هل تعرف ما معنى الكلمة؟

«أتعرف ما معنى الكلمة، مفتاح الجنة فى كلمة، دخول النار على كلمة، وقضاء الله هو كلمة، الكلمة نور.. وبعض الكلمات قبور». من أكثر ما أثر فى منذ الصغر ما قرأته شعرا لعبد الرحمن الشرقاوى، خاصة مسرحيته الشعرية «الحسين ثائرا»، من أكثر الشخصيات التى أحببتها من خلال ما قرأت شخصية «الحسين»، وليس بعيدا أن أحد الأسباب فى هذا الإعجاب يعود إلى ما كتبه الشرقاوى، ظلت كلمات عبدالرحمن الشرقاوى عن الكلمة وقيمتها محفورة فى ذاكرتى منذ أدمنت الانكباب على الكتب والغوص فى بحارها.hqdefault

تمكنت الأيام من إزاحة الكلمات، الكثير مما قرأت وحفظت، مرور السنوات وزحام الأحداث ساعد فى ذلك، ولكن ظل بعض مما قرأت وحفظت صغيرا محفورا فى عمق العقل والنفس، ودون استدعاء يعود فى الوقت المناسب له تماما، ويبدو أن هذا الوقت وهذه الأيام تبدو الأكثر مناسبة لاستعادة ما قاله الشرقاوى عن «الكلمة»، لتعود إلى سطح الذاكرة متأصلة ومتجزرة بإيمان حقيقى بما تحمله هذه الكلمات من قيم ومعان. دون أن أدرى باتت جزءا من تكوينى وشخصيتى، أتعرف ما معنى الكلمة، هذا هو السؤال الذى خلق بداخلى ذلك الإحساس المقدس بالكلمة، وأضاء لى مخاطرها التى يمكن أن تكون قبورا كما يمكن لها أن تكون نورا، لذا ظلت الكلمة هى المقياس لدى، وهى المقدسة فى كل ما أفعل فى حياتى.

كل من يعرفنى عن قرب يعرف أننى أتعامل مع الكلمات بمقياس يتجاوز فى دقته مقياس الذهب، وأحاول بقدر المستطاع أن أستخدم الكلمات بأكبر قدر من الدقة وفى حدودها المرسومة، يلاحظ من يعرفنى إلى أى مدى أحترم الكلمة وأقدس قيمتها وقدرها.

وتبدو أهمية هذه الكلمات، فى ظل حالة التخوين والتربص والتشويه التى اتبعتها بعض الأطراف فى المجتمع، فى الوقت الذى يجب أن نكون فيه يداً واحدة لإنقاذ الدولة من آثار عمليات الهدم والأخونة التى مرت بها ومازالت تعانى من آثارها، والاستيلاء على مفاصلها ومقدراتها، ومستقبلها.

الحالة من التربص غير المسبوق من أطراف عدة، وبدا الأمر كأن الزمن نجح لفترة طويلة فى أن يضع أقنعة على وجوه الكثيرين، ومع طول الزمن بدا الأمر وكأنه حقيقة، وكأن هذه الأقنعة باتت وجوها حقيقية، ويبدو أيضا أن الكثير من الناس تمكنوا من أن يواصلوا حياتهم بهذه الأقنعة، ولا تسمح تطورات الحياة بأن تسقط هذه الأقنعة لتظهر الوجوه الحقيقية، وفيما يبدو أيضا أن هذه هى الحالة الأكثر حضورا ولكن هناك حالات تمر بها المجتمعات تكون بحق حالات قادرة على إظهار المعادن الحقيقية للبشر، وتقذف بالأقنعة بعيدا لتظهر الوجوه الحقيقية لأصحابها، وتكشف أيضا كم هم قليلون الناس الذين استطاعوا العيش بلا قناع بل بوجه حقيقى، هذه الحالات هى حالات مزلزلة، مثل تلك الحالة التى عاشتها مصر مؤخرا بسقوط نظام، والدخول إلى مرحلة بدء إقامة نظام جديد.

ومع سقوط نظام وبداية نظام جديد سقط الكثير من الأقنعة، وقرر كثيرون أن يمارسوا تلك اللعبات البهلوانية فى الانتقال من موقف إلى نقيضه، ومن أفكار إلى عكسها، بل ونقض الأفكار السابقة.

قدرة عجيبة كشفتها الأحداث الأخيرة بعد صعود الإخوان إلى السلطة وما تبع ذلك من أحداث، ثم الإطاحة بهم والمرور إلى المرحلة الانتقالية ثم الوصول إلى مرحلة الدولة المستقرة. فى كل المرات لعب البهلوانات ألعابهم التى نجحت وتنجح كثيرا، لكن الرهان على أنه لا يصح إلا الصحيح فى النهاية، وكما كشفت هذه الانقلابات البهلوانية الكثيرين كشفت أيضا من ظلوا بلا أقنعة قبل وبعد، مواقفهم اتسمت بالاتساق دون انقلابات لا يصدقها حتى أصحابها.

محاولات التشويه مستمرة، والألعاب البهلوانية مستمرة، لكن أؤمن تماماً أن الكلمة وحدها قادرة على إزاحة كل هذا الظلام، بالرغم من التشويه والتخوين والتخويف والإرهاب، وذات يوم سينتصر هذا الوطن، بعزيمة أبنائه وبكلمتهم ضد من سرقوه ونهبوه وأرادوا تقسيمه وبيعه. وضد بهلوانات كل المراحل.

مطب لكل مواطن، ام دولة للجميع؟ 

unnamed (1)فجأة وفي منتصف الطريق وبينما تقود سيارتك تفاجأ بمطب صناعي لا تملك الوقت لتهدأ السيارة فيقفز في الهواء، وقبل ان تفيق من صدمة المطب الأول يفاجئك المطب الثاني، هكذا معظم طرقنا في المدن وبين المدن، كل من يريد ان يبني مطبا ظنا منه انه يحميه يبادر هو ببنائه دون الرجوع لاحد، ودون ان يوقفه احد او تحاسبه جهة رسمية. هذه الصورة التي قد يراها البعض بسيطة اعتبرتها منذ سنوات طويلة دلالة على تآكل هيبة الدولة، عندما يقرر الأفراد ان يحلوا هم محل الدولة ولا يوقفهم احد هنا بداية سقوط الهيبة والسلطة والقدرة على الفعل من الطرف المفترض فيه انه الأقوى والقادر على القرار والفعل وهو الدولة. كانت هذه مقدمات رصدتها وغيرها باعتبارها علامات خطيرة على ما قد نواجهه يوما من انهيار تم للهيبة.
عانينا جميعا من حالة الانهيار شبه التام لحضور الدولة وسيطرتها وسقوط هيبتها طوال الأعوام الاخيرة، منذ الثامن والعشرين من يناير البداية الحقيقية لهذا الانهيار الذي كانت مقدماته قد بدأت قبلها بسنوات، وكان سقوط النظام وقتها إعلانا عن هذا الانهيار. شهدت مصر وشهد المصريون أياما وليالي طويلة أظن ان وصفها بالسواد غير كافي، فقدت مصر ما عرف عنها بانها بلد الأمن والأمان، القاهرة التي كانت لا تنام اصبح أهلها لا يناموا خوفا وهم في بيوتهم او على أبنائهم وهم خارج البيوت. حالة الشارع كانت فوضى عارمة. لا اتجاوز ان وجهت أصابع الاتهام إلى الطرف الثالث الذي عرفناه الان جميعا والذي صنع هذه الحالة ودفع لها واستفاد منها، كانت هناك أفعال يدفع لها دفعا من اجل التاكيد على إسقاط هيبة الدولة والترويج لحالة البلطجة ولي الأذرع. نجح الطرف الثالث في السيطرة على الأجواء، حتى عندما وصلوا إلى سدة الحكم ظلوا يمارسون سلوك الفوضى من وقت لآخر وذلك في إطار معركتهم مع مؤسسات الدولة المصرية التي رفضت الانصياع لهم او حاولت مقاومة محاولاتهم للاستحواذ والسيطرة. لذلك شهدنا سلوكا متفردا في البلطجة في التعبير عن المواقف، فلا باس من حصار المحكمة الدستورية، ولا مانع من اقتحام قاعات المحاكم والاعتداء على القضاة وتهديد المعارضين ومحاصرة مدينة الاعلام وتشجيع الاعتداء على رجال الشرطة. كل هذا خلق جوا من انتشار البلطجة والفوضى والجريمة، فإذا كان النظام الحاكم قرر استخدام الأساليب الإجرامية لتحقيق ما يعتقده أهدافه فان هذه الأجواء مثالية لانتشار الجريمة والفوضى، فليس هناك من سيحاسب، وهكذا تحولت مصر إلى مدن يسكن فيها الخوف والقلق والتوتر.
الأمر المثير للدهشة والإعجاب ان مصر منذ انتفاضة شعبها في الثلاثين من يونيو الماضي والتخلص من نظام الجماعة فان الملحوظة الرئيسية هي انخفاض معدلات الجريمة بشكل كبير، قد لا تكون هناك أرقام دقيقة حاليا لكن الملحوظة العامة ان هناك تراجعا واضحا في شكل ونوع الجريمة في الفترة التالية مباشرة، والدليل الآخر على ذلك هي تلك الحالة من الشعور بالامان الذي بدأنا جميعا نشعر به في حركتنا وحركة أبنائنا، فلم يعد ذلك الخوف وحالة الرعب أثناء الحركة او حتى مع الوجود في البيوت. الآن أظن ان قدرا كبيرا من الإحساس بالامان قد عاد على الرغم من انه لا يمكن القول بان أجهزة الأمن استعادت قوتها الكاملة بعد، لكن الإحساس العام الذي ملا المصريين بان بلدهم عادت اليهم قد توازن مع شعور بن الأمور باتت أكثر آمنا مع اختفاء الجماعة من موقع السلطة، وبعد ان أتى الشعب بنظامه ورئيسه الذي يريد.
لكن ، مرة أخرى لكن، لا يبدو ان الجماعة وتوابعها تريد للدولة ان تعود، ويصرون على تحدي هيبتها وقوتها بأي شكل، بل بكل الأشكال، وهذا الأمر يتسبب في خسارتهم للبقية الباقية من تعاطف معهم في الشارع، وهذا ليس قضيتنا اليوم، فإنهم بهذا السلوك إنما يحصنون المصريين ضد تأثيرهم لعقود، لكن ما يهم هنا الآن هو تلك الفوضى التي تنتشر بين الناس، تلك الحالة من تحدي هيبة الدولة والقانون.
عندما أطالب اليوم بتخل حاسم لفرض القانون وإعادة النظام فانا أظن أنني اعبر عن رأي قطاع كبير من المصريين، لن أبالغ إذا قلت انه القطاع الأعظم. حالة البلطجة وقطع الطرق وترهيب المواطنين يجب ان تتوقف فورا وباي ثمن. لقد بدأت مصر مشوارها لوضع أسس الدولة المدنية الحديثة، وخطوة مهمة الآن للوصول إلى ذلك الهدف هو اتخاذ استعادة دولة القانون التي تضمن للمصريين العيش بأمان. وإذا لم تستطع الدولة وأجهزتها ومؤسساتها النجاح في ترسيخ استعادة الهيبة فان هذا طريق لن يقودنا إلا إلى طريق لا نتمناه من الفوضى. هذا اختبار يتطلب موقفا قويا واضحا باستخدام كل الأساليب القانونية لحماية الوطن والمواطن.
لن استطيع ان ألوم سائق ميكروبات يقف وسط الطريق، ولا املك ان اطلب من بائع متجول ان يترك نهر الطريق ولا استطيع ان أحاسب متجاوز للقانون إذا لم تقم الدولة بدورها الرئيسي لاستعادة الهيبة. وهذا مطلب الناس، بل لنقل أغلبية الناس.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

إلى السادة المسؤولين: لا وقت لـ«الفنكوش»

هناك مواقف يمكن أن تثير الضحك فى وقت وظروف معينة، بينما تثير الألم والمرارة فى ظل أوضاع وظروف مغايرة. كان يمكن أن يثير موقف أو تصريح لمسؤول تهكم وسخرية الرأى العام ويمر، ولكن ذات الموقف أو التصريح يتحول إلى تفجير حالة الغضب لدى الناس فى ظرف يشعرون فيه بالخطر وبأهمية التعامل الجدى مع الواقع. نحن فى مصر نعيش الحالة الثانية، إحساسنا بأن الوقت ليس فى صالحنا وأن ما ينبغى علينا عمله يحتاج إلى قدر لا محدود من الجدية، لذلك فإن ما قد يكون مثيرا للضحك قديما والقدرة على تجاوز تجاوزات مسؤولين، يدفعهم طموحهم الشخصى أو أضواء الإعلام المبهرة، هو أمر غير وارد فى هذه المرحلة.Abdul-Latif-Al-Minawi

تحتاج مصر إلى إطلاق مشروعات عملاقة جادة بهدف حملها من عثرتها، يحلو للكثيرين وصف هذه المشروعات بالقومية، ولا مانع فى هذا، بعد أن ظل الحلم العام لسنوات طويلة يبحث عن مشروع قومى يلتف حوله الناس. من يقول هذا يقوله وفى ذهنه تحضر صورة السد العالى الذى يعتبر النموذج لمثل هذه المشروعات فى زمنه، وحقق وقتها الهدف منه. ويولى الرئيس السيسى أولوية خاصة وواضحة لهذه المشروعات العملاقة لاقتناعه بأن السبيل لعودة مصر هو العمل الجاد والتفكير بشكل غير تقليدى لمواجهة التحديات الكبيرة التى تواجهها مصر.

لكن هناك مع الأسف من المسؤولين من اعتقد أنه لكى يكون قريبا من الرئيس ومن دائرة الضوء فإن عليه أن «يرش» الأرض حديثا عن مشروعات قومية وأخرى عملاقة، وعن مستثمرين دول وأشخاص «يتقاتلون» من أجل المشاركة فى هذه المشروعات، ويأمل المسؤول هنا أن يلقى حديثه هذا استقبالاً وصدى جيداً لدى القيادة، وأن يفتح له «النوافذ» الإعلامية ليغرق الرأى العام كلاماً على شاكلة «.. قطار التنمية انطلق فى مصر ليصل بها لأن تكون قطب النمو فى المنطقة والعالم، ولا تستطيع قوة على وجهة الأرض أو كائنًا من كان أن يوقفه»، ولست أدرى ما هى العلاقة بالضبط بين محاولة المسؤول الترويج لـ«قومية» مشروع واقتصادياته وبين هذا النوع من اللغو الذى يبدو تعبيرا عن رغبة تسلق أكثر منه عملاً جاداً. واستمراراً فى محاولة شرح ما أقصد فإننى سأذكر نموذجا آخر لخبر لم أستطع أن أتفاعل معه بالضحك والسخرية، رغم أنه يمتلك العناصر الكفيلة بذلك، ولكنه تسبب فى حالة غضب مكتوم من مثل هذه المواقف من أمثال هذا المسؤول. أنا لن أذكر من هو هذا المسؤول رغم أنه سهل جداً معرفته، لأن قضيتى ليست الشخص ولكن السلوك الذى أشرت إليه فى البداية.

فقد صرح الدكتور المسؤول «بأن الحكومة الحالية بصدد عمل مشروع (سفينة بها سكة حديد)- لاحظوا هنا سفينة بها سكة حديد- للربط بين ميناء دمياط وإيطاليا، لنقل البضائع والمنتجات، بتكاليف أقل، كما أنه سيكون هناك خط للربط بين دمياط وباقى المحافظات حتى سفاجا، لتوزيع المنتجات البضائع من وسط أوروبا لدول الخليج، وباقى دول العام». لم يذكر لنا السيد المسؤول كيف سيتحول المركب إلى قطار؟ وهل هو مركب برمائى؟ أم أنه يحمل قطاراً ذا «جناحين» ليقفز بهما إلى خطوط السكة الحديد؟ وهل سيستعين فى ذلك بمخرج ومنفذى سلسلة الأفلام الشهيرة «ترانسفورمرز» أو «المتحولون»؟؟ هذه النوعية من التصريحات مكانها محاولة الدخول إلى موسوعة «جينيس» الغرائب والطرائف وليس مكانها مجتمع مازال يجاهد من أجل أن يحسّن مستوى السكك الحديد ليصل ركابه بأمان وهم على قيد الحياة!

هذه النوعية من المشرِوعات مكانها سيناريوهات الأفلام الكوميدية، مثل ذلك «الفنكوش» الشهير لعادل إمام، ولكن ليس مكانه أوساط مجتمع فى تحدٍ ويحاول أن ينجح فيه. قد تكون مسألة القطار المركب صحيحة، ولكنها ليست ما ينتظره الناس فى هذه المرحلة. وسوف أؤجل الحديث هنا عن ذلك المشروع الذى يطاردنا فى كل وسائل الإعلام عن حل أزمة الطاقة بإعادة تدوير زيت الطعام المستخدم!!

ملء الساحة بالضجيج حول مشروعات «عملاقة» دون وجود معلومات ودراسات وإمكانيات تمويل حقيقية وممكنة هو شكل من أشكال التحايل على الرأى العام وعلى الرئيس الذى وثق فيه الناس وحملوه المسؤولية، وحسنا فعل الرئيس عندما ألغى وضع حجر الأساس لمشروع تردد أنه من تلك النوعية من المشروعات. وحسناً فعل عندما طالب المسؤولين بأن يأتوا جاهزين بالدراسات العلمية والتمويل الجاد قبل أن يتحدثوا عن مشروعات «عملاقة».

من ذاكرة الاقتصاد والاستخبارات «النصر للتصدير والاستيراد»

أشعر بأن هذه الأيام يقع على عاتق جهاز المخابرات المصرى عبء كبير فى تأمين البلاد من الأخطار التى تهددها، لم تمر مصر بما تمر به الآن من مخاطر محتملة من كل حدودها من الاتجاهات الأربعة، يضاف إلى ذلك تلك الحالة من التربص من قوى إقليمية ودولية للتغيير المصرى الذى تمثل فى الإطاحة بالإخوان فى الثلاثين من يونيو- حزيران- الماضى، وأطاحوا بمخططات تستهدف المنطقة بأسرها عندما أسقطوا رأس التطرف فى مصر، فسقطت بالتالى الأذرع تباعاً.7b283a00-9309-40bc-9b48-55170f7a8097_16x9_600x338

قرأت كتاباً صدر منذ عدة سنوات، رأيت أن أذكّر به فى هذا المقام وهذا التوقيت، الكتاب هو «تجربة للتاريخ- أسرار لم تُنشر من قبل عن تجربة شركة (النصر للتصدير والاستيراد)»، الكتاب عبارة عن حوار طويل أجراه د. باسم عادل، مؤلف الكتاب، مع السيد محمد غانم، رجل المخابرات الشهير، ومؤسس وأول رئيس لشركة النصر للتصدير والاستيراد. أهمية هذا الكتاب أنه يأتى فى أيام يعود فيها الحديث مجددا عن حدود الدور المصرى فى أفريقيا، والكتاب هو أول دراسة توثق تجربة شركة النصر فى أفريقيا. وتاريخ شركة النصر وارتباطها بأدوار وطنية بات أمرا معروفا للجميع.

تأسست شركة النصر للتصدير والاستيراد فى عام 1958 كشركة قطاع خاص صغيرة برأسمال 25 ألف جنيه، ثم تأممت عام 1961، وزاد رأسمالها إلى مليون جنيه.. وهنا بدأ نشاطها الحقيقى، بعد ست سنوات فقط من هذا التاريخ أصبح لشركة النصر للتصدير والاستيراد 25 فرعا فى أفريقيا وأوروبا والبلاد العربية، وفى السنة التالية لذلك أصبحت تمتلك أسطولاً للنقل البحرى بحمولة 215 ألف طن، وفى أواخر الستينيات أصبحت الشركة، حسب تقدير جامعة ألينوى الأمريكية، واحدة من أهم 600 شركة على مستوى العالم، وقد وصل عدد العاملين فيها إلى 3500 موظف، فيما اعتبرها بنك «أوف أمريكا» الشهير أنها بالنسبة لدول حوض المتوسط تعادل شركة ميتسوبيشى العملاقة فى الحجم والقوة الائتمانية بالنسبة لليابان.

فى عام 1958، عاد السيد محمد غانم من بيروت بعد أن قضى هناك ثلاث سنوات فى عملية مخابراتية مناهضة لحلف بغداد، وذلك عبر غطاء شركة «النيل للإعلانات»، التى عمل مديرا لفرعها فى بيروت، وكان يريد أن يحظى بشىء آخر غير الغطاء الدبلوماسى يمكّنه من القيام بعمله ذى الطبيعة السرية، خاصة أن اسمه فى عالم المخابرات كان معروفا لكل الأجهزة الغربية، جاءت فى ذهنه فكرة تأسيس الشركة التى اتخذها غطاء لعمله، أصر على أن تكون التسمية شركة «النصر للتصدير والاستيراد» بنفس هذا الترتيب، «التصدير» قبل الاستيراد، وذلك بهدف أن تشكل هذه الشركة انفتاحا لمصر على أسواق العالم.

فى هذا التوقيت- بداية الستينيات- كانت أفريقيا كلها تحت الاحتلال، باستثناء مصر وليبيا وتونس والمغرب، وكانت القارة السمراء مغلفة بالاستعمار والفقر والمرض، ومغلقة على سفارات أربع دول فقط.. أمريكا وبريطانيا وفرنسا و.. إسرائيل طبعا، ويبدو أن ذلك الوضع المعقد هو ما استفز السيد محمد غانم فقرر اختراق قارة أفريقيا ومواجهة الأعداء هناك، وكانت البداية بأفريقيا الاستوائية قبل أن تتوسع الشركة لتمارس نشاطها فى 25 دولة أفريقية أخرى، كان الرعايا الأجانب من الدول الاستعمارية يرغبون فى تصفية ممتلكاتهم بالدول الأفريقية المحتلة، استعدادا للعودة إلى أوطانهم، وذلك عن طريق بيعها بشرط قبض الثمن فى أوروبا، حيث كان من غير المضمون بالنسبة لهم الخروج بأى أموال من الدول الأفريقية المستقلة حديثا.. واستغلت شركة النصر هذه الفرصة لشراء الأراضى والعقارات التى أصبحت فيما بعد مقار للشركة فى قلب أفريقيا، ومنها بناية شركة النصر العملاقة فى أبيدجان- عاصمة كوت ديفوار- وقد تحمس رئيس البلاد لهذا المشروع، لدرجة أنه شارك فى وضع حجر الأساس للمبنى، وشارك فى افتتاحه، ومنح السيد محمد غانم وساما رسميا بدرجة رئيس وزراء. من بين ما ذكره الكتاب أن أحد رؤساء الوزراء السابقين أراد بيع ذلك المبنى فى أبيدجان بمبلغ أقل كثيرا من قيمته الحالية التى تقدر بالمليارات، وذلك لسداد ديون الشركة، وأن السيد محمد غانم قاد معركة فى مجلس الشعب لمنع هذه «الكارثة».. ونجح فى وقف البيع.

يوم العار الأمريكى

فى مرحلة معينة من العمر، ومع اندفاع الشباب المرتبط بالإيمان غير المنطقى بالأفكار والمعتقدات كان يمكن أن أجد تبريرا لقيام جماعة ما صاحبة فكر معين باضطهاد جماعة أخرى لها فكر مخالف، كنت أرى تبريرا لتجاوزات فى حقوق البشر التى وقعت فى مرحلة من تاريخنا، لأننى كنت مقتنعا بأفكار تلك المرحلة، ورأيت وقتها أن الخلاف يبيح التجاوز فى استخدام القوة لحماية الثورة أو للدفاع عن الفكرة.obama9

ولكن ومع تقدم العمر وفى إطار مرحلة إعادة تقييم ما فات من أفكار ومعتقدات، وهى مرحلة مررت بها منذ عدة سنوات، فقد وصلت إلى قناعة تتخطى حدود الفكرة السياسية الضيقة إلى ما هو أكثر إنسانية، ومن بين ما اكتشفته وآمنت به مؤخراً أنه لا يوجد على الإطلاق ما يبيح لإنسان أن ينتهك إنسانا آخر، لا توجد فكرة أو معتقد يمكن أن يكون مبررا للتجاوز لامتهان إنسان لإنسان، ولا توجد عقيدة أو نظام يمكن القبول تحت لوائها بتعذيب شخص أو امتهان كرامته.

قد تبدو هذه الفكرة غير منطقية وغير عملية فى أحيان عديدة، ولكنها حالة، أو بشكل أدق عقيدة لدى فى هذه المرحلة من العمر ترفض امتهان الإنسان تحت أى ظرف أو لأى سبب. البديل الذى أراه دائماً هو القانون الذى يجب أن يكون هو السبيل الوحيد للتعامل مع الآخر الذى يحتل الطرف الآخر حتى لو كان طرفا معاديا. حتى الحروب تحكمها قوانين.

استعدت هذه الأفكار وأنا أتابع «العار» الأخير الذى حملته الإدارة الأمريكية عندما انكشفت أمام العالم كله كدولة لا تختلف عن أسوأ الديكتاتوريات التى تدعى أنها تحاربها. تمارس أجهزتها التعذيب، ولكن مع قدرات جديدة تليق بالدولة سيدة العالم.

سقطت الإدارة الأمريكية سقوطا مدويا، وفقدت فى أعين الكثيرين احتراما كان يحمله البعض لها باعتبارها الدولة المدافعة عن الحريات. ولكن سقط القناع وظهر الوجه الحقيقى. ولكن للأمانة ينبغى أن نشير إلى أن جزءا من هذا المجتمع ومبادئه هى التى كانت سببا فى هذا الانكشاف المخزى للإدارة الأمريكية.

بعد أشهر من الترقب، نشر مجلس الشيوخ الأمريكى، الثلاثاء الماضى، جزءا من التقرير حول عمليات تعذيب قامت بها وكالة الاستخبارات الأمريكية (سى آى إيه) فى سجون سرية، واتهمها بالكذب على الجمهور وعلى الكونجرس والبيت الأبيض حول مدى كفاءة استجواباتها وأنها كانت أعنف مما اعترفت به الوكالة حتى الآن. وأكد التقرير، الذى قامت بإعداده لجنة من مجلس الشيوخ الأمريكى واستغرق 4 سنوات بميزانية تقارب 40 مليون دولار، أن وكالة الاستخبارات الأمريكية لجأت إلى أساليب عنيفة وغير فعالة خلال استنطاق محتجزين بعد أحداث الـ11 من سبتمبر. وذكر التقرير أنه «بعد دراسة 20 حالة» تأكد أن التعذيب الذى مارسته وكالة الاستخبارات على محتجزين لم يخلص إلى نتائج إيجابية، وكان له أثر عكسى. وأشار التقرير كذلك إلى أن «تقنيات الاستجواب التى استخدمتها الـ(سى آى إيه) لم تساعد فى أى وقت من الأوقات فى الحصول على معلومات مؤكدة بوجود تهديدات إرهابية». كما أفاد التقرير بأن بعض «المعلومات التى كانت تفيد بوجود هجمات مدبرة بقنابل عن بعد، زعمت الوكالة أنها حصلت عليها بعد عمليات الاستنطاق، كانت مغلوطة».

«برنامج الـ(سى آى إيه) للاعتقال والاستجواب» أجازته سراً إدارة جورج بوش الابن فى 2002 بعد أشهر على توقيع الرئيس بوش مذكرة تجيز لـ«سى آى إيه» قتل وأسر واستجواب قادة فى القاعدة فى العالم. ودافع نائب الرئيس السابق ديك تشينى، من إدارة الرئيس جورج بوش، بقوة عن تقنيات الاستجواب المشددة هذه، معتبرا أنها «مبررة تماما». وقال متحدث لصحيفة نيويورك تايمز إنه «تم السماح بالبرنامج.. والتدقيق فيه من وجهة نظر قانونية من قبل وزارة العدل»، معتبراً أن عناصر الـ«سى آى إيه» الذين نفذوا هذا البرنامج «ينبغى تقليدهم أوسمة عوضاً عن انتقادهم».

إضافة إلى الإيهام بالغرق كانت أساليب الاستجواب تشمل- وفقا لشهادات معتقلين- الصفع أو الضرب والإخضاع لدرجات حرارة متدنية، والإرغام على البقاء فى أوضاع مؤلمة لفترات طويلة والحرمان من النوم.

وذكر تقرير داخلى لـ«سى آى إيه» فى 2004، رفعت عنه السرية جزئيا فى 2009 أيضا، إعدامات وهمية واستخدام مسدس وآلة ثقب للإخافة.

بعض صحف العالم خرجت وهى تحمل عنوان «يوم العار الأمريكى»، صدقوا، بل هو يوم عار للإنسانية التى تنتهك كل يوم فى كل شبر.

قانون «حماية الثورتين» بقرة مقدسة لسنا فى حاجة لها

الاحترام والتبجيل اللذان يصلان إلى حد التقديس لدى جزء كبير من الهندوس الهنود- خصوصاً البسطاء منهم- للأبقار لهما جذور عميقة فى عقيدتهم والتعاليم الهندوسية. وفى الواقع فإن معظم الديانات، والمعتقدات القديمة، امتلكت بدرجات متفاوتة رموزاً وأساطير مقدسة مشابهة، مثل النار والشمس والأنهار والأشجار والحيوانات وغيرها. معظم تلك الرموز والإشارات والأساطير جرى تجاوزها فى معظمها نتيجة تطور المجتمعات الإنسانية بفعل تطور المعرفة والعلم واكتساب الحداثة والعقلانية والحضارة عموماً، غير أن المجتمعات المتقدمة والمتخلفة على حد سواء مازالت، بدرجات متفاوتة، تحتضن وتستحضر الكثير من مراحلها البدائية، وتبقى مجتمعاتنا فى المقدمة من حيث احتفاؤها بـ«الأبقار المقدسة» من كل لون وصنف. وأظن أن جزءاً لا يستهان به من مشكلاتنا يعود إلى تلك الحالة من التقديس لأفكار أو تصورات يعجز بعضنا عن التعامل معها بعقلانية، فيحدث ما نشاهد من صدامات تصل إلى حد القتل، ويبدو هذا فى الهيجان الدينى، والاستقطاب الطائفى والمذهبى والسياسى الحاد، وتفشى العنف والإرهاب.. لا مجال هناك للعقل والعقلانية والحلول التوافقية.hqdefault

يحضرنى هذا الحديث عن هذه الظاهرة بمناسبة تحركنا من أجل خلق بقرة مقدسة جديدة بالتفكير فى إصدار تشريع لحماية «ثورتى» 25 يناير و30 يونيو من أى إساءة تتعرض لها «الثورتان». مصادر قالت إن القانون سيتضمن عقوبات رادعة لمن يقوم بالإساءة إلى كل من «الثورتين»، وذلك بالاستناد إلى الدستور المصرى الصادر فى شهر يناير الماضى باعتبار 25 يناير و30 يونيو «ثورتين». وهنا أنتهز الفرصة لأعلن رفضى مثل هذا التشريع، ليس من منطلق الاعتداء على حرية التعبير وتقييدها، أو لأن فى إصدار هذا التشريع استفزازاً لقطاع عريض من المواطنين فقط، ولكن أرفض هذا التشريع أساساً لأنه يتناقض مع العقلانية المفترض أن تسود أفعالنا وعلاقاتنا فى المجتمع.

الرئيس السيسى الذى عرف عنه ارتباطه وتعبيره عن نبض الناس لا أتمنى أن يتأثر ببعض الأصوات الزاعقة، والتى تطالب بحماية ما يعتقدون بتقييد قانونى يجرم انتقاد ما يعتقدون، الثورات هى فعل اجتماعى يستمر أو يندحر وفقاً لتطور المجتمعات وتفاعلها معه سلباً أو إيجاباً، وليست- أى الثورات- كائناً غير مكتمل النمو يحتاج أن يوضع فى «حضانة» لحين اكتمال نموه. فى حدود معرفتى المتواضعة لم يصدر قانون يجرّم مناقشة الثورات على مدار التاريخ، مازالت الثورة الفرنسية محل جدل، وهكذا كل التغيرات الاجتماعية الأخرى، لكن ما يتحصن بقانون هو تلك الأفكار التى لن يبقى لها وجود فى حال مواجهة الواقع مثل قوانين معاداة السامية والقوانين المرتبطة بالهولوكوست. الضعيف يحتاج إلى تدخل خارجى لتدعيمه وتقويته، والتغيرات الاجتماعية الأصيلة والحقيقية هى تعبير عن إرادة حقيقية هى كفيلة بالاستمرار والنمو الطبيعى.

لو دخلنا ذلك النفق فلا خروج منه، سوف ندفع ثمن الغرق فى التنابز والتناحر والتجريم. إذا ما صدر مثل هذا القانون فمن حق من يصفهم الآخرون بأنهم «عبيد البيادة» بأن يطالبوا هم بقانون يحميهم ويحمى اختيارهم السياسى، ومن حق كل من يؤمن بفكرة أو تيار أو توجه أن يصرخ زاعقاً طالباً الحماية. الرضوخ للأصوات العالية لن يجنى من يتنازل لها إلا خسارة الجسد الحقيقى للأمة.

تابعت ردود فعل القراء على عدد كبير من المواقع حول إصدار مثل هذا التشريع، لم أحتج إلى القيام بمجهود كبير لاكتشاف أن الغالبية الكاسحة ضد هذه الفكرة، قرأت العديد من التعليقات وتوقفت أمام تعليق هذا جزء منه: «هذا معناه أنك إذا قلت: (25 يناير مؤامرة) هاتدخل السجن، وإذا قلت إن 30 يونيو مش ثورة هاتدخل السجن. طيب ما نريح نفسنا وندخل الشعب كله السجن. سيادة الرئيس قبل ما تطلع قانون يرضى بعض الشباب اليسارى أو الفوضوى أو حتى الطاهر، فعّل قانون المرور اللى ماحدش قادر يقول بم لعربيات النقل اللى ماشية تقتل فى الناس على الطرق. سيادة الرئيس طبق قانون الإرهاب على اللى بيقتلوا أولادنا ليل نهار. طبق قانون محاربة الفساد المستشرى فى البلد للنخاع. سيادة الرئيس بدل ماترضى مجموعة شباب، ارضى مصر العجوزة اللى بتموت بحزمة قوانين عاجلة لجلب الاستثمار وتشغيل الشباب (…) سيادة الرئيس فكر فى مصر الـ 90 مليوناً وبطل تفكر فى صوت بعض الشباب العالى اللى هايفضل عالى كأنك فى صالة ديسكو. (لازم نختار): إما صالة الديسكو وإما مصر».. هذا جزء من تعليق يعبر عن التوجه الغالب بين المصريين الذين يشعر الرئيس بنبضهم ويتفاعل معه.

أعلم أن الدافع وراء التفكير فى هذا القانون هو حسم حالة الاستقطاب الحادة عالية الصوت، لكنى أرى أن هذه الحالة لن تنتهى إلا بالتقدم إلى الأمام. المطلوب اليوم قانون ينظر للأمام ولا ينجذب إلى الخلف والاختلاف. تنفيذ الشعار الذى كان حاضراً فى حملة الرئيس الانتخابية هو السبيل «الاستقرار، الأمان، الأمل»، إذا ما حضر الأمل فسوف ينسحب الاختلاف والاستقطاب.

مظاهرات الحارة «المزنوقة» وأمور أخرى

أثبتت الدولة المصرية أنها استعادت هيبتها وقوتها الرادعة فى هذه المرحلة، هذه هى النتيجة التى يمكن التأكيد على إحرازها بعد ما حدث يوم 28 نوفمبر الذى لوح به الإسلاميون المتطرفون، وعلى رأسهم جماعة الإخوان بأنه يوم «ثورتهم» لاستعادة الحكم والسيطرة على البلاد.

مظاهرة يوم 28 أثبتت بشكل كبير أن أى ادعاء بشعبية أو قدرة هذه الجماعات هو ادعاء يخاصم الحقيقة. لقد ثبت أن قدرة هذه الجماعات على الحشد باتت محصورة فى تلك الحارات «المزنوقة» التى ظهرت على شاشة واحدة. خسارة الإسلاميين لهذه القواعد الشعبية أمر ينبغى البناء عليها فى هذه المرحلة لكسب تلك القواعد. فما خسرته تلك الجماعات من قواعد على مدار الأشهر الماضية لا يعنى بالضرورة أن هذه القواعد قد انضمت إلى صف الدولة، ولكنه يعنى زيادة قاعدة غير الحاسمين لموقفهم. هذا المجهود لضم هؤلاء ينبنى على الاستمرار فى فتح طاقة الأمل أمامهم والعمل على تعويض من كان يستفيد بمشاركة تلك الجماعات ماديا وحياتيا ولو بشكل جزئى.

استعادة هيبة الدولة وتأكيد قوة الردع هما أيضا مكسب ينبغى استغلاله فى الدفع إلى الأمام لبناء المستقبل. النجاح فى بناء هذا المستقبل يعتمد فى الأساس على النجاح فى ملفات الاقتصاد والبناء.Abdul-Latif-Al-Minawi

حقيقة المصالحة

اخترت أن أتابع مظاهرات الجمعة الماضى عبر شاشة قناة الجزيرة متعمدا، لم أكن أرغب فى اختبار مدى مهنية القناة فى التغطية؛ فهذا أمر فات أوانه، وبات محسوماً، ولكنى أردت أن أختبر مدى جدية ما قيل عن توجه جديد لدولة قطر فى علاقتها مع مصر بعد إعلان المصالحة فى الرياض الذى رحبت به مصر ودعمته. القناة الوحيدة التى فتحت الباب «واسعا» لمظاهرات الحارات «المزنوقة» التى سبق أن ذكرتها هى تلك القناة القطرية. بدا من خلال التغطية إلى أى مدى لنا الحق فى أن نتشكك فى صدق نوايا قطر تجاه ما ادعته من توجهات جديدة. حالة التربص واللامهنية والعداء لمصر لم تتوقف لحظة واحدة طوال فترة التغطية. يرد البعض مدعياً بأنه لا تدخل للدولة فى قطر فى حرية الإعلام، وهى نكتة سخيفة لا تحتاج التعليق عليها.

قبل منتصف ليل الجمعة الماضى أعلن البنك المركزى المصرى رد اثنين ونصف مليار دولار قيمة وديعة قطرية لدى مصر.

فليحكم التاريخ

انتهت محاكمة مبارك بإعلان براءته ووزير داخليته ومساعديه من تهمة قتل المتظاهرين وبراءته وولديه من تهمتى الفساد وتلقى رشاوى. منذ اللحظة الأولى وحتى الآن لم أغير موقفى الذى أكدته من خلال كتابتى أو شهاداتى حول تلك المرحلة بأنه لم يصدر أمر بقتل المتظاهرين من مبارك أو غيره من مسؤولين فى دائرة معرفتى واتصالى فى تلك الفترة. اليوم وبعد لغط حوالى أربعة أعوام صدر الحكم الذى لاقى تقبلاً لدى مساحة واسعة من الرأى العام. لن أناقش هنا الأحكام أو تفاصيلها ولكنى فقط سوف أدعو إلى التوقف عن استمرار الغرق والتنابز حول ما مضى والانشغال بالمستقبل.

لقد حكم مبارك مصر وشارك فى حكمها أكثر من 36 سنة أصاب فيها وأخطأ ودفع الثمن- عن حق أو دون حق- ولكنها مرحلة مرت ولن يستطيع أن يحكم عليها سوى التاريخ، وكما قال مبارك نفسه من قبل «سيحكم التاريخ لنا أو علينا».