زميل آخر وزنزانة أخرى

نشر في 19 يونيو 2004IMG_0132

اليوم يجتمع الفرقاء أعضاء مجلس نقابة الصحافيين المصريين على موقف واحد ـ كنوع من التغيير ـ وذلك بعد صدور حكم السجن على زميل آخر لمدة عامين بتهمة سب وقذف د. يوسف والي، نائب رئيس الوزراء ووزير الزراعة المصري (حتى كتابة هذه السطور).

الزميل أحمد عز الدين نشر مقالا يتهم فيه د. والي بالكذب في شهادته في احدى قضايا الفساد الكبيرة، وهو الأمر الذي اعتبره د. والي سباً وقذفاً فأبلغ عنه النائب العام الذي قدمه بدوره الى محكمة الجنايات التي حكمت عليه بالعقوبة القصوى في جرائم النشر. ملحوظة بين قوسين (سبق ليوسف والي ان حصل على حكم بحبس أربعة من الزملاء من قبل).

هذا الحكم يأتي بعد أشهر قليلة عندما وقف الصحافيون جميعاً ذات صباح من شهر فبراير (شباط) الماضي يصفقون على مختلف مشاربهم واتجاهاتهم السياسية، لوعد رئاسي من الرئيس مبارك نقله لهم جلال عارف نقيب الصحافيين، في حضور صفوت الشريف وزير الاعلام، بالغاء عقوبات الحبس في جرائم النشر. استبشر الصحافيون بذلك خيراً، واعتبروه دلالة تؤكد التوجه المعلن من الدولة بدعم الحريات العامة، واستمر هذا اليقين او التعلق بأمل اليقين من صدق هذا التوجه، رغم المحاولات الالتفافية التي قام وتقوم بها تيارات داخل اجهزة السلطة والحكم للالتفاف حول الوعد الرئاسي الواضح بالغاء عقوبات الحبس، وغير بعيد عن الاذهان ذلك التصريح الذي تفضل به رئيس البرلمان (د. أحمد فتحي سرور) بأنه مع إلغاء الحبس في قضايا معينة، ومع إبقاء الحبس في قضايا النشر اذا كان هناك سوء نية من النشر. وهنا أظن أن «سوء النية» مردوده على من يتبنى مثل هذا الطرح، ومن حقنا ان نتساءل هل هناك سوء نية مبيت للقفز فوق الوعد الرئاسي وتفريغه من مضمونه؟ هل هناك نية مبيتة لتجاهل مشروع القانون المقدم من النقابة وتمرير قانون آخر يحمل في ظاهره تنفيذ وعد الرئيس، وفي طياته تفريغ واهدار لهذا الوعد؟

كنت دائما من المطالبين بحماية المجتمع من تجاوزات الصحافة، بل قدمت ورقة بهذا المعنى أمام مؤتمر الصحافيين، الذي أبلغ فيه الصحافيون بالوعد الرئاسي، وكنت دوماً مع الالتزام المطلق بل المبالغ فيه بالتزام حدود حرمات المجتمع والأفراد، ومع البحث عن طرق لحماية المجتمع وافراده ومؤسساته من أية تجاوزات للصحافة، ولكن ذلك في اطار قواعد تضمن لهذه الصحافة القيام بعملها بالشكل الصحيح وفي المناخ المناسب الذي يمكنها ويمكن العاملين فيها من التعبير بحرية ودون خوف عما يعتقدون، ويمكنهم من أداء رسالتهم في مناخ تتاح فيه حرية المعلومة وامكانية الوصول إليها، والقدرة على نشرها من دون التعرض لمخاطر تتهدده حياتياً أو نفسياً أو جسمانياً. وهذا يتطلب ببساطة ان يكون القانون الجديد المزمع مناقشته ـ لا أدري متى ـ والمأمول اصداره ـ لا ادري متى أيضاً ـ ان يتضمن هذا القانون الضمانات التي ذكرتها سابقاً، والتي تضمن اداء الصحافة لدورها بما يدعم الحريات والديمقراطية في المجتمع، وان يضمن في ذات الوقت حماية المجتمع من أي تجاوزات في حق هذا المجتمع وافراده.

أتوقع اليوم من زملاء مجلس نقابة الصحافيين ان يعلنوا تأييدهم وتضامنهم مع الزميل احمد عز الدين، الذي أعلن تضامني معه أيضاً، وان يطالبوا ـ وأظن اننا جميعاً كصحافيين معهم في هذا ـ ان تحترم جهات الدولة المخول بها تنفيذ الوعد الرئاسي هذا الوعد، وان تلتزم بالتنفيذ، أو البديل ان تبدأ هذه الجهات ومن يدعمها في اعداد زنازين جديدة تليق بالمقيمين الجدد من الصحافيين تتوافر فيها امكانية الاطلاع على ما يحصل عليه الإعلام الحر من حرية الحصول على المعلومات ونشرها بدون أن يتعرض للحبس.

بقلم عبد اللطيف المناوي

من سيتحمل مسؤولية خسارة مصر لتحكيم غاز إسرائيل؟

بقلم عبد اللطيف المناوي

مازلت من المؤمنين بأن تناول مشكلاتنا وأزماتنا بالكتابة عنها مسألة مفيدة، حتى لو تملكنا الإحساس فى كثير من الأحيان بأننا نؤذن فى مالطا. ومازلت أعتقد أن الكتابة دورها فى بعض الأحيان هى الكشف عن أمور تتغير بكشفها، ويصحح القائمون عليها مسارها عندما يكتشفون أن الرأى العام يعرف.

مررت شخصياً بأكثر من تجربة عندما عرفت بتفاصيل لموضوعات مهمة، فكان أن تعاونت مع زملاء لتناولها إعلامياً بغرض الكشف عن خطأ وإصلاح خلل. وبعض هذه الموضوعات كانت من خلال صفحات هذه الصحيفة «المصرى اليوم».

198968_1925889754891_1471580740_32131816_3447614_n

هذه المقدمة بسبب ما تكشف أمامى من معلومات حول أحد الموضوعات المتعلقة بما تواجهه مصر من قضايا تحكيم أمام هيئات التحكيم الدولية، هذا الموضوع من القضايا التى أهتم بها وأتابعها، وإن استطعت أقدم ما يمكن من جهد فيها للتوفير على اقتصادنا المنهك أى أعباء إضافية.

إحدى أكثر قضايا التحكيم التى نواجهها هى ما تسمى قضية تصدير الغاز إلى إسرائيل، وهى القضية التى أقامتها شركتان: الأولى شركة شرق البحر المتوسط EMG، الثانية شركة يونيون فينوسيا. القضية مرفوعة أمام مركز التحكيم الدولى فى جنيف بالمخالفة للعقد الذى ينص على أن يكون التحكيم أمام مركز القاهرة، وتطالب الشركتان مصر بمبلغ ثمانية مليارات دولار تعويضا عن الأضرار التى نجمت عن قرار وقف تصدير الغاز لإسرائيل.

قبل الخوض فى التفاصيل لمن يرغب أقول إن سبب تناول هذا الموضوع اليوم هو ما توافر من معلومات تقول إن تجنيب مصر مواجهة أى قرار للتحكيم أمر أصبح قائما بطريقة تضمن لكل الأطراف حقوقها ولكن يقف عائقا أمام هذا الموقف غير المفهوم حتى الآن من شركة شرق المتوسط التى تعوق الوصول إلى تسوية مرضية للجميع، خاصة أن الشركة قائمة وفقا لقانون الاستثمار المصرى.

فى عام 1999، تأسست شركة بهدف تصدير الغاز إلى لإسرائيل لأسباب متعددة، منها وجود فائض لدى مصر فى هذه الفترة، وانتهى الأمر إلى أنه أصبح الشركاء المكونون لشرق المتوسط يمثلون شركاء من تايلاند وأمريكا وأطراف مصرية وإسبانية. نتيجة لتغيرات قهرية تمثلت فى انخفاض ناتج الغاز المصرى عن المعدلات المتوقعة، بحيث أصبحت مصر دولة تستورد الغاز ولا تصدره، ونتيجة لحالة الانفلات الأمنى فى سيناء بعد أحداث يناير واستهداف خطوط الغاز بالتفجير عدة مرات، ونتيجة لتعثر الشركة فى تسديد بعض مديونياتها، فإن قرارا صدر بوقف تصدير الغاز إلى إسرائيل لحاجة مصر الملحة له.

عندما بدأت الأمور فى الاستقرار طرحت الدولة فى مصر استعدادها لإيجاد حل يضمن للأطراف حقوقها بشروط أهمها تسوية قضايا التحكيم. وتزامن ذلك مع وجود اكتشافات كبيرة للغاز الإسرائيلى فى شرق البحر الأبيض، وهو الأمر الذى دفع بعض العاملين فى مجال الغاز من شركات مصرية وأجنبية إلى طرح مشروع لاستغلال خط الأنابيب لنقل الغاز من خلاله عبر مصر إلى أطراف دولية. ويعد هذا الطرح حلا مثاليا لجميع الأطراف. وبالتالى فإن عملية استخدام الأنابيب بشكل عكسى هى عملية اقتصادية تضمن الربح لكل الأطراف وتضمن مصالح المستثمرين جميعا بمن فيهم الشركاء فى الـ EMG نفسها. ولكن موقف الإعاقة للحل لا يثير إلا الشكوك فى نوايا من يعوق.

هناك توافق بين الدولة والقطاع الخاص على استراتيجية التعامل مع موضوع الغاز الإسرائيلى، الفائدة الاقتصادية لمصر، الهدف مشترك، والمصلحة القومية هى الغطاء الرئيسى.

قد يكون مفهوما- لكنه مستغرب- موقف الحكومة الإسرائيلية الداعم لشركة كهرباء إسرائيل- المستهلك الأخير للغاز- فى موقف غير ودى تجاه مصر، لكن غير المفهوم حتى الآن ألا تقف شركة يمثلها مصريون موقفا داعما لحل مشكلة تواجهها مصر فى هذه المرحلة، خاصة أنه حل يضمن للأطراف حقوقها، لكنه بالتأكيد ليس وسيلة لتحقيق مكسب سريع وسهل على حساب الاقتصاد المصرى المنهك. أظن أن توقفا لإعادة النظر والتفكير هو أمر حكيم ومتوقع.

مارين لوبان على ضفاف النيل

331116_0بقلم عبد اللطيف المناوي

فرض لعبة المصالح الوطنية والبراجماتية السياسية إعادة النظر إلى كل المواقف التى نراها حولها، وهو ما يستدعى بالتالى القبول بالجلوس مع شخص ربما نختلف معه سياسياً، لكن يمكن أن نصل معه إلى طريق وسط يحقق المصالح الوطنية، حتى لو كان ذلك على المدى البعيد، وليس بعيداً عن هذا ما يمكن أن نقوله عن أهمية احترام الآخر وقبوله والاستماع إليه، ومحاولة شرح المواقف الصحيحة، ومحاولة رأب الصدع، والوصول إلى مشتركات تسهّل تحقيق مصالح سياسية.

ومناسبة هذا الكلام ما أثير مؤخرا حول زيارة رئيسة حزب الجبهة «الوطنية» الفرنسى مارين لوبان للقاهرة، فعلى الرغم من مواقف لوبان المتشددة عموماً، إلا أنه يمكن النظر بإيجابية إلى زيارتها الأخيرة للقاهرة، والتى التقت فيها عددا من المسؤولين والشخصيات العامة، من بينهم شيخ الأزهر الدكتور أحمد الطيب، والبابا تواضروس، وأود التركيز هنا على لقائها بشيخ الأزهر، الذى تمكن خلاله من توضيح وجهة نظر العالم الإسلامى لـ«لوبان»، والتفريق بين ما هو إسلامى وما هو إرهابى.

لقاء شيخ الأزهر بـ«لوبان» تم بناء على طلبها، وهو ما يؤكد اهتمامها بالاستماع إلى رأى الدين الوسطى، وفى اللقاء أكد شيخ الأزهر أحمد الطيب أنه «لا يوجد إسلام سياسى ولا إسلام متطرف، لكن هناك مسلمين معتدلين يفهمون صحيح الدين، وهم كثرة، وآخرين متطرفين، وهم قلة، أساءت فهم الدين»، محملاً «الغرب مسؤولية تفشى تيارات العنف، لأنه احتضن الإرهابيين وأمّن لهم بيئة خصبة لنشر التطرف والعنف فى الدول الإسلامية»، وهو ما اتفقت معه عليه لوبان التى طلبت مساعدة الأزهر فى فرنسا للتحرى عن بئر الإرهاب ثم محاربته، وهو ما رد عليه شيخ الأزهر بأنه تقدم سابقاً بعرض مشروع لتدريب الشيوخ كيف يحاربون أسباب التطرف ولكنه رفض من فرنسا بسبب طبيعتها العلمانية.

ما يمكن قراءته من الموقف السابق هو أهمية التعامل ببراجماتية مع الطرف الآخر، للوصول إلى هدف مشترك يخدم كلا الطرفين، فإذا كان هناك عدو مشترك لدينا، وهو الإرهاب، سواء المنتشر داخل العالم العربى أو فى أوروبا، بصوره المختلفة، فلابد من التصدى له باستدعاء الإسلام الحقيقى، وهو ما حرصت لوبان على تأكيده فى لقائها مع شيخ الأزهر، الذى كان يدرك أن تجفيف منابع الإرهاب فى الغرب لن يتم إلا بإظهار الصورة الحقيقية للإسلام، وتوضيح هذه الصورة للغرب، خاصة إذا عرفنا أن عددا لا بأس به من مقاتلى داعش من مسلمى الغرب، الذين لا يرون فى الإسلام إلا هذه الصورة المرعبة. كما كان شيخ الأزهر يدرك أن الأزهر وحده لا يمكن أن يحارب الإرهاب، ويجب أن تتحد قوى العالم لتوعية البسطاء فى كل مكان، وهو ما حرص على شرحه لـ«لوبان».

إذا كان البعض يرى أن هذه الزيارة تأتى فى إطار حملة رئاسية مبكرة لمارين لوبان، فإن الواقع يكشف أنها فى زيارتها إلى مصر كانت منفتحة على الواجهة الأولى للإسلام فى العالم، مبدية تراجعها عن الصورة التى طالما رسمها وسوّق لها حزب الجبهة الوطنية على مدار عقود، بتصريحات مستفزة ورؤية غير نافذة للإسلام وأتباعه.

لكننا فى نفس الوقت لا يمكن أن نلوم الغرب وحده على نظرته للإسلام، فصعود مصطلحات مثل الإسلاموفوبيا والتطرف لم يكن الغرب وحده سببا فيها، بل صعود الإسلام الراديكالى، سواء فى أحداث 11 سبتمبر فى أمريكا أو أحداث لندن وإسبانيا أو ما تم أخيرا فى فرنسا ذاتها بعد الهجوم الإرهابى على مقر المجلة الفرنسية الساخرة «شارلى إيبدو» فى باريس، بداية 2015، والتى أنتجت هجمة مضادة للإسلام فى فرنسا وخارجها، لذا لا يمكن إلا أن نستغل مثل هذه الزيارات لتغيير هذه الصورة عن الإسلام، ولـ«مصلحة المسلمين العليا» كما قال شيخ الأزهر.

سياسياً، يمكن قراءة تصريحات مارين لوبان بعد زيارتها لمصر، والتى تكشف تفهمها للموقف المصرى، ودعمها لها فى حربها ضد الإرهاب، والتى إن كشفت عن شىء فإنما تكشف عن أنه حتى لو اختلفنا سياسياً مع آخرين، فربما يجب علينا أحياناً أن ننظر ببراجماتية، وأن نعلى المصلحة السياسية التى هى مصلحة الوطن، وفى هذه الحالة يمكننا أن نقرأ زيارة مارين لوبان بطريقة أخرى.