الإعلام ليس هو العدو

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

فى اجتماع مجلس التحرير اليومى، أمس، طرح أحد الزملاء فكرة متابعة اجتماع اللجنة السنوى فى إحدى الهيئات أو المجالس الإعلامية، لدراسة تقرير يرصد تجاوزات الإعلام فى تغطية ومتابعة النظام التعليمى الجديد، هذا التقرير كما أفاد الزميل قام بإعداده مجموعة عمل من الإعلاميين أو الملتصقين بالإعلام بطريق أو بآخر. حتى مسألة الرصد فإن الأمر مقبول، لكن الخطوة التالية المزمع اتخاذها هى إقرار عقوبات على وسائل الإعلام التى قررت هذه اللجنة الموقرة أنهم متجاوزون!.. هنا يقع الخلط بين مفاهيم أدوار تلك الهيئات التى من وظيفتها دعم «مهنية» الأداء وتقديم الدعم لتطويره. وقصدت هنا استخدام مفهوم المهنية وليس أى تعبير آخر يحمل أى مغزى أبعد من حدود المهنية.

مع الأسف، بدلا من بحث دعم المهنية فإن الإعلاميين، ومن التصق بهم ممن شغلوا مواقع رسمية، باتوا يبحثون توقيع عقوبات على المتجاوز. أرجو أن يكون الزميل مخطئاً فيما نقله لنا وألا نجد قرارات عقابية صادرة من الهيئات الإعلامية ضد الإعلاميين.

وهذا ينقلنى إلى الموضوع المهم الآخر المرتبط بالنظام التعليمى الجديد. كنت من أكثر المتحمسين لاختيار دكتور طارق شوقى لملف التعليم فى مصر، روجت له فى كل مكان ذهبت إليه داخل وخارج مصر دون أن أعرفه، واقتنعت دوما بأن مصر فى حاجة إلى ثورة طويلة المدى فى التعليم. أفكار دكتور شوقى لبناء نظام تعليمى جديد هى بالفعل شديدة الجودة، ولو تم تنفيذها لأصبحت مصر مختلفة. لكن المشكلة الأساسية هنا هى ذلك الاشتباك مع واقع ردىء عمره عقود، وفى نفس الوقت رفع سقف توقعات الناس إلى السماء. تلك المبالغة فى الترويج للنظام الجديد وتغيير الواقع تسببت فى صدمة لدى الرأى العام. وعندما ينقل الإعلام هذه الصدمة فإنه لا يعادى النظام الجديد ولا الوزير ولا الاستراتيجية، ولكن الخلل هنا فى الرسالة التى وصلت للناس والتى أعطت انطباعات غير واقعية عن أن الثورة التعليمية أصبحت حقيقة سيعيشها كل مواطن.

لست مع غضب الوزير واتهامه للبعض بأن هناك حرباً ممنهجة ضد التجربة المهمة، ولكن أظن أنه لو ركز فى رسالته على المفهوم الذى ذكره بنفسه فى صفحته بأن «تشهد مصر أكبر محاولة جادة لتغيير نظامها التعليمى»، وأن «نظامنا التعليمى يحتاج ثورة من الأساس، وعدّدنا مشاكله المتراكمة منذ عقود، وعرضنا خطة متكاملة لإصلاحه، وشرحنا الزمن المطلوب والتكلفة الهائلة، وضرورة أن نعمل معاً إذا كنا صادقين فى محاولات إصلاحه»، لو أن الرسالة من البداية تركزت حول هذه المفاهيم ليبنى حلفاء له من أطياف المجتمع لذلك المشروع المصيرى للبلد، لكان ذلك أفضل وأكثر تأثيراً من الحديث عن التربص والتآمر.

الإعلام ليس عدواً للتعليم ولا للمجتمع ولا للهيئات الإعلامية الحاكمة.

«ولاد البلد»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

منذ عدة أسابيع، جمعتنى دعوة عشاء مع وزيرة خارجية غانا، شيرلى بوتشى، وعندما علمَت أننى مصرى ذكّرتنى بفتحية حليم، زوجة الزعيم الغانى التاريخى «نكروما». تلك الفتاة المصرية التى أسرت قلب أحد زعماء حركات التحرر فى القارة السمراء، فصارت السيدة الأولى فى غانا مصرية، وصار أبناء الزعيم «نكروما» غانيين، ولكن من أصل مصرى، بل إن أحدهم يعيش فى مصر بالفعل.

تذكرت واقعة «بوتشى» عندما حضرت الليلة الخاصة التى عاشها المصريون الأرمن، يوم الأربعاء الماضى، فى حضرة وزيرة الهجرة المصرية، نبيلة مكرم، ونظيرها الأرمينى، مخيتار هيرابتيان، خلال الاحتفال بالجالية الأرمينية التى تعيش فى مصر، بالمسرح القومى، تحت شعار: «إحنا المصريين الأرمن»، وسط أجواء من الألفة والمحبة، كالتى عاشها المصريون اليونانيون والقبارصة فى مدينة الإسكندرية، بداية مايو الماضى، عندما أطلقت وزارة الهجرة أيضاً مبادرة «الجذور»، التى هدفت لربط المصريين الذين هاجروا إلى اليونان وقبرص منذ سنوات أو اليونانيين والقبارصة الذين وُلدوا وعاشوا فى مصر سنوات طويلة قبل أن يعودوا لأوروبا. ما تفعله الوزيرة يلمس عنصراً مهماً من عناصر القوة الناعمة لمصر، والتى تتآكل للأسف.

لقد قال وزير المغتربين الأرمينى: «قبل عام 1915، كانت لنا جالية فى مصر والشرق الأوسط، ومصر من الأمم التى استضافت الأرمن بعد الإبادة الجماعية التى تعرضوا لها على يد العثمانيين، وبالتحديد الأتراك، لن ننسى كرم الشعب المصرى وترحيبه بالأرمن حينما لجأوا إلى مصر، حيث أقاموا المدارس والكنائس والأندية والمصانع والمحال التجارية، علاوة على إسهامهم فى النهضة الثقافية المصرية من خلال إصدار الصحف وإنشاء دور النشر». هذه الوقائع تدل على ضرورة استدعاء لحظات حقيقية قد نقرأ عنها فى كتب التاريخ. لحظات استطاعت فيها مصر أن تحتوى كافة الجنسيات والأصول والأعراق المختلفة، وتجعلهم «ولاد البلد». لحظات تداخل فيها تاريخ الأرمن واليونانيين والقبارصة والطليان وغيرهم فى وقائع الحياة اليومية، اختلطوا بالبشر وتعاملوا بطبيعتهم وفطرتهم، ظلوا محتفظين بعاداتهم وتقاليدهم ولغتهم، حيث سمح المصريون- «ناس وحكومة»- لهم بذلك، بكل محبة واستيعاب وتسامح.

دخل الأرمن فى مصر إلى تفاصيل الثقافة المصرية البسيطة، مثلهم جاء اليونانيون والقبارصة عبر البحر، اندمجوا سريعاً مع أشباههم من ذوى الثقافة المتوسطية. عملوا وربحوا. مارسوا شعائرهم الدينية دون تضييق أو فتاوى، ودون تعصب، وهو الأهم. خرج منهم أول رئيس وزراء مصرى، نوبار باشا، وكذلك ألكسندر صاروخان، رسام الكاريكاتير الشهير، إلى جانب نجمات السينما فيروز ونيللى ولبلبة.

لكن يظل السؤال الملح بعد هذا الاستدعاء والتذكر، وهو: «هل المجتمع المصرى الآن قابل لأن يكون بنفس القدرة على التسامح والاحتواء التى تمتع بها سلفه فى النصف الأول من القرن العشرين؟».

الإجابة فينا، ونعرفها جيداً.

El-Sisi to deliver key messages from New York

by ABDELLATIF EL-MENAWY

For the sixth time since taking office — five of which have been to participate in the high-level meetings of the UN General Assembly — Egyptian President Abdel Fattah El-Sisi is visiting the US. He hopes to use this latest visit to deliver important messages to the regional and international powers, as well as to Egypt itself.

There is no doubt that the president has a full agenda of meetings. El-Sisi will meet with the leaders of Jordan, the UAE, Lebanon and 13 European countries, including France, Italy, Cyprus, Croatia, Portugal and Norway, as well as the president of South Africa, the UN secretary general and the presidents of international organizations such as the World Bank. These meetings will be used to send the message that Egypt maintains its position in the world and is the cornerstone of many issues in the Middle East region and beyond.

Sources have confirmed that El-Sisi is also expected to meet with his American counterpart Donald Trump to build on the work done in the framework of promoting bilateral cooperation between the two countries, as well as discussing the regional and international matters of common interest and, most importantly, the fight against terrorism, illegal immigration and the situations in Syria, Libya and Yemen. No matter how aggravated the situation between the two countries becomes, they still share many common principles and interests.

Since Trump took office, US-Egypt relations have witnessed some ups and downs due to Cairo’s support of the Palestinian and Syrian peoples. However, these relations were strengthened again when Washington released a frozen batch of aid and engaged its troops in the Bright Star 2018 military exercises, hosted by Egypt from Sept. 8 to 20 at the Mohammed Najib military base.

El-Sisi’s speech before the UN General Assembly, which is scheduled for Tuesday, will also carry many messages. The first will be about Egypt’s attempt to develop a comprehensive and complete road map to solve every crisis in the region. Sources say the speech will highlight Egypt’s explicit will to extend its hand to all states sharing its vision of peace, prosperity and development.

“El-Sisi’s speech before the UN General Assembly, which is scheduled for Tuesday, will also carry many messages”

His most concrete message will be about the Palestinian situation. According to some leaks, El-Sisi will stress Egypt’s policy, restating his belief in the right of return for refugees and the establishment of a unified Palestinian state with East Jerusalem as its capital. El-Sisi will reiterate the categorical rejection of any attempt to make Abu Dis the capital of Palestine, and will condemn those countries whose Israeli embassies have been moved from Tel Aviv to Jerusalem. Although this position has triggered American anger before, El-Sisi is expected to repeat it in his speech and maybe even before Trump himself.

Regarding the situation in Syria, the message of the president will focus on the need for a political solution that all Syrians agree upon, and that preserves the unity of the Syrian state and protects its institutions, while expanding its social and political base to include all of Syrian society.

El-Sisi will also discuss Egypt’s position on the Libyan crisis. He is expected to stress Cairo’s demand for a political settlement and insistence that he will not allow any attempts to tamper with the Libyan state’s unity and safety. Egypt will continue working with the UN to reach a political settlement based on the Skhirat Agreement, inspired by the suggestions Libyans have made during their meetings in Cairo in recent months.

El-Sisi will also talk about the need to confront terrorism, as well as the states and organizations that support and enable it. This matter will take up a major share of his General Assembly speech and his one-on-one meetings. He will highlight the relentless war Egypt is waging to eradicate terrorism, adding that he is fully committed to confronting and eradicating it wherever it exists.

He is also expected to reiterate Egypt’s need for a modern nation state project founded on the principles of citizenship, equity, rule of law and human rights, and capable of decisively confronting sectarian, factional, racial and tribal violations.

The fact that El-Sisi’s visit to the US coincides with the pastoral trip of Pope Tawadros II sends an important message to those who have tried to start sectarian strife lately; especially the terrorist groups that have attempted to destabilize Egypt’s security and political and social situations. The Pope’s meetings with the Egyptian community in the US and the displaced Copts, his support to the political leadership, and his demands for a good reception for the president during his visit should send a clear message to Egypt and the rest of the world.

Egypt, with its Christians and Muslims, stands against any sedition attempt. They also represent clear proof that all Egyptians’ goals have become one: To establish a modern and developed state, where all people are equal.

 

مطلوب كلية

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

أصبح مألوفاً أن نطالع إعلاناً يقول «مطلوب متبرع بكليته» ويترك تليفونه للاتصال. لا نعلم عادة من هما طرفا الإعلان، ولكنى على المستوى الشخصى أشعر بالحزن على الجميع، الباحث عن كلية لينقذ حياته، والمتجاوب مع الإعلان، أو البائع، الذى أيضا يحاول أن ينقذ حياته. فلا يفعل ذلك إلا الذى وصلت به الحاجة والعوز إلى حد تهديد حياته هو ومن يحب.

بين وقت وآخر تثار قضية الأعضاء البشرية، ويسبقها إما تعبير زراعة، أو تجارة، أو التبرع بها. وليس بعيدا عن الذاكرة تلك القضية التى حملت اسم عصابة الاتجار بالأعضاء البشرية والتى حُكم فيها مؤخرًا بعقوبات سجن مشدد على بعض المتهمين فيها. أيضا تلك الحكايات ما بين الحقيقة والمبالغ فيها عن عمليات خطف أو نصب بهدف سرقة أعضاء. أيضا مازالت الأجواء تحمل صدى ذلك الجدل الكبير الذى ثار منذ فترة قصيرة حول استخدام قرنية المتوفى بدون إذن أهله. يدور الجدل دائماً حول مسألة الحلال والحرام فى مسألة التبرع، وأيضاً العامل الإنسانى الكامن وراء كل قصة لمريض يعانى وإنقاذه يتوقف على النجاح فى إيجاد ما يحتاج لزراعته لإنقاذه فى الوقت المناسب، وأيضاً قصة كل متبرع، ليس بوازع أسرى أو إنسانى، ولكن بقهر الحاجة والعوز. كل هذه القصص مؤلمة.

لكن على الجانب الآخر من العالم نجد قصصاً مؤثرة عن ذلك اللقاء الأول بين أم فقدت ابنها فى حادث سيارة ويزرعون قلبه فى جسد فتاة إنقاذها احتاج زراعة قلب، وكان قلب هذا الشاب عقب وفاته هو سر حياتها. نشاهد الأم كيف تحاول سماع نبض قلب ابنها فى صدر إنسان آخر وهبه الحياة. كثير من القصص المؤلمة والمؤثرة على الطرفين. ولكن أيهما أكثر إنسانية؟ والدين جوهره الإنسانية.

كى نوقف هذا الوضع الملتبس والذى يسمح بالتجاوزات القانونية والإنسانية، أظن أنه علينا أن نحسم أمرنا فى هذه المسألة، دافعنا يجب أن يكون إنسانياً ومحققاً للعدالة. نحتاج إلى وضع القانون المنظم لهذا الموضوع. صديق قال لى إنه منذ عقود كانت تنتشر فى الصيدليات والمحال العامة فى أوروبا كروت من يختار أن يحملها فإن ذلك يعنى موافقته على أن يستغل من جسده فى حالة وفاته ما يمكن أن ينقذ إنساناً فى حاجة. لكن الآن فى بعض الدول أصبحت هذه الكروت لمن يرفض ذلك بعد وفاته، أى أن القاعدة باتت هى التبرع بالأعضاء بعد الوفاة، والاستثناء هو رفض التبرع.

تظل تلك الإعلانات التى تحدثت عنها «مطلوب متبرع بكلية» أحد الأشكال المثيرة للحزن، وأيضاً للشك فيها، وكأن هذه الإعلانات يمكن أن تكون تسهيلاً وفتحاً لقنوات الاتجار بالأعضاء. لذلك ونحن نطالب بإصدار قانون عادل منظم، وحتى ذلك الوقت فإن إدارة «المصرى اليوم» قد اتخذت قراراً بالتوقف عن قبول مثل هذه الإعلانات. متمنين الصحة للمرضى والستر للمحتاجين.

نجاح التعليم بشروط

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

إحدى مشكلاتنا الأساسية من وجهة نظرى هى ذلك الاستخدام المتزايد لـ«أفعل التفضيل»، فنحن نفضل وصف ما نفعله دائماً بأنه الأفضل، الأكبر، الأعلى، الأضخم.. وهكذا.

وإذا كان هذا عيباً عاماً فى الثقافة الشعبية المتوارثة من الأقدمين، فإنه سيكون أكبر أثراً إذا ما كان سمة تصريحات المسؤولين أو إحساسهم بما يفعلون. أقول هذا بمناسبة ما ذكره وزير التربية والتعليم، الدكتور طارق شوقى، أمس، حيث يصف النظام التعليمى الجديد- الذى سيبدأ يوم 22 سبتمبر الجارى- بتأكيده على أن مصر تشهد «أكبر» ثورة تعليمية حقيقية فى التاريخ الحديث.

قبل أن أستكمل طرحى لابد من التأكيد على أننى من أكثر المؤيدين للأفكار التى يتبناها الوزير «شوقى» لتطوير النظام التعليمى، كما أرى أنه لا مستقبل حقيقياً لهذا الوطن دون نظام تعليمى راقٍ ومتقدم. ولكن تظل نقطة الخلاف هى طريقة الترويج لما نريد أن نفعله. هل نروجه باعتباره «الأعظم» و«الأكبر» و«الأهم» قولاً، أم باعتباره تحدياً لا نجاح قريباً فيه إلا بدعم المجتمع ومعرفة معوقاته ومشكلاته؟

يتحدث الوزير عن الفصول المدرسية الجديدة وتغيير شكلها من الشكل القديم إلى شكل آخر جديد على هيئة «دوائر»، حيث سيجلس الأطفال فى حلقات، ولكنه أهمل الزيادة المروعة فى كثافة الفصول، والتى تصل فى بعض الأحيان إلى 100 طالب فى الفصل الواحد، فكيف سيجلس كل هذا العدد فى دوائر؟!.

يقول «شوقى» إن الوزارة دربت المعلمين على النظام الجديد، ولكنه تناسى مهازل التدريب نفسها، وكذلك ضرورة تغيير ثقافة المعلم نفسه، إضافة إلى إصلاح منظومة الرواتب، والكيفية التى ستكافح بها الوزارة الدروس الخصوصية.

تحدث الوزير عن طرق التدريس التفاعلية لتغيير ثقافة الحفظ والتلقين إلى فكرة الفهم والتعلم الحقيقى والحصول على شهادات تعكس هذا الفهم، وأوضح أن الهدف من كل ذلك هو الارتفاع بمستوى التعليم الحكومى المصرى المجانى كما جاء فى الدستور بشأن توفير تعليم بجودة عالية ومعايير عالمية، مضيفاً أن أبرز مواصفات التعليم الجديد هو تخريج طالب مبدع ومبتكر لديه قدرة تنافسية حقيقية. تحدث أيضاً عن المبانى الجديدة والنماذج المعمارية المختلفة والمعامل والملاعب المتطورة.

لكنه لم يدرك طبيعة أفراد المنظومة، وحال كثير من المبانى المتهالكة، والمناهج التى عفا عليها الزمن منذ فترة طويلة.

المشكلة ليست مشكلة دولة ووزير، لكنها مشكلة مجتمع عليه أن يدرك حجم الكارثة ليقرر باختيار وحماس أن يدعم تجربة الحل دون أن تكون «الأعظم» أو «الأهم».

إذا لم يعلم المجتمع علم اليقين أن بقاءه وتقدمه وتحسن حالته الحياتية لن يحدث إلا بتطوير التعليم، وأن هذا سيكون بثمن وتضحيات يقبلها فالمستقبل سيكون محل شك كبير.

الضمير والقانون

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

عندما اشتكت الوزيرة، أمس، من قلة ضمير بعض العاملين فى القطاع الصحى، وقالت: «مفيش بنى آدمين يشتغلوا، وعندنا مشكلة ضمير». ردت عليها نائبة فى البرلمان: «حضرتك بتقولى فيه مشكلة ضمير فى مصر، وأنا بقول لحضرتك كلنا معندناش ضمير، فياريت حضرتك تفعلى القانون بدل ما نقعد نقول مفيش ضمير».

نلاحظ أنه تزايدت أخيراً عبارات اللوم على ألسنة الوزراء والمحافظين ونوابهم، مبررين الحوادث والكوارث دون البحث عن أصل المشكلة أو حلول لها.

حادث وفاة المرضى الثلاثة وإصابة الـ٣٣ الآخرين، بحسب بيان النائب العام، أثناء خضوعهم لجلسة غسيل كلوى بمستشفى ديرب نجم بالشرقية، من الأمور التى تستحق التوقف والتفكير والتحليل.

الوزيرة بدأت كلامها بأزمة الضمير، التى تعانى منها قطاعات عديدة فى الدولة والمجتمع، وهى أمور لابد لمعالجتها من تفعيل دولة القانون، وتطبيق نظام الثواب والعقاب، فمن أخطأ لابد أن يحاسب، وهو الأسلوب المتبع فى المجتمعات التى تريد التطور والنهضة، لا فى المجتمعات التى ترضى بـ«قليلها» على كافة المستويات الصحية والبيئية والاقتصادية والاجتماعية.. إلخ.

كارثة ديرب نجم مرشحة للتكرار فى قطاعات أخرى، ما لم يتم تفعيل القانون كرادع لتلك الحالة من اللامبالاة وغياب قيم الإجادة فى العمل عن قطاعات كبيرة، للأسف، فى المجتمع. ذلك إلى أن يأتى الوقت الذى نمتلك فيه جيلا جديدا ينشأ فى ظل منظومة تعليمية تعلى قيمة دقة وإجادة وأمانة العمل.

نعم، تعهدت الوزيرة بمحاسبة المسؤولين. نعم، أعلنت أنها المسؤولة عن صحة المصريين، ووعدت الجميع – برلمانا ومواطنين – بأنها ستبذل جهدها لإصلاح المنظومة. ولكن، إذا استمر الوضع على ما هو عليه – كارثة ثم لوم فوعود بإصلاح – فإن الأمل مازال بعيدا.

رئيس الاجتماع الطارئ قرر حذف عبارة «كلنا معندناش ضمير» من المضبطة.

«التنميط».. عقبة طريق الإصلاح

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لو استطاع أصحاب القرار فى بلادنا التأكيد على مفهوم الإصلاح وغاياته، وإقناع المواطنين بأنه السبيل الذى اختاروه لتأكيد الرغبة فى التنمية، فإن المصريين سيكونون داعمين لهذا المفهوم بلا حدود، بل سيكونون فى مقدمة الصفوف.

لذا، فإن استمرار الجدل والحوار حول مفاهيم الإصلاح وإجراءاته وأهدافه يظل أملاً فى التغيير والتطوير الذى من الممكن أن يطال كل المفاهيم وكل الإجراءات، بدلاً من «تنميط» يحاول البعض حصر أفكار الإصلاح فيه.

المؤكد أن هدف الإصلاح هو الوصول بالمجتمع المصرى إلى حالة يتمكن فيها المواطن من أن يكون له رأى ودور وقدرة على التأثير فى مصيره ومصير أبنائه. حالة يستطيع المصرى فيها أن يعيش بأمان إنسانى واقتصادى واجتماعى وفكرى، وأن يحيا حياة كريمة بها الحد الأدنى من العدالة فى التوزيع. هى فى المجمل حالة وطنية يسعى الجميع إلى أن تكون نابعة من شركاء الوطن أنفسهم، قبل أن تكون أنماطاً خارجية أو داخلية مفروضة.

وهذا يعنى أن جميع من فى هذا الوطن لهم حق فى كل ما يتعلق بالإصلاح، سواء كان التمتع بكل ما ينتج عنه من خيرات، أو تحمل ما له من مسؤوليات، وحتى تبعات مستقبلية.

وأظن أن تلك الحالة الكاملة المسماة بـ«الطريق نحو الإصلاح» تتطلب من الجميع أن ينظر إلى حالات ناجحة مشابهة فى دول العالم، والتعلم كذلك من نجاحها، بل والتجارب الفاشلة أيضاً، ولكن دون قولبة وتنميط، وهو ما اتفقنا عليه سلفاً. كما من الضرورى أن نبتعد كذلك عن تبنى إجابات واضحة وقاطعة أو نهائية، رغبة فى عدم الارتكان إلى حتمية حدوث نتائج مذهلة أحياناً فى التجارب الناجحة، أو حدوث كوارث ومآسٍ كالتى نتجت عن التجارب الفاشلة.

استلهام التجارب، أو بالأحرى مناقشتها والاشتباك معها، ولا شك يوسع مفهوم الإصلاح كونه ليس مجرد إصلاح سياسى فقط أو اقتصادى أو اجتماعى حتى، ولكن للإصلاح مفهوم أشمل يشمل مناحى الحياة المختلفة، وأظن أن ذلك أحد أهم إيجابيات الحوار والنقاش والتفاعل المجتمعى.

ينتهى كل حوار عن الإصلاح ويظل أملنا قائماً على أن نتمكن من أن نشهد ونعيش إصلاحاً نستحقه، إصلاحاً تستحقه مصر بكل ثرواتها البشرية والطبيعية والمجتمعية، إصلاحاً يمهد الطريق نحو وضع أفضل لنا ومستقبل أفضل لأبنائنا، إصلاحاً يعيش فى كنفه المواطنون سواسية، عليهم ما على غيرهم من واجبات، ولهم ما لغيرهم من حقوق.

أتمنى فى النهاية أن يشارك الجميع فى الإصلاح – كل بما يستطيع – لا أن يقتصر على فئة بعينها.

ثقافة العمل.. والخروج من دائرة الفقر

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

هل نعانى من عدم وجود لثقافة العمل؟. أخشى أن تكون الإجابة بـ«نعم» كبيرة قاطعة، ولكن ما نراه يومياً يؤكد هذه الإجابة.

مجتمعنا اليوم يفتقد تماماً مفهوم العمل ومنهاجه وأهدافه على السواء، وذلك نتيجة لغياب اللوائح المنظمة لهذه المسألة، ليس فقط فى مؤسسات الدولة ومصالحها العامة والخاصة، بل فى إدراك غالبية المصريين، نتيجة سيادة مفاهيم وقوانين وقواعد الحداقة والفهلوة والشطارة.

تشهد مصر خلال الفترة الأخيرة وجود عمالة أجنبية فى مصانعها، بعضهم يحصل على تصريح دخول رسمى، ومعظمهم يدخلون بطرق ملتوية. وهنا عندما أتحدث عن عمالة أجنبية فى بلد سكانه يتجاوز الـ100 مليون، وفقاً لآخر تعداد سكانى، وكذلك نسبة بطالة تتراوح حول الـ10 فى المائة، إضافة إلى وجود أكثر من 20 فى المائة تقريباً تحت خط الفقر، وفقاً لإحصاءات أخيرة، فإن ذلك مؤشر خطير للغاية.

المدهش فى الأمر أن أصحاب المصانع والشركات عندما يتحدثون عن سبب استقدامهم لتلك العمالة الأجنبية، فإنهم لا يبررون ذلك برخص الأيدى العاملة الأجنبية، وهو الأمر المتوقع مثلاً، بل تكون المفاجأة فى الإجابة أن المسألة لا ترتبط بهذا التبرير، بل بجودة وكفاءة العامل الأجنبى والتزامه بثقافة العمل مقارنة بعدد كبير من المصريين.

وكانت المفاجأة الأخرى أن عدداً كبيراً من المصريين يرفضون تلك الأعمال التى تتطلب كفاءة خاصة، أولاً لأن العدد المدرب غير كافٍ، وثانياً لغياب الرغبة التى تحكم من يرغبون فى العمل ويبحثون عن العمل البسيط غير المجهد الذى لا يستهلك وقتاً كبيراً حتى يتمكن من إيجاد عمل آخر أو عملين بجواره.

فى السبعينيات والثمانينيات ومنتصف التسعينيات كان الطلب العربى الخليجى على العمالة المصرية كبيراً للغاية، نظراً للأسباب المذكورة فى السابق، ونظراً أيضاً لحرفية العامل المصرى واجتهاده، بالمقارنة بأهل البلد المضيف. والآن بعد مناهج توطين الوظائف الذى تمارسه بعض الدول الخليجية، أستطيع أن أقول إن أشقاءنا هناك وضعوا أياديهم على المشكلة الأساسية، وهى غياب ثقافة العمل وما تتطلبه من آليات وتدريبات وغيرها من الأمور.

أسلوب الدولة فى هذه المرحلة فى التعامل مع الفقراء، كما يبدو واضحاً فى التعامل مع هذه القضية، لا يرتكز على مفهوم الدعم للفقراء المتمثل فى إعانات مالية أو دعم مباشر أو غير مباشر، وإنما يتمثل فى دعم الفقراء للخروج من دائرة الفقر، وهذا لن يتأتى إلا من خلال ثقافة العمل وأهميته وجدواه، والقناعة بأنه لا طريق سوى هذا الطريق للخروج من دائرة الفقر وتطور المجتمع.

Rule of law crucial to honoring Egyptians’ equal rights

by ABDELLATIF EL-MENAWY

Egypt has lately seen the appointment of a large number of Coptic officials, the most recent being the naming of Manal Mikhail as governor of Damietta province and Kamal Sharobeem as governor of Dakahlia. These appointments were made hours after a meeting between President Abdel Fattah El-Sisi and Pope Tawadros II, in which El-Sisi emphasized Egypt’s pride in its social fabric, which unites the nation.

But has the rule of law, which is a way out of all crises — including citizenship — been achieved? The answer is presented by the historical narrative of the crisis in Egypt.

The clearest, most important message that all Egyptians were keen to deliver to the imperialist power occupying their country during the 1919 revolution was the union of Egypt’s people. Therefore, their slogan was: “Long live the crescent and the cross.”

And, during the most liberal periods of the 1940s and 1950s, citizenship and the rule of law were the building blocks on which the state was founded. The Egyptian fabric remained strong and unified, and appointments were made on the basis of competence, without racial or religious discrimination.

The Egyptian state often appointed Coptic ministers, including Makram Ebeid and Boutros Boutros-Ghali. Egypt even had Coptic prime ministers three times — Nubar Pasha, Boutros Ghali and Youssef Wahba Pasha. However, according to an article by historian and writer Sulaiman Shafik, entitled “Ministers yes… conservatives no,” only two Coptic governors were appointed between 1953 and 2013. One was Gen. Fouad Aziz Ghali, who was named governor of Southern Sinai in 1980 after he led the governorate’s liberation, while the other was Majdi Ayyub, who was named governor of Qina in 2006.

Another Copt, Adli Mikhail, was appointed governor of Qina after the Jan. 25 Revolution, but the riots protesting his appointment forced him to resign before officially assuming office. It was discovered that those who carried out the riots were Salafist groups.

The Copts faced a major crisis when the Muslim Brotherhood came to power. Even though several officials stated that the Copts would have a share of every government cake, their actions proved otherwise. The June 30 revolution soon arrived and exposed the Muslim Brotherhood’s true face — the party’s supporters burned several Coptic institutions and churches and killed many Copts, ensuring that the Egyptian state was in danger of falling prey to the extremism of an irrational organization.

However, sectarian crises still occur, including in the last few days in Minya province. There had been rumors concerning the legislation of a church in the village of Demshaw Hashem, leading extremists to attack and burn the houses of many Copts. Before that, other attacks were carried out in Ezbet Sultan.

The most violent attack, however, targeted the Church of Al-Amir Tadros (Prince Tadros) in Giza’s Kafr Al-Waselin last December, following rumors that the church intended to install bells. Hundreds of people gathered outside the church after Friday prayers and chanted hostile slogans, demanding the demolition of the church. The rioters stormed the church and destroyed everything inside after beating the Christians they found there.

What has happened in these areas are crimes resulting from the ideologies of hatred, which have been penetrating society for years. To achieve political and financial gains at the expense of social peace, religious and political movements have been inciting people to hate each other. More importantly, this is a sign of the absence of the rule of law. If that concept was prevailing, the situation would have been different. The law alone must have power.

Another crucial concept here is “citizenship,” which has too often been violated by some parties, while others fail to realize its importance.

The Egyptian constitution was amended in 2007, and its Article 1 stipulates that: “The Arab Republic of Egypt is a democratic state based on citizenship.” The application of the concept of citizenship as a fact of life has, however, been hampered by the absence of the rule of law.

Including one or more Coptic officials in the government is not an act of kindness shown by one party or opponent toward the other. Bringing religion into this matter means disposing of the concept of equality among citizens. The correct concept of citizenship means the adoption of objective criteria for appointing officials, and religion is not one of them.

The Egyptian state has constitutional and legal rules that guarantee the implementation of the concepts of citizenship and equality. The decisive criterion here, however, is the implementation of these constitutional foundations and laws, as opposed to being satisfied with their mere existence. The rule of law does not imply that the state possesses rules but that it is capable of implementing them.

عندما يكون «الشك» طريقاً للبناء

مقال بقلم عبداللطيف المناوي

أؤمن تماما بأهمية البدء بالشك فى الأمور، من أجل البحث عن اليقين. يقول رينيه ديكارت «يجب النظر إلى كل ما يمكن أن يوضع موضع الشك على أنه زائف». هنا لا يقصد ديكارت (الفيلسوف الفرنسى) الحكم بزيف كل شىء، أو بزيف كل ما يُوضع محل الشك، بل يقصد أنه لن يقبل بأى شىء على أنه حقيقى ما لم يُخضع لامتحان الشك، الذى يستطيع به الوصول إلى شىء يقينى عن طريق برهان عقلى.

هذا إيمانى. فـ«الشك» منهج إيجابى يجب على بنى البشر أن يدركوه. واعتقادى أيضاً أنه على الحكومات أن تشك للوصول إلى حالة اليقين فيما تفعله. على المواطن أيضاً أن يتشكك فى كل ما تفعله حكومته للوصول إلى حالة الدعم الذى يعطى حكومته ثقة.

الشك فى الحالة المصرية إيجابى. فمن حق الحكومة المصرية أن تتشكك فى الإجراءات التى تفعلها خلال الفترة الماضية، لا عيب أبداً أن تراجع بعض القرارات إذا ثبت عدم صوابها. لا جريمة فى هذه المراجعة التى تحرص عليها الدول المتقدمة كل فترة. العيب الحقيقى أن تستمر حالة اليقين غير المبنية على الشك فى أى من المراحل.

من حقى كذلك كمواطن أن أشك مثلاً فى كل ما تفعله الحكومة. وأن أعلن رأيى فى المنصات المتاحة. من حقى كمواطن أن أشك فى كل ما يصدر عن الحكومة ووزاراتها وأجهزتها من حكايات وروايات عن جريمة ما أو حادث وقضية شغلت الرأى العام. ومن حقى فى مرحلة تالية أن أشعر بدرجة مختلفة من استمرار الشك أو عدمه مع ظهور تقارير ليست نهائية من أجل الوصول أيضا إلى حالة اليقين.

اعتقادى كذلك أن التشكيك هو الأمر السلبى. هنا لا يكون البحث للوصول إلى اليقين بل إلى زعزعة اليقين. فالغرض هو الهدم وبكافة الوسائل المتاحة. أما الأساليب فهى كثيرة ومتعددة ومتنوعة، وتتخذ أشكالاً عدة. تبدأ من جملة على مواقع التواصل الاجتماعى، وتنتهى عند المتربصين بالدولة.

لست مع من يستغلون هذه الحالة من أجل الدفع بشكل مستمر إلى تصعيد حالة التشكيك فى المجتمع، فهى ولا شك ليست فى صالح هذا الوطن ولا المواطن. وتملك الدولة قطع الطريق على هؤلاء إن نجحت فى كسب مواطنيها باقتناع حقيقى قائم على اليقين.

ظنى أيضاً أن منهج الشك هو الطريق نحو اليقين ونحو البناء والتصحيح، لا الهدم.

الدولة القوية هى التى تحاصر التشكيك السلبى بدعم الشك الإيجابى، هى التى تفتح صدرها للآراء المختلفة لتناقشها وتقبل منطق تحدى الإقناع. ليست القوة أن يصمت كل من يختلف أو يتساءل، ولكنها قدرة تحدى المعترض وأصحاب الشكوك بمنطق الحوار والإقناع، وأيضاً بإثبات مرونة الموقف وإعادة النظر فيما يحتاج إعادة نظر.