مخاوف إعاقة مواكبة الحدث لكل مصر

 بقلم عبداللطيف المناوى

قناعتى كانت دائماً أن اسم مصر هو أهم عناصر قوة المنتج الإعلامى والسياسى، أو بلغة العاملين فى المجال هو أقوى عناصر «البراند»، لذلك كان إصرارى منذ اللحظة الأولى على أن يكون أى منتج إعلامى كنت مسؤولا عنه وقت تحملت مسؤولية العمل فى التليفزيون الرسمى – الذى حاولت دائماً أن أجعله تليفزيون الدولة كلها ولم أنجح للأسف – أقول حرصت على أن يحمل أى منتج إعلامى اسم «مصر»، وبدأت بالفعل بأن رسخت تعبير التليفزيون المصرى على لسان كل المراسلين، ثم رأيت أن تكون الخدمة الإخبارية والسياسية تحت اسم «أخبار مصر» وأن يكون العمل كله تحت مظلة أوسع من مفاهيم التقسيمات الإدارية والوظيفية الضيقة، فكان أن قررت وزملائى أن يكون العمل تحت مظلة «مركز أخبار مصر». أظن أن هذه الحالة من الارتباط باسم الوطن انتشرت بين العديد من الزملاء الذين سعدت بالعمل معهم.

كان ضمن أحد أحلامى أن يكون لدينا فى مصر محطة إذاعية «إف. إم» بالمفهوم العالمى، منذ عدة سنوات كان المرادف لـ«إف. إم» فى مصر هو إذاعة متخصصة فى الأغانى، وذلك لأن أول إذاعة «إف. إم» تخصصت فى إذاعة الأغانى، فكان أن ساد المفهوم. وقد وجدت أن طبيعة استخدام المحطات الإذاعية هى التى تعطيها شخصيتها لدى المتلقين، ففى موريتانيا مثلا إذا ذكرت «إف. إم» فإن المقصود فوراً المحطات الإذاعية التابعة للأحزاب والقوى السياسية هناك، وفى الصومال هى تعبير عن الميليشيات. كل هذا يتناقض مع مفهوم محطات «إف. إم» المتعارف عليها فى الدول الأكثر تقدما، فهى مزيج من الأخبار شديدة الارتباط بالمستمع والخدمات التى تمس الحياة اليومية والمعلومات المفيدة والمهمة والحوار المفتوح حول قضايا شديدة الارتباط بالواقع والاهتمامات الخاصة بالمستمعين، كل ذلك على نسيج موسيقى وغنائى ممتع للنفس.

قبلت مسؤولية إدارة إذاعة كان يطلق عليها اسم «إذاعة الأخبار» لم يكن يستمع إليها أحد تقريبا، مقررا منذ البداية أن أحولها لأحقق حلم إذاعة «إف. إم» كما أردتها، أغلقنا إذاعة الأخبار، شاركنى بعض الزملاء الحلم، لم يكن يعلم الكثير عما نفعل، وأثناء الإعداد اكتشفت أن هذا المبنى الضخم بعدد استوديوهاته الكثيرة مازال يعمل بنظام الشرائط القديم ولا يوجد به استوديو واحد ديجيتال. تعاونت مع بعض مؤسسات الدولة اعتمادا على علاقتى بهم وإيمانهم بدعم الفكرة المكلفة بأقل الأعباء المادية الممكنة لننشئ أول استوديو ديجيتال فى المبنى العتيق دون أن تتحمل ميزانية اتحاد الاذاعة إلا الحد الأدنى. لم يكن فقط الجانب التقنى هو الفيصل، بل كان الفيصل فى أن نجد العنصر البشرى المتحمس للفكرة والقادر على تنفيذها، وكان الاعتماد الأساسى على زملاء من الشباب داخل الإذاعة، كان ما ينقصهم الفرصة والتدريب وزرع الثقة فيهم بأنهم قادرون على النجاح. ولم يكن الاختيار مجهدا بين الكثير من الأسماء المقترحة للإذاعة الوليدة، فقد تسيد اسم «مصر» كل الاقتراحات لتكون الإذاعة الجديدة «راديو مصر» وقصدها، وقلنا إنه سيكون «لكل مصر».

المجموعة الأولى التى خططت وبدأت التنفيذ لم تكن عددا كبيرا، كان على رأسهم طارق الذى آمن بالفكرة وراهن عليها عندما التقيته المرة الأولى أثناء إجراء حوار إذاعى معى، كان هو المذيع، وشاركنا شباب آخرون: وليد وعمرو وشادى ومحمد وآخرون، الكل عمل ليلا ونهارا ليتحقق الحلم الساعة الثانية من بعد ظهر الخامس والعشرين من إبريل عام ٢٠٠٩ (عيد سيناء) ليملأ الأثير صوت إذاعة «راديو مصر» وتحمل شعار «نواكب الحدث»، كانت من بين أكثر اللحظات رسوخا فى ذهنى وأظنها كذلك فى ذهن من شارك وحضر ميلاد هذا الحلم.

تمكنا سريعا من الحضور بين المستمعين، وأصبحت الإذاعة رقما قويا فى مجال الإعلام، وكان من بين أكثر الأوقات سعادة لى وقت أمرّ بالإذاعة أو أجتمع مع أى من أعضائها.

هذا المقال نويت أن أكتبه منذ عدة أشهر فى الذكرى الثالثة للإذاعة، لكن الأحداث كانت دوما سريعة متلاحقة، ولم تترك لنا الجماعة الحاكمة فرصة لحديث آخر، فقد استمرت لتضغط علينا وتدفعنا لأن نتوقف، فلم يكن أمامنا إلا أن نحاول أن نكبح جماحها واندفاعها بالوطن نحو الهاوية – عبر الكتابة والتحذير المستمر.

عندما استمعت للإذاعة مؤخراً عاودنى حنين الكتابة عن التجربة التى أخشى أن تعصف بها حالة التمزق التى تسود الوطن، وأخشى على مهنيتها التى يمكن أن تضيع تحت غمام ودخان المعارك والتنابذ ومحاولات الاستحواذ ومعارك الإقصاء.

أصبحت الإذاعة المصدر الرئيسى بين الإذاعات الأخرى، وأخشى على التجربة من الأجواء المحيطة، وأن تتأثر مواكبة الأحداث أو تتلون وأن تتحول إلى إذاعة لبعض المصريين لا لكل مصر.

 

Advertisements

دستور حمال أوجه فى مسودة

بقلم   عبداللطيف المناوى

المسودة التى خرجت أخيرا للرأى العام من الدستور المصرى الذى صاحبته طنطنة كبيرة من المشاركين فى تفصيله، باعتباره دستور المستقبل أتت كما هو متوقع مخيبة للآمال التى كانت لدى البعض فى حكمة بعض من تسرب خطأ إلى اللجنة من العقلاء والمتخصصين والخبراء فى بعض المجالات، لكن إحقاقا للحق فإنه لم يخرج كارثيا كما توقع الكثيرون، وقد يكون الفضل فى ذلك للأصوات المدنية التى لم تترك من يفصل الدستور يفصله على راحته. إضافة إلى بعض الملاحظات السريعة الأولية التى سأوردها فيما بعد فإن الملحوظة الأساسية هى ذلك الانطباع الذى يخرج به من يقرأ المسودة بأن كاتبها لا تخطئه العين، فاللغة لغة التيار الدينى السياسى وهذه أولى الملاحظات.

صياغة المسودة الأولية للدستور تشبه كتابة موضوع إنشائى به الكثير من الكلمات الوصفية غير المحددة وليس دستورا يصلح كوثيقة لأجيال قادمة ماحكمة الصياغة القانونية، النصوص غير الواضحة يتم تفسيرها بعبارات وكلمات غير واضحة أيضا، فيما وصفه المشاركون بأنه «تفسير للماء بالماء».

المادة الرابعة تحمل شبهة تنصيب هيئة كبار العلماء بالأزهر، وصية على النظام السياسى، باسم مرجعيتها فى الشؤون المتعلقة بالشريعة الإسلامية، وهذا إعادة إنتاج لنظام ولاية الفقيه الإيرانى.

أما المادة التى تدلل على مدى التراجع فى مناطق مهمة فهى المادة السادسة، لتجاهلها النصوص السابقة التى تمنع قيام أحزاب على أساس دينى، والاستعاضة عنها بنص معد خصيصاً، للالتفاف حوله ينص على عدم تفرقة الأحزاب بين المواطنين على أساس الدين، وهو ما يسهل التلاعب به كما نرى من ضم أشد الأحزاب الدينية تعصبا شخوصا غير مسلمة مستعدة لأن تلعب الدور الذى تكلف به، وهو ستر عورة تلك الأحزاب مظهريا وقانونيا، وهذه المادة بصياغتها هذه نموذج للصياغات التى الغرض منها ليس تحديد وإحكام تفعيل مبادئ ما، وإنما وضعت لتسهيل الالتفاف عليها  والالتواء بها لتمرير المضاد لما توحى به مظهرياً.

فى ظل حالة الإنشاء واستخدام اللغة بأساليب حمالة الأوجه تأتى المادة «١٠» التى تنص على: «تلتزم الدولة والمجتمع برعاية الأخلاق والآداب العامة وحمايتها، والتمكين للتقاليد المصرية الأصيلة، ومراعاة المستوى الرفيع للتربية والقيم الدينية والوطنية والحقائق العلمية، والثقافة العربية والتراث التاريخى والحضارى للشعب، وذلك وفقا لما ينظمه القانون»، فهذا نص فضفاض غير محدد الملامح والأبعاد يتحدث عن مطلقات مثل «التقاليد المصرية الأصيلة» و«المستوى الرفيع للتربية والقيم الدينية»، ومثل هذه النصوص الفضفاضة هى سلاح نموذجى لكل من يريد أن يستخدمها لتتوافق مع معتقداته، وأيضا أداة للتحكم وإرهاب كل من تخول له نفسه أن يفكر بأسلوب مختلف، على أساسها يكتسب مفهوم محاكم التفتيش قاعدة للتطبيق، الغريب أن بعض العقلاء من أعضاء اللجنة تركوا مثل هذا النص يمر عليهم.

شرك آخر يكمن فى المادة الخاصة بمساواة المرأة مع الرجل وفقا لأحكام الشريعة وليس مبادئها، والفارق بينهما يتأثر بالفارق الزمنى، فالمبادئ دائمة والأحكام متغيرة حسب الزمان والمكان.

إن غياب الخبراء الاقتصاديين عن تشكيل الجمعية التأسيسية للدستور انعكس بشكل كبير فى فقدان كثير من المواد صيغتها الاقتصادية المُحكمة.

كذلك ترمى مواد الدستور معظم أحكامها فى ملعب القانون، بما يتيح الكثير من التقيد فى المرحلة المقبلة.

هناك العديد من الملاحظات بعضها يحتاج إلى نقاش حقيقى، بل معارك من أجل إيقافها، لكن الملحوظة الأساسية العاجلة هى أهمية إنقاذ مصر ومستقبل أجيالها من هذا المستقبل غير محدد الملامح حمال الأوجه الذى يحمل فى طياته بدهاء التأسيس لدولة دينية والإعاقة لأى تأسيس لدولة مدنية عصرية.

معركة الدستور هل تكون البداية؟

 بقلم   عبداللطيف المناوى

تمر مصر بمرحلة صعبة وخطيرة من تاريخها، لا تبدو المقدمات حتى الآن دافعة للتفاؤل إلا أنه ينبغى التمسك بأى أمل للحفاظ على هذا الوطن فى ركب العصر ولا يضيع فى غياهب القرون الوسطى التى غادرتها معظم الأمم المتطورة. العالم المتطور يدور فى فلك بينما يدفعنا تيار إلى الدوران فى فلك آخر لا يمت بصلة للحاضر، فما بالك بالمستقبل. يصارع الوطن من أجل عدم الانزلاق إلى مجاهل أعراف وقوانين تناسب مجتمعات نقرأ عنها فى كتب التاريخ الصفراء.

أظن أن إحدى أهم المعارك التى لا ينبغى الانحناء فيها هى معركة الدستور، فمن الواضح جلياً أن ما يتم حالياً هو محاولة لإجبارها على بلع الدستور الذى يتم طبخه داخل اللجنة المطعون فى شرعيتها وإطلاق قنابل دخان وخلق حالة ضجيج ممزوج بتخويف وتخوين ليتمكنوا من خلالها من تمرير دستور يزيد من الفجوة بيننا وبين العالم المنطلق ويرسخ من خلال مواد حمالة أوجه لسيطرة بلا نهاية للتيار الذى خطف اللجنة كما خطف مقاليد الدولة من قبل. وقبل أن يبادر من يدعى أن اللجنة المكلفة بصياغة الدستور تمثل «أطياف» الشعب المصرى، كما يتشدق قادة هذا التيار. ومع الاعتراف بأن اللجنة تضم بين أعضائها شخصيات جديرة بكل التقدير لما لها من مكانة وعلم إلا أن هناك من ضل طريقه ليشارك فى رسم وجه مصر المستقبل. ولكى نكون أكثر تحديداً فإننى أشير هنا إلى ما ذكره بعض الطاعنين فى قانونية الجمعية أمام القضاء بأن الجمعية التأسيسية تضم ٢٤ عضواً من جماعة الإخوان المسلمين و١٨ من قيادات وأعضاء حزب النور والأحزاب والجماعات السلفية و٣ من حزب الوسط الإسلامى و٦ من شخصيات عامة معروفه بتوجهاتها المساندة للإخوان المسلمين.

الإشارات الواردة حتى الآن غير مطمئنة، وكما ذكر حافظ أبوسعدة، رئيس الجمعية المصرية لحقوق الإنسان، أحد مقيمى الدعاوى، أنه يتم العمل داخل «التأسيسية» لصالح رئيس الجمهورية، والدليل على ذلك أن شروط ترشيح الرئيس فى الدستور الجديد لم تتضمن ألا يكون أبناؤه مزدوجى الجنسية، والمعروف أن أبناء الرئيس الحالى يحملون الجنسية الأمريكية، كما أن الدستور لم يحدد انتهاء مدة الرئاسة وذلك حتى يستطيع استكمال المدة الرئاسية كاملة. أحد المحامين ذكر أن عشرة من أعضاء «التأسيسية» تم تعيينهم مستشارين بمقابل مادى مجز للرئيس.

الخطر الحقيقى هو ما تسرب من اتجاهات عن توجهات لمواد فى الدستور يمكن اعتبارها عبث ببنيان الدولة، وهذا البنيان يعتمد على أعمدة أساسية هى القضاء والجيش والشرطة والأزهر والكنيسة ومكونات الثقافة المصرية.

وفيما يبدو فإن الرغبة فى الاستحواذ والسيطرة أقوى من كل أصوات العقل. فالمهم هو تمرير الدستور كما يرونه بأسرع وقت، فهم يمررون منذ أسابيع معلومات بأن مسودة الدستور انتهت وأن التصويت عليها خلال فترة قصيرة، المسألة أشبه بسباق مع الزمن لتمرير الدستور قبل أن يفصل القضاء فى شرعية لجنتهم.

لقد بدأ الخطر مبكراً عندما تمكنت الجماعة من خداع المجلس العسكرى ومن بعده خداع ثمانية عشر مليوناً من المصريين صوتوا فى الاستفتاء لصالح تأجيل الدستور لما بعد الانتخابات. وفى ظل هذه الشرعية الممزوجة بخداع المجلس والمصريين انفردوا بتشكيل اللجنة ووضعها بالشكل الذى يحقق الغرض منها.

ولكن حدث ما حدث وبتنا نواجه الواقع الذى نحن فيه، وأصبح أملنا الآن أن تأتى أحكام القضاء ببطلان «التأسيسية» للحد من هذا الاندفاع الذى يقوده التيار الحاكم من خلال التشكيل المشوه للجنة، وفى حال استمرار اللجنة فى العمل فإن هذا ينبغى ألا يكون حائلاً دون الاستمرار فى النضال فى معركة الدستور هذه بأى طريقة ممكنة، فهى ما تبقى من أجل استمرار الإحساس بأن هناك أملاً.

هل يستطيع أن يفعلها؟

  بقلم   عبداللطيف المناوى

تعددت الاجتهادات، خلال الأشهر الماضية، حول من يدير مصر ومن هو صاحب القرار فيها، وفى هذا المكان، منذ عدة أسابيع، تساءلت فى صيغة التأكيد: هل تُحكم مصر من قصر الرئاسة أم من فوق جبل المقطم، حيث المقر الرئيسى للجماعة؟.. ومن الواضح خلال تلك الفترة أن الإجابة كانت تميل بحدة نحو المقطم، على الرغم من كل المحاولات التى كانت تجرى من أجل خلق صورة زعيم شعبى يستطيع، بوهجه الزعامى، أن يخفى الحقيقة، كل المحاولات التى اتسمت بالتخطيط والإصرار تكسرت على صخور الحقيقة، التى ظهرت دائما فى الإجابة عن السؤال: من هو صاحب الكلمة فى مصر: الجماعة الحاكمة أم مرشحها الذى أصبح رئيساً؟ مع التذكير بأن من بين أعضائها من يرى نفسه أحق بالمنصب أو الغنيمة التى طارت منه وحطت فى يد من فاز بها.

من الواضح تماما، ومن خلال كل المعطيات التى أمامنا حتى الآن، أن هذه العلاقة المتوقعة بين المرشح الفائز وجماعته، التى أساسها مبدأ السمع والطاعة، هى التى تتحكم فى قراراته وتحركاته، ونستطيع أن نرى هذا واضحا فى العديد من التحركات والقرارات التى بدا أنها تصب فقط فى إطار هدف الجماعة فى السيطرة والاحتكار والإقصاء، وحسبما يقال عن الرجل، نقلاً عن كل من التقاه، إنه أفضل كثيرا من كل قراراته، وإن قدرته على التفاهم والحوار أكبر مما يبدو منعكساً من خلال تحركاته والمواقف المحسوبة عليه.

ما شهدته مصر، خلال الساعات الأخيرة منذ الجمعة الماضية، هو خير دليل على ما أقول، تلك الجمعة التى اتفق فيها، على غير العادة، عدد من القوى السياسية المشتتة المتناحرة على أن تحاسب الرئيس على التزامات المائة يوم، وأيضا تطالب بإسقاط حكم المرشد وتسلط الجماعة ووصايتها، وأتى الحكم فى القضية المسماة «موقعة الجمل» ببراءة جميع المتهمين من الدائرة نفسها التى حكمت قبلها بأيام على أحمد عز بالسجن سبعة أعوام وغرامة تسعة عشر مليار جنيه.. كان هذا الحكم بمثابة حبل الإنقاذ للجماعة التى رأت فيه مناسبة للخروج من المواجهة مع القوى الأخرى، فدعت الجماعة، وهى «الحاكمة»، أتباعها للتظاهر فى كل ميادين مصر، وفى خطوة للقفز على مظاهرات الجمعة، دعت إلى التظاهر فى التحرير ضد الحكم، ظناً منها أنها بذلك تختطف المظاهرات المقررة ضدها فى اتجاه آخر.

ليس هذا فقط، بل كانت فرصة للتخلص من النائب العام، الذى تعاديه على طول الخط، وبالتالى فإن إلقاءه فى هذا التوقيت يحقق عدة أهداف: تحويل الأنظار عن الموضوع الرئيسى للمظاهرات، إشغال الرأى العام، الركوب مرة أخرى على موجة الانتقام والقصاص، وهنا يثور السؤال: أين ساكن قصر الرئاسة مما حدث ويحدث؟.. لا إجابة.

ما حدث يوم الجمعة من اعتداء من متظاهرى الإخوان على معارضى الإخوان يثير قدراً من الغضب والتهكم فى آن واحد، فهذه، حسبما أعلم، هى المرة الأولى التى تدعو فيها جماعة حاكمة، من خلال أدواتها، إلى التظاهر ضد إحدى مؤسسات الدولة وضد حكم قضائى، هذا ظاهرياً، فى حين أن الغرض الرئيسى، كما حدث واقعياً، هو الاعتداء وتأديب كل من تسول له نفسه الاعتراض على حكم الجماعة ومرشدها، وما حدث عقب صلاة الجمعة وخلال الساعات التالية يؤكد هذا المعنى.

أما الغياب الكامل للأمن، فعلى الرغم من تفهم الظرف العام المحيط فإنه كان أمراً غريباً. ونأتى إلى المؤامرة التى أحيكت فى بلاط الرئاسة بإدارة من خارجها لذبح النائب العام، وهو موقف أظنه سيسجل فى التاريخ المصرى إلى جانب الاعتداء على شيخ القضاة ومذبحة القضاء فيما بعد، والغريب أن هذا الاعتداء الصارخ على القضاء كان يدار على أيدى من أفترض فيهم حماية الحصن الباقى للناس أو البقية الباقية منه.

كان أيضا السلوك الأغرب المتمثل فى تهديدات قيادات الجماعة الذين حذروا النائب العام من الاقتراب من مكتبه وإلا سيفقد كرامته (!!) أتعجب كثيرا من أن هذه التهديدات تأتى من قيادات جماعة تمكنت من حكم البلاد، وبالتالى هؤلاء هم من يحكمون، ولم أستطع أن أفرق بينها وبين تهديدات خناقات الشوارع. ونعود إلى ما طرحته فى بداية المقال: أين القابع فى قصر الرئاسة مما يحدث؟ هل هو من يقرر أم أن هناك من يورطه فيما يقرر؟ أم هو راض بما يجرى وبالدور الذى اختارته له الجماعة ووضعته فيه؟ أم قد يفاجئ الجميع ويفعلها معلناً استقلاله؟!

تناقضات الفعل والأقوال

بقلم عبداللطيف المناوى

نعيش حالة واضحة من التناقض بين ممارسات الواقع ولغة الخطاب الرسمى، ويبدو أحيانا – أو فى كثير من الأحيان – أن هذا التناقض مقصود، وليفهم من عليه أن يفهم الرسالة الواضحة لهذا التناقض الحاد بين مستوى القول ومستوى الفعل، وكما اختصر أجدادنا هذه الحالة فى المثل الشعبى العبقرى الذى يقول «أسمع كلامك أصدقك، أشوف أمورك أستعجب» يبدو أن الاستعجاب بات نصيبنا.

هذا التناقض الذى أتحدث عنه هو تناقض يغذى حالة الخوف على المستقبل.

الخطاب الرسمى فى مصر يرفض التفرقة بين المصريين ويدّعى هذا الخطاب أنه نظام كل المصريين، وعندما ننظر إلى واقع الممارسات التى لا تكذب نجد أن التفرقة بين المصريين على أسس الهوية والعقيدة الدينية والسياسية وصلت الآن إلى مدى الارتباط بالجماعة والولاء لها. لا أظن أن الكثير منا يجد أن الخطاب الرسمى يشكل واقعا حقيقيا على الأرض.

يتحدث الخطاب الرسمى عن إدانة التجاوز فى حقوق المصريين، لكن فى ذات الوقت نشهد حجما واضحا لممارسة هذه التجاوزات. ينفى الخطاب الرسمى وجود أى اتجاه للمساس بالحريات الشخصية، ولكن نجد قدرا كبيرا من السلوك المناقض. ومع وجود جماعات الأمر بالمعروف فى عديد من المدن، وتمتعها بغطاء من غض الطرف من الحكام الجدد – لم نجد موقفا حادا «خشنا» واضحا يدفع هؤلاء المنضمين لهذه الجماعات للتفكير مائة مرة قبل أن ينطلقوا فى الشوارع يفرضون ما يعتقدون هم أنه صحيح الدين الذى على الآخرين اتباعه، بأساليب ضد القانون، بل يُنتزع القانون من السلطة المختصة بل من الدولة.

يتحدث سادة الجماعة عن أنه لا تفرقة بين المصريين ويؤكد رئيسهم أنه لكل المصريين، ولكن على الأرض كان مفهوم الأهل والعشيرة هو السائد والحاسم فى شكل العلاقة مع المصريين. لذلك وجدنا هذا القدر من «التطهير» السياسى والإقصاء، وبات من هو قريب أو حليف أو خادم أو عضو فى الجماعة هو من له الحق فى كعكة الوطن.

من بين دلائل هذا التناقض الرئيسى بين القول والفعل تلك التأكيدات على حماية الدولة لمواطنيها، كل مواطنيها، بينما تترك بعضاً ممن يفترض أنهم من مواطنيها يقف فى مواجهة التطرف الأعمى، وهنا أشير إلى ما تعرض له بعض العائلات من تهجير من منازلهم رأته دولة الجماعة ليس تهجيرا بل هو تحقيق لمبدأ الحرية، لأن هذه الأسر اختارت أن تترك منازلها بمحض إرادتها.

صحيح أنه تحت الهجوم الإعلامى خرجت تصريحات ترفض هذا السلوك وتؤكد حق العائلات فى العودة إلى منازلهم ولكن الضرر كان قد وقع.

شاركت الأيام الماضية فى لقاءات فى نيويورك حول مفهوم الدولة المدنية والدولة الدينية، لن أتطرق هنا إلى ما دار من نقاش، ولكنى سأتوقف أمام جملة مهمة ذكرها منظم وراعى اللقاء ماجد رياض، المحامى المصرى المعروف هناك، هذه الجملة تلخص الأسلوب الأمثل لحل هذه المتناقضات التى يمارسها حكامنا الجدد، وذلك فى إطار رده على شيخ شارك بكلمة فى اللقاء تحدث فيها عن أن المسلمين فى ظل الدولة المسلمة سوف يحمون الأقباط، وكانت الجملة مفتاح الرد «نحن لا نريد دولة يحمينا فيها المسلمون، نحن نريد دولة يحمينا فيها الدستور والقانون».

أنا أظن أن هذا المفهوم لو ساد فسوف يكون فيه حل هذا التناقض نسبيا. نحن نريد دولة قانون ودستور لا دولة جماعة وأتباعها. دستور وقانون ينظمان العلاقات بين أصحاب الوطن – كل المواطنين – لا قواعد الإجارة بين القبائل، هذه دولة عمرها آلاف السنين، ولو علم من يحكمونها ذلك لاختلف السلوك المتناقض الذى نعيشه ونعانى منه.

الدولة المدنية.. بما لا يخالف شرع الله

بقلم   عبداللطيف المناوى

من يتابع تصريحات المسؤولين فى الفترة الأخيرة عن أن مصر دولة مدنية، وأنها ستحافظ على مفاهيم المواطنة، ثم يراقب ما يحدث، خلال الفترة الأخيرة أيضا، من تهجير للأقباط فى دهشور، وفى رفح، ثم التلاعب فى الجمعية التأسيسية، ثم الخلاف على قرض صندوق النقد الدولى من منظور دينى، وهو ما ألمح إليه الرئيس محمد مرسى فى خطابه فى استاد القاهرة بأنه لن يقبل أن يأكل المصريون من «الربا»، من يتابع كل هذا يدرك أن هناك فرقاً بين التصريح والتلميح.

«الدولة المدنية» ليست مصطلحا نقوله فى المناسبات، أو نتحدث به فى المؤتمرات، وأمام شاشات الفضائيات والصحف، لكى نقنع الناس بأن مصر دولة مدنية. الدولة المدنية هى أن يشعر المواطنون بأنهم يعاملون على أساس «المواطنة»، وليس على أساس خانة الدين فى البطاقة.

لقد تم اختراع العجلة منذ زمن بعيد، ولسنا اليوم فى حاجة إلى من ينصب علينا بادعائه أنه يملك سر الاختراع وأنه صاحبه منذ زمن دون أن ندرى، أنا هنا أتحدث عن أولئك الذين يخرجون علينا اليوم ليخدعونا بأنهم أصل مدنية الدولة، بل لا وجود لدولة مدنية فى مصر دونهم. ولأن العجلة – عفوا الدولة المدنية – تم اختراعها من زمن طويل قبل أن يعرف بها هؤلاء ويحاولوا القفز عليها، كما فعلوا فى أمور أخرى، فإننى اليوم سوف أعرض سريعا لمفهوم الدولة المدنية كما اخترعها السابقون.

البعض يتحدث عن الدولة المدنية، وكأنها تخالف شرع الله، وكأن من يطالب بمدنية الدولة من كفار قريش الذين يرفضون ظهور الإسلام، لذا فالدولة المدنية المصرية كما يدعى من اخترع العجلة من جديد تعنى: المساواة بين المرأة والرجل، بما لا يخالف شرع الله. نحن لسنا ضد شرع الله ولكن هذا خلط واضح بين الدين والدولة.

مفهومهم للدولة المدنية يعيد حق المرأة والقبطى فى تولى مناصب قيادية إلى رجال الدين ليحددوا شرعيته قبل إقراره، كل ما فى مفهوم المدنية لديهم ليس سوى خطاب ملىء بالتعمية والعمومية، بينما الفعل على الأرض مناقض كليا للمفهوم الأصيل للدولة المدنية.

ولكل هؤلاء نقول إن الدولة المدنية ببساطة هى دولة تحافظ وتحمى كل أعضاء المجتمع، بغض النظر عن القومية والدين والفكر، وهناك عدة مبادئ ينبغى توافرها فى الدولة المدنية التى إن نقص أحدها فلا تتحقق شروط تلك الدولة، أهمها أن تقوم تلك الدولة على السلام والتسامح وقبول الآخر والمساواة.

من أهم مبادئ الدولة المدنية أنها لا تتأسس بخلط الدين بالسياسة، كما أنها لا تعادى الدين أو ترفضه، فرغم أن الدين يظل فى الدولة المدنية عاملاً فى بناء الأخلاق وخلق الطاقة للعمل والإنجاز والتقدم، حيث إن ما ترفضه الدولة المدنية هو استخدام الدين لتحقيق أهداف سياسية، فإن ذلك يتنافى مع مبدأ التعدد الذى تقوم عليه الدولة المدنية.

من مبادئ الدولة المدنية الأساسية «المواطنة» الذى يعنى أن الفرد لا يُعرف بمهنته أو بدينه أو بإقليمه أو بماله أو بسلطته، وإنما يُعرف تعريفا قانونيا اجتماعيا بأنه مواطن.

لا دولة مدنية دون مواطنة، ولا مواطنة دون دولة مدنية. وعليه فالمواطنة لا تتحقق إلا فى دولة مدنية ديمقراطية تعددية دستورية، تصون كرامة المواطن وقناعاته فى ممارسة معتقداته وأفكاره بالشكل الذى يؤمن به فى إطار الدستور الذى أقره الشعب. وهذا الدستور يحترم جميع حقوق المواطن بشكل يوفر له العيش الكريم.

أود أن أؤكد هنا ضرورة المواطنة فى دستور الدولة المدنية، لحماية هذه المواطنة ومتطلباتها وتفعيلها فى الممارسة العملية وليس مجرد قاعدة قانونية. والدستور هو معركتنا الحالية لحمايته من الاختطاف كما حدث مع أمور عديدة.

جعجعة المائة يوم وطحينها

بقلم عبداللطيف المناوى 

لم يلزمه أحد بأن يضع المائة يوم كحد لتنفيذ برنامجه، كذلك لم يحدد أحد أجندة المائة يوم هذه لمرشح الجماعة فى ذلك الوقت بل هو نفسه الذى سماها، وبعد إعلان نجاحه هو الذى أصر على الملفات والحد الزمنى للتنفيد. وقت أن حدد أولوياته شعرت وقتها بأن هذا ما لا تحتاجه مصر فى هذه المرحلة، لقد كنا فى انتظار رئيس لجمهورية مصر لا رئيس لحى جمهورية مصر. البلد خرج منقسماً مفتتاً وكان الاحتياج وقتها لإعادة جمع هذا الشتات ومعالجة آثار التفتت، لكن ما حدث ويحدث حتى الآن عكس ذلك على طول الخط، ويكفى أن مطلع القول كان موجهاً إلى أهله وعشيرته.

على الرغم من ذلك فإن ما ألزم نفسه وإدارته به يعطينا كامل الحق فى مناقشته والمطالبة بكشف حساب، خاصة أن مسؤوليه الجدد لم يختلفوا قيد أنملة عما كان عليه السابقون من تغن بحكمة السيد الرئيس.

سوف أترك لكل من يعانى فى مصر الآن أن يحدد بنفسه أين تحققت وعود المرشح الرئاسى الذى أصر على برنامجه ومداه الزمنى.

سوف أنظر إلى ما كنا نتمنى أن يحدث وما حدث بالفعل. كما أشرت من قبل كان الهدف الأول الذى كان يفرضه الحرص على الوطن ووحدته وقوته أن يلتزم الرئيس الجديد، خاصة أنه أتى فى ظروف غامضة وملتبسة ومحل شك ووطن منشق على نفسه، بأن يقوم بدور أساسى فى عملية لم الشمل، أن يحاول وأن يقترب من نصف المصريين الذين رفضوه وجماعته، المصالحة والاقتراب من هذا النصف الرافض كان ينبغى أن يكون الهدف الأول، تهدئة المخاوف وزرع السكينة وإرضاء هؤلاء الذين رفضوه كان ينبغى أن تكون برنامج الأيام الأولى كلها.

بدلا من البحث عمن يستطيع أن يدير بكفاءة كان السلوك الظاهر حتى الآن هو تقسيم الكعكة على الحلفاء والأنصار والتابعين، وامتزج ذلك، بخطوات راسخة نحو تنفيذ تلك الخطة التاريخية الساكنة نفوسهم منذ عقود وهى خطة التمكين.

وفى مجال الاقتصاد، كل ما رأينا حتى الآن التفاف حول المشكلات الأساسية وعدم مواجهة حقيقية لها، ويبدو الأمر كأن إدارة الأزمة الأكبر التى تواجهها مصر الآن يتم التعامل معها بطريقة التلميذ الخائب الذى يفعل كل شىء إلا مواجهة الحقيقة بأنه يجب أن يذاكر أو يعمل من أجل النجاح. ونسأل هنا: ماذا حدث حتى الآن؟ النجاح الكبير فى إقناع صندوق النقد بزيارة مصر؟! ويخرج بعدها المسؤول الكبير ليؤكد أن الزيارة هى شهادة لمصر!!.

ولم نر القرض الذى ثارت حوله نقاشات عظيمة حول حله أو حرمانيته، ولم نسمع عن أسلوب استغلاله أو سداده إن أتى. الإنجاز الثانى قرض أو وديعة من الداعم الأول لحركة الجماعة فى المنطقة ومحرك القلاقل دولة قطر، ولم نعلم أيضاً كيف ومتى، والأهم ما نسبة الفائدة التى سوف يحصلون عليها، وهى فائدة أكبر من الطبيعى.

أما الإنجاز الكبير الآخر فهو قرض تركيا الذى أعلن رئيس مجلس الوزراء نسبة الفائدة عليه لأنها طبيعية. هذا هو الإنجاز، قروض ومحاولات اقتراض ولا حديث عن اقتصاد حقيقى.

كل ما رأيناه حتى اليوم هو ذلك الظهور الكبير لطبقة جديدة من رجال الأعمال المنتمين للجماعة، وبدأ يصطف خلفهم أو فى ظلهم رجال أعمال كل العصور. ونشهد ممارسات تهدف إلى احتكار الأسواق الاستهلاكية.

لن أقف طويلا أمام السياسة الخارجية اليوم، ولكن فقط سأشير إلى أن كل ما حدث فيها حتى الآن مجرد حركات أو تحركات فارغة المضمون الهدف منها إحداث ضجة وخلق صورة زعامية للرئيس الجديد تساهم فى تدعيم وضعه خارجيا وداخليا دون التزام أو ثمن، وفيما يبدو فإن هناك من يعمل على ذلك فى مكان ما من أجل صناعة ضجيج قد يخلق زعيماً.

لكن دعونا نشر إلى النتائج النهائية بصراحة وسوف أتناول بعض النقاط السريعة، بالنسبة لسوريا فإن مصر فى وضعها الراهن غير قادرة على التأثير على ما يجرى هناك، وفقدت ما كان يمكن أن يؤهلها للقيام بدور لحل الأزمة السورية بالتصريحات العنترية الفاقدة لإمكانية الفعل. مصر فقدت الكثير من تأثيرها فى إدارة الأزمة الفلسطينية لفقدان النظام السياسى القائم حياده تجاه الأطراف الفلسطينية بعدما ارتبط كليا وحليفه فى غزة، فتحولت مصر إلى ما يقترب من الخصومة للطرف الآخر.

أما الزيارات «التاريخية» المتعددة فالمتابع والعالم بشؤون السياسة الخارجية يعلم أنها «جعجعة بلا طحين» كما قال العرب الأوائل. وعلينا اليوم أن نعيش صداع الجعجعة ونعانى آثار غياب الطحين.

نقيصة «الإنكار».. تهجير الأقباط نموذجاً

بقلم عبداللطيف المناوى

إحدى أهم المشكلات التى تعانى منها المجتمعات وتحول دونها ودون التقدم هى ما يطلق عليه «الإنكار»، والمقصود بهذا التعبير هنا هو رفض الاعتراف بالواقع أو المشكلة والبحث عن مسميات أخرى لها تكون أخف وقعاً، أو المكابرة بعدم وجود الأزمة أو المشكلة من الأساس. وللأسف فإن هذه العادة متأصلة فى مسؤولينا منذ فترة طويلة، ولكن الملاحظ أنها أكثر حضورا منذ تولت الجماعة مقاليد الحكم وفازت بالغنيمة.

ويمكننى الغوص طويلا فى هذا المرض المتأصل بإنكار الواقع والبحث عن «شماعات» أخرى تخصص المسؤولون الحاليون فيها، ولكننى سوف أتوقف فقط عند ذلك الحادث المخيف بحق الذى تمثل فى عملية تهجير قسرى لعائلات مصرية من بيوتها لا لشىء إلا لأنهم أقباط، ولم يأخذ هذا التصرف الخطير حقه باتخاذ إجراءات واضحة من مسؤولى الحكم الجدد، بل إن ما حدث هو ممارسة لداء الإنكار، وها هو الدليل فى تصريح الدكتور هشام قنديل، رئيس مجلس الوزراء، الذى نفى فيه وجود أى ترحيل للأقباط فى رفح.

والقصة الحقيقية أن تسع أسر قبطية غادرت المدينة بعد تلقيها تهديدات بمنشورات تهاجم الأقباط. وتلقت بعض الأسر تهديدات بالقتل، وقيل لهم «ارحلوا أيها الأقباط.. وإلا فسوف تندمون»، ولا أظن أننا نحتاج لأن نقول من الذى وجه هذا الإنذار.

الغريب أن مثل هذا الموقف حدث من قبل فى العامرية وبعض قرى الصعيد وخرجت تصريحات وقتها تفيد بأن خروج الأقباط لم يكن عنوة بل هم الذين اختاروا الخروج، وهنا لا أدرى ما المفهوم الذى يرضى به المسؤولون الجدد لمفهوم العنوة، أليس الترهيب والتخويف هو أحد أهم أساليب الطرد؟! أليس التهديد بالقتل إرهاباً يدفع للفرار، وهنا يسمى طرداً ومطاردة وليس فقط مجرد تهجير؟ وتكتمل الكارثة عندما يجد مسؤول القدرة بل الجرأة على الالتفاف والإنكار ليسمى الأشياء بغير أسمائها وينكر ما لا تخطئه العين أو ينكره العقل.

وهنا سوف أستعير ما جاء منسوباً للمجلس القومى لحقوق الإنسان تعليقاً على جريمة التهجير من أن «تبريرات بعض أجهزة الدولة حول أن رحيلهم جاء بناء على طلبهم، ليست مقبولة، لأن أبسط مسؤوليات الدولة هى أن توفِّر الحماية لمواطنيها، وأن تضمن لهم حق السكن الآمن، والحماية من أى مخاطر تهددهم، وأن تخلى الدولة عن هذه المسؤولية سوف يشكل سابقة خطيرة فى مصر، ويعود بنا إلى عصر الغاب بدلاً من دولة القانون».

نعم أيها السادة، العودة إلى عصر الغاب هى النتيجة الطبيعية التى يمكن أن تحدث عندما يغض النظام – أى نظام – الطرف عن الإساءة للمواطنين على أساس دينى أو عرقى، نعود لعصر الغاب عندما يهادن النظام – أى نظام – الإرهابيين والمتطرفين ليتحالف معهم ويغض الطرف عما يفعلون، وفى أقصى الأحوال يسمى جرائمهم الإرهابية «تجاوزات إجرامية».

إحدى المخاطر الكبيرة التى نعانى منها هذه المرحلة هى ذلك التراجع المخيف لمفهوم المواطنة، وعملية التشويه المستمرة والمتعمدة أحيانا لهذا المفهوم. إذا كان الحكام الجدد يتحدثون عن الديمقراطية فإن أول شروطها هو المساواة بين المواطنين، كل المواطنين، بغض النظر عن الجنس أو اللون أو الدين، وهنا أتحدث عن مواطنى هذا الوطن وليس الطامعين فيه، وترهيب المصريين فى سيناء الذى بدأ على خلفية دينية ليس بعيداً عن مخاطر تفجير الوضع فى سيناء.