العناد القطرى الذى سيفجر المنطق والمنطقة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تطورات الأزمة، التى ورطت قطر نفسها فيها والمنطقة معها، تؤكد أن الرؤية الغربية التى تدعمها بعض الأطراف الإقليمية بأن هناك إمكانية لتطويق الأزمة دون تغيير واضح وجوهرى فى الموقف القطرى ليست هى الرؤية الأصح والأقرب، وبات واضحاً أن تغيير سلوك قطر بات مطلباً غير قابل للمساومة لكل من مصر والسعودية والإمارات ودول عربية أخرى. وبدا هذا الإصرار من خلال رد فعل الدول التى ذكرتها على تسريب قطر لقائمة الشروط الثلاثة عشر، والتى اعتقد من يخطط للدوحة خطواتها ويدير معركتها من خبراء لم يحسنوا تقدير رد الفعل أن تسريب هذه الشروط المتشددة سوف يضع الدول صاحبة الشروط فى وضع محرج أمام العالم، وبالتالى ضاغط على هذه الدول بحجة عدم معقولية الشروط من وجهة نظرهم. لكن المفاجأة كانت فى رد فعل هذه الدول الذى اتسم بتجاهل تام لأى وجهات نظر انتقادية لهذه المطالب، بل وكان الكشف عنها من الجانب القطرى فى صالح موقف الدول المقاطعة لقطر. وأكدت هذه الدول عبد اللطيف المناويموقفها الثابت تجاه حتمية تغيير قطر سياستها الخارجية بشكل جذرى يتناسب والطلبات التى تضمنتها وثيقة الشروط.

الفرصة الوحيدة لقطر لتجاوز هذا الوضع المتأزم الذى تواجهه هو أن تتخلى عن عنادها وتتعامل بمنطق أكثر اتزاناً يضع مصلحة الشعب القطرى فى أولوياته وكذلك مصلحة المنطقة، وأن يحاول قادة قطر تجاوز النظرة الأنانية الضيقة التى تتحكم فى سلوكهم. وتأتى مسألة تبنى قطر مشروع الإخوان المسلمين، ومعها القوى والجماعات المتشددة والإرهابية فى صدارة أولويات التغيير المطلوبة من قطر. كذلك العلاقات مع إيران وتشعباتها أحد أهم متطلبات التغيير المطلوب فى السلوك القطرى. هذا يضع الدوحة أمام قرارات مصيرية عليها اتخاذها بوضوح وبضمانات وبلا مساحة للتأويل أو للالتباس، لأن مصلحة قطر تقتضى إثبات مواقف يمكن لجيرانها العرب أن يصدقوها ويثقوا فيها. مطلوب من قطر أن تتخلى عن لعب دور الولد الشقى الذى يستمتع بإفساد الأجواء المحيطة به حتى لو أدى الأمر إلى احتراقه بالنيران التى أشعلها. تحتاج الدوحة وحكامها أن يستعيدوا ثقة من فقدوا ثقته، وهم كُثُر، بالتوقف عن العبث بالاستقرار فى المنطقة العربية. وأن يتخذوا خطوات تؤكد توقفهم عن لعب أدوار خفيّة فى الشرق الأوسط وتخريبية فى أكثر من مكان.

من ينظر إلى المطالب المطروحة أنها تهدف إلى حمل قطر على الانصياع والانكسار لا يحكم على الموقف بشكل منطقى، فليس الهدف كسر قطر ولا الوصاية عليها، لكن الهدف ببساطة الرجوع عن خطأ السياسات السابقة وتنفيذ تلك المطالب بدقة متناهية وبوجود آلية تضمن الالتزام وتمكن الدول المتضررة من استعادة ثقتها بالشقيق الشارد، وحتى يمكن الوثوق بها والتعامل معها مجدداً.

المطالبة بوقف سياسات دعم التطرف وقنوات التحريض، والتخلى عن تمويل جماعات العنف، والالتزام بثوابت الأمن الخليجى فى مواجهة الخطر الذى تمثله إيران بسياساتها والمطامع التركية الواضحة، الالتزام بهذه المطالب ليس خصماً من سيادة قطر، خاصة إذا ما تذكرنا أن بداية الخطأ والخطر كانت بسبب السلوك القطرى على مر عقدين من الزمان.

هذه الأزمة ستطول إذا لم تسارع قطر بالعودة عن أخطائها، والاعتذار عن أفعالها وسياساتها السابقة من دون مكابرة، الخطر الكبير الآن هو التعنت والعناد على حساب المصالح العليا للمحيط الأوسع. حتى الآن فإن حكام قطر قد أخذتهم العزة بالإثم.

الرجوع عن الخطأ والعودة لمحيطها العربى خير لها من التشبث بأجندات بات واضحاً أن ثمن التشبث بها سيكون باهظاً.

لو لم يتم حسم هذه الأزمة سريعاً فإن هذا سيؤدى إلى المزيد من الاستقطاب السياسى الإقليمى والدولى، واتساع دائرة المواجهة، وهو وضع الكل فيه خاسر، وفِى المقدمة قطر، حكاماً وشعباً.

المطلوب حصار دبلوماسى محكم ومدعم بأدلة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

يبدو أن الدول الأربع، مصر والسعودية والإمارات والبحرين، قد قررت أن تتبع استراتيجية أكثر توافقا مع التطورات الأخيرة. يتمثل هذا فى طرح ما سُمى المبادئ الستة، كترجمة أكثر دبلوماسية للشروط الثلاثة عشر، يتوازى مع ذلك تحرك، من خلال المنظمات الدولية، لإدانة قطر بفعل الإرهاب ودعمه. إذن هذا طريق اعتمدته الدول الأربع لتطوير موقفها، بعد مرور أكثر من سبعة أسابيع على بدء تحركها ضد قطر. قد تكون بعض ردود الفعل الغربية والأمريكية كانت مفاجئة، لذلك كان ضرورياً التعامل بمرونة فى الشكل مع الالتزام بجوهر الهدف الرئيسى. تزامن هذا الموقف مع تحرك آخر قامت به مصر، التى تشغل الآن موقع عضو بمجلس الأمن، عندما وجهت مصر من IMG_0132خلال مندوبها فى مجلس الأمن اتهاماً واضحاً إلى الحكومة القطرية بانتهاج سياسة «داعمة للإرهاب» تنتهك قرارات مجلس الأمن الدولى، وقال أمام أعضاء المجلس: «إن من المشين ألا يحمّل المجلس المؤلف من 15 بلدا قطر المسؤولية». وطلب «ضرورة وجود محاسبة من جانب المجلس للدول التى لا تمتثل لتلك القرارات. على سبيل المثال، فى تبنى النظام الحاكم فى قطر لسياسة دعم الإرهاب».

المندوب المصرى، إيهاب مصطفى، قال إن النظام القطرى «يعتقد أن المصالح الاقتصادية واختلاف التوجهات السياسية تحول دون محاسبته من جانب مجلس الأمن على انتهاكاته لقرارات المجلس». يعتقد عدد من الدبلوماسيين المصريين أن الإطار الأمثل لمحاصرة الموقف القطرى دوليا هو لجنة مكافحة الإرهاب، وهى آلية دولية تابعة لمجلس الأمن. وتضم فى عضويتها الأعضاء الخمسة عشر لمجلس الأمن وتترأس مصر اللجنة فى هذه الدورة.

يتضح أن قطر تخالف مخالفة صريحة قرارات مجلس الأمن وآلياته منذ زمن، وعلى الدول المناهضة للإرهاب أن تكشف ذلك أمام المجتمع الدولى، وأن تطالب بمعاقبتها وتتخذ الإجراءات القانونية لبدء قضية تعويضات كبرى.

بات واضحاً فى هذه المرحلة أن هناك حاجة ملحة لإصدار كتاب أبيض، وهذا مطلب لخبراء وعقلاء الدبلوماسية المصرية لم يلق صدى إيجابيا كافيا حتى الآن، يتضمن سلسلة انتهاكات قطر للقانون الدولى ودعمها لجماعات الإرهاب. حصيلة ما قامت به الدوحة مؤخرا ما هى إلا سياسة خارجية تضر بمصالح جيرانها العرب، بل والأمن العالمى. وإن العجز القطرى عن حل هذه القضايا هو ما جعلها تتحمل مسؤولية هذه الأزمة الأخيرة. الانطباع السائد عالميا عن قطر دعمها الجماعات المثيرة للشكوك، ظهر ذلك واضحاً فى ليبيا عام 2011، عندما دعمت أكثر الجماعات تطرفًا فى مواجهة معمر القذافى، بل وتزويد هذه الجماعات بأسلحة متطورة. ولاتزال قطر إلى يومنا هذا تدعم الجماعات المرتبطة بالإسلاميين فى ليبيا.

أما أبرز منابع الغضب فى العالم العربى فيتجلى فى دعم الدوحة الأعمى على ما يبدو للحركات المرتبطة بالإخوان المسلمين فى جميع أنحاء المنطقة.

حان الوقت لكشف كل ذلك بالوثائق والأدلة لكل العالم.

تنظير الجهل

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

يمر المسؤول الكبير فى مناسبة عامة، ويرى أمامه كاتبا فى صحيفة- رسمية أو شبه رسميةـ فيقول له معاتبا أو زاجرا: (ما هذا الذى كتبته يا فلان؟)، ويحاول الكاتب شرح وجهة نظره التى لا يستمع إليها المسؤول أو يوليها اهتماما، وينتهى الموقف ويبقى الأثر. فيتحول ذلك الكاتب إلى شخص (مستحَل)، تبدأ السهام فى الاتجاه نحوه وإصابته. ويبدأ المعاناة من غياب الذين كانوا حوله فى يوم من الأيام. ويختفى عبد اللطيف المناويطالبو الود سابقا، وتغيب كتابات الكاتب عن الصحيفة.

يظل الحال هكذا حتى يأتى يوم آخرـ إن أتى- يلتقى فيه ذلك المسؤول بذلك الكاتب مرة أخرى، ويسأله: (لماذا لم تعد تكتب يا فلان؟)، ولا ينتظر منه إجابة أيضا. ولكن يتغير الحال، ويعود إلى سابقه. فقد تمت إعادة الغطاء إلى الكاتب الذى سبق أن رُفع عنه بإيماءة مسؤول.

هذه القصة ليست قصة شخص بعينه أو مسؤول محدد، ولكنهاـ فيما أظن- قصة تقليدية متكررة فى مجتمعاتنا، لا أظن أن أحدا ممن قرأها الآن قد فاجأته فى شىء، بل قد يكون البعض ممن بدأ القراءة قد توقف الآن، فما يُقال ليس بجديد.

هنا لا تهم تفاصيل القصة، بقدر دلالتها التى تعبر عن ثقافة خاصة فى المجتمع، يمكن أن أسميها ثقافة تحسس اتجاه المسؤول أو (قراءة أحلام المسؤول). وفى تعبيراتنا المتداولة فى إطار التندر أو الفكاهة والمزايدة يقال تعبير (أحلام سعادتك أوامر)، رغم أنه يقع فى دائرة الفكاهة كما ذكرت، ورغم أنه يعد تعبيرا كاريكاتيريا عن وضع اجتماعى نعانى منه.

آثار هذا المرض لا تقف عند حدود النفاق الواضح للمسؤول، ولكنها تتخطى ذلك إلى أمور أخرى حياتية، أظنها تصب فى النهاية، فى خانة إعاقة أى مجهودات إصلاحية.

والحكاية أو النموذج السابق هو نموذج متكرر فى مستويات مختلفة ومجتمعات مختلفة، فمن يعملون مع المسؤول لا يملكون جرأة مناقشته فيما يقول أو يأمر به. ويبحثون عن نياته واتجاه تفكيره وذلك لالتقاط ما يفكر فيه المسؤول أو يحلم به للسير فى الاتجاه الملهم للمسؤول، بل تتخطى الأمور حدودها عندما يصل حملة المباخر هؤلاء إلى مستوى تنظير ما ينطق به المسؤول، والبحث عن مزاياه الخفية وحكمته السديدة ورؤيته التى تتخطى حدود رؤية العامة من أمثالنا. أى باختصار، يلعبون دور منظرى الجهل.

بما أن اليوم هو يوم الحكايات، فقد تكون الحكاية التالية مناسبة، وهى عن ذلك المسؤول الذى سافر وبصحبته عدد لا بأس به من الناقلات ومعه أيضا عدد لا بأس به من المسؤولين والحاشية. وعندما حان موعد العودة إلى الديار، قرر أن يبقى هو لبعض الوقت. وكانت المشكلة الكبرى أن على بقية المسؤولين العودة فى الموعد المحدد لإدارة شؤون العباد. ولكن ظل السؤال الكبير: أى ناقلة يريد المسؤول الكبير أن يركب حينما يقرر العودة؟!

كانت الخشية- كل الخشية- أن يعود أحد أتباع المسؤول فى ناقلة قد يقرر المسؤول الكبير، فجأة، أن يستخدمها إذا ما قرر العودة، وأراد استخدامها بالذات. ولم يجرؤ أحد على الذهاب إلى ذلك المسؤول الكبير وسؤاله: أى واحدة من تلك الناقلات يريد أن يستبقى؟ وكان الحل الأسهل أن تبقى كل الناقلات، وبالتالى يبقى المسؤولون التابعون، لأن أحدا لم يجرؤ أن يسأل مجرد سؤال. إذا كان هذا الحل فى موقف كهذا فكيف نتخيل الحال فيما يتعلق بمصائر بشر ومجتمعات؟

الموضوع كبير، ويحتاج لما هو أكثر من كلمة، ولكن هنا فقط، أردت أن أشير إلى مشكلة حقيقية، أظنها عائقا كبيرا أمام أى تقدم ديمقراطى، العجز عن مساءلة المسؤول. العجز عن مناقشة القرار أو التهرب من مناقشته، بل التمادى إلى حدود التنظير للخطأ أو الجهل. كل هذه المشكلات حقيقية، ليست وهما، وليست أمرا هامشيا. كم من الهمهمات الناقدة المستنكرة لخطاب أو كلمة لمسؤول، وقتما ينتهى منها، يتسابق أولئك المهمهمون والمستنكرون ليهنئوه على كلمته ورؤيته.

لا يقع نقدى هذا فى إطار الحسد لكل المسؤولين، لأننى لن أجد من يهنئنى على حكمتى بعد قراءة هذا المقال.

تطمينات مطلوبة لاستمرار موقف موحد من قطر

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

ارتبطت قطر بالإرهاب فى العقل المصرى، أصبحت هذه هى الصورة الذهنية للنظام القطرى. كلما وقع حدث إرهابى فى مصر استدعى المصريون قطر إلى الواجهة، ليس بالضرورة تورط قطر فى العمليات الإرهابية بشكل مباشر، ولكن لأن القناعة لدى القطاع الأكبر من المصريين باتت أن ما تعانيه مصر من إرهاب ناتج عن دعم الدولة القطرية للإرهاب فى العالم، وأن مصدر قوة جماعة الإخوان المسلمين

15_19_52

عبد اللطيف المناوى

يأتى من الدعم القطرى اللامحدود للإخوان.

على الرغم من انشغال المصريين بتطورات الوضع الاقتصادى لديهم وانعكاسه على معيشتهم اليومية من ارتفاع الأسعار، خاصة بعد قرار الحكومة برفع أسعار المحروقات والكهرباء ورفع جزئى للدعم على الدقيق، على الرغم من هذا الانشغال إلا أن العلاقة مع قطر تشغل حيزاً لا بأس به من تفكيرهم. يتمنى المصريون أن يروا قطر منصاعة لطلبات الدول الأربع، وأن تتوقف عن دعم الإرهاب وتلتزم بأمن جيرانها، ولكن هناك قلقا دفينا لا يعبر عنه المصريون كثيراً من أن تنفرد الدول الخليجية الشركاء الثلاث بحل المشكلة مع قطر وترك مصر خارج إطار الحل ودون أن تحقق أهدافها. ما يدفع هذا التخوف لدى المصريين أمران، الأول أن المشكلة يتم التعامل معها على نطاق عالمى وإقليمى واسع باعتبارها مشكلة خليجية داخلية بين دول مجلس التعاون، ومعظم المقترحات للحل المطروحة تتعامل مع الأزمة من هذا المنطلق، وبالتالى عندما يأتى وقت حل الأزمة يخشى بعض المصريين أن يجدوا أنفسهم خارج إطار هذه التسوية. الأمر الآخر أنه فى تجارب سابقة، وإن كانت على نطاق أصغر كثيراً، حدث مثل هذا الموقف. لذلك يوجد مثل هذا التخوف، وإن كان الإحساس الغالب أن الموقف مع قطر هو موقف مبدئى من الصعب أن يتخلى عنه أحد الأطراف.

فى إطار محاولات الدولة المصرية لاستمرار إشراك الرأى العام فى تطورات الوضع مع قطر فإن مركز المعلومات ودعم اتخاذ القرار بمجلس الوزراء المصرى كشف، فى تقرير نُشر الخميس الماضى، عن الخطوات المستقبلية والسيناريوهات للتعامل مع قطر «حفاظا على الأمن القومى العربى»، كما ذكر التقرير.

وأوضح التقرير أبرز التساؤلات عن الخلاف العربى مع قطر والإجراءات التنسيقية والتشاورية بين الدول الأربع بشأن الخطوات المستقبلية للتعامل مع الدوحة.

وذكر أن هناك عدة سيناريوهات للتعامل مع قطر، منها التحرك نحو مجلس الأمن لإدانة قطر، والاستمرار فى المقاطعة الاقتصادية مع الدوحة، وفرض عقوبات جديدة على الدوحة، وتجميد عضويتها فى مجلس التعاون الخليجى.

كما أشار التقرير إلى سيناريو آخر، قال إنه مستبعد، وهو التصعيد العسكرى.

إذن فيما يبدو، وفى إطار الموقف الحالى، فإن السيناريو الذى تصدره الدولة المصرية لمواطنيها سيتم التركيز فيه على الإجراءات الاقتصادية والسياسية، مع إمكانية اللجوء إلى مجلس الأمن للتحقيق فى وقائع محددة، مع استبعاد اتخاذ إجراءات عسكرية. وتعاملاً مع التخوف من مدى استمرار تماسك وصلابة موقف الدول الأربع فإن الدولة المصرية كانت حريصة على التأكيد أنه لا يوجد أى خلاف بين الدول الأربع فيما يتعلق بالملف القطرى، فى ضوء دعم الدوحة للإرهاب وسعيها لزعزعة الأمن والاستقرار الداخلى للدول العربية.

لكن الأكيد أن قطر عقّدت الأمور برفضها المطالب التى قدمتها الدول الأربع، اعتبرت قطر بعض هذه المطالب تمس سيادتها، ولكن بدا واضحاً، بل ومحرجاً لقطر ما سربته «سى. إن. إن» لاتفاق الرياض الذى نقضته قطر.

إن المواقف المعلنة من حكومات الدول العربية الأربع تؤكد أن مواقفها تجاه قطر مازالت على حالها، وأنها لن تتراجع إلا باستجابة قطر لـ١٣ مطلبا، فهل تستجيب قطر؟.. الإجابة تقول إن قطر ستبقى على عنادها ودعمها للإرهاب، لذلك لا خيار أمام العرب والعالم إلا ممارسة المزيد من الضغوط على قطر.

فيما يبدو فإن جهود وزير الخارجية الأمريكى قد فشلت، وإن واشنطن تمارس فى الأزمة مع قطر سياسة تحكمها الانتهازية السياسية ولغة المصالح. وهذا يعنى ببساطة أن على الدول الأربع أن تستمر فى التنسيق، والأهم أن تمتلك استراتيجية طويلة المدى ثابتة وقوية ومطمئنة لجميع الأطراف الخليجية والمصرية.

«الناجح يرفع إيده»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

استوقفنى خلال الأيام القليلة الماضية تعليقان عن العلم فى مصر، أحدهما عن العلوم فى مصر منذ خمسين قرناً، والآخر عن التعليم فى مصر وأوضاعه أمس الأول، يوم إعلان نتيجة الثانوية العامة.

وسأبدأ بالزمن السحيق، عندما خرج علينا دكتور وسيم السيسى، أ100_0757-1.jpgستاذ علم المصريات، بتعليق فى أحد البرامج التليفزيونية قائلاً: إن الأسرة الفرعونية الـ18 بدأت برجل عظيم وهو الملك أحمس، مشيرا إلى أنه يرجع له الفضل فى تحرير مصر من الهكسوس. مشيرا إلى أن العلوم جميعها، وبالأخص الطب، نشأت فى مصر منذ 50 قرنًا، لافتا إلى أن هناك مقولة للفيلسوف أفلاطون يقول فيها: «ما من علم لدينا إلا وقد أخذناه من مصر».

التعليق الثانى للأخ العزيز الدكتور مصطفى كامل السيد، أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، عندما علق على المؤشرات الأولية لنتائج الثانوية العامة، لافتًا إلى أن أقل الدرجات التى حصل عليها الطلبة هى تحديدًا فى مواد: اللغة الإنجليزية، الفيزياء، التفاضل والتكامل، الجبر والهندسة. وأضاف «السيد»، فى تدوينة له عبر موقع التواصل الاجتماعى «فيسبوك»، أن هذه المقررات تحديدًا هى الأساس فى مواكبة التحولات العلمية الهائلة، والتواصل مع العالم، مشيرًا إلى أنها دليل آخر على أن مخرجات التعليم فى مصر تباعد بيننا وبين تحقيق أى نهضة ذات قيمة فى عصر العلم وانفجار المعرفة. وأضاف أستاذ العلوم السياسية أنه لا يلوم أحدا.. الهند والصين وكثير من دول العالم تتسابق على كسب ود إسرائيل، مشيرًا إلى كلمة الكاتب الراحل أحمد بهاء الدين أن الصراع بين العرب وإسرائيل هو فى أحد جوانبه صراع حضارى.

ظهرت بالأمس نتيجة الثانوية العامة، مبروك لكل الناجحين، ولكن فى نفس الوقت لا عزاء للمجتمع المصرى الذى مازال يسير وبإصرار عجيب فى دروب التراجع والتأخر العلمى. لم يعد غريبا، بل ولم يعد يؤثر فينا، ما نتابعه ‏من تراجع لرغبات الانضمام إلى الكليات العملية، أو عن انخفاض مستوى طلاب هذه الكليات، بل المستوى العلمى لهذه الكليات. لم يعد غريبا أن نسمع عن تراجع الجامعات المصرية فى مؤشرات الجامعات العالمية وتخلف البحث العلمى مقارنة بالعالم المتقدم أو الدول الراغبة فى التقدم.

أحد التصنيفات العالمية للجامعات فى العالم اسمه «كسر اس» كشف مؤخراً عن تراجع الجامعة الأمريكية فى مصر وجامعة القاهرة لعام 2016/ 2017. حيث تراجعت الجامعة الأمريكية بالقاهرة 20 مركزاً لتحتل المركز الـ365 عالمياً، فيما تراجعت جامعة القاهرة 50 مركزاً لتصبح بين ترتيب الـ551- 600 عالمياً. وباستثناء الجامعة الأمريكية، تراجعت كل الجامعات المصرية فى تقييم «السمعة الأكاديمية».

لن ينفعنا كثيراً أو طويلاً أى مشروع عملاق، لكن إذا أردنا أن يكون لدينا مشروع قومى بحق فأظن أنه التعليم.

عندما شغل دكتور طارق شوقى منصب وزير التربية والتعليم لقى اختياره صدى إيجابيا كبيرا لدى العديد ممن عرفوه عن قرب أو تابعوه وممن يعرفون فى نفس الوقت حقيقة وحدود المشكلة التى تعيشها مصر فى التعليم. ليست لى علاقة قريبة بالدكتور شوقى لكن ما سمعته عنه وما تابعته حتى الآن يعطى انطباعاً مشجعاً، لكن نجاحه لن يتم ما لم يتمكن من الوقوف أمام المقاومة الهائلة التى سيلقاها داخل وزارته نفسها وفِى مجاهل الدولة، والمقاومة الأعظم ستكون من المجتمع ذاته الذى قرر أفراده أن همهم الرئيسى أن يحصل أبناؤهم على «الشهادة الكبيرة»، وليس مهماً إن كان يستطيع حتى أن يقرأ ويكتب أم لا.

مبروك للناجحين فى الثانوية العامة، وألهم الله الدولة ورجالها القدرة على فهم مخاطر تراجع مصر فى التعليم ليدعموا ثورة تعليمية حقيقية على المدى الطويل، البديل عنها أن نستمر فى الغناء «الناجح يرفع إيده» ونستمر فى الغرق فى مجاهل الأمم المتخ

الثعالب الصغيرة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تمتلئ الحياة حولنا بالحكايات والمشاهد، وهى حكايات ذات دلالة، ومشاهد لها من المعانى الكثير، وتحمل ذاكرتنا أيضا الكثير من الحكايات القديمة والقصص التى لها أصول فولكلورية، والغريب أن تلك القصص والحكايات تحمل من العمق والحكمة، رغم بساطة شكلها، ما يفاجئنا عندما نكتشف أن ما نراه فى حياتنا من أمور، وعلاقات على المستويين الخاص والعام، ما يبدو وكأن كل هذه الحكايات Abdul-Latif-Al-Minawiهى تعبير قديم جديد عما نعيشه ونشاهده.

هذه المقدمة ليست محاولة لإسباغ قدر من التعقيد أو افتعال الحكمة، ولكنها حقيقة أكتشفها كل يوم، وأدعوكم إلى التأكد من هذه الحقيقة ـ كما أعتبرها ـ باستحضاركم لنصوص من حكايا الأجداد أو الأمثال الشعبية للأمهات والجدات أو كتب التراث المليئة بالخرافات وحكايات الحيوانات التى هى فى النهاية تعبير عن واقع حياتى لهم والغريب أنه أيضا واقع متجدد لنا.

لفت صديق لى نظرى فى معرض حديثه عمن يستمتعون بإفساد الجيد من الفعل وإعاقة الصحيح من الحركة فى مجتمعنا ـ المحلى والإقليمى ـ عندما وصفهم بالثعالب الصغيرة المفسدة للكروم، وكان الحديث حول تلك الكائنات الصغيرة ـ حجما هنا ـ والتى تستمتع بإفساد الأفعال التى يهدف أصحابها إلى أن تكون أفعالا إيجابية.

لا أظنه صعبا النظر حولنا، شخصيا ومحليا وإقليميا، لكى نكتشف تلك الثعالب الصغيرة التى تبدو وديعة المظهر، آمنة الجانب لكنها فى النهاية مفسدة لحياتنا ولأى محاولة إنجاز، نجاهد من أجل قبول الآخر، من أجل فتح دائرة الحوار مع أطراف الأمة وتوحيد أبنائها، ليأتى أولئك الذين احترفوا حرق الجسور ليعيشوا على نارها، ويطربوا بانهيارها، تدور المحاولات الجادة لوضع الكتف معضدا للكتف لمواجهة المستقبل معا بين أطراف عشقت هذا الوطن، واختارت العيش فيه، والعمل من أجله، اتفقت على الارتباط والارتقاء به، حتى وإن اختلفت تلك الأطراف على الأسلوب، فتأتى مرة أخرى تلك الثعالب الصغيرة لتعبث بثمار هذا الوطن، وتفسد محاولات التوحد من أجل الدفع به إلى الأمام، وهى هنا ثعالب لا تنتمى لطرف واحد، ولكنها تنتمى لأطراف متعددة ومتناقضة، ولكن يعميها ضيق الأفق وقصر النظر والرغبة فى الربح السريع ولو كان ذلك ثمنه إفساد الثمار، وهى هنا تنطلق من رغبتها قصيرة النظر فى تحقيق مكاسب، وعدم إدراكها بأن ذلك يسبب إفسادا أعم وأشمل.

وإقليميا نجد تلك الثعالب الصغيرة مرة أخرى تقوم بدور المفسد للجهود الكبيرة، وهى هنا تلعب أدوارها لصالح ثعالب أكبر وأكثر مكرا، ولكنها- أى هذه الثعالب الكبيرة ـ قررت ألا تواجه بنفسها وتركت المجال للصغير منها ممثلا لها، ومدفوعا برغباتها فى القيام بذلك الدور المفسد، وأنا هنا إن كنت أُبرّئ الثعالب الصغيرة محليا من سوء النية وأغلّب قصر النظر، أو عدم القدرة على تقدير الأمور، فإننى هنا لا أبرئ الثعالب الصغيرة إقليميا، والتى ـ يبدو واضحا أنها ـ تلعب دورها لصالح ثعالب أكبر إقليميا أو دوليا، وما يحدث فى المنطقة المحيطة بنا يمكن لنا أن نقرأه فى إطار تلك الحكايات فكيف لنا أن نفسر محاولات الإعاقة المستمرة لإيجاد حد أدنى من التوافق بين الدول العربية المختلفة فى مواجهة تحديات المرحلة، التى هى تحديات حاسمة فى تشكيل وإعادة رسم ملامح ومستقبل المنطقة.

شعوب ومسلسلات

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تلك الحالة من الاستسلام والرفض، ورغم ذلك الإصرار على متابعة المسلسلات التليفزيونية، لا تختلف كثيراً عن ذات الحالة التى يمكن ملاحظتها فى الشارع العربى بشكل عام، تلك الحالة من الاستسلام غير الطبيعى، والرضوخ لما هو مطروح ـ أو مفروض، علينا سياسياً أو اقتصادياً أو اجتماعياً، حتى إن السؤال الذى يتردد أو على الأقل ينبغى أن يتردد ـ داخلنا وحولنا، هو، هل هذه المسلسلات بمثابة أبناء شرعيين أو غير شرعيين ـ لهذه الحالة التى نعيشها، أم أن هذه الحالة هى الابن الشرعى لتلك المسلسلات وذلك الإنتاج الفنى والسياسى الذى نتعرض له يومياً حتى بتنا هكذا.

لست ناقداً فنياً، لكن تستوقفنى الظواهر، والظاهرة التى استوقفتنى، خلال الأسابيع الماضية، هى تلك العلاقة الغريبة والمريبة بين المواطن المتلقى وبين جهاز الإعلام المرسل عبر إنتاجه الدرامى، والذى تمثل فى ذلك الفيض من المسلسلات فاضت بها الشاشات العربية من دون استثناء، وجوه شاخت، وشخصيات مل منها الناس، وممثلون وممثلات كادوا أن يضيفوا أجنحة ملائكية يسبحون بها فى عقول الناس الخاوية ـ بإرادتهم ـ وآخرون يتحدثون عن ملايين لم يسمع بها معظم المشاهدين، وقصص سخيفة وممجوجة، وشخصيات باهتة، وأحداث غير واقعية، باختصار حالة من النصب العام والشامل ومتعدد الأطراف على المشاهدين، والغريب هنا ليس حالة النصب، ولكن الغريب إدراك المتلقين من المواطنين أمثالنا لهذه الحقيقة، ولكن الأكثر غرابة هو تلك الحالة الغريبة من الاستسلام التى راح فيها المواطنون، رافعين كل رايات التسليم للأمر الواقع والرضا بالمكتوب.

قرر منتجو هذه المسلسلات وتضامنت معهم جميع الشاشات العربية التى هى جزء من الآلة الإعلامية العربية ـ الرسمية والخاصة، قرروا جميعاً أن يقدموا هذا المخدر إلينا نحن المواطنين، ورضينا نحن بإدمان هذه الأشياء حتى لو كنا مدركين لحقيقتها، وحتى لو كنا غير راضين عنها.

أعود للسؤال المحير على طريقة المسلسلات، من ابن من؟ هل نحن أبناء هذه الحالة من الاستسلام اللذيذ المؤذى، أم أن هذه الحالة من الاستسلام الناتجة عن ذلك الواقع الذى نعيشه هى المسؤولة عن أحوالنا هذه؟

قد يرى البعض فيما أقول محاولة للى عنق الأشياء لأوصل بها معنى أكبر من حدودها، فكل ما سبق هو حديث عن مسلسلات، ولكنى أرد قائلاً، إن العرض ـ بفتح العين والراء ـ البسيط هو نتاج لداء قد يكون مزمناً، ولست أدرى هل هذا العرض ـ بفتح العين والراء ـ الذى أشرت إليه اليوم هو إشارة لحالة أعم وأخطر، أنا أظنها كذلك، وإذا أردنا الدليل فلنحاول استعادة حالتنا الاستسلامية لما فرض علينا من شاشاتنا، ونقارنها بما فرض علينا من واقع تفاصيله غنية عن البيان. لن تجد الأنظمة ولا منتجو المسلسلات شعوباً ومتلقين أفضل منا.

مرة أخرى.. أولويات الاحتياجات المصرية

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

يشهد شهر رمضان طوفاناً من الإعلانات الخاصة بالتبرع لمشروعات خيرية متعددة الاتجاهات، فى الغالب مستشفيات للعلاج المجانى. وأنتهز هذه الأجواء لأُعيد مرة أخرى الفكرة التى سبق أن طرحتها بأن نمتلك معلومات تفصيلية عن الاحتياجات لمختلف مناطق مصر، نحدد فيها أولويات الاحتياج لكل منطقة ونستهدف أن يكون العمل على أساس علمى وعلى مدار العام.

هناك العديد من الخرائط التى تضعها الدول والمؤسسات، والتى تسلط الضوء على اتجاه معين، فهناك على سبيل المثال الخريطة الجغرافية التى توضح التضاريس والمساحة وتقسيم البلدان، وهناك خريطة استثمارات والتى توضح فرص الاستثمار الموجودة فى الدول، وهناك خريطة معادن والتى توضح أماكن انتشار المعادن بمختلف أنواعها، وما أعتقده أنه قد حان الوقت لوضع خريطة من نوع جديد، يمكن أن يطلق عليها اسم «خريطة الاحتياجات المصرية».

توجد فى مصر العديد من الصناديق التى تجمع الأموال للمساهمة فى إعادة بناء مصر، والعديد من المبادرات التى تقودها مؤسسات أو أشخاص والتى تعمل فى نفس الاتجاه، كما يوجد العديد من المؤسسات الخيرية التى تقوم على هذه الفكرة، ولكن لا يوجد ما يحدد لهذه المؤسسات الأهلية أو الشخصيات الأماكن التى تحتاج إلى مساعدة فعلية، وبالتالى من الممكن أن نجد أنها جميعاً تعمل فى اتجاه واحد، وتوجه مساعداتها لحل مشكلة واحدة، وتترك العديد من المشكلات الملحة بدون حل أو تقديم يد المساعدة.

جزء من الأفكار المطروحة لحل هذه المشكلة أن يتم جمع الأموال التى تقدمها هذه المؤسسات، أو تجمعها هذه المبادرات، فى مصدر واحد وإدارتها من قبل الدولة أو من قبل مؤسسة يتم الاتفاق عليها، ويتم توجيه الأموال إلى مصادر الاحتياج المختلفة، لكن هذه الفكرة تلقى العديد من الاعتراضات، خصوصاً أن المساهمين بأموالهم أو مجهودهم يحتاجون أن يساهموا بشكل فعال فى تقديم هذه الأموال إلى الجهات الأكثر حاجة من وجهة نظرهم، كما يفضلون أن يشرفوا بأنفسهم على هذه المساعدات وهى تتوجه إلى مصادرها الحقيقية.

ويمكن أن يكون الحل لضبط حركة هذه الأموال، وحتى تساهم كل هذه المبادرات فى حل جزء من المشاكل العالقة، والمساهمة فى التنمية بالفعل، هو أن تعلن الدولة عن «خريطة الاحتياجات المصرية»، وتترك لرجال الأعمال والمؤسسات الخيرية والمبادرات حرية التحرك والمساهمة فى التنمية.

وأهمية هذه الخريطة المقترحة هى أنها ستحدد احتياجات كل قرية أو مدينة فى مصر، فربما تحتاج إحدى القرى إلى مدرسة أكثر من احتياجها إلى مستشفى فى هذا الوقت، وربما تحتاج مدينة أخرى إلى مشروع للصرف الصحى أكثر من احتياجها إلى مدرسة، وربما تحتاج قرية ثالثة إلى تجديد شبكة الكهرباء، وأهمية الخريطة ليس فقط فى تحديد احتياجات كل قرية ومدينة، بل فى أنها ستسلط الضوء على احتياجات بعض الأماكن التى ربما لم يلتفت إليها أبداً صناع المبادرات ورجال الأعمال لبعدها أو عدم الالتفات إلى احتياجاتها الحقيقية.

وعندما يتم نشر هذه الخريطة على نطاق واسع سيكون أمام الجميع خريطة بكل الاحتياجات المصرية الحقيقية للأماكن التى غابت عنها عين التنمية أو التى تحتاج إلى علاج عاجل لمشاكلها، وهنا يمكن للجميع أن يتوجه إلى الأقرب إليه والأنسب لما يريد أن يساهم فيه، فيمكن لرجال الأعمال أن يوجهوا مبادراتهم ومساهماتهم المالية ويقوموا بالإشراف على التنفيذ.

كل عام وأنتم بخير.

لماذا تستمر قطر فى تحدى المنطق؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

بعد إعلان السعودية والإمارات والبحرين ومصر قرار المقاطعة التامة مع قطر وإغلاق الموانئ والأجواء أمام الملاحة القطرية، ماذا عبد اللطيف المناويستكون الخطوة القادمة تجاه قطر لو لم تلتزم وواصلت السير فى طريقها الذى بدأته وفيما يبدو مصرة عليه؟

الواضح مما رأينا من تطورات خلال اليومين الماضيين أن الصدمة التى وجهت إلى قطر قد أصابتها بقدر كبير من الارتباك. كما ذكرنا لم يكن أى مراقب يتوقع أن يكون الإجراء بهذا القدر من الحدة والشمول الذى بدا وكأنه إعلان حرب دون استخدام قوة عسكرية.

الموقف يبدو ثابتاً لدى الطرفين، الدول الأربع التى بدأت الفعل، أو رد الفعل على سلوك قطر، وهى مصر والسعودية والإمارات والبحرين يبدون إصرارها على المضى قدماً فى الإجراءات التى اتخذت، بل وتصعيدها أو إحكامها. كما فعلت الإمارات على سبيل المثال عندما شملت حظر وجود القطريين فيها إلى منعهم من المرور عبر مطاراتها ترانزيت. وهو تعبير عن اتجاه تلك الدول إلى التضييق بقدر الإمكان وإضافة ما يمكن إضافته من إجراءات. أيضا نتذكر ما أشار إليه البيان السعودى من التواصل مع الشركاء الدوليين من دول ومنظمات وكيانات اقتصادية ومالية للمشاركة فى الإجراءات ضد قطر. على الطرف الآخر فإن قطر استمرت فى اتخاذ خطوات فيها قدر واضح من الارتباك مع الاستمرار فى الاستفزاز. وليس بيانها الذى صدر عقب الإجراءات سوى نموذج لذلك عندما أصرت على الإشارة المستمرة إلى الحديث عن الدول الخليجية الثلاث واهتمامها بعلاقتها معها فى الوقت الذى تجاهلت فيه مصر إلا فى إشارة تحمل فى طياتها اتهام مصر بأنها وراء كل ذلك. ثم بدأت الأخبار عن الاتصالات القطرية الإيرانية والتركية وكأنها تلوح بما كان سبباً فى توتير، بل تفجير العلاقة.

ردود الفعل العربية اتسمت بقدر من الحذر، فيما عدا اليمن وليبيريا وموريتانيا فإن بقية الدول الأخرى اكتفت بتخفيض التمثيل الدبلوماسى كالأردن أو بالآمال فى أن تتمكن الأطراف من تجاوز الأزمة والحفاظ على الوحدة بين الدول العربية. أما غربياً فإن المواقف كانت إما تأييداً مستتراً من خلال تصريحات كتلك التى تشير إلى أهمية أن تلتزم قطر بالالتزامات الدولية لمكافحة الإرهاب وأن تجيب عن أسئلة جاراتها المرتبطة بدعم الإرهاب والتدخل فى الشؤون الداخلية لدول المنطقة وأن تتحلى بالشفافية فى مواقفها. أو دول لم تبد حماسة واضحة للموقف الذى اتخذته الدول العربية المقاطعة لقطر. أمريكياً نستطيع أن نلمح تناقضاً ما بين الرئيس ترامب وأجزاء أخرى من الإدارة الأمريكية. وتفسير هذه المواقف إجابته يمكن أن نجدها فى السلوك القطرى خلال العقد الأخير فى الانتشار عالمياً وكسب أو شراء أصدقاء أو حلفاء. وهذا الوقت هو وقت تسديد الفواتير. ولكن ليس من المتوقع أن يصمد ذلك طويلاً أمام الإصرار الذى تبديه دول مقاطعة قطر وقوة المنطق والحجة والأدلة التى تمتلكها لإدانة قطر وتورطها فى دعم الإرهاب إقليميا وعالميا. وهو الأمر الذى دفع صحيفة مثل اليو اس توداى إلى وصف قطر بالعميل المزدوج فى علاقتها بالإرهاب والإرهابيين. لذلك قد تنجح قطر فى تحجيم رد الفعل والتأييد العالمى لمقاطعتها لفترة للأسباب النفعية والمصلحية للأطراف الدولية، دولاً أو أشخاصاً، المرتبطة بمصالح مادية واقتصادية مباشرة وغير مباشرة مع قطر. لكن استمرار هذا الموقف المتحفظ سيرتبط باستمرار الضغط العربى المطالَب بتغيير سياسات قطر وتخليها عن دعم الإرهاب، وهو المطلب الذى يصعب مقاومته طويلا.

الوساطات بدأت تظهر فى الأفق، على رأسها الكويت. هناك حديث عن أطراف أوروبية طرحت المساعدة فى التوسط بين الأطراف، على الرغم من نفى وزير الخارجية السعودى الذى صرح بأنهم لم يطلبوا وساطة خارج دول التعاون الخليجى.

لكن يظل سيناريو المستقبل مرتبطاً بسلوك واستجابة قطر للمطالب الواضحة بتغيير سياستها الداعمة للإرهاب والالتزام الصارم بعدم التدخل فى الشؤون الداخلية للدول وإثارة القلاقل والتخلص من فلول الإرهابيين الذين تأويهم وتدعمهم داخل قطر وخارجها. إذا استطاعت قطر الالتزام بذلك بطريقة مقنعة وقابلة للقياس والمراقبة فإن مخرجاً سيبدو فى نهاية أفق الأزمة، البديل هو تآكل النظام القطرى والبحث عن سبل لإعادة الأمور هناك إلى وضعها الصحيح.

الصدمة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

على حكام قطر الآن مواجهة مصيرهم، إما العودة إلى رشادة الحكم أو مواجهة العالم، وفِى المقدمة القطريون أنفسهم. ما حدث بعد فجر أمس من الإعلان الصادم للدول الأربع الأكثر تضررا من السلوك القطرى، مصر والسعودية والإمارات والبحرين، بقطع العلاقات مع دولة قطر يعد جزأ آخر من رأس جبل الثلج الذى بدأت ملامحه منذ رد الفعل على تصريحات الأمير القطرى، وما تبع تلك التصريحات من ردّة فعل لم يكن يتوقعها حكام قطر، وهو الأمر الذى دفع الأمير القطرى إلى نفى صحة تلك التصريحات، ولَم يفعل ذلك النفى شيئا

15_19_52

عبد اللطيف المناوى

سوى زيادة معدل الهجوم وحرب الكشف عن سوءات قطر السياسية طوال حوالى عقدين من الزمان.

ظن حكام قطر أنهم سيمرون بأفعالهم دون حساب كما حدث على مدار عقدين من الزمان. على مر هذه السنين «اخترعت» قطر أداتها الإعلامية كسلاحها الرئيسى فى معركة وجودها فى موقع يؤثر ويغير. وتسببت هذه الأداة المتمثّلة فى قناة الجزيرة فى اختراق القواعد والثوابت فى العلاقات الدولية وعلاقات الإخوة المزعومة. مشكلات على مدار السنوات بين قطر ودول عربية عديدة تجاوزتها قطر ولَم تدفع ثمناً حقيقياً لتجاوزاتها فى كل مرة.

ظل على الأجندة القطرية بشكل ثابت موقفها المعادى لمصر، وكما قال لى أكثر من سياسى عربى على صلة بحكام قطر، إنهم لم ينسوا ادعاءاتهم بأن مصر حاولت إعادة الأمير الأب الذى خلعه ابنه إلى الحكم. ظل هذا الاعتقاد متحكماً فى موقفهم من مصر ولَم يتغير حتى فى الأوقات التى بدا أن العلاقات فى وضع جيد. وغير بعيد عن الذاكرة ذلك العبث الذى مارسته ضد مصر فى أحداث يناير والدور المشبوه الذى لعبته أداتهم الجزيرة فى تلك الفترة.

تطور موقف قطر من مجرد التأييد الإعلامى لجماعات الاٍرهاب إلى مرحلة أكثر تطوراً، وشهد الأسبوعان الماضيان صدور تقارير وعقد ندوات بشأن مكافحة تمويل الإرهاب، فى إطار الجهد الدولى لمكافحته بتجفيف منابعه، بالتوازى مع الحملات الأمنية والعسكرية التى تستهدف الجماعات الإرهابية. وظهر من خلال هذه الأنشطة حجم تورط النظام القطرى فى هذه الأنشطة الإرهابية، وليس بعيداً ما تعانيه مصر من مخاطر بسبب الجماعات المدعومة من قطر هناك، هذا بالإضافة إلى تبنيها الكامل جماعة الإخوان داخل قطر وخارجها فى تحد واضح.

وشكا المسؤولون الأمريكيون، منذ أيام للأمير السابق الشيخ حمد بن خليفة آل ثانى، من عدم تعاون قطر فى مجال مكافحة تمويل الإرهاب، حتى وزيرة الخارجية السابقة هيلارى كلينتون كانت قد قالت فى مذكرة لها عام 2009، حين وصفت تعاون قطر فى مجال مكافحة الإرهاب بـ«الأسوأ فى المنطقة».

وكان مجلس الأمن الدولى أقر فى نهاية ديسمبر 2014، بالإجماع، مسودة قرار خاص بمنع تسهيل حركة المقاتلين الأجانب وتمويل الإرهاب، وصدر القرار تحت «الفصل السابع» الذى يجيز التدخل بالقوة لإنفاذه. وكما ثبت دائما بأن قطر ظلت فى الخندق الداعم لهذه الجماعات.

كما قلت، تخيل حكام قطر أنهم سيمرون بفعلتهم الأخيرة المتمثّلة فى تصريحات أميرهم، لكن الصدمة الأولى كانت فى ردود الفعل السعودية والإماراتية التى تمثلت فى حملة «فضح» للزمرة الحاكمة فى قطر.

وبدا من حجم المعلومات والكشف عن الأسرار وقوة الحملة وكأنهم كانوا يستعدون لذلك الْيَوْمَ، لكنهم فقط كانوا ينتظرون ساعة الانطلاق.

سقط حكام قطر هذه المرة فى قياس رد الفعل، وفشلوا فى معالجة تبعات الموقف بتلويحهم بورقة إيران والاستمرار فى دعم الجماعات الإرهابية فكان رد الفعل المتمثل فى قرارات قطع العلاقات ومنع حركة المواطنين من وإلى قطر والحصار الجوى والبرى والمزيد من الإجراءات التى يبدو أنها ستتوالى حتى يختار القطريون مصيرهم، إعادة الحكام إلى العقل والرشد والالتزام بقواعد العلاقات الدولية واحترام الغير أو البديل أن يحل القطريون مشكلتهم مع حكامهم.