دولة المواطنين.. إعلامياً

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لن يتوقف الجدل وعودة الحديث عن مفاهيم المواطنة، ومن بين أهم مناطق الجدل كيف يمكن لوسائل الإعلام أن تكون طرفاً فاعلاً فى Abdul-Latif-Al-Minawiتأصيل أو تدمير هذا المفهوم.

إحدى أكثر الكلمات شيوعاً منذ فترة تعبير المواطنة، وهو مفهوم أكثر منه مجرد تعبير، رغم أن البعض فى هذه المرحلة انتهك ذلك المفهوم ولم يدرك البعض الآخر أهمية هذا المفهوم، بل تعامل معه بلا فهم، وفى أحيان كثيرة بتجاهل. لعل أهم ما يجب أن نقف عنده قبل الحديث عن مفهوم المواطنة أن نحاول الربط بينه وبين ممارسة الديمقراطية، وكذلك تحديد الفارق بين أن أكون مواطنا أو أكون مجرد واحد من الرعية. وهذا ما لفت نظرى فى ورقة مهمة حول مفهوم المواطنة لأحد مراكز الدراسات، أكدت أنه لا يمكن ممارسة الديمقراطية دون تطوير وتكريس المواطنة، لأن المواطنة هى الإمكانية الوحيدة لتكريس سيادة القانون، والمساواة أمامه، ولممارسة الحد الأدنى من الحقوق، ومن ذلك المطالبة بالحقوق.

فإذا كان المواطن يتوقع حقوقا سياسية بحكم كونه مواطنا، وكونه دافعا للضرائب، فإن الرعية لا تتوقع حقوقا سياسية، وإنما التعامل بالحسنى والتسامح، لذلك تكون المواطنة هى المنطلق للمطالبة بالديمقراطية بغرض الوصول إلى السلطة وتوسيع مفهوم المواطنة، فغياب المواطنة يقوض من جدلية العلاقة القائمة بين المواطن والمجتمع المدنى والدولة، علما بأن الدولة فى غياب المواطن لا يمكنها، وإن حاولت، تجسيد مفهوم وفكرة سيادة الشعب، كما أن الرعية المحكومة فى غياب المواطنة لا يمكنها تجسيد مفهوم الحقوق على أرض الواقع أو المساهمة فى تطويرها. ففى عصرنا الحالى تشتق جملة من حقوق الفرد من مواطنته، أى من كونه مواطنا فى الدولة، وبذلك تكون الدولة الديمقراطية هى دولة المواطنين.

وهنا سوف أقف عند النقطة الخاصة بعلاقة الإعلام بالمواطنة وتأصيل المفاهيم الإيجابية لها، فقد توصلت إحدى الدراسات إلى مجموعة من النتائج يمكن تحديدها فيما يلى:

أولا: إن هناك نوعين من الإعلام، هما:

– الإعلام الإيجابى (إعلام المواطنة): ويُقصد بإعلام المواطنة أن تجد هموم المواطن مساحة فى وسائل الإعلام. وتتنوع هموم المواطن حسب موقعه الاجتماعى والدينى والسياسى والثقافى فى المجتمع. هناك هموم للفقراء، وهموم للمرأة، وهموم للمسيحيين، وهموم للعمال… إلخ. من الطبيعى أن تجد كل فئات المجتمع مساحة تعبير عن همومها فى وسائل الإعلام. وكلما وجد المواطن- العادى- مساحة تعبير ملائمة عن همومه فى وسائل الإعلام كان ذلك مؤشرا على أن الإعلام ذو طبيعة ديناميكية تفاعلية مع المواطن.

– الإعلام السلبى: وعلى العكس مما سبق، هناك إعلام يلعب دورا ضد ثقافة المواطنة، سواء بتجاهل هموم مواطنين فى المجتمع، أو بتفضيل التعبير طبقيا أو سياسيا أو ثقافيا أو دينيا عن هموم مجموعات معينة من المواطنين دون غيرهم، وقد يصل الأمر إلى أبعد من هذا حين يوظف الإعلام ذاته- كأداة صراع- سياسيا أو ثقافيا أو اقتصاديا أو دينيا، من خلال تأليب مجموعات من المواطنين على بعضهم البعض، أو نشر ثقافة البغضاء فى المجتمع، أو تصوير قطاعات من البشر على نحو يجعل غيرهم من المواطنين يتعاملون بتسامٍ غير مبرر معهم.

ثانيا: أبرز سمات الممارسة الإعلامية فى هذا المجال: حيادية باهتة ومواطنة ناقصة، حيث يعانى الكثير من وسائل الإعلام فى بلادنا من غياب الحياد بمعناه الإيجابى، فهى لا تتحيز للمصلحة الوطنية العليا، لكن يغلب عليها فى كثير من الأحيان الرغبة فى الانتشار أو ممالأة السلطة أياً ما كان الثمن.

بتطبيق ما فات.. أين إعلامنا منه؟

يد القيامة المصرى

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

«أحد الشعانين»، أو أحد السعف، هو ذكرى دخول السيد المسيح إلى أورشليم كملك، وهو يأتى قبل عيد القيامة أو عيد الفصح بأسبوع، وهو الأحد الأخير من الصوم، واليوم الأول من أسبوع الآلام، وفيه يبارك الكاهن أغصان الزيتون وسعف النخيل تذكاراً لدخول السيد Abdul-Latif-Al-Minawiالمسيح الاحتفالى إلى أورشليم.

كنت قد بدأت كتابة هذا المقال قبل أن تقع تلك الجريمة البشعة، أمس الأول، بالتفجيرات التى شهدتها كنائس طنطا والإسكندرية. لن أتوقف لأتحدث عن تلك الجرائم، بل سأستمر فى استكمال المقال كما كان مقرراً، لأننا يجب ان نستمر.

تظل مصر الوطن تحمل داخلها ثقافتها، مصر الوطن قادرة دائماً على مر التاريخ على أن تتجاوب وتتفاعل مع كل الثقافات التى مرت بها وعاشت فيها، حتى تكون ذلك النسيج الفريد للشخصية المصرية، وبات لمصر مذاقها الخاص فى التعامل مع الثقافات بل والديانات، فكل ثقافة مرت أو دين دخل إلى مصر اكتسب مذاقا مصرياً خالصاً، ولم تتمكن ثقافة أو دين من البقاء بمصر إلا بتجاوبها مع طبيعة الشخصية المصرية الوسطية المعتدلة ذات المزاج الخاص.

وعندما دخلت المسيحية مصر جاء «عيد القيامة» موافقًا لاحتفال المصريين بعيدهم، فكان احتفالاً لأقباط بعيد الفصح- أو «عيد القيامة»- فى يوم الأحد، ويليه مباشرة عيد «شم النسيم» يوم الاثنين، ويوم شم النسيم هو يوم احتفال ورثه المصريون عن آبائهم الفراعنة، واستمر الاحتفال بهذا العيد تقليدًا متوارثًا تتناقله الأجيال عبر الأزمان والعصور، يحمل ذات المراسم والطقوس، وذات العادات والتقاليد التى لم يطرأ عليها أدنى تغيير منذ عصر الفراعنة وحتى الآن، وعندما دخل الإسلام مصر أصبح المصريون جميعا- أقباطا ومسلمين- يحتفلون بذلك العيد المصرى بعد أن يحتفلوا جميعا بعيد القيامة.

بعد انتشار المسيحية فى مصر، حتى غطتها بالكامل فى القرن الرابع الميلادى، واجه المصريون مشكلة فى الاحتفال بهذا العيد المصرى (شم النسيم)، إذ أنه كان يقع دائماً داخل موسم الصوم الكبير المقدس الذى يسبق عيد القيامة المجيد.. وفترة الصوم تتميَّز بالنُسك الشديد والاختلاء والعبادة العميقة، مع الامتناع طبعاً عن جميع الأطعمة التى من أصل حيوانى.. فكانت هناك صعوبة خلال فترة الصوم فى الاحتفال بعيد الربيع، بما فيه من انطلاق ومرح وأفراح ومأكولات.. لذلك رأى المصريون المسيحيون وقتها تأجيل الاحتفال بعيد الربيع (شم النسيم) إلى ما بعد فترة الصوم، واتفقوا على الاحتفال به فى اليوم التالى لعيد القيامة المجيد، والذى يأتى دائماً يوم أحد، فيكون عيد شم النسيم يوم الاثنين التالى له. تظل مصر هى ذلك الوطن الذى خلق ليبقى، ويظل المصريون هم ذخيرة وزينة هذا الوطن.. رحم الله شهداء هذا الوطن، قدمت المسيحية شهداء على مر عصورها، وقدمت مصر شهداء طوال تاريخها لتبقى مصر بأبنائها، مسيحيين ومسلمين.

عندما يحمل الجهلة شهادات علمية

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لن يتقدم هذا البلد ويتمكن من سد الفجوة التى تتسع يوما بعد يوم مع العالم المتقدم ما لم يتم حل مشكلة التعليم. لن نصل إلى شكل الدولة التى نتمناها، دولة قانون عصرية متقدمة ما لم يكن لدينا مواطنون على مستوى هذا الحلم بتلك الدولة، وهذا المواطن لن يخلق من فراغ أو من واقع سلبى، بل إن الوسيلة الوحيدة لخلق هذا المواطن بتلك الصفات هو نظام تعليمى راق ومتطور ومناسب. هذه حقيقة مهما حاولنا أن hqdefaultنتجاوزها ونحاول الترقيع هنا وهناك فإن النتيجة لن تكون إلا تعميق لحالة التشوه التى نراها ونعيشها.

ظل الرأى العام يطالب لسنوات طويلة بتغيير مسؤولى التعليم، وفِى كل مرة تتجاوب الدولة وقيادتها وتغير المسؤولين، وعلى رأسهم الوزراء المعنيون، ويأتون بغيرهم، وهم هنا يظنون أنهم قد خطوا خطوات كبيرة لإصلاح التعليم، والحقيقة أن هذا يأتى فى إطار سياسة الترقيع دون المواجهة الجادة والواعية لحقيقة المشكلة.

ليس كل من تولى مسؤولية التعليم من وزراء كانوا فشلة، الحقيقة أن معظمهم كان مظلوما فى موقعه بسبب الواقع الذى يحيط به ولن يتمكن وحده- لو أراد- أن يغيره، لأن التعليم ليس سياسة وزير ولكنه خيار أمة. ويبدو أن الأمة لم تقرر بعد.

وزيرا التعليم الحاليان رجلان فاضلان، مشهود لهما بالعلم والقدرة والنوايا الحسنة الحقيقية فى إصلاح حال التعليم، ولكنى أخشى عليهما من مصير من سبقتهما ولن يشفع لهما كونهما عالمين فى مجالهما. عند أول مشكلة فى مؤسسة تعليمية، وعند أول أزمة سوف تنطلق السهام لإصابتهما أو القضاء عليهما، مع أول ورقة امتحان صعبة فى أى امتحانات قادمة سيكون الهدف الوزير الذى لا يراعى تعب وجهد التلاميذ وتضحيات الأهالى من أجل تعليم أولادهم، وهكذا يتم اختزال القضية فى شكليات تافهة ويدفع المسؤولون ثمن رشوة الرأى العام بإلقاء أحدهم إلى المحرقة، وهكذا دواليك.

موضوع وضع استراتيجية للتعليم فى مصر أظنه ينبغى أن يكون المشروع القومى الأول فى مصر، ووضع هذه الاستراتيجية هى مهمة المتخصصين عالميا ومحلياً، ومع احترامى للبرلمان فليس من وظيفته تحديد استراتيجية للتعليم، مؤكدا أن هذا الأمر من اختصاص الخبراء فى المجال بإشراف الحكومة، ودور البرلمان مراقبة تطبيق هذه الاستراتيجية.

وفى إطار الحديث حول التعليم ومشكلاته، فإن إحدى القناعات المهمة حول هذا الموضوع أو هذه القضية هى تلك القناعة بأن الأساس فى تطوير التعليم هو خلق حالة تعليمية متناسبة مع قيمة مصر واحتياجاتها وتغيير ثقافة المجتمع الذى مازال يتعامل مع التعليم باعتباره رشوة من الدولة للمواطنين عليها أن تلتزم بدفعها لكل مواطن بغض النظر عن استحقاقه لها من عدمه، وهنا عندما نتحدث عن مفهوم التعليم فلا أقصد به مستوى معيناً من التعليم، ولكن مفهوم التعليم انحصر عند عدد كبير منا عند حدود الشهادة الدراسية، الحصول على شهادات دراسية هو الأساس وهو المهم، ليس مهما التحصيل، ليس مهما إذا خرج الطالب يعرف كيف يكتب ويقرأ أم لا، ولكن المهم أن يحصل على الشهادة، وليس مهما أن يكون متحدثا بالإنجليزية أو يفهمها أولا، ولكن المهم أن ينجح فى امتحان اللغة الإنجليزية، ويحصل فيها على أعلى الدرجات ليس مهما أن يخرج المهندس عالما بالهندسة، أو الطبيب عارفا بأسرار العلاج والطب، أو المحامى قادرا على التعامل مع القانون ولكن المهم أن يخرج كل من هؤلاء حاملا شهادة جامعية تقول إنه تخرج مهندسا أو طبيبا أو محاميا، ولكن ماذا تعلم أو ماذا حصل، فهذا لا يهم.

أظن أن هنا بيت الداء، عندما نصل نحن كمجتمع إلى الاقتناع بأن هدف التعليم هو التعليم بالفعل، هنا فقط تكون البداية الصحيحة، لأننا فى هذه الحالة سوف نتراجع نحن كمواطنين وآباء لأصحاب الخبرة الحقيقية فى مفاهيم التعليم ليضعوا استراتيجية صحيحة للتعليم، استراتيجية تهتم بتخريج متعلمين حقيقيين لا حاملى شهادات، عندها علينا أن نسلم بأن لهذا ثمنا، وعلى المجتمع أن يكون مستعدا لدفع هذا الثمن، بالتنازل عن مفهوم الحصول على الشهادة بأى ثمن، ولكن الحصول على متعلمين حقيقيين، لا جهلة يحملون شهادات.

«أصيلة» نموذج تكراره تحدٍ

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

العقل والروح هما اللذان يستطيع الإنسان فى وجودهما أن يخلق واقعاً متطوراً من رحم واقع صعب. تجارب عديدة أثبتت أن هذا قابل للتطبيق، وقبل أن أتناول نموذجاً يؤكد ما أدعى، أشير إلى سبب تناولى هذا الموضوع. والسبب ببساطة أننا نمتلك فى بلدنا إمكانيات كبيرة تضيع تحت وطأة التعامل معها بجهل ودون روح حقيقية لبذل الجهد لتغيير هذا الواقع، بل يختار معظمنا التغطية على الوضع السيئ القائم

Untitled

عبد اللطيف المناوى

فى أحسن الأحوال والتعايش معه فى معظم الأحيان.

أتحدث الْيَوْمَ عن تجربة مدينة – أو قرية – وإنسان امتلك روحاً مختلفة. على بعد أربعين كيلومترا من مدينة طنجة المغربية، تقبع قرية صغيرة عَلى ساحل الأطلسى، اسمها «أصيلة»، كانت منذ حوالى أربعين عاما عبارة عن قرية صغيرة متآكلة فى حالة سيئة للغاية من حيث النظافة والصرف والمياه، من حيث كل أشكال البنية التحتية. كان الماء الصالح للشرب متوفراً لساعة واحدة فى اليوم، ولجزء بسيط من المدينة. كان سكان المدينة وقتذاك يبلغ عددهم حوالى 19 ألفا. كان التيار الكهربائى ينقطع عن المدينة لمدة أسبوعين أو ثلاثة. باختصار، كانت حالة معاناة إنسانية وحضارية. امتلكت القرية ابنا لها، تدرج فى مختلف المستويات التعليمية والسياسية المحلية والدولية، اسمه محمد بن عيسى، خرج منها طالبا وعاد إليها حالما بأن يجعلها مختلفة، بعد غربة عنها تجاوزت العشرين عاماً. قرر العودة عام 1976، يقول بن عيسى «إنه لم يكن فى أصيلة حلّ لمشكلة النفايات إلا عربة واحدة وحمار واحد»، فيقول «فكرنا أن نحفّز الناس على نظافة مدينتهم، واكتشفت بعد مسح سريع أن الذين يرمون النفايات هم الأطفال، وفكّرنا أنه لبناء مشروع جديد لإنسان جديد، علينا أن نبدأ بالطفل. ومن ثم اقترحت فى المجلس البلدى (كان عضوا فيه آنذاك) أن ندعو مجموعة من الفنانين التشكيليين إلى رسم أعمال على الجدران العارية فى الشوارع (جداريات)، سيتفاجأ الناس ويسألون ما الذى يحصل؟».

فى أبريل 1978، تمت دعوة 11 فناناً، سكنوا فى بيت بن عيسى وتقاسموا غرفة. لم تكن هناك ميزانية وإمكانات، وكان من ضمن الفنانين أسماء كبرى. وعمل فى كل جدارية مع الفنانين مجموعة من عشرة إلى 15 طفلا. هكذا كانت بداية فكرة إقامة ملتقى أصيلة الثقافى، لتتحول القرية الصغيرة من حالة البؤس لتكون ملتقى يلتقى من خلاله العرب مع الآخرين.

محمد بن عيسى هو شاب فى الثمانين من عمره، ولعه بالثقافة ومجال الإعلام كان المحرك له فى حياته، وفى عمر السادسة عشر انتقل إلى مصر لدراسة الصحافة. عام 1961، حاز منحة لمتابعة دراسته فى أمريكا على شهادة بكالوريوس فى الصحافة من جامعة مينيسوتا. وتدرج فى المناصب منطلقاً من عضو فى مجلس مدينة أصيلة ليصبح وزيراً للثقافة ما بين 1985 & 1992، ثم سفيرا للمغرب فى أمريكا ما بين 1993 & 1999حيث تولى منصب وزير الخارجية المغربى لحوالى عشر سنوات.

تمكن الشاب العائد إلى قريته من أن يحولها إلى إحدى أهم النقاط المضيئة ثقافياً وفكرياً فى العالم العربى، وعلى مدار ثمانية وثلاثين عاما وقف ملتقى ومهرجان أصيلة، الذى يطلق عليه موسم أصيلة، نقطة التقاء وجذب لثقافات العالم والعرب. وتحولت القرية العجوز الهرمة إلى مدينة دائمة الشباب بفضل أحد شبابها، والذى ظل شاباً بحماسه وعقله وروحه حتى وهو فى الثمانين، لأنه آمن دائماً بأن الثقافة بمفهومها العام هى أداة التغيير الحقيقية فى حياة البشر.

من بين ما نسب إلى بن عيسى قوله إن كل شيء تغير. تطوّرت البنية التحتية. قامت وانتشرت فى المدينة مؤسسات الثقافة والفن، وباتت المدينة تحظى بمينائها ومياهها وتيارها الكهربائى، لكن أهم ما تغيّر هو الإنسان ابن أصيلة (…) كبر الشباب 38 عاماً وباتوا يعملون معنا. يحترمون نوعية الحياة ومستواها، ويريدون لمدينتهم أن تكون نظيفة. بات للمدينة حدائقها التى تحمل أسماء رواد، حضروا إليها كالطيب الصالح ومحمود درويش وجابر الأنصارى وبلند الحيدرى. تراث كبير لهذا المكان والحدث أتمنى أن يكون محفوظا للتاريخ.

هى تجربة قابلة للتكرار، وأتمنى ذلك.

متى تنضم روسيا وأمريكا إلى القمة العربية؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

انعقدت القمة العربية الدورية فى البحر الميت فى الأردن، ولو لم تكن هذه القمة دورية ما انعقدت. لم يمر العرب منذ إنشاء جامعتهم منذ اثنتين وسبعين عاما بمثل الوضع الذى يمرون به الآن. نتفاجأ نحن العرب بأننا لم نصل بعد إلى أسوأ الأوضاع، فى كل مرة ظننا أننا

15_19_52

عبد اللطيف المناوى

وصلنا إلى قاع الحالة العربية فنكتشف أن هناك مستوى جديدا لم نصل إليه بعد.

مازالت القضية الفلسطينية- كالعادة- أحد أكثر القضايا حضوراً، لكن ليس لأسباب ترتبط بالحل والتحرير، ولكن لأسباب خاصة بالنزاع الفلسطينى- الفلسطينى، ذلك الصراع على سلطة بلا سلطات، وقضية استمرار تعقيدها سبب حياة لكثيرين، والمطلوب هو الحفاظ على «قضية العرب الكبرى» وسبب بقاء ووجود أنظمة وقيادات، على قيد الحياة. ونكتشف أن الرؤية المطروحة هذه المرة هى أنه لدى القيادة الفلسطينية استعداد لإعادة صياغة بعض الأفكار للحل وطرحها على القمة، والأردن راغب جداً فى تحريك الملف الفلسطينى بإيجابية وجاهزية واستباقية وبانفتاح على المبادرات الأمريكية. وهكذا نتعرف على اللاعب الرئيسى الأول على الساحة العربية، وهو لاعب تاريخى منذ الأربعينيات فى اجتماع الباخرة الشهير، أقصد الطرف الأمريكى.

الطرف الأمريكى يشغل موقعه فى قمة البحر الميت من خلال كل مقعد تقريبا، فحتى لو لم يكن حاضرا بنفسه فإن تأثيره فى الأجواء والحضور والقضايا محسوم، فهو حاضر حتى لو بدا غائباً فى قمة البحر الميت. الجديد هذه المرة فى الحضور الأمريكى عدم القدرة على توقع المواقف وردود أفعاله تحت القيادة الجديدة، ترامب «رئيس الصفقات» يمارس السياسة بأسلوب رجل الأعمال صائد الصفقات، يضغط حتى الحافة وهو يساوم. إلى أى مدى سيضغط؟ وإلى أى مدى ستتحمل الأطراف العربية الضغط؟ وهل تمتلك القدرة على المساومة؟.. ما يبدو أن أولوية الطرف الأمريكى الأولى هى تدمير «داعش» و«القاعدة».

الطرف الآخر هو الذى اختارت قناة السى إن إن الأمريكية رئيسه لتقدمه باعتباره أقوى رجل فى العالم وهو الطرف الروسى الذى لو حاولنا تقديمه فى الواقع العربى الْيَوْمَ لقلنا ببساطة وأريحية إنه الطرف الذى أملى أجندته فى الشرق الأوسط عبر علاقات استراتيجية مع الأضداد، فعلاقته مع إيران يدير بها حضوره فى الخليج ويلعب من زاوية ما مع الملف السورى، وفرض على تركيا تغيير سياستها فى المناطق المحيطة والملفات الرئيسيّة وأصبحت سياستها تلبى الأهداف الروسية خاصة فى الملف السورى. وهكذا نجد أن روسيا أصبحت لاعبا رئيسيا فى الملفات العربية كلها، ولذلك عندما تتناول القمة العربية الملفات الساخنة الشائكة: سوريا والعراق واليمن وليبيا، فإن موسكو سيكون لها قول أساسى فى حسم الوضع فى هذه الملفات، ويبدو أنه لن يكون للدول العربية خيار كبير فى هذا، لأن التأثير ناتج واقع معين لا يملكون تغييره، وإن حاولوا الحد من التأثير الروسى فإن الواقع يدلل أنهم يمتلكون وسائلهم التى تضمن لهم النفوذ والمشاركة فى رسم مستقبل هذه البلاد، سواء دول قطعة واحدة أم فسيفساء، أى سواء دول موحدة أو دويلات مجزأة.

ملفات سوريا والعراق وليبيا واليمن وفلسطين ولبنان تبدو وكأنها ملفات عربية، هذا صحيح من ناحية الجغرافية والنشأة، ولكن الأكيد أن الحلول أو الإدارة ليست إدارة إو إرادة عربية، لكنها بيد اثنين من اللاعبين الأساسيين، إن لم يكونا الوحيدين، وهما أمريكا وروسيا. ولأن العلاقة بين الطرفين فى المرحلة الجديدة لم تتبلور بعد فلا ننتظر قرارات حقيقية من قمة العرب التى تفتقد مقعدين ليكتمل العدد، واحد روسى والآخر أمريكى.

الاقتصاد المصرى محاولة لفهم الخلل

  مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

قادنى حظى إلى أن أكون حاضرا فى مناقشات جادة حول وضع الاقتصاد المصرى خلال الأشهر الماضية وعلى مستويات مختلفة، ومن هنا عبد اللطيف المناويتطورت اهتماماتى وفهمى لوضع الاقتصاد المصرى، وقد انعكس هذا بشكل أو بآخر على متابعاتى وكتاباتى فى الفترة الأخيرة.

وصلت إلى فهم وقناعة بأن السبب الأساسى وجوهر المشكلة الاقتصادية فى مصر هو عجز الموازنة العامة، هذا العجز يشير إلى أن الإنفاق القومى يفوق الدخل القومى، وبالتالى يضغط على مستوى الأسعار، ويقلل من القوى الشرائية للطبقة الفقيرة، ويضغط على ميزان المدفوعات بطريقة تؤدى إلى وجود عجز فيه، بالإضافة إلى الضغط على سعر الصرف، بما يترتب على ذلك من ارتفاع مستمر فى الأسعار.

يتضح من ذلك أن هذا هو جوهر المشكلة، وبالتالى إذا استطعنا تحجيم عجز الموازنة العامة وأن المستهدف أن نصل به إلى الأرقام الأكثر ملاءمة للاقتصاد المصرى فى حدود 3%- 4%، لاستطعنا أن نحل مشكلة عجز ميزان المدفوعات، والضغط المستمر على الأسعار، وبالتالى سعر الصرف.

إلا أن هذا الحل لن يؤدى إلى التنمية، بمعنى أنه لن يؤدى إلى رفع مستويات معدلات النمو فى الاقتصاد القومى، حيث إن هذا الهدف يحتاج إلى آليات أخرى، ويحتاج إلى إصلاحات فى مجالات أخرى، تُعتبر إصلاحات مكملة لمعالجة عجز الموازنة العامة، ولكن منفصلة عنه تماماً.

وسأتناول، اليوم، أمرين على درجة عالية من الأهمية، الأول مناخ الاستثمار، والثانى البيروقراطية، وكلاهما مرتبطان.

مناخ الاستثمار فى مصر يحكمه قانون مشوه دخلت فيه تشوهات كثيرة، فتحول إلى عنصر من عناصر عدم الاستقرار فى المناخ الاستثمارى الذى يواجه المستثمر الأجنبى أو المحلى، وبالتالى يكون العلاج إما بإعادة القانون القديم، مع إدخال بعض التعديلات الطفيفة التى كان يحتاجها، أو حسم الأمر بخصوص القانون الجديد، الذى مازال يواجه تعسراً فى الولادة والتنفيذ والصراع بين أطراف الدولة.

إذا أردنا أن نخطو بجدية نحو الإصلاح فإن علينا مواجهة التعقيدات البيروقراطية والأيدى المرتعشة واهتزاز الجهاز الإدارى فى اتخاذ القرارات، وأولها القرارات الخاصة بملكية الأراضى، فإذا اخترنا بديل عدم تمليك الأراضى للمستثمرين، واخترنا بديل حقوق الانتفاع، فيجب أن نُدخل فى قانون ما- سواء كان قانون الاستثمار أو قانونا آخر- حرية تداول حق الانتفاع مثلما يحدث فى «The Leasehold» فى عدد كبير من الدول، فيجب أن يكون حق الانتفاع قابلا للتداول بين المنتفع الأصلى والبنك، الذى سيُقرض المنتفع الأموال اللازمة لتنمية استثماراته.

كذلك يجب التعامل مع اهتزاز وخوف العاملين فى الجهاز الإدارى من اتخاذ القرارات المطلوبة لتشجيع الاستثمار، فعلينا تعديل قانون المال العام، حيث لا يوجد شىء اسمه «إهدار مال عام»، ولا يوجد شىء اسمه «تربيح الغير»، حيث إن إهدار المال العام تقدير شخصى، ومادام الموظف قد قام باتخاذ القرار فى حدود ما يمنحه له القانون من سلطة فلا يُحاسب جنائياً، بل فقط إدارياً، بتوجيه اللوم أو الإنذار.

أما بالنسبة لتربيح الغير، فأى تعاقد ما بين الحكومة والقطاع الخاص سيؤدى إلى تربيح القطاع الخاص، حيث إن القطاع الخاص ليس مؤسسة خيرية، لأن أى تعاقد مع القطاع الخاص من شأنه أن يتضمن عنصر ربح، وبالتالى يجب أن تُحدد جرائم المال العام بأن هناك انتفاعا مباشرا وشخصيا وموثقا لمَن يتخذ القرار، على جميع المستويات الإدارية من أصغرها حتى الوزير، ويجب أيضاً ألا يكون الموظف عُرضة للاتهامات من أى أحد يستطيع أن يوجه بلاغا إلى النائب العام، فيجب- بعد مستوى إدارى معين، وليكن «وكيل وزارة» أو «وكيل أول وزارة»- أن يكون توجيه الاتهامات أو توجيه أى ادّعاءات من خلال آلية خاصة لمثل هؤلاء الموظفين، آلية تستطيع أن تحميهم من الاتهامات والبلاغات الجزافية والكيدية التى يتعرض لها الموظف العام.

إن لم نغير هذه القوانين فسيظل الموظف العام ليس لديه الشجاعة لاتخاذ القرار المناسب فى الوقت والمكان المناسبين، وسيظل الاستثمار فى مصر رهناً لخوف المسؤول- سواء كان وزيراً أو أقل- من أى مطاردة فى المستقبل.

أخيراً، فى مجال التعديلات الهيكلية الخاصة بالاستثمار، يجب إعادة النظر فى الإتاوات والضرائب والرسوم التى تُحصِّلها المحليات من الاستثمارات خارج كردون القاهرة الكبرى والمناطق المحيطة أو المدن الصناعية المحيطة بها، فقد أدت بعض الإتاوات والضرائب والرسوم التى تُفرض على بعض الأنشطة إلى إغلاق هذه الأنشطة تماماً..

الهدف الآن يجب أن يكون استعادة جزء كبير من التوازن إلى الاقتصاد المصرى.

روسيا فى الشرق الأوسط ودور مصر

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

معادلة القوى السياسية فى المنطقة تشغل مصر فيها ركنا مهما، وإذا ما طبقنا ذلك على السياسة الروسية فى المنطقة، فيمكن القول إن مصر أحد العناصر المهمة التى أثرت فى المعادلة فى المنطقة بعد سقوط الإخوان على يد الشعب المصرى وجيشه. يبدو أن الخطة التى وضعها بوتين منذ توليه رئاسة روسيا تعتمد بشكل كبير على إعادة رسم خارطة منطقة الشرق الأوسط، اعتماداً على مزيج من التحالفات شديدة النفعية مع أطراف سياسية فى المنطقة لم يكن يمكن تخيل وجود أى مستوى من التحالف أو التنسيق بينها وبين روسيا، والعنصر الثانى بناء وتعزيز قوة عسكرية قادرة على العودة إلى القيام بأدوار عسكرية خارج حدود الاتحاد الروسى، ففى الوقت الذى كانت فيه الولايات المتحدة تركز على دورها فى أفغانستان والعراق وإدارة الصراع العربى الإسرائيلى والتأثير فى الأوضاع السياسية الداخلية لدول المنطقة، كانت روسيا تعيد بناء جيشها وتعيد النظر فى عقيدة الحرب القتالية، وبدا واضحا سعى بوتين إلى إعادة فرض هيبة روسيا فى العالم وقدرتها على أن تلعب دور البديل، ونجح فى ذلك إلى حد ملحوظ، ساعدته فى ذلك الأخطاء الأمريكية، التى ساهمت فى خلق مساحات يتمدد فيها الدب الروسى العائد ليحتل مناطق نفوذ جديدة. ولقد وصل الأمر فى منطقة الشرق الأوسط إلى حد أن دول الخليج العربى، الحليف الأصيل لأمريكا، بدأت تضع فى حساباتها حتمية وضع المصالح hqdefaultوالأهداف الروسية فى الاعتبار، وهو أمر لم يكن يخطر ببال أحد- منذ أعوام، بل أشهر- أن يكون واقعاً.

التحول الكبير بدأ مع التدخل الروسى فى سوريا، منذ أواخر سبتمبر 2015، الأمر الذى اعتقد كثير من المحللين الغربيين، بل العرب، أنه لن يدوم طويلا، وأنه غير فعال، وسيعود بالضرر على الجيش الروسى، لكن ما حدث أن روسيا- من خلال هذا التدخل- قد حققت عددا لا بأس به من الأهداف المهمة، أولها أنها أكدت صدقها فى مساندة حلفائها، عكس الولايات المتحدة كما فى نظر عدد من دول وقوى المنطقة. ووصل التأثير الروسى إلى أن روسيا أجبرت حلفاء مهمين للولايات المتحدة، كتركيا وإسرائيل، على اللجوء إليها والتنسيق معها فى سعيهما لتحقيق أهدافهما فى سوريا، هذا بالإضافة إلى تحالف بوتين مع إيران، الأمر الذى شكَّل إزعاجا للعديد من دول المنطقة، وأربك حسابات عدة.

وتُعد مصر أحد أهم عناصر التحرك الأمريكى الروسى فى هذا التوقيت. لا يمكن تجاهل أن الإدارة الأمريكية السابقة ساهمت فى سعى القيادة المصرية الجديدة إلى البحث عن تحالفات جديدة فى مكان آخر.

مصر ظلت محط اهتمام وتنافس الولايات المتحدة وروسيا، بهدف بسط نفوذهما طوال 25 عاما، وبتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، أصبحت مصر منذ ذلك الحين واحدا من أبرز شركاء الولايات المتحدة فى المنطقة. الفوضى التى حلت بمصر، عقب أحداث يناير 2011، فتحت بابا جديدا أمام روسيا، فى هذا الوقت الذى تراجعت فيه الولايات المتحدة عن دعمها لمصر، بعد فشل محاولات الإدارة الأمريكية السابقة تمكين الإخوان، وعلقت المساعدات العسكرية بشكل مؤقت، عقب ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013، وهو الأمر الذى خلق مناخا سلبيا وأهَّل الرأى العام لتقبل التغيير فى توجهات الدولة المصرية. وفى عام 2014، وقّعت مصر مع روسيا أول صفقة أسلحة كبيرة منذ الحرب الباردة، ليمضيا قدما فى إبرام مزيد من الصفقات المتلاحقة، ومن اللافت للنظر تقارب وجهات النظر المصرية والروسية فيما يخص الشأن السورى، إذ أعلن السيسى صراحةً أن استقرار سوريا يرتكز على دعم الأسد، كونه رجلا قويا، كما أن الطرفين يتشاركان دعمهما دور خليفة حفتر البارز فى ليبيا.

اللافت للنظر ذلك التناقض الكبير بين الوضع الحالى، وقبل عامين عندما كان دور روسيا فى المنطقة هامشيا مقارنةً بالتدخل الكبير للولايات المتحدة، وهو أمر جدير بالمراقبة والرصد. أما عن الموقف الروسى من مصر، فلهذا حديث آخر.

هل هناك حل؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لا صوت يعلو على صوت الأزمة الاقتصادية فى مصر، التى تشهر أنيابها من ارتفاع سعر الصرف الذى وصل إلى مستوى فاجأ الجميع عقب قرار تعويم الجنيه فى مواجهة العملات الأخرى، إلى المعوقات التى تتزايد كل يوم أمام عمل المستثمرين الأجانب، رغم الحديث الذى لا يتوقف عبد اللطيف المناويعن إزالة المعوقات، إلى عجز الموازنة، وليس انتهاء بارتفاع الأسعار.

ولن يمكن حل الأزمة الاقتصادية إلا إذا وضعنا أيدينا على جوهر الأزمة، وجوهر أى أزمة اقتصادية وسببها الأساسى دائماً هو «عجز الموازنة»، وإذا استطعنا أن نجد حلاً لهذه المشكلة سنستطيع أن نجد حلاً لجميع المشاكل التالية المترتبة عليها، فتعود الأسعار للانخفاض، ويتخذ سعر الصرف منحاه الطبيعى صعودا أو هبوطا، ويقل العجز فى ميزان المدفوعات، وبالتالى يقل الضغط على سعر الصرف فى السوق، ويعود سعر الجنيه ليحتل مستواه الطبيعى سواء ارتفاعاً او انخفاضاً.

وإذا كانت بداية حل الأزمة الاقتصادية تبدأ من «عجز الموازنة»، فإن القراءة الأولية فى الموازنة المصرية تكشف أن حل العجز فيها ليس سهلاً، لأن الحكومة لا يمكنها الاقتراب من ثلاثة أرباع المصروفات التى تذهب للمرتبات والصحة والتعليم، وهذا يعنى أن العجز مستمر.

ما الحل إذن، إذا كان لا يمكن تخفيض المصروفات بصورة كبيرة، كما لا يمكننا أن نزيد الإيرادات بصورة مؤثرة؟ الحل هو أن نقوم بالخطوتين فى نفس الوقت، أن نحاول تخفيض المصروفات دون أن يؤثر ذلك على المواطن محدود الدخل، ودون أن تزيد الأعباء عليه، مع الاهتمام فى نفس الوقت بزيادة الإيرادات بشكل أكبر، وهو ما يفتح أمامنا باباً لأزمة أخرى، وهو المشكلات التى ستقابلها الاقتراحات بزيادة الإيرادات.

هناك حلول جزئية لكنها غير نهائية، مثل أن ترفع الدولة الدعم جزئياً عن الطاقة، مع ملاحظة ضرورة عدم الاقتراب من دعم السولار والكهرباء، لكن حتى هذا الحل رغم كل المشكلات التى سيتسبب فيها، لن يكون ناجعاً، لأنه سيوفر مبلغاً، لكنه لن يحل المشكلة.

الخطوة التالية فى زيادة الإيرادات، من الممكن أن تكون زيادة الضريبة على الأرباح، ثم فرض ضريبة القيمة المُضافة، ولكن هذا يؤدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير.

زيادة الإيرادات تكون أيضاً من خلال زيادة النشاط الاقتصادى الذى يمكن اعتباره المفتاح الرئيسى لحل عجز الموازنة، وحل عجز الموازنة مفتاحا لاستقرار، واللجوء إلى النشاط الاقتصادى هو الحل الأمثل لمصر، فضلاً عن أنه سيكون عكس ما سيطلبه صندوق النقد الدولى، الذى سيطالب بإجراءات ضد المواطنين، إذا طلبنا قروضاً.

وإذا كنا نقول إن الحل هنا هو زيادة النشاط الاقتصادى، فعلى الدولة أولاً أن تعرف ما هى الأسباب التى أدت إلى توقف هذا النشاط، عليها أن تجد حلاً لعدم الاستقرار فى سعر الصرف، لأن القرارات المضطربة التى ترفع سعر الصرف ثم تخفضه، ثم تحرره، لن تدفع المستثمرين فى النهاية إلا إلى الهروب من السوق المصرية، كما على الدولة أن تعيد النظر مرة أخرى فى قانون الاستثمار، خاصة مع الشكاوى المستمرة من المستثمرين، من مواد القانون الجديد.

ولن تتمكن الدولة من جذب مستثمرين جدداً، إلا إذا وفرت الدولة بيئة مناسبة للمستثمر، الذى لن يجازف بأمواله ويدفع بها فى دولاب حكومى، يهتم بالبيروقراطية أكثر من اهتمامه بجذب الاستثمار. الحلول ممكنة، والأزمة الاقتصادية فى مصر من الممكن أن تجد حلاً، لكن المهم أن نبدأ.

حيطة بيتنا

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كنّا ونحن صغار نعتبر أن كل ما يحيط بنا هو جزء من ملكيتنا، فالشارع شارعنا والحارة حارتنا، وكذلك حائط المنزل الذى نعيش فيه هو حائطنا، أو كما كنا نسميها «حيطة بيتنا». بحثت فى الموضوع، وأعجبنى أحد التفسيرات التى قرأتها، ملخصه هو أن جزءاً من ثقافة الشارع فى مصر، Abdul-Latif-Al-Minawiمدنها وقراها فى القرن الماضى، هو إحساس كل فرد بأن حائط بيته يملك أن يفعل عليه ما يريد.

وهكذا كان كل طفل أو صبى يستخدم هذا الحائط فى التعبير عن مكنوناته ومواقفه، فيعلن أنه أشجع ولد فى الحارة، أو أقوى شاب فى الحى، أو أن يهاجم منافساً آخر له يمتلك الحائط المقابل، أو أن يعلن فرحته الكبرى بفوز الأهلى أو نكايته فى هزيمة الزمالك. وكان المنطق الذى يسود ويحكم، إذا ما توجه أحد باللوم أو التساؤل إلى مَن يكتب على الحائط، أنه حر فيما يفعل، قائلاً: «دى حيطة بيتنا».

هذا الشكل من إدارة العلاقات والسلوك العام يبدو وكأنه حاضر بقوة هذه الأيام، فقد تقسم الوطن إلى حوائط كثيرة، امتلك كل فرد جزءاً من هذا الحائط، وأصبح «حيطة بيتهم» يمارس فيها ما يشاء من أداء وتعبير، فيبدو الأمر شاذاً غريباً متناقضاً. وأصبحت المجتمعات مجتمعات كثيرة، وصورة كل منها متناقضة ومغايرة لصورة الآخر.

تقرأ بعض الصحف أو تشاهد بعض الفضائيات، فتعتقد أن المجتمع الذى نعيشه هو مجتمع مشرف على الانهيار، مجتمع ضاعت فيه القيم وسقطت فيه الأخلاق، وبات الوضع فيه وكأنه يُحكم بالحديد والنار، مجتمع غابت منه النخوة، والحرية، والكرامة.

ونلقى أبصارنا حولنا لنشاهد ملامح هذا الواقع الأسود، فنكتشف أن الصورة ليست كما يحاول هؤلاء تصويرها، قد تكون أسوأ، وقد تكون أفضل، وفى المقابل، نجد صحفاً ووسائل إعلام أخرى تقدم المجتمع وكأنه مجتمع جدير بأن يحسد المواطن الإنجليزى نظيره فى هذا المجتمع على تلك الحرية اللا محدودة التى ينعم بها، ويحسد السويسرى نظيره هنا على حجم الهناء والسعادة والرغد الذى يعيش فى كنفه، مجتمع ملائكى لا تُفسده إلا قلة من الشياطين، الذين تخصصوا فى إفساد متعة الحياة وبركتها. وأيضاً ننظر حولنا، فلا نجد أثراً لذلك المجتمع.

ما فات هو صورة تبسيطية- قد تكون مُخِلَّة لو ظلت فى حدودها- لما نحن عليه الآن، حالة الصراخ والتباكى والتطاحن، وادعاء البطولات غير المنظورة إلا لأصحابها، تحول المجتمع إلى خليط متناقض، كلٌّ يكتب ما يشاء، مُدَّعياً أنه يكتب على «حيطة بيتهم». وأن يتحول حائط الوطن الواحد إلى حوائط متنافرة متصارعة فهذه العلامة علامة خطر.

أظن أنه لم تعد الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة وحدها قادرة على أن تُلملم شمل هذا الوطن فى هذه المرحلة، ينبغى البحث عمن يستطيع القيام بدور الأرضية المشتركة، أو الحائط الجامع لأهل البيت. هذه الأرضية المشتركة لا تعنى الاتفاق على القضايا، ولكنها تعنى التوافق على أهمية الحوار، وحق الاختلاف والتعبير عن هذا الاختلاف بحرية، تعنى أيضاً التوافق على مصلحة الوطن والمواطن، وأن تكون الأجندة الرئيسية هى الأجندة الوطنية، ومصلحة هذا المواطن الذى لم يعد يجد ما يثق فيه.

أظن أن الخروج من هذا الوضع هو الاتفاق على حائط واحد، هو حائط الوطن، الذى نمتلكه جميعاً ونعبر من خلاله عن اختلافاتنا بحرية، ولكن بتجانس يصل بنا إلى بناء مجتمع يستحقه كل مواطن.

تحدى الإدارة بالقدرة على القفز فى الهواء

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

الفارق ما بين الشخصية الكاريزمية القيادية والشخصية المنفذة العادية هو ذلك الفارق ما بين القادر على القفز من درجة إلى درجة أعلى، وبين الراضى بالبقاء ساكناً أو التحرك الأفقى البطىء، وكلا الأمران يوصل إلى حالة من السكون، قد لا تنتج عنها إلا قرحة الفراش. والتفسير هنا أن الذى يرغب فى القيادة أو القادر على القيادة هو ذلك الشخص الذى يتمكن من تحمل تلك الفترة، التى يبدو فيها محلقاً فى المجهول معلقاً فى الهواء، ما بين درجة ودرجة أعلى، وهو الأمر الذى يعنى القدرة على اتخاذ قرار قد يبدو جنونياً أحياناً لمَن يعتقد فى السكينة ملاذاً. لكن هذا القفز أو التحرك فى الهواء إلى أعلى هو شكل من أشكال التطور والتحرك إلى درجات ومستويات أكثر رقياً وأكثر تحديثاً، ولكن هذه القفزات ينبغى أن

15_19_52

تكون محسوبة ومدروسة، بحيث لا يكون القفز إلى المجهول، وإلا تحولت العملية إلى مغامرة أو مقامرة يدفع ثمنها المرتبطون بالقائم بهذه القفزة.

فى مجتمعاتنا فى هذه المرحلة نحن فى حاجة إلى ذلك النوع من القفزات المحسوبة، أو بمعنى آخر ذلك النوع من القيادات القادرة على اتخاذ قرارات قد تبدو مفاجئة للساكنين القابعين الراضين بمواقعهم، التى يعتقدون أنها آمنة، وهى فى الحقيقة تشكل أكبر المخاطر عليهم، وعلى مَن يرتبطون بهم أو يتأثرون بقراراتهم أو لا قراراتهم.

فى مرحلة من المراحل سادت الدعوة إلى خلق قيادات جديدة، وخلق صفوف ثانية وثالثة داخل المجتمعات والمؤسسات المختلفة، سياسية وثقافية واجتماعية وإعلامية، وكانت هذه الدعوة من أجل صناعة حالة الاستقرار والاستمرار والتطور فى المفاهيم، وبالتالى الإنجازات. لكن هذه الدعوة وجدت قدراً واضحاً من المقاومة من أطراف اعتقدت أنها خالدة فى مواقعها، أو اختارت أن تضمن استمرارها واستمرار الحال على ما هو عليه، خوفاً من المغامرة أو القفز إلى ما يعتقدونه مجهولاً.

أظن أننا فى هذه المرحلة فى أشد الحاجة إلى ذلك النوع من القادة، القادرين على القفز والقدرة النفسية على تحمل البقاء فى الهواء للوصول إلى الدرجة التالية، ارتقاءً بالمجتمع وأهله.

الحاجة إلى قيادات غير تقليدية التفكير، قادرة على اختصار الزمن، مع الحفاظ على البعد العلمى بشكل دائم، هو ما نفتقده فى هذه المرحلة.

الأسلوب الذى يتم حالياً فى عمليات التقييم، سواء قبل اختيار المسؤول أو بعده، هو أسلوب فى حاجة إلى إعادة نظر بشكل كلى، المتأمل لعملية اختيار القيادات يجد أنها تخضع أحياناً للاجتهادات الشخصية للقيادات العليا أو الاعتماد على المعرفة الشخصية، وقد تتم عملية اختيار القيادات بعيداً عن الكفاءة والمهارة.

وقد أشارت إحدى الدراسات إلى وجود عشرة معايير سلبية، هى الأكثر شيوعاً فى اختيار القيادات، هى: (المعرفة الشخصية- الولاء للمسؤول- الاعتماد المذهبى- الطاعة العمياء للمستويات الأعلى- المحسوبية- النفاق والتملق- مساعدة ذوى النفوذ)، ويُلاحظ أن تلك المعايير تفتقد إلى الموضوعية والجدارة والاستحقاق فى الاختيار والتعيين، ويُعد عنصر الشفافية فى تطبيق معايير اختيار القيادات أحد أبرز التحديات فى عملية الاختيار. والأهم التفكير خارج الصندوق، والبحث عن مواصفات قادرة على التعامل مع تحديات المرحلة.

نظرة إلى واقعنا ستشير إلى ملامح الأزمة التى نواجهها فى هذه المرحلة فى أسلوب اختيار مَن يقود، تحكمنا المعايير التقليدية، ونركن إلى مسألة أهل الثقة باعتبارها الطريق الآمن.