من لا يرى يحذر من لا يسمع

بقلم عبد اللطيف المناوي

يُروى أن أعمى قال لأطرش: «أنا حاسس إن فيه حد بيراقبنا». هذه نكتة قديمة ومكررة، لكنها تحضر دائماً عند الحديث عن غياب الحوار بين الجماعات والأفراد، سواء كانت جماعات سياسية أو مواطنين فى المجتمع. فمن لا يرى يُحدث من لا يسمع، ومن لا يسمع لا يستجيب، ومن لا يرى يظن أن الآخر يتجاهله، وهكذا دائرة مغلقة ندور فيها بلا حل، وتصلح لأن نستدعيها اليوم للحديث عن الشباب والدولة.

فتلك العلاقة الملتبسة بين الفهم الذى لم يحدث والإنصات الذى لم يتم، أو الصد والصدام الذى حدث عدة مرات، وهذا الاحتقان الواضح من خلال اللقاءات السياسية، يجعل موضوع الشباب أحد أهم الموضوعات الأساسية، ليس فقط بسبب أنهم يكونون الشريحة العمرية الأكبر فى البلد، ولكن أيضاً بسبب ما بدا خلال الفترة الماضية وكأنه الدفع بقطاع من هذه الفئة العمرية، لتكون فى موضع العداء من الدولة، وذلك بعد ما حدث فى مظاهرات 25 إبريل. ونبدأ الحكاية من البداية. وهى من المفهوم الملتبس لدى أجزاء من الدولة عن الشباب. فى فترة اعتقدت قطاعات من الدولة أن الشباب هم أولئك الذين فى السوشيال ميديا، والذين يهتفون فى المظاهرات، أو يكتبون هنا وهناك مهاجمين، وفى إطار محاولة احتوائهم فقد وقع الخطأ الأول. عندما تجاهلت الدولة كل من ينتمى لتلك الفئة ممن لا يمتلكون صوتاً عالياً، وأنصتت فقط لأولئك الهاتفين فى السوشيال ميديا أو فى الشوارع.

ولم يدرك بعض القائمين على هذا الملف أن الفلاحين فى القرى والأقاليم بينهم شباب، وأن كل أسرة مصرية بها فرد أو اثنان من الشباب، وأن الطلبة فى الجامعات المختلفة من الشباب، وأن العاطلين والباحثين عن عمل معظمهم من الشباب، وبالتالى كان على قطاعات من الدولة أن تفهم من البداية ما هو المقصود بمفهوم «الشباب»، الذى يجب عليها أن تتعامل معه.

وبدأت مرحلة جديدة عندما اعتقدت بعض أجزاء الدولة أن الشباب هم نقيض «الخبرة»، وأنه لكى نقرب الشباب ونقترب منهم لابد أن نعادى أصحاب الخبرة، وكان هذا خطأ آخر.

وعندما قررت الدولة أن تدرب الشباب ليكونوا قيادات المستقبل بدا الأمر وتنفيذه غير واضح الملامح، كما أن الأهداف والبرامج التى تقدم لا نعلم عنها الكثير، كما لا نعلم شيئاً عن أولئك الذين يكوّنون قيادات المستقبل، حول قدراتهم أو «بركاتهم».

ويبدو فى مرحلة تالية أن أجزاء من الدولة وجدت أن التعامل مع الشباب، أو مع بعضهم، ينبغى أن ينطلق من فكرة «اضرب المربوط يخاف السايب»، وهكذا كان التعامل فى مرحلة ما قبل مظاهرات 25 إبريل، وأثناءها، وما بعدها، وصدر ما صدر من أحكام، اعتبرها البعض كسباً لعداء جزء لا بأس به، ولقطاع مهم من أولئك الذين ينتمون سواء اجتماعياً أو عمرياً أو سياسياً إلى تلك المجموعة.

تجدر الإشارة فقط هنا إلى أننى من أولئك الذين يؤمنون دوماً بدولة القانون، واحترام القانون، وحتى إذا كانت هناك ملاحظة على هذا القانون أو ذاك، أو دعوة لتغييره، فلابد أن تكون من خلال القانون، وبالتالى فإن أى سلوك غير قانونى، صحيح أنه يجب أن يقابل برد فعل قانونى، ولكن تظل هناك الحكمة السياسية هى الحاكمة لأى تصرف فى هذا الإطار.

الخوف يسود المنطقة العربية جميعاً، بل العالم بأكمله، من اندفاع الشباب إلى التطرف والإرهاب، ومن اجتذاب الجماعات الراديكالية له عبر وسائل مختلفة، والمطلوب من عقلاء الأمة أن يعملوا معاً لحماية الشباب من هذا الخطر، ولتنفيذ هذا لابد من فتح الساحة فى البداية لعقلاء الأمة حتى يعبروا عن أنفسهم وعن أفكارهم بشكل صحيح من خلال وسائل مختلفة، وأن يتم وضع برامج تتعامل مع الواقع وتعالجه، ولا تنكر أى زاوية من زواياه، سواء كانت اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، أو حتى طائفية.

والأكيد أن أكثر الأمور احتياجاً للعلاج هنا هو أن تجد الدولة اللغة المناسبة والأسلوب المناسب للتعامل مع تلك الفئة العمرية المنتشرة فى جميع أنحاء المجتمع، بهدف رئيسى، وهو البدء فى حمايتهم من التطرف، وأن يشعروا بأنهم شركاء بحق فى هذا البلد.

Advertisements

فن صناعة الحلفاء

بقلم عبد اللطيف المناوي

فن صناعة الحلفاء هو عكس فن صناعة الأعداء. وهو أحد ملامح الذكاء السياسى فى إدارة الأزمة، أى أزمة فى المجتمع، من الأسرة الصغيرة إلى الدولة، وحتى المجتمع الدولى.

فن صناعة الحلفاء هو محاولة لكسب الحلفاء، ولا أقول الأصدقاء، وهو مفهوم يعنى أن تكون هناك حسابات بشكل مستمر فى اختيارات ردود الفعل فى المواقف: من نختار، متى نختار، ماذا نختار، كيف نختار؟ ومتى نتوقع أن يكون هناك تغير فى التحالفات؟

وإحدى مشكلاتنا الأساسية، فى مصر، هى مشكلة عدم القدرة على التعامل مع الحليف بشكل صحيح وبذكاء سياسى فى إدارة الأزمات، وهو ما يؤدى فى النهاية إلى أن ينتهى الموقف بأن يتحول الحليف السابق إلى عدو، وتنتهى الأزمة بإضافة شخص جديد، أو مجموعة، أو قطاع من قطاعات المجتمع إلى قائمة الأعداء.

وتصلح أزمة نقابة الصحفيين ووزارة الداخلية لأن تكون نموذجاً مصغراً لفن صناعة الأعداء، من الصدام مع أجزاء من الدولة، إلى الصدام مع بعض أجزاء المجتمع.

كما ذكرت من قبل أخطأ الطرفان، وأصرا على الخطأ، وإن حاولت أجزاء من كلا الطرفين أن تعالج الخلاف، لكن الأكيد أن الذكاء السياسى خاصم الطرفين فى هذه المعركة، فكسب الصحفيون عداءً متزايداً من قطاعات مختلفة فى المجتمع، وخسرت الدولة حلفاء كان يمكن أن يكونوا سنداً لها فى مرحلة مقبلة، تحتاج فيها الدولة إلى أدوات قادرة على أن تحمل رسالتها وتمرر بعض سياساتها الصعبة، كما خسرت بعض الأدوات التى يمكن أن تكون بوابة للتواصل بينها وبين الناس.

النقابة من حقها أن تحمى أعضاءها فى إطار المهنية وفى إطار القانون، ولكن ليس من حق مجلس النقابة أن يتعدى القانون حتى لو كان رافضاً له ولتنفيذه، كما أنه ليس من حقه أن يتجاوز القانون، بل عليه أن يدعمه ويعضده، حتى لو كان يطالب بتغييره، لأن التغيي ر يجب أن يكون فى إطار احترام القانون.

النقطة المهمة الأخرى هى مفهوم المهنية الذى تراجع كثيراً فى أولويات النقابة، وعلينا الاعتراف بأننا نعانى كمهنة من تدنى المستوى المهنى للعديد من الصحفيين، ودور رئيسى للنقابة هو الارتقاء بالمستوى المهنى، لأن هذا هو سر النجاح فى العمل الصحفى، وهذا لن يتأتى إلا بالتدريب المستمر، والتعليم المستمر، والتقييم الدائم.

ومن الخطأ الكبير سيادة شعور الانتصار الذى ساد لدى الطرفين، بأنه حقق ما يريد، لأن الخاسر فى هذه المعركة هو المجتمع فى النهاية، ولأن من يدفع الثمن فى النهاية هو الوطن بكل أطرافه.

مصر فى هذه المرحلة ليست فى حاجة إلى أى شكل من أشكال التأليب العرقى أو الطائفى أو الوظيفى التى تشعل الاختلاف السياسى أو العقيدى، مصر فى حاجة إلى حالة من حالات الاصطفاف، كما ذكرت من قبل مراراً وتكراراً، وكما أكرر كل مرة، وما عدا ذلك سيحول إدارة أى معركة صغيرة إلى قائمة من الخسائر الكبيرة.

صحفياً، إذا ما كان هناك درس مستفاد فبالتأكيد هو العودة مرة أخرى للقانون وسيادة القانون ودولة القانون. وقد يكون ما حدث بداية يُبنى عليها لتغيير مفهوم العمل النقابى، والقائمين على العملية النقابية.

أنا عضو نقابة الصحفيين

بقلم عبد اللطيف المناوي

أنا صحفى، وعضو نقابة الصحفيين، وأشعر بالقلق الشديد من حالة التصعيد ضد الصحفيين، والتى بدأت قبل فترة، واشتعلت عقب أزمة اقتحام النقابة، أو «دخولها» كما تقول الداخلية. أرفض الحملة التى تهاجم الصحافة- كل الصحافة- وتسعى لإحراق النقابة وكل من يحمل قلماً.

لا أكتب هنا لتبرئة طرف وإدانة الآخر، فهناك أخطاء متتالية حدثت من الجميع، ولم يتوقف أحد ليسأل كيف نحل الأزمة. وما حدث سابقة تاريخية بالفعل، حيث اقتحمت- أو دخلت- قوات الأمن مقر نقابة الصحفيين للقبض على أحد أعضاءها، وشخص آخر يعمل فى أحد المواقع الإلكترونية ليس عضواً بالنقابة، لتنفيذ قرار ضبط وإحضار صادر من النيابة بحقهما، حيث كان على الداخلية أن تراعى المكان الذى «تدخله» بهذه الطريقة، أو تنسق مع القائمين عليه، كما كان على النقابة- فى المقابل- ألا تصبح مخبأ لمطلوبين.

نتحدث طوال الوقت عن أهمية دولة القانون، وهو ما أطالب به دائماً، لكن إذا كنا نريد أن نصبح كذلك بالفعل فيجب أن يتم تطبيقه على الجميع، على المسؤول قبل المواطن العادى، وعلى الصحفى إذا أخطأ قبل أى أحد آخر، لكن فى الوقت نفسه أرفض الطريقة التى عالجت بها الداخلية الأزمة، وأياً من كان وراءها، فالقراءة الأولى والبسيطة، والتى هى أبجديات الفهم السياسى تقول إن الخطوة التى أقدمت عليها الوزارة ستُحدث أزمة، وكان يمكن تجاوزها بسهولة.

لا يعنى هذا أيضاً أن الصحفيين فوق القانون، أو أن من حقهم أن يخطئوا دون أن يُعاقبوا «ليس على رأس أى منهم ريشة»، لكنه لا يعنى أيضاً الموافقة على الهجمة المستعرة منذ تلك الليلة عبر وسائل التواصل الاجتماعى، والتى لا تسعى إلى شىء إلا لتخوين الصحفيين، والتعامل معهم باعتبارهم عملاء ومأجورين، وخارجين على القانون أو فوق القانون، وتحولت النقابة إلى «مزبلة» دعا البعض من المواقع والمنصات و«الكتائب» الإلكترونية إلى إلقاء أكياس الزبالة أمامها، حتى بدا الأمر وكأنه حملة ممنهجة للتشويه.

نعلم جميعاً أن أعضاء مجلس إدارة النقابة ليسوا هم كل الصحفيين، وأعضاء مجلس النقابة والنقيب ليسوا هم النقابة، ولا هم وحدهم من يتحدثون باسم الصحافة، وربما نختلف معهم فى توجهاتهم، وفى مواقفهم، لكن ما حدث هو نتيجة لخطأ الجميع، فلم يتصرف أحد كما يجب أن تكون دولة القانون، أخطأت الداخلية وبعض أجزاء الدولة بتصرفها الانفعالى، الذى ظهر وكأنه يُقصد به الاعتداء على حرية الصحافة، وأخطأت بالإصرار على التصعيد وشن الحرب على الصحافة والصحفيين وتأليب المجتمع عليهم، حتى بدا الأمر وكأنه حرب «طائفية» على كل الصحفيين، وأخطأت النقابة بالتعامل بانفعالية مقابلة وربما زائدة، ولم يحاول أحد الطرفين حل القضية، بل سعى كل منهما إلى إثبات صحة وجهة نظره، وأنه على حق حتى لو كان ذلك على حساب الوطن، وصورة مصر فى الداخل والخارج، التى بدا لجميع المراقبين أنها تحبس الصحفيين وتكمم الأفواه وتكبت الحريات.

وحتى كتابة هذه السطور لم يسع أى طرف للتعامل بحكمة مع الأزمة، لم يسع أحد لنزع فتيل الأزمة التى تتفاقم، وتدفع المنظمات الدولية لاستغلال القضية ضد مصر، وتتحدث عما سمته «مناخ الرعب» فى مصر، وخلقت مناخا سلبيا، بل شديد السلبية، ظلل الأجواء.

على الجميع أن يُعلى دولة القانون، ودولة القانون تعنى الفصل بين السلطات، فى دولة القانون لا تلغى سلطة أخرى، ولا تتقاتل سلطتان كى تقضى إحداهما على الأخرى، فى دولة القانون يذهب الراغبون فى تغيير قانون إلى السلطة التشريعية المخولة وحدها بذلك، أما الذين يهاجمون «السلطة الرابعة» فعليهم أن يتأكدوا أنه لا يمكن لدولة أن تقوم دون صحافة تساعد وتبنى وتوضح وتحلل وتكشف الفساد، وهذا هو دور الصحافة الذى يجب أن يعيه كل مسؤول، وهو الدور الذى يجب أن يستمر، ويجب أن تمارسه الصحافة بمهنية وحرفية وأمانة وانحياز لكل المجتمع ولصالح استقرار الدولة.

وعلى المسؤولين فى الدولة أن يتذكروا ما حدث أثناء رئاسة إبراهيم نافع النقابة، فالرجل بالرغم من أنه كان رئيس تحرير أكبر جريدة قومية، لسان حال النظام، إلا أنه أثناء أزمة القانون رقم 93 لسنة 1995 الخاص بتغليظ العقوبات فى جرائم النشر، انحاز لمهنته ضد السلطة التى ينتمى لها، لأنه كان يدرك أهمية وقيمة ودور الصحافة، وربما يبدو هذا الموقف هو أكثر المواقف التى يذكرها الصحفيون له حتى الآن.

أنا صحفى، وعضو نقابة الصحفيين، لست خائناً، ولا أعمل ضد الوطن، وأرفض تخوين الصحفيين، وأدعو إلى العمل على إقامة دولة القانون الحقيقية.