مانديلا و«الحقيقة والمصالحة»

بقلم عبداللطيف المناوى

نيلسون مانديلا

دخل الزعيم الجنوب أفريقى «مانديلا» المستشفى، لعلاجه من آلام حادة فى البطن «ماديبه»، وهو الاسم الذى يطلقه أهل جنوب أفريقيا على رئيس البلاد بعد سقوط نظام الفصل العنصرى يبلغ من العمر ٩٣ عاما. قبل ٢٢ عاما فى ١١ فبراير ١٩٩٠، خرج «مانديلا» من سجن «كوبن أيلاند» وبعدها بأربع سنوات انتخب أول رئيس أسود لها، تحول مانديلا رمزا عالميا للمصالحة والتسامح، ومن بين أبرز ما فعله فى هذا الإطار تشكيله لجنة أطلق عليها «الحقيقة والمصالحة». استطاع «مانديلا» أن يحافظ على وحدة بلده فوضع مصلحته فوق رؤيته الشخصية الضيقة باعتباره زعيم السود، ووضع مصلحة واستقرار جنوب أفريقيا فوق رغبة الانتقام من عنصرية البيض تجاهه شخصيا وتجاه أبناء شعبه، قضى «مانديلا» ١٠ آلاف ليلة داخل السجن، لكنه خرج وحكم برؤية لخصها فى قوله: «يجب أن نعرف حقيقة ما حدث، وبعد ذلك نسامح من ظلم». وجه «مانديلا» رسالة إلى شعب مصر وشعب تونس، لن تسمح المساحة بعرضها كلها، ولكن فقط نشير إلى أجزاء منها وإن كنت أنصح بإعادة نشرها مرات ومرات. ومن بين ما جاء فى هذه الرسالة «إن إقامة العدل أصعب بكثير من هدم الظلم، فالهدم فعل سلبى والبناء فعل إيجابى. إن إحقاق الحق أصعب بكثير من إبطال الباطل. ما أفهمه من تفاصيل الجدل السياسى اليومى فى مصر وتونس يدل على أن معظم الوقت مهدر بسب وشتم كل من كانت له صلة تعاون مع النظامين البائدين، وكأن الثورة لا يمكن أن تكتمل إلا بالتشفى والإقصاء، كما يبدو لى أن الاتجاه العام عندكم يميل إلى الإقصاء والهجوم على كل من كانت له صلة قريبة أو بعيدة بالأنظمة السابقة، ذلك أمر خاطئ فى نظرى». ويستمر «مانديلا» بقوله: «إن النظر إلى المستقبل والتعامل بواقعية أهم بكثير عند الوقوف على تفاصيل الماضى المرير. أذكر جيدا أنى عندما خرجت من السجن كان أكبر تحد واجهنى هو أن قطاعا واسعا من السود كانوا يريدون أن يحاكموا كل من كانت لهم صلة بالنظام السابق، ولكننى وقفت دون ذلك، وبرهنت الأيام أن هذا كان الخيار الأمثل، ولولاه لانجرفت جنوب أفريقيا إما إلى الحرب الأهلية أو إلى الديكتاتورية من جديد». ويقول فى النهاية «إنها سياسة مرة ولكنها ناجحة». هذا بعض ما قاله «مانديلا» الذى يقف على نفس قامة غاندى فى تاريخ الإنسانية ومع دعائى له بالشفاء، أظن أننا نحتاج لاستحضار ما قاله فى تلك المرحلة.

الرابط الأصلي على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=329727&IssueID=2424

Advertisements

مصر الثالثة

بقلم: عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

ذكّرنى صديق بتلك الحملة التى قامت بها الهند فى مرحلة من المراحل التى كانت تدعو فيها إلى دفع عجلة التقدم والدفع بالمجتمع إلى الأمام، وعدم الغرق فى الخلافات الداخلية، وكانت الحملة تحمل اسم «هندان»، تعبيراً عن شكلين من أشكال الهند: الأولى، وكانت تلك التى تدفع إلى الأمام من أجل البناء والتنمية، والثانية تلك التى يجرها بعض من أهلها إلى الخلف ويشغلها فى الخلافات بين أهل البلد وتفجير الأوضاع وإعاقة التقدم.

الملاحظ أننا فى مصر فى هذه المرحلة نمر بمثل هذه الحالة، وإن كان يضاف إليها مصر ثالثة، ولنبدأ فى البداية بهذين الشكلين لمصر: مصر الأولى التى تدفع للتقدم إلى الأمام متجاوزة الماضى ومشكلاته وخلافاته لتستفيد منها من أجل رسم صورة المستقبل، مصر التى تحاول أن تجمع أهلها فى بوتقة واحدة، مصر التى تبحث عن مستقبل يجمع كل أهلها، وأستطيع تأكيد أن مصر هذه هى القطاع الأكبر من أهل مصر، ومصر الثانية هى مصر التى يحاول البعض من أهلها – عن جهل – والمضلل بهم جرها إلى الخلف ويشغلونها فى خلافات الماضى وانتقامات لفترات ضعف وانتقامات من أفراد وجماعات، ويستغلون الأجواء الحالية لتصفية الحسابات.

هذان هما الشكلان لمصر فى هذه المرحلة، ولكن هناك مصر ثالثة يمكن تلخيص حالتها بمفهوم «السلمة المكسورة» وهو باختصار تلك العادة التى جرت لدى عدد كبير منا وذلك عندما نسكن فى عقار وبه سلمة مكسورة، ونبدأ المسألة بأن نحرص أثناء الصعود على ألا نقع من على السلمة المكسورة ونحذر أبناءنا من السلمة المكسورة وعندما يأتينا أحد الضيوف نحذره من السلمة المكسورة، ولكن لا نفكر فى إصلاح السلمة المكسورة.. باختصار هى حالة الاعتياد على الواقع، وهى تلك الحالة التى ينبغى ألا نقع وأن ندفع من أجل اختيار مصر الأولى.

الرابط على موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=329292

حقوق الطفل وبدلة الضابط

بقلم عبداللطيف المناوى

الجيش المصري

من أكثر الموضوعات التى تشغل بال وعقول المجتمعات الواعية فى عصرنا هذا هو كيف يمكن الوصول إلى جيل صحى النمو والتفكير. ومن أكثر الموضوعات تأثيراً فى نفوس الناضجين العاقلين تلك الموضوعات الخاصة باستغلال الأطفال فى الحروب والنزاعات السياسية، لذلك ظل أحد أهم البنود الخاصة بمواثيق حقوق الإنسان المختلفة هو ذلك المتعلق بحماية الطفل وحقوقه، ومن أكثر ما لدينا منذ سنوات طويلة فى بلدنا هى جماعات حقوق الإنسان، ولم أر أياً منها ينتفض عندما بدأ استغلال الأطفال سياسياً، والأكثر وضوحاً هو ذلك الاستغلال التليفزيونى لهم لتقديمهم باعتبارهم الزعماء السياسيين وقادة الثورة المقبلة ووقود الغضب، وكان صادماً رؤية إعلاميين وهم يتناقشون مع بعض هؤلاء الأطفال حال رؤيتهم الأوضاع وتقييمهم للسياسيين وأسباب رفضهم أداء مؤسسات الدولة وتحميسهم وتحفيزهم على الاستمرار فى التظاهر،

والغريب أن هؤلاء الإعلاميين أنفسهم يعلمون أنهم يخرقون أبسط القواعد المهنية بل القوانين، وأنهم فى العديد من الدول التى عملوا بها أو عاشوا فيها لم يكونوا يجرؤون حتى على أن يفكروا فى تناول مثل هذه الموضوعات مع أطفال فى هذا العمر، لو كانوا فى مكان آخر غير مصر. الأمر الآخر هو ذلك التجاوز غير المسبوق من مسؤولى مدارس قرروا أن ينتهكوا مسؤوليتهم تجاه الأطفال لحساب عقائدهم ومواقفهم، فنظموهم فى مظاهرات ودفعوا بهم إلى الشوارع.

كل بلاد العالم تزرع فى نفوس أطفالها الانتماء والارتباط بالبلد، وكل بلاد العالم تتعامل مع جيوشها باعتبارها رمزا لقوة وفخر كل بلد، وكنا فى مصر لفترات طويلة مثل هذه المجتمعات وكم من قارئ يذكر أنه حلم فى يوم من الأيام وهو طفل بأن يلبس بدلة الضابط، ومنهم من حقق حلمه وهو طفل فى الأعياد، ومنهم من حقق حلم أطفاله أيضا فى الأعياد، وكان هذا فى الماضى ونحن اليوم أو بعضنا اليوم يربى أطفاله وهو يزرع فى داخلهم أن الأعداء الذين يجب أن يسكتوا هم أولئك الذين يلبسون الآن بدلة الضابط.

الرابط الأصلي على المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=328980&IssueID=2417

الانفلات الأمنى

بقلم: عبداللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

نكسة ٦٧ كانت إحدى العقبات المهمة فى تاريخ مصر، كانت أحد التحديات التى واجهها الجيش والشعب، التحدى الأكبر لم يكن من الهزيمة التى مُنى بها الجنود المصريون فى حرب لم يقاتلوا فيها بحق، وإنما كان الخطر الأكبر هو التخوف من تلك الموجة العامة من السخرية والانتقاص من الجندى المصرى والجيش المصرى. من المعروف أن تلك المرحلة قد شهدت موجة عالية من التهكم على القوات المسلحة التى هُزمت وأُجبرت على الانسحاب، وكان الإدراك السياسى فى تلك المرحلة عندما انطلقت الدعوة للشعب المصرى، للتوقف عن السخرية من الجيش وامتهان الجندى المصرى.

لولا قدرة المصريين فى تلك الفترة على ضبط أنفسهم ووعيهم بخطورة تحطيم معنويات قواتهم المسلحة لما تمكن المصريون جيشاً وشعباً من إعادة بناء القوات المسلحة، التى تمكنت من تحقيق الانتصار المهم الوحيد فى تاريخ المصريين والعرب فى العصر الحديث. إعادة البناء فى تلك المرحلة اعتمدت على فهم الأخطاء لتجنبها، والتركيز على مناطق القوة لتدعيمها، ووضع هدف استراتيجى واضح.

لا حديث، بل لا تخوف بين المصريين اليوم أكثر من تلك الحالة التى اصطلح على تسميتها «الانفلات الأمنى»، الذى تعددت مظاهره خلال الفترة الماضية ما بين عمليات خطف وسرقة «وتثبيت» وسرقة قطارات وجرائم سطو مسلح وأمور أخرى مختلفة كانت جديدة علينا، لكنها أصبحت من بين أخبار الصباح المعتادة، ولعل أكثر الجرائم تلك الجريمة التى وقعت نهاراً وراح ضحيتها أم دفعت ابنتها ثمنا غالياً لهذا الانفلات الأمنى، وهذا مجرد نموذج بسيط لحالات أصبحت كثيرة ومتعددة.

والسؤال الآن: ما العلاقة بين حديثى عن الجيش فى ٦٧ وحالة الانفلات الأمنى إجابتى هى أن الجيش المصرى تمكن من استرداد كرامة الأمة عندما حافظ الشعب على كرامة جيشه، وصحح من أخطائه، ولو لم يحدث هذا لما شاهدنا النصر، وهكذا الحال مع الجهاز الأمنى، فحالة الامتهان المستمرة والمطاردة والتهكم لا تفعل إلا ضياعاً للهيبة والقوة، أقول الهيبة ولا أقول التسلط، ودون هذه الهيبة ودون هذه القوة لا أمل فى استعادة الأمن، وأعود لأذكر بأن مخطط تركيع الدول يعتمد على أربعة عناصر أساسية: إسقاط الأمن الداخلى، وتدمير الثقة فى القضاء، والدفع لأزمة اقتصادية خانقة، ثم حل الجيش وتفريقه. ينبغى ألا ننسى ذلك أبداً.

الرابط الأصلي في المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=328491

انتحار وطن على أيدى أبنائه

بقلم: عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

لماذا فشلت الدعوة للعصيان المدنى؟ سوف يتطوع الكثيرون لتقديم تفسيرات عديدة، منها أن الأصوات العالية التى صمَّت الآذان خلال الفترة الماضية ثبت أنها ليست تعبيراً عن القطاع الأكبر من المصريين، وقد يفسر آخر بأن السبب يعود إلى وعى وإدراك الشعب المصرى لحدود الفعل ومتى يتوقف،

 ويفسر آخر بأن ذلك يعود إلى أن الناس قد كشفوا هؤلاء الزاعقين من أجل العصيان وهم لا يدركون خطورة ذلك على البلاد والعباد، وسوف يذهب آخر إلى القول بأن ذلك يقف دليلاً قوياً على أن الشعب،

 أو معظمه، قد اختار الوقوف خلف المجلس العسكرى، مجدداً الثقة فيه رغم الحملة الشرسة التى تعرض لها ومازال – كل ما فات وأكثر منه تتبارى الأطراف والأشخاص فى تقديمه تفسيراً لسبب فشل دعوة العصيان، لكن مع اتفاقى مع بعض هذه التفسيرات واختلافى مع البعض الآخر إلا أننى أعتقد أن السبب هو أبسط – لكنه أخطر

– من كل ما فات، أظن أن السبب الرئيسى هو أن الناس ببساطة تعبت. نعم أصاب الإجهاد الناس من كل ما مروا به،

 من الإحساس بضياع الوطن من بين أيديهم لأسباب بدت فى معظمها عبثية، من الرعب الذى بات يسكن كل النفوس نتيجة فقدان الإحساس بالأمن، من الخشية من يوم يستيقظون فيه فلا يجدون أمامهم سوى الكلمات والشعارات، بينما يغيب رغيف العيش والإحساس بالأمان. امتزج مع إحساس التعب إحساس آخر أظنه تجاوز حدود الناس إلى المؤسسات وبعض القوى السياسية والنقابية وهو الإحساس بالخطر،

 إحساس الخطر قادر على أن يجمع الناس مهما اختلفت أهواؤهم السياسية والاجتماعية والفكرية، ومن كثرة ما مر بوطننا خلال الفترة الماضية من حوادث وهزات يبدو أن الإحساس بالخطر سكن النفوس، وهو إحساس حقيقى. من ينظر إلى الحادث فى مصر الآن سوف يمكنه، بقليل من الحس والفهم، أن يدرك ويفهم من أين يأتى ذلك الرعب على المستقبل.

ما شهدته مصر من تغيير اتفق عليه معظم المصريين، حتى أولئك الذين كانوا يرفضون أو يتحفظون على التغيير أثبتت لهم الوقائع أن التغيير كان حتمياً بطريقة أو بأخرى، لذلك أظن أن الأغلبية الساحقة تتفق مع هذا المفهوم لكن حتى حدود معينة، والخطأ الذى وقعت فيه بعض القوى السياسية والشبابية أنها لم تضع فى اعتبارها أن الاندفاع من أجل الإطاحة الكاملة بالدولة،

 حتى وإن لاقت قبولاً فى البداية فى ظل الحماسة التالية لإسقاط النظام، إلا أنها – أى الإطاحة بالدولة – سوف تصطدم بالضرورة برغبة الناس – معظم الناس – فيما بعد فى البحث عن الاستقرار، وهذا ما لم تدركه معظم هذه القوى التى ارتفعت عقيرتها واستخدمت جميع الأساليب الدافعة للأصوات العاقلة أو المتزنة لأن تتوارى خوفاً من أن يصيبها هذا الصراخ وهذا الهجوم بما لا تحب،

 وتوازى مع ذلك تخاذل قطاع كبير ممن احتل موقع النخبة فبات ينافق ويهادن ويداهن، وعدد من الزملاء الإعلاميين الذين وجدوا أن سلوك الطريق السهل الذى لا يختلف عن سلوك من احتل موقع النخبة هو السلوك الأأمن، فلم يعد على الساحة إلا صوت واحد غطى على كل الأصوات الأخرى، وأصاب المجتمع بحالة من الصمم حالت دون تسلل أى أصوات مختلفة، وأصاب الكثيرين بحالة من الخرس الاختيارى اتقاء لحملات تخويف هم فى غنى عنها.

عدم التجاوب الشعبى مع الدعوة إلى العصيان المدنى ينبغى أن يكون رسالة واضحة للجميع، هى رسالة تعب وخوف، وعلى الأطراف المختلفة أن تتلقف هذه الرسالة وتعمل وفقا لمغزاها: من يديرون البلاد لا يغرنهم الإحساس بأن الناس وقفوا معهم ضد دعوة العصيان، هذا بداية الخطأ، فهم لم يختاروا بين طرفين فاختاروكم لكنه كان اختياراً بين الاندفاع أكثر إلى المجهول وبين كبح جماح الحركة الجنونية المصرة على الدفع إلى المجهول،

 وهذا يلقى على من يديرون الدولة مسؤولية أن يقرأوا نبض الشارع ويتعاملوا معه بإيجابية، أما القوى السياسية الأخرى التى اعتقدت أن هذا الطريق سوف يؤدى إلى تحقيق أهدافها الثورية

– دون أن أناقشها – فإن عليها الآن أن تستمع إلى صوت الأغلبية التى قررت أكثر من مرة الاتجاه الذى تريده، وأظن أن تحدى هذا القرار وهذه الإرادة لا يمكن فهمه بأنه فى صالح هذا الوطن وهؤلاء الناس،

 لذلك فإننى عندما أقرأ أن هناك دعوات جديدة تطالب بالعصيان المدنى، خلال الأيام المقبلة رغم الرفض الشعبى الواضح فإننى لا أجد إلا أن أضم صوتى إلى أولئك الذين يعربون عن أسفهم لإصرار البعض على تحدى إرادة الناس والإصرار على زرع بذور القلق وعدم الاستقرار.

إن ما شهدته مصر، خلال الفترة القصيرة الماضية، كان يعطى الانطباع بأنها دولة قررت أن تنتحر على أيدى أبنائها، الاتهام بالخيانة بات يسيراً، الكل يدفع نحو الصدام، تفسير المؤامرة هو التفسير الأسهل، البحث عن شماعات أخطاء: الإصرار على تغييب الأمن وخلق حالة فوضى، ضرب الثقة فى جميع مؤسسات الدولة أو ما بقى منها، الخلط بين المفاهيم وإهانة كل ما له صلة باستمرار واستقرار كيان الدولة

 – أو ما بقى منها – دق الأسافين بين أبناء الوطن ودفع النعرات العرقية والدينية إلى الظهور، البحث عن التفسيرات السهلة لكل ما يحدث دون أن نواجه أنفسنا بالحقيقة. كل هذه الظواهر لو وضعناها معاً لما أعطتنا إلا نتيجة واحدة، هى أن أبناء هذا الوطن أو جزءاً منهم بوعى أو دون وعى يدفعون الوطن إلى الانتحار، وهو فى هذه الحالة لا يعتبر انتحاراً لكنه اغتيال وطن، وهذا ما لا يمكن أن يقبل به مصرى.

رابط المقال على موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=328175

الألتراس

بقلم: عبد اللطيف المناوى

هذا مقال قديم، عن الألتراس، كتبته قبل أكثر من عام، يوم ١٦ يوليو ٢٠١٠، عقب أزمة كان الألتراس سبباً فيها، وأدت إلى حدوث تلفيات واشتباكات فى محيط النادى الأهلى، وقتها كانت ظاهرة الألتراس فى بداية صعودها، وطالبت فى مقالات ومقابلات بدراستها واحتوائها وتوظيفها، بما يفيد الوطن. إعادة نشر المقال محاولة للتذكير والتذكرة.

من المشاهد الجميلة التى بدأت تظهر فى ملاعب كرة القدم هو ذلك المشهد الذى بدأ يظهر فى مدرجات كرة القدم، خاصة بين جماهير النادى الأهلى عندما يتجمع عدة مئات أو عدة آلاف يتحركون معاً يشجعون معاً يشكلون بالفعل رهبة لدى الفريق الذى يلعب أمام فريقهم، فى كل المباريات حتى غير ذات الأهمية منها كنت أراقب هذه المجموعات،

وكان يعجبنى جداً ذلك التنظيم الواضح بينهم، وذلك التماسك والتناغم، وكذلك حماسهم الذى كان يفوق فى معظم الأحيان حماس اللاعبين على أرض الملعب.

تظل الظاهرة عند هذا الحد إيجابية ومحببة، وتظل أحد الدلائل المهمة على ارتفاع رغبة الجماهير فى المشاركة والتواجد بل التأثير، وهو الأمر الذى نتمنى أن يصل إلى حد مشاركة الناس فى أمور حياتهم وتقرير مصيرهم من خلال المشاركة الإيجابية فى شؤون الحياة.. ولكن ما أثار حفيظتى هو ارتباط هذه المجمــــوعات التى عرفت فيما بعد بأنها يطلق عليهم «الألتراس» التى لم يحسم أحد معناها،

ولكن أظن أنها تعنى فوق الحدود، أقول ما أثار حفيظتى هو ذلك السلوك المنسوب لهم بالسب والشتائم التى يوجهونها الى اللاعبين المنافسين فى الفرق الأخرى، بل وتوجه إليهم الاتهامات أيضاً بأنهم يصلون فى اعتداءاتهم إلى مستوى يتجاوز اللفظ إلى الاعتداء على لاعبى الفرق الأخرى وجماهيرهم وحرق حافلاتهم، كما يدعى البعض بحرقهم أتوبيس مشجعى نادى الزمالك فى الإسكندرية.

الحادث الأخير الذى نسب إلى هذه المجموعة هو حادث الاعتداء على رجال الشرطة فى مباراة ودية عندما أحرز أبوتريكة هدفه الأول فأطلقوا «الشماريخ»، لا أعرف معنى الكلمة ولا من أين أتت، ولكنها تعنى صواريخ نارية، وإطلاق ألعاب نارية صوب أرض الملعب احتفالا بالهدف،

وعندما حاول رجال الشرطة تهدئة الجماهير ومنعها من إشعال المزيد من الألعاب النارية حفاظاً على الأرواح والممتلكات قام «الألتراس» بالتعدى على رجال الشرطة وأتلفوا المدرجات واستخدموها فى ضرب رجال الأمن الذين حاولوا السيطرة على الموقف واشتبكوا معهم فكانت الإصابات ما بين ضرب وفقء عين وخلع كتف، والقبض على ١٤ مشجعاً بينهم ٧ أعمارهم أقل من ١٨ سنة، وهى الحالة التى تنظرها النيابة العامة الآن.

إذن مظهر جميل من الخارج لجمهور عاشق لفريق يشجع بحماس أكبر من حماس اللاعبين، ومنظم فى المدرجات أكثر من تنظيم لاعبى فريقه فى أرض الملعب، ولكن «الحلو ما يكملش»، جماهير مصابة بمرض التجاوز فى اللفظ والفعل، فيفسدون أى جمال أو تفاؤل فى ظاهرة بدت للحظة وكأنها جميلة، ولكن كعادتنا فى أمور كثيرة جميلنا لا يكتمل.

رابط المقال على موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=327756

أنا و«المسلمانى» وخطاب «مبارك»

بقلم: عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

ثارت فى الأيام الأخيرة ضجة، بدا صوتها عالياً، وكعادة الصوت العالى عندما يحضر تتوه معه الحقيقة، أيضاً الصوت العالى يصيب البعض بحالة من عدم الاتزان، تقوده إلى الخلل فى التعامل مع الموقف، لوقوعه تحت إرهاب هذا الضجيج فيضيع المنطق،

 وتصبح التصرفات رد فعل بعيداً عن الحقيقة فى كثير من الأحيان. نموذج لهذه الضجة ما أثير مؤخراً بشأن خطاب الرئيس السابق مبارك،

 الذى ألقاه فى الأول من فبراير وحول دور أحمد المسلمانى، الذى وصفته فى كتابى الأخير بأنه «صديق صحفى ومذيع»، وقد اعتدنا أن نتواصل كثيراً لسنوات.

وسأتناول هذا الموقف سريعا فى ثلاث نقاط: الأولى أبعاد الضجة التى أثيرت، والثانية حقيقة الموقف، والثالثة تفسير ما حدث.

الضجة بدأت عندما نشرت بعض المواقع والصحف مقتطفات من كتابى الأخير، وتوقفت أمام قصة مشاركة أحمد المسلمانى فى كتابة خطاب «التنحى»، كما سمته خطأ هذه المواقع، فكان رد الفعل أن قامت مواقع أخرى وناشطون آخرون بحملة هجوم على «المسلمانى» الذى اتخذ رد فعل دفاعياً فورياً، نافيا ما نشر، و«مكذبا» مؤلف الكتاب (الذى هو أنا)،

 واحتفى كثيرون بهذا (التكذيب)، وتحولت القصة إلى تعبيرات مثل «سقوط القناع عن المسلمانى» و«كشف كذب المناوى» و«رد الصاع بصاعى»، ومازالت الضجة مستمرة.

النقطة الثانية: ماذا حدث وما هى حقيقة القصة؟ وسوف أعود هنا إلى جزء من نص ما نشر فى الكتاب: «اقتضت العادة أن يتحول مكتبى إلى دائرة حوار يتحدث فيها العاملون مع من يزورنا من كتاب وصحفيين فى الصحف المختلفة، نتحدث ونتشاور فيما حدث خلال اليوم والأيام السابقة له، وفى هذه الليلة كنت مهموما إلى حد كبير بتلك التطورات السلبية فى إدارة الأزمة، (….) فى هذه المرة كان من بين ضيوفى فى المكتب عدد من الزملاء الصحفيين،

 وتبادلنا الحوار فى كيفية الخروج من ذلك المأزق، كان مما طرحته أنه من الأهمية بمكان فى هذا التوقيت أن يخرج رئيس الجمهورية؛ لكى يعطى صلاحياته إلى نائبه عمر سليمان، وأن يظل الرئيس محتفظا بالقرارات السيادية المتعلقة بحل البرلمان، وإعلان حالة الحرب، وتشاورت مع الصحفيين فى هذا الأمر، وكان بينهم صديق صحفى ومذيع فى الوقت نفسه،

 اسمه أحمد المسلمانى، قال لى: إنه على علاقة وثيقة بالأطراف السياسية المختلفة فى ميدان التحرير، أخذته جانبا وسألته عما يمكن أن يكون مرضيا للشارع فى هذا التوقيت، وتبادلنا الرأى حول هذا الموضوع، وطلبت منه تسجيل مجموعة من النقاط تكون أساسا للمطالب التى يمكن أن يتجاوب معها الرئيس.

فى تلك الأثناء، كنت قد وصلت إلى قناعة تامة بأن الأمور لا يمكن أن تتحرك إلا إذا اتخذت إجراءات حاسمة وواضحة وملبية لرغبات المتظاهرين، بل ورغبات المصريين، بعد أن وصلت الأمور إلى هذه الحالة، كنت مقتنعا بأنه يجب ممارسة أقصى درجات الضغط على مؤسسة الرئاسة للوصول إلى تلك النقطة.

بعد أن كتب الزميل عددا من النقاط، عرضها علىّ، فأخذت النقاط الرئيسة والنقاط التى كنت قد كتبتها بعد مناقشتى مع الأطراف المختلفة، لصياغة خطاب يشمل كل مطالب الجماهير، يمكن أن يلقيه الرئيس مبارك، ولم أكن قد وضعت، أو كتبت خطاباً للرئيس من قبل، طلبت أن يكتب الخطاب على الكمبيوتر، بحيث يكون جاهزا للاستخدام فى كل مكان، وفكرت فى أن أتوجه به إلى الجهات التى يمكن أن تمرره إلى رئيس الجمهورية حتى يلقيه.

لم أكن فى يوم من الأيام من الذين يكتبون خطابات الرئيس، ولم أشارك حتى فى كتابة أى خطاب من الخطابات من قبل، لكننى هذه المرة، أحسست بأن الأمر ليس مجرد كتابة خطاب للرئيس، ولكنه كان ما اعتقدت أنه حبل إنقاذ ألقيه إلى الجميع،

 حتى يتم الخروج من المأزق، وأظن أننى فى هذا كنت أعبر عن أصوات الكثيرين من العقلاء، حتى داخل هذا النظام، الذين بدت الصورة واضحة أمامهم بأنه لا مخرج إلا هذا الطريق،

 وبدا لى هذا واضحاً تماماً من خلال مناقشتى مع الأطراف المختلفة، التى كنت على اتصال بها فى هذا الوقت من المسؤولين، ومن صانعى القرار فى تلك المرحلة المهمة».. انتهى هنا هذا الجزء الخاص بدور «المسلمانى» وكان فى إطار اللقاءات المعتادة التى جرت كثيرا، وكان هذا اجتهاداً منى بدون تكليف،

 ولكن ماذا حدث لهذا الخطاب، هذا ما أجبت عنه فى جزء آخر من الكتاب بالقول: (بعد أن استمعت إلى الخطاب، ورغم أنه لم يحتو على ما قلته واقترحته، إلا أن رد الفعل الذى شاهدته…) ويستمر الكتاب، أى أن هذا يعنى ببساطة أن المشروع الذى أعددته لم يؤخذ به، ولا أدرى إن كان له تأثير أم لا؟

والآن إلى تفسير هذه الضجة التى أعتبرها نموذجا للحالة التى نعيشها الآن، حالة الهجوم المباغت بالصوت العالى اعتماداً على معلومات غير دقيقة أو كاذبة، ثم والأخطر الانجرار إلى تلك المعركة من قبل أطراف كان متصورا قدرتها على الفهم وكيفية التعامل فى هذه الأحوال، فمن نقل من الكتاب لم يكن دقيقا أو أمينا فى النقل فأظهر غير الحقيقة، ومن اختار العناوين مارس سياسة التصيد على طريقة «لا تقربوا الصلاة».

 أما رد فعل السيد «المسلمانى» فقد كان بعيدا عما توقعته منه من خلال معرفتى به، فيبدو أنه وقع تحت ضغط إرهاب الصوت العالى، فقد كنت أتوقع أن يستند فى رده على ما هو موجود فى الكتاب الذى لا يختلف عن رؤيته بدلا من أن ينساق وراء حملة الهجوم. ولكنها الحالة التى نعيشها إعلامياً وسياسياً ويجب أن نخرج منها.

رابط المقال على موقع المصري اليوم: http://www.almasry-alyoum.com/article2.aspx?ArticleID=326903