل أكثر ما قد يكون قد آلمه هو اكتشافه حجم الجحود والغدر من أشخاص ظن أنهم ليسوا كذلك. ولكن الطعنات والاتهامات والبلاغات والتحريض بدأت من هؤلاء الذين كانوا يدورون فى فلكه، استفادة منه أو استقواء به أو لمجرد الحضور فى دائرته.

من بين هؤلاء من تقدم ببلاغات ممتشقاً سيف الشرف الكاذب وممتطياً حصاناً خشبياً مدعياً بطولة و«ثورية» أصبحت فى وقت ما هى «أكل العيش» الجديد، أو «النحتاية» أو «السبوبة» الجديدة كما يسميها البعض فى عصر اختلف.

دفع الأستاذ إبراهيم نافع- كما دفع كثيرون غيره- ثمن هذه الحالة التى تلبست مصر وقتها، وقادها منافقو كل عصر، ملكياً كان أم ثورياً، ناصرياً كان أم ساداتياً.

فى ظل النفاق «الثورى» والانتقام «الرخيص» وأمراض التدنى الأخلاقى، التى ظهرت ملامحها التى كانت مختفية، كانت الهجمة التى دفع ثمنا لها كثيرون ممن ظنوا أنهم كانوا يؤدون دورهم. كان من بين هؤلاء الأستاذ إبراهيم نافع. مرة أخرى أكرر ما ذكرته فى مقالى منذ أسبوعين، بعدما شاهدت صوره بأننى «لم أكن أعرفه عن قرب كثيراً، كانت أول مرة ألتقى به فيها فى مؤتمر بشرم الشيخ، وكان وقتها رئيساً لتحرير الأهرام ونقيبا للصحفيين وشديد القرب من مؤسسة الرئاسة والرئيس وقتها. وجدت فيه شخصية قريبة إلى النفس وممتعا فى التعامل والحوار معه. ولَم نلتقِ بعدها إلا لماما، وفِى لقاء تليفزيونى وقتما كان يرغب فى الترشح لمنصب نقيب الصحفيين خلافا للقاعدة القانونية وقتها، واحترمها ولَم يترشح».

بل كنت ممن صوّت ضده فى أول مرة ترشح فيها للنقابة، باعتباره مرشح الدولة، نجح وقتها بصعوبة، وكانت المرة الوحيدة التى نجح فيها بمشقة، بعدها استطاع أن يكون مرشح معظم الصحفيين على مختلف انتماءاتهم، وكنت أحد هؤلاء الذين صوّتوا له فيما بعد.

فى نهاية ما كتبت وقتها، تمنيت أن يصدر قرار بيد من يملك إصدار مثل هذا القرار بأن يسمح لواحد من أهم الشخصيات الصحفية فى تاريخ الصحافة المصرية بالعودة إلى بلده، وتحرجت وقتها أن أكتب ليقضى فيها أيامه الأخيرة حتى لا يكون كلامى مؤلماً له أو لمن يقرأ من أهله.

وكتب بعدها عديد من الزملاء والكتاب والشخصيات العامة فى نفس الاتجاه مطالبين بالسماح بعودته. تمنيت وقتها ألا تفقد مصر ورجال السياسة والقانون فيها قيما وتقاليد تضع الرحمة فوق القانون. القانون نفسه يتيح وقف تنفيذ أى إجراءات عقابية حيال المتهم، إذا كان مصابا بمرض يهدد حياته، هذه الرعاية يتيحها القانون للمحكوم عليهم بأحكام قضائية نهائية، أى أن هناك تكييفا قانونيا ممكنا. لكن أمنياتى وأمنيات الآخرين ذهبت هباءً، عندما حملت الساعات الأولى للعام الجديد خبر وفاة الأستاذ إبراهيم نافع. وقتها تملكنى السؤال الاستنكارى: «كان إيه اللى هيحصل؟»، ما الذى كان سيحدث لو صدر القرار؟ هل كان سيغضب بعض الذين كشفوا عوراتهم أخلاقيا بالهجوم على من كان سببا فى وجودهم المهنى والمادى، أم «سيثور» بعض الباقين من الحانقين والغاضبين أبداً، بحجة انتصار «الثورة المضادة»؟ لماذا تردد من كان يملك اتخاذ القرار؟ لمَ اعتبر الهدف من القرار مجرد قرار بعودة شخصية عامة مؤثرة فى بلدها لها ما لها، وعليها ما عليها، ولكنه كان فى أيامه الأخيرة، كل ما أراده أن يموت فى بلده، ولكننى اعتبرت صدور مثل هذا القرار هو بداية وخطوة لعلاج التشوه الذى أصاب شخصيتنا كمصريين، وأفقدنا القدرة على الصبر والتسامح. كان هدفى عودة جزء مما فقدناه من مشاعر تسامح تحل محل الغضب والتربص. قد يكون التردد سبباً فى تأخر إصدار مثل هذا القرار. وقد يكون عدم اقتناع بأسباب لا يراها صاحب سلطة اتخاذ مثل هذا القرار مقنعة أو كافية. وهنا نحن أمام حالتين مختلفتين. فَلَو أن السبب عدم الاقتناع فإننا هنا نواجه مشكلة الانسياق وراء الأصوات العالية التى تثبت فى هذه الحالة أنها مازالت مؤثرة، وأن البعض فى دائرة صناعة القرار مازالت تسيطر عليه روح انتقامية لم يتخلص منها بعد، ويمكن اعتبارها روحاً انتقائية فيمن نخاصم ونقاضى ومن نتجاوز له. صحيح لم يكن نافع خاضعاً إلا لقضية معروضة مرة أخرى على القضاء، وهى المعروفة بهدايا الأهرام. وهنا يثور نقاش فِى مدى صحة وقانونية وأيضا مدى انتشار استخدام أسلوب الهدايا كأحد سبل الترويج وما فيها من ملاحظات وانتقادات، ويجب هنا وضع هذا الأسلوب فى سياقه العام، بمعنى الحديث عن جدواه كوسيلة تسويق، وأيضا ما إذا كان سلوكا انفردت به مؤسسة واحدة دون غيرها من المؤسسات، أم أنه كان سلوكا شائعا فى كل المجتمع بكافة مؤسساته بلا استثناء.

الاحتمال الثانى هو أنه ساد جو من التردد فى اتخاذ القرار، فسبقت الوفاة تنفيذ النية باتخاذ القرار، وهنا الإشارة واجبة إلى أن إحدى مشكلاتنا الكبيرة التى نلحظها هى التأخر فى الحسم واتخاذ القرارات، بحجة الرغبة فى تأمين كافة الاتجاهات وضمان رضا كافة الأطراف، وهذا أمر مستحيل حدوثه. القرارات المتأخرة ليست أقل سوءاً من عدم اتخاذ قرار.

«كان إيه اللى هيحصل؟»، الأكيد أن ما كان سيحدث رسالة إيجابية، ودرس عملى لتقويم أو للبدء فى تقويم ما أصابنا، ونحن بحاجة بحق لهذا الإصلاح للخلل الذى نعانى. ولكننا فقدنا فرصة، وتوفى الأستاذ إبراهيم نافع الذى اختار الطريق الذكى فى دعم الصحافة والمهنة من أجل دعم الدولة بمفهومها الأوسع، وليس مجرد الانحياز «الغبى» إلى النظام، كما فعل ويفعل الكثيرون.