الحياة تتوقف أحياناً

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كم مرة سمعت جملة «البلد مشلولة»؟ سمعتها بالتأكيد عندما تهطل الأمطار بغزارة، فتفشل الجهة المعنية فى التعامل مع المسألة، فيأتيك بيان الجهة ذاتها فيقول إن «الحياة فى المكان الفلانى أصابها الشلل».

تسمعها عندما تنكسر ماسورة مياه، أو يشب حريق فى أحد المبانى، أو تتراكم القمامة بالقرب من شارع حيوى. بالتأكيد تسمعها عندما تداهمك الزحمة، أو بالأدق تصيب الشوارع سدة أشبه بالسدة الرئوية، والتى تصبح فرص النجاة منها قليلة للغاية، تماما مثل فرص النجاة من الزحام فى قاهرتنا العزيزة.

المشكلة هنا ليست شخصية بالتأكيد، كما لا أكتب عن شارع بعينه، أو زيارة مسؤول مهم بعينه، أو حتى مصادفة أن جارى شخصية ذات حيثية.

أكتب عن ظاهرة أظن أن قطاعا كبيرا منا يلمسها. إن جزءا رئيسيا من مشكلة الازدحام غير المحتمل نتحمله نحن المواطنين بسبب سلوكيات القطاع الأكبر منا، أولئك الذين نفد صبرهم واعتقدوا أن الطريقة المثلى للتعامل مع الزحام هى أن «تُخلص نفسك» وتبحث عن أى سنتيمترات تحشر سيارتك فيها بغض النظر عن القواعد، ولا يعلم من يفعل ذلك، أو يعلم، أنه يعقّد الدنيا ويعوق المرور. أضف إلى ذلك حالة الطرق وغياب الصيانة وغياب الذمة فى معظم من يتولون مسؤولية الصيانة، كل هذه أمور حقيقية وغيرها كثير مما يمكن سرده فى هذا المجال.

وبالإضافة إلى هذا وذاك هناك طائفة «إنت مش عارف إنت بتكلم مين»، ليقوم الآخر بالرد، وهو ربما يكون من نفس الطائفة أيضا، «هتكون مين يعنى» ما يعوق الحياة ويصيبها بالشلل.

صار طبيعيا أن أتوقف لفترات تمتد أحيانا لما يقرب من نصف الساعة لأن مسؤولا ما، أو عضوا ما فى البرلمان، أو وزيرا ما، أو شبه مسؤول ما يخرج من بوابات البرلمان أو من بوابة مجلس الوزراء القريب أو الوزارات الأخرى المحيطة، ونظل جميعا نطلب من الله أن يمر الموكب سريعا حتى لا يطول بِنَا المقام أمام بوابات ميدان التحرير دون أن نحظى بالمرور عبرها، لأن السادة يجب أن تتوقف الحياة بسببهم، ومعها حياتنا.

أتحدى أن يكون أحد القرّاء لم يمر بهذا الموقف فى شوارعها الممتدة، فتوقيف حارات مرورية أو مطالع كبارى أو منازلها هو أمر بات اعتياديا فى حياتنا. وأضيف إلى ذلك تلك المواكب المصحوبة بسيارات ذات دفع رباعى، بعضها مضاد للرصاص، أو هكذا يبدو.

إن توقف الحياة لا يعنى فى طبيعة الأمر سوى توقف الحياة. توقف يصيب القلب الذى ينبض والعقل الذى يفكر ويعطى إشارات العمل لبقية أعضاء الجسم. توقف الحياة يعنى أننا لن نسير فى الركب نحو أى شىء. يعنى أننا لم نعد قادرين حتى على الحركة والانتقال من نقطة إلى أخرى. الزحام مشكلة تصيب شوارعنا ومياديننا، كما تصيب عقولنا، وتصيب سياستنا واقتصادنا وكل شىء ينتهى بـ«نا».

الإعلانات

لو تركوا الأمر له

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

مرة أخرى أوجه هذه الشهادة وأُلحقها بملاحظة أو أكثر إلى أستاذنا فى الصحافة، حتى وإن اختلف معه بعض تلاميذه فى عدة أحيان، إلا أن هذا الاختلاف لم يكن ليؤثر على التقدير والاحترام الجدير به.

لاشك عندى، وعند معظم العاملين فى المهنة، فى أن الأستاذ مكرم محمد أحمد هو أحد أهم رموز مهنة الصحافة فى مصر عبر تاريخها، ولاشك أيضاً فى أنه يستحق أن نُسبق اسمه بكلمة «الأستاذ»، فهذا هو حقه الطبيعى والمهنى.

لا أستغرب يوماً إذا وجدت الأستاذ مكرم فى أى مكان يحمل أوراقاً وقلماً، يتابع ما يحدث ليكتب ما يحدث، بطبيعة الصحفى الذى لم يتركه يوماً.

الأستاذ مكرم، على المستوى الشخصى، يمتلك رؤية واضحة لمشكلات الصحافة فى مصر، كذلك يمتلك رؤية للحلول التى يمكن العمل من خلالها، وقد تكون الأمور أفضل كثيراً لو استمع الآخرون إلى رؤيته كأحد أهم شيوخ الصحافة فيما يطرح من آراء، على أساس ما يمتلكه من خبرة واسعة فى هذا المجال، بدلاً من ذلك التخبط الذى تواجهه صناعة الإعلام ككل فى مصر.

يحرص الأستاذ مكرم على أن يؤكد دائماً فى كل لقاءاته الخاصة والعامة أنه يحرص على تدعيم حرية الصحافة، وهو صادق كشخص فيما يقوله، وهو أيضاً يتعاون، بصدق وعصبية نابعة من تأزم المواقف أحياناً، فى البحث عن مخارج للأزمات التى يمكن أن تمر بها أى مؤسسة. يأتى هذا اعتقاداً وإيماناً منه بأهمية بقاء كل المؤسسات المهنية على قيد الحياة لصالح المهنة، ولصالح الدولة، ولصالح الوطن.

ولكن.. وآه من لكن، ليست كل عناصر إدارة العملية الإعلامية فى يد الرجل. نجده مضطراً أحياناً لتبنى بعض الإجراءات، أو بتعبير أدق، تحميله عبء تحمل إصدار هذه الإجراءات وتبعاتها. أعلم أنه يحاول قدر جهده أن يضبط الوضع ويدخل فى حوارات ومحاولات لضبط الاتجاه وتخفيف حدة التوجهات وبعض القرارات فى كثير من الأحيان، لكن كما ذكرت ليس كل الأمر بيده.

أذكر هذا بمناسبة ما تسرب، وتم تعديل لتوصيفه، بما سُمى «لائحة الجزاءات» التى قالوا عنها إنها مقترح. لا أظن أن أستاذاً كـ«مكرم» كان ليقبل هذه اللائحة دون أن تصدر لائحة بقواعد حماية ومهنية العمل الإعلامى. أكثر ما آمنت به ودعوت له هو تأسيس «دولة القانون»، التى بدونها لن تكون لدينا فرصة حقيقية لصياغة دولة قوية. لكن مع فهم واضح أن القانون يعنى حقوقاً وواجبات، حماية وعقوبات. هذا هو المفهوم.

مرة أخرى، أظن أنهم لو تركوا الأستاذ مكرم ومَن شابهه ليضعوا ملامح لإدارة ملف الإعلام لأصبح الوضع أفضل كثيراً. الحرص على الدولة وقوتها وأمنها القومى ليس حكراً على فرد أو مجموعة صغيرة مهما كان وضعها. من الممكن جداً أن تكون مهنياً ووطنياً فى ذات الوقت، بل المهنية أساس صحى وصحيح لترجمة مفاهيم الوطنية والمصلحة العامة والأمن القومى.

كيف يرضى الشعب عن الحكومة؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

مرة أخرى أطرح السؤال: ماذا يمكن أن تفعل الحكومة لكى يرضى الناس عنها؟. ومرة أخرى أقول إن الإجابة تتمثل فى إيجاد لغة خطاب مناسبة بين الحكومة ومواطنيها. لغة خطاب مواتية ومتوافقة والظروف الاقتصادية والاجتماعية الحالية. لغة تقوم على توازن وعقل ومنطق، ليس إلا.

بالطبع، لا توجد مع الحكومة عصا سحرية لحل مشكلات مصر التى تراكمت عبر سنوات، كما لن يتمكن الناس فجأة من الإحساس بأن الحكومة تخاطبهم على قدر الحدث، أو الأحداث، فالطريق طويل، لكنه يحتاج إلى مناطق مضيئة ليشعر المواطنون بأن التغيير قادم. أو أننا بدأنا فى الطريق الصحيح، حتى لو كانت السرعة أقل.

لا شك فى أن الأسعار أو القدرة على التحكم فى السوق لم تصل إلى الحد الذى يقبله المواطنون، ولكن، كما قلت، إيجاد سبل وطرق يمكن بها تحقيق اللغة القريبة بين المواطن وحكومته، هو الحل.

ربما لا تجيد الحكومة مسألة تسويق الإنجازات. فما تحقق فى السنوات الأخيرة، على يد حكومة المهندس شريف إسماعيل، ومن بعده الدكتور مصطفى مدبولى، كبير، بل كبير جداً، ولكن هناك أخطاء صغيرة تُفسد ما تفعله من إنجازات، ولعل تصريحات بعض الوزراء، ومن بينهم وزير التعليم الدكتور طارق شوقى، دليل على ذلك، رغم الجهود الكبيرة التى يبذلها فى مسألة تطوير التعليم، إلا أنه مثلاً يدلى بتصريحات مربكة منها تصريحه الخاص بـ«أمهات مصر اللاتى ينشغلن عن تربية أطفالهن بالإنترنت».

لا تجيد الحكومة أيضاً التركيز على وسائل إرضاء المواطن البسيطة والممكنة، وهى وسائل لو استطاعت أن تضع يدها عليها لتمكنت من أن تكسب المواطن معها مشاركاً وداعماً لها فى مواقع الإنجاز الأخرى، بدلاً من الوقوف موقف الناقد الناقم لما تفعله.

الأزمة تظهر من الوزراء وحتى المصالح الحكومية الصغيرة. الأزمة تظهر عندما يتوجه المواطن لعمل شهادات الميلاد والوفاة، وغيرها. تظهر فى مكاتب الصحة والمستشفيات والمدارس ومصالح الضرائب،
وتظهر كذلك فى أقسام الشرطة وإدارات المرور.

الأزمة فى أن الحكومة لا تفكر فى خلق جو من الثقة بينها وبين المواطن، هى لا تبدأ بإصلاح أحوال هذه الأماكن، ولو بوجود ابتسامة على وجه منفذى الخدمة، قبل أن تتحول إلى خدمات إلكترونية.

محاولات الإصلاح التى يحاول تنفيذها بعض الوزراء وبعض الجهات والمصالح، مشكورة ومحمودة، لكنها تحتاج إلى أن تكون منهجاً، مثل كل محاولة أو اجتهاد فى مصر، فبدون المنهج، سنظل نشكر المحاولات والاجتهادات، وسنظل ننادى بأن تصالح الحكومة الشعب.

تحية إلى «دندرة»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

فى البداية، أعتذر عن عدم تلبية دعوة صديقى الأمير هاشم الدندراوى، وقبلها دعوة الأصدقاء هناك لحضور منتدى «دندرة» الاقتصادى الرابع والذى يبدأ اليوم فى محافظة قنا، بتنظيم مركز «دندرة» التنموى، لظروف سفرى إلى الخارج.

هذا اعتذار واجب، يحمل حزناً سببه عدم تمكنى من المشاركة فى مؤتمر أعتبره مهماً للغاية، لا سيما فى محور مناقشاته التى تركز على ثقافة «أخلاقيات العمل». هذا المفهوم الغائب عن كثير من مؤسساتنا الخاصة، وبعض المؤسسات العامة أيضاً، بل هو غائب عن مجتمعنا، بسبب غياب اللوائح المنظمة لهذه المسألة، إضافة إلى افتقار إدراك غالبية المصريين له، نظراً لسيادة مفاهيم وقوانين وقواعد «الحداقة» و«الفهلوة» و«الشطارة».

أهمية المؤتمر بالتأكيد ستتضاعف مع عقد ملتقى للشركات البادئة بحضور العديد من خبراء الاقتصاد والإعلام والاستثمار، وعدد من الجمعيات الأهلية ومراكز التدريب، وهو الأمر الذى يتماشى مع توجه الدولة نحو دعم مثل هذه الشركات، التى يعتبرها البعض قاطرة للتنمية.

المؤتمر، ووفقاً لورقته التعريفية، سيعرف «أخلاقيات العمل» وأثرها على الفرد والمجتمع، ودفعها لعملية زيادة الإنتاج. ومن بين نقاشاته أيضاً «كيفية تأصيل أخلاقيات العمل عند الطفل»، وكذلك التحديات التى تواجه المفهوم فى المجتمع المصرى، إضافة إلى ورشة عمل بعنوان «دعم الشباب وريادة الأعمال».

لقد حملت تجربتى مع المنتدى فى العام السابق تقديراً كبيراً وإيجابياً، خصوصاً مع مفهوم «التنمية المستدامة» الذى كان محور نقاشات جلسات الدورة، والتى تعدت ذلك إلى محاور أهمية العمل الأهلى كعنصر مهم فى التنمية، وكذلك الأنشطة التنموية المنتمية للأسر الدندراوية، وأيضاً أنشطة مراكز الصناعات اليدوية ومراكز ذوى الاحتياجات الخاصة.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، بل على الجانب الآخر هناك بُعد ثقافى إنسانى اقتربت منه بشدة، وهو ما سُمى بـ«الفكر الدندراوى» الذى تأسس فى العام 1875 على يد مؤسس الأسرة السيد محمد الدندراوى، أحد أفراد قبيلة الأمارة المنتشرة فى الصعيد، الذى نزح من المغرب العربى إلى مصر فى القرن السابع عشر الميلادى، وهى الجماعة التى تجاوزت الصوفية والسلفية إلى ما اعتبرته الدعوة الشاملة لقواعد مختلفة من الفهم لثقافة المجتمع.

أكرر مرة أخرى، إن المؤتمر الذى تشهده دندرة مرتين كل عام يستحق أن يكون حدثاً دولياً بحق، فهو يقدم صورة حقيقية لمصر الحقيقية، مصر التى تمتلك تجربة نفخر بها من فكر وممارسة وتاريخ وشباب.

إن دراسة هذا النموذج «الدندراوى» يمكن أن يؤدى بنا إلى وسائل حقيقية لدفع وتنشيط العمل الأهلى الحقيقى النابع من المجتمع الواعى بمشكلاته وحلوله المناسبة، فتحية إلى «دندرة» وأهلها، والقائمين على المؤتمر، والأسف مرة أخرى لى.

الرئيس والإعلام (2- 2)

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

هل نجح الرئيس الأمريكى دونالد ترامب فى تغيير نظرة مواطنيه للإعلام؟.

ربما حدث ذلك فعلاً، فعقب دخوله البيت الأبيض لجأ الرئيس الأمريكى دونالد ترامب إلى الهجوم اللاذع على وسائل الإعلام الأمريكية، فى معرض دفاعه عن سجل أدائه خلال أسابيعه الأولى فى البيت الأبيض.

والتقى ترامب المراسلين طوال 76 دقيقة فى مؤتمر صحفى، وأخبرهم أن «مستوى التضليل أو انعدام النزاهة كان خارج السيطرة» مستشهداً فى ذلك بتغطية مزاعم اتصالات حملته الانتخابية بمسؤولين روس، وهى القضية التى مازالت مطروحة بقوة فى الأوساط الأمريكية الآن.

وما يؤكد نجاحه النسبى ما أشار له التقرير السنوى للعام 2017 ــ 2018 لمؤسسة «فريدوم هاوس»، ومقرها واشنطن، إلى أن «استخدام ترامب لغة التهديد والتحريض ضد وسائل الإعلام، بما فيها وصفه لهم بأنهم أعداء الشعب الأمريكى وتكرار ذلك، يؤثر سلباً على ثقة المواطنين فى مصداقية الإعلام والحقائق التى يعرضها».

بالفعل، نجح ترامب فى استغلال حالة الاستقطاب السياسى غير المسبوقة التى تشهدها الولايات المتحدة لشن هجوم لا يتوقف على وسائل الإعلام التى لا تشاهدها قاعدته الانتخابية الصلبة، التى لها وسائل الإعلام الخاصة بها من صحف وتليفزيونات ومواقع يمينية محافظة. وسقط الإعلام فى فخ ترامب.

نعم، زادت الاشتراكات والإعلانات فى «سى. إن. إن» و«نيويورك تايمز» و«واشنطن بوست» وغيرها، إلا أن مصداقية وحيادية الإعلام تتلاشى مع مرور الوقت، وكذلك التعود على نهج مهاجمة شخص وسلوكيات ترامب والابتعاد عن تقييم سياساته بموضوعية.

وبادرت فى الأسبوع الأول من أغسطس صحيفة «بوسطن جلوب» إلى تنظيم حملة ضد نهج ترامب المعادى للإعلام تحت عنوان «لسنا أعداء أحد»، وانضمت إليها أكثر من 200 صحيفة. وخرجت الافتتاحيات فى تلك الصحف لتقول «لدينا اليوم فى الولايات المتحدة رئيس خلق شعاراً يقول إن وسائل الإعلام التى لا تدعم بشكل صارخ سياسات الإدارة الأمريكية الحالية هى عدوة الشعب».

وبالعودة إلى هجوم ترامب على مراسل شبكة «سى. إن. إن» جيم أكوستا فى المؤتمر الصحفى الذى عقده بالبيت الأبيض بعد الانتخابات النصفية، وما ترتب على ذلك بعدها من تصعيد إعلامى وسياسى، فإن هذا الأمر يطرح بقوة التساؤل حول ما إذا كانت خيارات ترامب فى إدارة علاقته بالإعلام هى الخيارات الأصح؟ وما إذا كانت القواعد التى اعتمدناها دائماً فى عدم معاداة الإعلام، والتى أصبحت محل شك بعد سلوك ترامب خلال العامين الماضيين، هل ستثبت هذه القاعدة قوتها وصحتها؟.

الرئيس والإعلام «1- 2»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

من بين ما عشنا مقتنعين به خلال فترة طويلة من حياتنا هو ذلك المبدأ القائل: «لا تُعادِى الإعلام». وفى المحاضرات وتدريب الشخصيات العامة فى مهارات الاتصال والتواصل دائماً ما كنت أؤكد على هذا المبدأ. هنا لا أتحدث عن ممالأة للإعلام، ولكن عن العلاقة الصحية بين الطرفين التى تُبنى على الاحترام والموضوعية، ويكسب منها كل الأطراف، المسؤول والصحفى والمواطن.

عندما فاجأ دونالد ترامب الجميع، «بمَن فيهم هو شخصياً»، بالفوز فى انتخابات الرئاسة الأمريكية، بدأ عهد جديد فى كل شىء، وتقريباً صادم ومفاجئ لكل ما درجنا عليه وتعلمناه. من بين هذه الصدمات كانت طبيعة العلاقة الجديدة بين الرئيس والإعلام، والتى أطاح فيها بكل القواعد المعلومة لنا، والتى ظللنا نتعامل معها باعتبارها قاعدة حياتية ثابتة، ومن بينها «لا تُعادِى الإعلام».

منذ اللحظة الأولى اختار ترامب الصدام والانحياز والمخاصمة. ولأول مرة نجد رئيساً قرر أن يكون الصدام والتحدى منهجاً لعلاقته مع الإعلام، وانحاز لوسيلة إعلامية واحدة دون الوسائل الأخرى، معتبراً إياها النموذج المفضل له، وهى قناة فوكس، وخاصم ما دونها من وسائل إعلام أخرى، بل وضع شبكة «سى إن إن» على قمة قائمة أعدائه اللدودين.

عداء ترامب للإعلام بدأ مبكراً، ومنذ حملته الانتخابية، عندما وصف وسائل الإعلام بأنها «عدوة الشعب»، إثر نشر صحيفة «واشنطن بوست» تصريحات قديمة له، عُدَّت مُسيئة للنساء، وقد اضطر للاعتذار عنها، ولكنه شن حملة شعواء ضد وسائل الإعلام التى اعتبرها منحازة لمنافِسته الديمقراطية هيلارى كلينتون.

وعقب حفل تنصيبه، دأب معاونوه ومساعدوه الجدد على الهجوم على وسائل الإعلام، إذ شن المتحدث باسم البيت الأبيض هجوماً حاداً عليها، خاصة عدوته الرئيسية «سى إن إن»، بسبب مقارنتها بين حضور حفل تنصيب أوباما فى عام 2013 وحضور تنصيب ترامب فى عام 2017.

الرئيس الأمريكى شارك كذلك فى الهجوم على الشبكة واسعة الانتشار أكثر من مرة، واعتبر شبكة «فوكس نيوز» هى الأعلى مشاهدة بالمقارنة بشبكة «سى إن إن»، التى قال عنها فى أحد مؤتمراته إنها تنشر أخباراً كاذبة.

لجأ ترامب فى هجومه على وسائل الإعلام إلى الخطابة وسط حشود من مؤيديه فى اللقاءات والمؤتمرات، أو التغريد على «تويتر»، حيث نشر فيديو بدا فيه وكأنه يصرع شبكة «سى إن إن»، ما جعل شبكة إخبارية مهمة فى الولايات المتحدة، وهى «إم إس إن بى سى»، تشكك فى صحة ترامب العقلية.

خطاب العداء بين الطرفين تَواصل حتى واقعة هجوم ترامب على مراسل شبكة «سى إن إن»، جيم أكوستا، فى مؤتمر الانتخابات النصفية الأخير، ووصفِه المراسل بـ«الوقح والفظيع»، وهو ما يفتح تساؤلاً حول الفائز والخاسر من هذه المعركة التى قد تقلب موازين المبادئ التى تعلمناها- على الأقل- حتى الآن، وهو موضوع المقال المقبل.