فى مناسبة ٢٦ مارس (٢)

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

هل الوطن في خطر؟ هذا السؤال المهم ختمت به مقال الأمس. الإجابة السريعة الواضحة هي: نعم.

لا أميل إلى التفسيرات التآمرية، لكن الواقع المحيط بمصر يؤكد هذه المخاطر، وما تواجهه مصر خلال الفترة الأخيرة، منذ أكثر من ثمانى سنوات، من تهديدات ومحاولات لهدم أسس الدولة. إذن نتفق على أن الخطر حقيقى، وأن أسس الدولة المصرية المدنية المتماسكة في مواجهة تهديدات حقيقية ومحاولات اختراق. وأظن أن كل هذه الأبعاد كانت ومازالت حاضرة أمام كثيرين منا.

كما قال أحد الأدباء، وتبعه كثيرون ممن أعجبهم التعبير، مرت في النهر مياه كثيرة طوال السنوات الخمس الماضية. مر البلد فيها بالكثير من التحديات والمخاطر. وشهدت المنطقة مرحلة لم تشهد مثلها من قبل من حيث المخاطر التي تصل إلى تهديد وجود دول تاريخية وتغييرات جوهرية في واقع المنطقة لخلق واقع جديد، الأكيد أنه ليس في صالح المنطقة وأهلها. واليوم أطرح السؤال: ماذا لو لم يكن قرار المشير الترشح واختيار الناس له ليقود المرحلة؟ هل كان الوضع الراهن سيتغير؟ رغم أن علوم السياسة لا تعرف الأسئلة الافتراضية حول أمور حدثت بالفعل، إلا أن إغراء طرح السؤال أقوى من التعامل بمنطق العلم.

أظن أن ما حدث كان في صالح الحفاظ على كيان الدولة صلبًا متماسكًا في مواجهة هذا الزلزال الذي يعصف بالمنطقة. وأظن أن الرئيس قد امتلك قراءة صحيحة للواقع المحيط بنا، وأن إدراكه للمخاطر التي تهدد الأمن القومى المصرى كان إدراكًا واضحًا في ذهنه من اللحظة الأولى، وكان أيضاً المحرك للخطوات المصرية في المرحلة التالية، هذه الخطوات التي لم يظهر مغزاها أمام كثيرين إلا بعد فترة. ويمكن هنا الإشارة دون إسهاب إلى الموقف المصرى المبكر جداً من سوريا، والموقف من التورط في حرب اليمن، حتى لو أغضب البعض، وبناء علاقات ثقة خارج الإطار الأمريكى سواء مع الصين أو روسيا.

وقد تكون هناك ملاحظات عديدة لدى أطراف، معظمها مخلص، حول أن الإجراءات المتخذة لتقوية الجيش المصرى تبدو أكبر من الحاجة لها في هذه المرحلة. إلا أن قراءة متأنية لملامح الصورة التي أشرت إليها يمكن أن تكون تفسيرًا مرضيًا لمن يؤيد إجراءات دعم الجيش، ويضاف إلى ذلك أن قوة الدولة المصرية ارتبطت تاريخيًا بقوة الجيش القادر على حماية الحدود وردع الأعداء والاستعداد للأخطار الخارجية المحيطة.

كل هذه كانت عناصر حاكمة في التفكير والقرار والاختيار في تلك المرحلة الحرجة.

تتواصل الأسئلة التي أريد بها أن أصل إلى السؤال الرئيس: ما هي عناصر قوة الوطن؟

قبل الإجابة على السؤال قد يكون مهمًا الإجابة على أسئلة أخرى وإضاءة نقاط أخرى حول الواقع الذي عشناه.

الإعلانات

فى مناسبة 26 مارس (١)

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

ما قرأته بالأمس حول مرور خمس سنوات على إعلان المشير عبدالفتاح السيسى ترشحه للرئاسة بعد طول تفكير وتخمينات وجدل أعاد إلى ذهنى كثيرًا من الذكريات والتفاصيل والمواقف. وأيضًا كان محفزًا على التوقف للتفكير في أمور عدة.

أحيانا تبعدنا تفاصيل الحياة ومعارك الاتفاق والاختلاف حول هذه التفاصيل عن رؤية الصورة الكلية، وهذه أيضًا مناسبة للتوقف أمام الصورة الكلية.

أشهد أن قرار المشير السيسى وقتها جاء بعد كثير من التفكير منه ومحاولات الإقناع لعديدين حوله في ذلك الوقت، بل لا أتجاوز إن قلت إن بعضها كانت ضغوطًا عليه من منطلق المسؤولية التي أصبح ملتزما بها تجاه ملايين وضعوا أملهم فيه باعتباره من قاد وخاطر ليحمى المصريين من جماعة خطفت الوطن، ليقبل الترشح للمنصب.

كما أشهد أنه كان يؤكد دائمًا رغبته في أن يحافظ على الملايين التي سوف تقف يوم الحساب لتشهد له يوم العرض. وكان المنطق المقابل أن هذه الملايين لن يتمكن من الحفاظ عليها إن شعروا أنه قد تخلى عنهم ورفض الاستمرار في تحمل المسؤولية بحمل مسؤولية القيادة وانهار حلمهم، لكن الأكيد أنه إن قبل المسؤولية وتولى الرئاسة فإنه بذلك قد يفقد بعضًا من هذه الملايين، هكذا الوضع عندما تمارس السياسة، لكن ستبقى الأغلبية مقدرة ومؤيدة. والأهم أن البلد سيجد من يقوده بأمانة وتجرد.

كانت هذه هي الأجواء التي قبل فيها الرجل حمل المسؤولية. كان قلقه الدائم وقتها إلى أي مدى يمكن أن يلتزم من وعدوا بالدعم والعمل، في الداخل والخارج، بما وعدوا به؟ إلى أي مدى سيتمكن الهيكل القديم المجهد للدولة المصرية من الاستجابة للحركة السريعة القوية المطلوبة والمتوقعة خلال الفترة المقبلة؟ إلى أي مدى سيتمكن المصريون من التفاعل والاستجابة لمتطلبات المرحلة؟ إلى أي مدى سيتمكن من أن يتعرف ويصل إلى الكفاءات الحقيقية القادرة على تحمل عبء مسؤولية ما يكلفون به في المرحلة التالية بتجرد ورغبة حقيقية في دفع البلد إلى موقعه الصحيح والجدير به في ظل تحديات وجود؟

كانت هذه بعض ملامح الأجواء التي أحاطت المشهد الذي خرج فيه المشير السيسى، وزير الدفاع وقتها، ليعلن للمصريين والعالم أنه يعتزم الترشح للرئاسة. خرج يتحدث وخلفه حديقة حقيقية، مرتديًا زيه العسكرى، أظن بعد تفكير طويل، ليوصل الرسالة بأنه ارتدى هذا الزى لإيمان بدور وطنى في شبابه، ويترك هذا الزى أيضًا لإيمانه بدور وطنى جديد دفاعا عن الوطن، أنه سيظل حاضرًا في المستقبل وقت الحاجة. وخرجت كلمة المرشح المحتمل وقتها تحمل في طياتها فهمًا للواقع وامتلاك رؤية للقادم والتزامًا بتحقيق ثلاثية «الاستقرار والأمان والأمل».

هل الوطن في خطر؟ هذا سؤال مهم.

اعتذار عن عدم الكتابة اليوم

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

اسمح لى عزيزى القارئ أن أعتذر عن عدم الكتابة اليوم، وأن أترك المساحة لأستاذنا مكرم محمد أحمد، رئيس المجلس الأعلى للإعلام، نشره منذ عامين، وأيضًا جزء من كلامه فى ندوة استضافته فيها جريدة «المصرى اليوم» فى العام 2007، عندما كان مرشحًا لمنصب نقيب الصحفيين.

«إن كانت مشكلة مصر هى إبراهيم عيسى، الصحفى المصرى المشاغب والمتمرد!، وإن كان حلها الصحيح الذى يقترحه البرلمان المصرى هو مصادرته، وإغلاق قناة «القاهرة والناس» بالضبة والمفتاح، وإعادة تنظيم الصحافة والإعلام فى مصر لضبط هذه الفوضى!، فبئس المشكلة وبئس الحل، لأن مهامنا الضخمة ينبغى ألا تصغر إلى حد الاعتقاد بأن إسكات صوت واحد معارض هو الذى سوف يحقق أمن مصر واستقرارها!، ويساعد بسطاء المصريين على ابتلاع بلايا الغلاء!، ويمكّن مخططى السياسة الاقتصادية فى مصر من الهبوط بسعر الدولار إلى سعر أكثر عدلا لا يغبن الجنيه المصرى إلى هذا الحد الظالم!، فربما يجوز أن نعيد النظر فى أمر إبراهيم عيسى قربانًا لمصالح هذا الوطن!

وربما يكون إبراهيم عيسى نسيجًا فريدًا بين أصحاب الرأى والرأى الآخر، لكنه هو هو إبراهيم عيسى الناقد المتمرد أبدا، الذى يملك الحجة والحجة المضادة، مثير دائما للتساؤل، لم يرتح له كثيرا أو قليلا حكم السادات أو حكم مبارك لأنه (ترامبى) النزعة، يحرص دائما على أن يكون خارج المؤسسة وخارج الصندوق وخارج الصورة وخارج كل الأطر، لكنه لم يشكل أبدا ضررا على أمن مصر واستقرارها، وكان فى كل أحواله مفيدا، ليس فقط لأنه يعترض وينتقد، ولكن لأنه يرسم أيضا الخط الفاصل الدقيق بين شطط القول وصريح العبارة..، وأظن أنه من هواة المشى على هذا السلك المشدود مثله مثل لاعب سيرك مطلوب منه ألا يخطئ!. (…).

اتركوا إبراهيم عيسى لشأنه يقول ما يقول لأنه فى قوله فوائد جمة، وإن كنتم سوف تنظمون الصحافة والإعلام من أجل إبراهيم عيسى وحده فأنتم تخطئون توصيف القضية لأن إبراهيم عيسى لا يشكل خطرًا على مصر، فالخطر على مصر واضح ومحدد يكمن فى التسيب والإهمال وغياب العقاب والثواب وعدم الوضوح وقلة الحسم، وكلها أمراض يتحدث عنها إبراهيم عيسى».

من مقال له منشور فى جريدة «الأهرام»- ديسمبر 2016

أما الندوة:

«… ليس هناك نظام فى العالم يمكن أن يجر صحفيين بحبل ليف ويذهب بهم إلى الحبس على طريقة نائب الأرياف؛ لأن هذا أولًا يدمغ النظام بأكثر مما يدمغ الصحفيين، النظام ينبغى أن يعلم أنه المستفيد الأول من حرية الصحافة، فيه بخار بيطلع من الحلة المكبوتة، فيه آمال لما باشوف مقال لمجدى الجلاد أو مجدى مهنا أو أيًا ما كان، باحس أن هناك أملا وأن هناك ناس لديها شجاعة لأن تتكلم ولديها شجاعة لأن تقول (…).

من ندوة فى «المصرى اليوم»- أكتوبر 2007

ما الذى سيذكره التاريخ لأستاذنا؟ مقاله ومواقفه المدافعة دائمًا عن الصحافة، أم لائحة العقوبات التى صدرت فى عهده؟!.

Egypt’s struggle to stop the threats coming across its borders

by Abdellatif El-Menawy

Egypt’s four borders are a source of constant concern for the Cairo government, as the flaming conditions to the north, south, east and west have not abated in recent years, especially with the outbreak of the so-called “Arab Spring.”

The danger of terrorism comes from all sides, while there are other risks associated with illegal immigration and smuggling contraband and drugs, all of which threaten the state and its stability, especially as Egypt is engaged in a fierce war with extremism while also facing countless economic challenges.

In Gaza, there have been widespread protests against Hamas, which controls the Strip. The popular “We Want to Live” movement in Gaza has called for a comprehensive strike in response to Hamas’ crackdowns and policies that have caused deteriorations in the living and humanitarian conditions.

A vengeful hunger for revolution is looming in Gaza, while Hamas is trying to abort it by carrying out a campaign of arrests of activists, protesters and the employees of human rights organizations. Several areas in the Gaza Strip, including Khan Younis and Deir Al-Balah, have witnessed demonstrations, and a young man even set fire to himself in protest against the deteriorating living conditions.

Gaza’s two million residents complain of poor economic conditions and social services in the territory, which has been controlled by Hamas since 2007. The volatile situation, caused by the policies of Hamas on the one hand and the suffocating blockade imposed by the Israeli occupation forces on the other, is a harbinger of a new crisis for Egypt, which has recently suffered from an influx of armed militias through the tunnels between the Gaza Strip and Sinai.

The Egyptian army has been trying to clear the Sinai Peninsula from Daesh terrorists. Among the measures taken by the army in recent years include the filling in of tunnels, which were a major inconvenience to the Egyptian authorities because they were usually the main channel for the influx of militants into the Sinai.

Egypt has succeeded in filling in a large number of tunnels, the latest of which was announced by the army this month. Counterterrorism forces in North Sinai, in cooperation with military engineers, discovered and destroyed nine tunnel openings that were up to 2 meters by 2 meters in size. They led to three main tunnels on the Gaza border, with depths of up to 30 meters and lengths of up to 3 km. The tunnels were used by terrorist elements for infiltration and the smuggling of arms, ammunition and explosive materials.

“Egypt has always faced threats from across its borders, probably because it is an important civilization, or maybe because it is a central state in the Middle East whose role transcends its four borders.”

Pulling motors, electrical cables, lighting materials, headsets and fuel were found inside the tunnels. Two vehicles were discovered and destroyed, and 40 bombs, as well as materials used in the manufacture of improvised explosive devices, were also found.

Egypt’s western border with Libya extends for 1,115 km, which means that it is difficult to achieve full control over. Libya has become one of the key focal points for extremist groups after the fall of the Qaddafi regime. As a result, a number of forces there are fighting for power, including some illegal armed groups.

The Egyptian army’s battle on the western border is difficult, and the armed forces are constantly announcing the destruction of terrorist vehicles or strongholds close to the border. However, on March 1, Libyan National Army spokesman Brig. Gen. Ahmed Al-Mesmari announced full control of the Libyan border, while the Libyan army, led by Field Marshal Khalifa Haftar, has launched an extensive campaign against terrorist groups.

Col. Miloud Jawad, the undersecretary general of the Interior Ministry of the Libyan Interim Government based in Tobruk, said in January that the ministry had begun building a wall at its eastern border crossing with Egypt to help prevent the infiltration of militants and to combat smuggling across the border. However, many security experts in Egypt have questioned the effectiveness of the wall in preventing the infiltration of terrorists.

To the south, Sudan has never been a secure border because of its mountainous nature. Smuggling at the Sudanese border has seen weapons and drugs cross into Egypt, as well as the infiltration of dangerous individuals who use Egypt as a gateway to Israel. Although the western border has been used more than the southern border for arms smuggling over the years, Egyptian border guards’ attempts to thwart smuggling attempts are continuing.

The political situation in Sudan also does not bode well, following the protests that swept many parts of the country. The protests have been ongoing for four months due to high inflation. The Sudanese people have been suffering for years because of the economic problems that put pressure on the country. President Omar Al-Bashir announced last month a state of emergency throughout the country, while an official toll says that 31 people have been killed since the start of the protests. However, independent human rights organizations have reported the deaths of 51 people.

Finally, the northern coast of Egypt extends for about 1,050 km along the Mediterranean Sea. This has also been a source of concern due to the phenomenon of illegal migration occurring in Egyptian waters, along with associated outbreaks of criminality, namely human and organ trafficking.

Several international organizations have considered Egypt, being close to Europe, as a center for the secondary displacement of illegal immigrants. The biggest dilemma lies with Africans and immigrants from countries with conflicts, such as Libya, Yemen and Syria, who come to Egypt to board illegal immigration boats to Europe.

History shows that Egypt has always faced threats from across its borders, probably because it is an important civilization, or maybe because it is a central state in the Middle East and its role transcends its four borders.

هذا ما سيذكركم به التاريخ يا «أصحاب اللائحة»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

في كل مؤسسة أو هيئة أو جمعية أو أي مكان أو مجتمع، لائحة تنظم العلاقة داخل هذه الكيانات، تسمى لائحة أو قواعد أو قانوناً. لائحة تُثيب وتعاقب، وتحدد طبيعة العمل وطبيعة العلاقة بين الأشخاص داخل هذا الكيان بعضهم ببعض، كما تحدد كذلك العلاقة بين المنضوين تحت رايته ومَن هم خارجه من المتعاملين معه، سواء بشكل مباشر أو غير مباشر، وأيضاً تحمى أعضاء الكيان وتضمن حقوقهم وتعزز قدرتهم وتدافع عنهم بنفس الدرجة التي تعاقب وتجازى بها.

في كل كيان لائحة تخاطب العاملين فيها كأشخاص طبيعيين، لا بوصفهم «مجرمين محتملين»، أو تمتلئ صحيفة «سوابقهم» بما لذ وطاب من الجرائم والانتهاكات، وإلا فلماذا انضموا أصلاً لهذه الكيانات؟!.

في كل كيان لائحة تخاطب العقل والضمير أولاً، ولا تخطب ود أحد، طمعاً في أي شىء. في كل كيان لائحة تراعى ظروف وأوضاع محيطها، ولكن ليس على حساب المنتمين لها.

أما في حالتنا، كأشخاص وهيئات تابعين لكيان كبير اسمه «الإعلام المصرى»، فقد أصدر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام- الذي يتولى دستورياً إدارة شؤون هذا الكيان- القرار رقم 16 لسنة 2019 بإصدار لائحة الجزاءات والتدابير التي يجوز توقيعها على الجهات الخاضعة لأحكام قانون تنظيم الصحافة والإعلام والمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام.

أصدر المجلس اللائحة رغم اعتراض عدد ليس بقليل من الصحفيين والإعلاميين الذين اطّلعوا على مسودتها منذ أشهر، ورغم تنكره منها وقتها. أصدر المجلس اللائحة وهو يعلم أن أغلب المنتمين لهذا الكيان المسمى «الإعلام المصرى» يرفضها. أصدر المجلس اللائحة وهو يعرف أن ضفتى المهنة الرئيسيتين- الصحافة والتليفزيون- تعانيان أشد المعاناة، بل تواجهان شبح الانقراض.

مشكلات الصحافة الورقية- القومية والخاصة- معروفة ولا داعى لتكرارها في كل مناسبة، كما أن مشكلات الإعلام الوطنى والخاص أيضاً معروفة. أوضاع معظم العاملين في تلك المؤسسات هي الأخرى معروفة ولا داعى لفتح جراحها، بل كان من الأَوْلَى أن نحاول جميعاً أن نداويها بأقصى ما أوتينا من قوة وبأس.

المجلس أصدر لائحة الجزاءات التي تصل غرامات النشر فيها إلى 250 ألف جنيه، والعقوبة إلى حجب الكيان وإغلاقه، وهو يعلم أن مرتبات بعض المنتمين إلى تلك المؤسسات لا تتعدى حدود الـ1500 جنيه شهرياً.

أنا مع مفهوم دولة القانون، وأرى أنه لا مخرج لنا إلا بتأسيس دولة القانون، لكن القانون كما يعاقب فهو يحمى. المجلس أصدر لائحة هو القاضى فيها وهو الجلاد. لائحة لا تراعى الظرف العام ولا تراعى مشكلات المهنة ولا أوضاع العاملين بها. اللائحة هنا لا تنظم، بل تعاقب أشد العقاب في مهنة تعانى.

بدلاً من حماية ودعم الإعلام، وهو الدور المفترض من مجلسه الأعلى، والذى لم نره يحدث، حتى وإن تحدثوا عنه، يشمر «المجلس الأعلى» عن ذراعيه للقضاء على ما تبقى. وهو ما سيبقى الأمر الوحيد الباقى الذي سيذكره التاريخ للمتورطين فيه مهما كان تاريخهم.

حقائق أحداث 25 يناير

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كشف الرئيس عبدالفتاح السيسى، أثناء الندوة التثقيفية الأخيرة للقوات المسلحة، كثيراً من الحقائق حول أحداث محمد محمود فى العام 2011، وأشار الرئيس السيسى وقتها إلى أن الأمن المصرى لم يقتل مصرياً، مؤكداً أنه طلب منذ 3 سنوات تشكيل لجنة لرصد كل الأحداث التى وقعت فى سنوات 2011، و2012، و2013، بأمانة وشرف كى يعلم الجميع كيف تضيع الدول.

وقال الرئيس إن هناك عناصر تسعى لبث معلومات مغلوطة للمواطنين، وأعتقد أن هنا مربط الفرس، فكثير من الأحداث السابقة بُثت خلالها سيول من المعلومات، وذلك نتيجة صمت من الدولة والقائمين عليها لم أره إيجابيًا بالمرة.

كلام الرئيس فى الندوة التثقيفية التى انعقدت بمناسبة يوم الشهيد يؤكد أن كثيراً من المعلومات لم تُكشف بعد، وأذكر أننى فى وقت من الأوقات طالبت الرئيس السيسى- عندما كان وزيراً للدفاع ـ وكذلك الجهات المعنية، بإصدار توثيق حقيقى لما حدث خلال سنوات التقلبات السياسية والتى بدأت فى 25 يناير 2011، واستمرت لسنوات ثلاث.

أظن أن جهات كثيرة فى مصر تمتلك تسجيلات وتحقيقات لما حدث، وأظن أيضاً أن إظهارها سيفيد الدولة المصرية أكثر مما يضر، كما أظن أن إظهارها فى أسرع وقت سيكون أكثر صدقية من إظهارها بعد مرور الزمن، فمع تقادم الأمور والأحداث ستضيع الحقائق.

سيكون إظهار حقيقة الأحداث الآن مفيداً للأجيال القادمة التى ستسهم معرفتها فى تحديد الرؤى والأفكار اللازمة لتدشين طريقهم نحو المستقبل، ستقيهم ولا شك من الوقوع فى شرك الشائعات والمغالطات التاريخية.

لقد كنت أحد القلائل الذين دوّنوا شهاداتهم عن الأحداث خلال أيام الثورة فى كتاب «الأيام الأخيرة لنظام مبارك»، وذلك بحكم موقعى وقت الأحداث كمسؤول عن قطاع الأخبار فى التليفزيون المصرى، وأدعو كل من له شهادة أن يدونها لكى لا تضيع الحقائق، ولكى يعرف المصريون ما حدث خلال هذه الأيام الفارقة فى تاريخ مصر، والتى كان بعضها مؤلمًا ووصل إلى حد نزف الدماء وإزهاق الأرواح.

الزمن سيحكم، والحقيقة هى ما تبنى المستقبل، وإتاحة المعلومات لا شك ستضفى كثيرًا من الصدق، فلنكشف عن الحقائق، وسأجعلها دعوة جديدة ومتجددة للرئيس السيسى لبيان حقائق الأحداث قبل أن تتوه فى زحام الزمن.

السادة «المهمين»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

من جديد أكتب عن نفس الأزمة التي تضرب الشارع المصرى، وهى أزمة الازدحام. أكتب لثانى مرة، ويبدو أننى سأكتب ثالثة ورابعة، من دون استجابة.

أكتب هذه السطور على أنغام «الكلاكسات» المزعجة، ووسط عدد هائل من السيارات المتكدسة في شارع قصر العينى، وعلى مقربة من مجلس النواب ومجلس الوزراء.

أؤكد من جديد أن جزءاً رئيسياً من مشكلة الازدحام غير المحتمل نتحمله، نحن المواطنين، بسبب سلوكيات القطاع الأكبر منا، أولئك الذين نفد صبرهم واعتقدوا أن الطريقة المثلى للتعامل مع الزحام هي أن «تُخلص نفسك» وتبحث عن أي سنتيمترات تحشر سيارتك فيها بغض النظر عن القواعد، ولا يعلم من يفعل ذلك، أو يعلم، أنه يعقّد الدنيا ويعوق المرور.

كتبت في السابق كذلك عن ظاهرة انتشار وتمدد «المهمين» في مصر، وهى أحد أسباب الزحام كذلك، هذه الظاهرة التي عشناها تاريخيا منذ زمن بعيد، وذلك عندما تغلق الطرق لفترات طويلة لأن مسؤولا ما سوف يمر، كانت هذه الظاهرة مقتصرة في وقت ما عند حدود معينة، تبدأ بما يطلق عليه «ركب» رئيس الدولة وبعض كبار المسؤولين من رئيس الوزراء وبعض الوزراء وبعض رؤساء الأجهزة الأمنية.

لكنى لاحظت، ولاحظ معى كثيرون، أن المسألة «وسعت شويتين»، وملاحظتى الشخصية أنه ومنذ أصبح عملى في منطقة المبتديان القريبة من شارع قصر العينى الحيوى خلال الشهور الأخيرة، لاحظت وعانيت من هذه الظاهرة، فقد أصبح طبيعيا في حياتى أن أتوقف لفترات تمتد أحيانا لما يقرب من الساعة لأن شخصاً مهماً أو شبه مهم سيخرج من مكان مهم، ونظل جميعا نطلب من الله أن يمر الموكب سريعا حتى لا يطول بِنَا المقام في مكاننا دون أن نحظى بالمرور، لأنه مع مرور السادة «المهمين» يجب أن تتوقف الحياة، ومعها حياتنا.

الأمر ليس مقتصراً على هذه المنطقة، لكنها كل مناطق المحروسة للأسف. أتحدى أن يكون أحد القرّاء لم يمر بهذا الموقف في شوارعها الممتدة، إلا «المهمين» بالطبع، فتوقيف حارات مرورية أو مطالع كبارى أو منازلها هو أمر بات اعتياديا في حياتنا.

لاشك أن لـ«المهمين» أعمالهم التي ربما تكون مهمة، ولكن لنا أيضا أعمالنا، كما لغيرنا من الأطباء والمهندسين والمسعفين والاقتصاديين والشرطيين أعمالهم، التي ربما تكون أكثر أهمية وحيوية وضرورة من السادة «المهمين».

«أزمة وتعدى»!

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تأثير الكوارث والأزمات مؤلم ولاشك، لكن تحويلها إلى فرص هو ما يميز الدول المتقدمة عن غيرها.

فى الحالة المصرية، ومع وقوع كل كارثة، أظل أدعو أن تتحول الكارثة إلى فرصة لترسيخ منهج عام لعلاج الأزمات وإدارتها. فهل يتحول علاج حادث حريق «محطة مصر» إلى فرصة؟

لقد أظهرت الصور والفيديوهات التى تم تداولها على نطاق واسع فى وسائل الإعلام، وكذلك نتائج التحقيقات الأولية من النيابة العامة، الحاجة الماسة لامتلاك الدولة إدارة للكوارث والأزمات، ليس للتعامل فقط مع مرفق «السكك الحديدية»، ولكن للتعامل مع كل مرافق الدولة، بل مع كل المؤسسات والهيئات، كبيرها وصغيرها.

تساءلت من قبل عن وجود مجموعة تابعة لمجلس الوزراء تحمل اسم مجموعة «إدارة الأزمات»، وحاولت البحث عن دورها فى كل مشكلة تمر بها الدولة، ولكن طوال الفترة الماضية لم أجد من يجيب.

المسألة ليست مجرد مجموعة تجلس لتتحدث، ولكن المسألة لها أسلوب علمى ينبغى اتباعه. يستطيع كل من يريد أن يعرف أهمية علم إدارة الأزمات أن يبحث فى محركات البحث المنتشرة على الإنترنت، وسيعرف أن هذا العلم هو المحافظة على أصول وممتلكات الدولة، وعلى قدرتها على تحقيق الإيرادات، كذلك المحافظة على مواطنيها ضد المخاطر المختلفة، والعمل على تجنب المخاطر المحتملة أو تخفيف أثرها على المؤسسة أو الهيئة، فى حال عدم التمكن من تجنبها بالكامل.

أعتقد أن مشكلتنا الحقيقية هى عدم تبنى علم إدارة الأزمات، كحل مهم للمشكلات المتعددة التى تقابلنا، بما يوفره لنا هذا العلم من إمكانية اكتشاف المشكلة قبل حدوثها وعلاجها، واحتواء الأضرار الناجمة عنها، والاستفادة من التعلم من الخبرات الشخصية السابقة، أو خبرات الدول الأخرى فى طرق إدارة أزماتهم.

الأزمة الحقيقية لدينا هى غياب التخطيط، والتخطيط للمستقبل هو جوهر فن إدارة الأزمات. هو الذى يحدد الطريق الذى نسلكه من أجل الوصول إلى المبتغى، وهو الذى من خلاله نستطيع تلافى المشكلات قبل وقوعها، وحتى وإن وقعت فإن تأثيرها لن يكون كارثياً بالقدر الذى نجده مع كل أزمة.

أتمنى ألا تنتهى مشكلة حريق «محطة مصر» بإغلاق ملفات الأزمة وإنزال أشد عقوبة على المتسببين، بل أتمنى أن نصل إلى مفهوم إدارة الأزمة، وإلى تشكيل مجموعات خاصة بذلك، تنتهج الأسلوب العلمى فى علاج الأزمات، حتى لا يتحول الأمر إلى «أزمة وتعدى»!.

اترك قناعك.. وتكلم

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كل من يعرفنى عن قرب يعرف أننى أتعامل مع الكلمات بمقياس يتجاوز فى دقته مقياس الذهب. أحاول بقدر المستطاع أن أستخدم الكلمات بأكبر قدر من الدقة وفى حدودها المرسومة والصحيحة فى المعنى والدلالة.

كل من يعرفنى يدرك أننى أحترم الكلمة وأقدس قيمتها وقدرها وقدرتها على فعل المعجزات وكذلك الكوارث، مهما اختلفت الأيام وتبدلت الوجوه والأقلام.

أقول هذا الآن وأنا رئيس تحرير واحدة من أهم المطبوعات اليومية العربية، كما قلته وأنا على رأس قطاع الأخبار المصرى فى زمن مضى، وأقوله باستمرار مع تبدل الحالة والحال، ومع تغير الأوضاع من النقيض إلى النقيض.

الإنسان بكلمته. هكذا علمنا فلاسفة الحياة. وهكذا قال من سبقونا على الأرض، بل هكذا تنجو المجتمعات من حالة التربص والتشويه التى تتبعها بعض الأطراف من أجل مكاسب ونفوذ مادى ومعنوى، فى الوقت الذى يجب أن نكون فيه يداً واحدة لبناء دولة متقدمة حديثة ذات قوة وفاعلية على المستويين الإقليمى والدولى.

ربما نجح الزمن لفترة طويلة فى أن يضع أقنعة على وجوه الكثيرين، ومع طول الزمن بدا الأمر وكأنه حقيقة، وكأن هذه الأقنعة باتت وجوهاً حقيقية، ويبدو أيضا أن الكثير من الناس تمكنوا من أن يواصلوا حياتهم بهذه الأقنعة.

خلال السنوات الأخيرة قرر كثيرون أن يمارسوا تلك اللعبات البهلوانية فى الانتقال من موقف إلى نقيضه، ومن أفكار إلى عكسها، بل ونقض الأفكار السابقة، كانت لديهم قدرة عجيبة على التلون والتناقض كشفتها الأحداث المتتابعة.

فيما يبدو أيضا أن هذه هى الحالة الأكثر حضورا، ولكن هناك حالات تمر بها المجتمعات تكون بحق حالات قادرة على إظهار المعادن الحقيقية للبشر، وتقذف بالأقنعة بعيدا لتظهر الوجوه الحقيقية لأصحابها، وتكشف أيضا كم هم قليلون من الناس الذين استطاعوا العيش بلا قناع، بل بوجه حقيقى.

ليس أمامى شخص بعينه أو جهة بعينها، ولكن أمامى حالة كاملة من وعى مفقود بأهمية الكلمة ونبذ الأقنعة. أمامى حالة تحتاج إلى وقفات مع النفس بقدر احتياجها لسماع أصوات ضمائرها. أمامى حالة ليست صعبة أو ميئوسا من شفائها، بل من الممكن النجاة إذا تركنا الأقنعة وتكلمنا، واضعين أمامنا المجتمع الذى نود جميعاً الحفاظ عليه من التشوهات والشقوق.

يجب أن نتذكر كلمات عبدالرحمن الشرقاوى فى مسرحيته «الحسين ثائراً» عندما قال: «الكلمة نور.. وبعض الكلمات قبور».

العمل الجاد ثقافة.. والإهمال أيضًا

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لم نكن فى حاجة إلى كارثة جديدة لنعرف أن الإهمال هو الوجه الآخر من الإرهاب. مع الأسف نحن نعيش هذه الحالة اليومية من مواجهة حياة اختار أصحابها الإهمال ليكون سلوكاً حاكماً يمارسونه باتفاق غير معلن وغض طرف حتى تقع الكارثة فينتفض الجميع يسبون الإهمال والمهملين ثم يعودوا سريعا إلى ممارسة فعل الإهمال بإصرار عجيب.

ليس هناك فارق بين مهمل وآخر، النتيجة تظل واحدة فى كارثية نتيجتها ولكن حجم الضرر يختلف حسب موقع المهمل. فعامل نظافة مهمل يفسد جمال شارع، وطبيب مهمل يفسد حياة مريض، وسائق مهمل يضيع حياة كثيرين.

يقول العلماء إن الإهمال سلوك يتجاوز تأثيره صاحبه، ولا يقتصر عليه، فالإنسان المهمل هو إنسان «فوضوى» غير مبال، يتأثر محيطه الشخصى بإهماله، وفى العمل يوجد الموظف المهمل والمدير المهمل، وفى كل مناحى حياتنا يطل علينا المهملون. الإهمال إحدى سمات الشخصية التى قد تكون جزءاً من سمة عامة أو نتيجة لها كالإحباط أو العجز أو الاتكالية، أو كل هذا. وغالباً يتولد الإهمال نتيجة عادات اكتسبها الشخص من البيئة المحيطة حوله، أو نتيجة القدوة المهملة، واللامبالاة المبكرة، وغياب ثقافة المسؤولية، أو كل هذا. ويساعد فى تجذير وتأصيل الإهمال كجزء من المكونات «الثقافية» للشعوب غياب سلطة وسطوة القانون. فمن يأمن العقوبة يُسئ التصرف.

ظاهرة الإهمال واللامبالاة والاستهتار وعدم المسؤولية أصبحت مرضاً مستشرياً لدرجة تكاد تهدد المجتمع كله فى كيانه بل تضربه فى مقتل، ونحن لا يمكن أن نحصرها فى قطاع معين، بل انتشرت فى معظم مستويات وقطاعات المجتمع المختلف. ولا تستأثر قطاعات الحكومة بهذا المرض القاتل وحدها بل يمتد ليسكن الكثير من مناحى حياتنا، لا أبالغ إذا قلت معظمها. ولأن الردع فى معظم الأحيان إما غائبا أو متأخرا فإن هذا الغياب هو المناخ الملائم لانتشار الإهمال ليتحول بعدها إلى أسلوب حياة.

الأوضاع فى مجتمعنا انقلبت رأسًا على عقب ليصبح الإهمال والتسيب واللامبالاة والاستهتار هى الأصل والقاعدة، أما الجدية والحرص فهما الاستثناء. نشاهد العمارات التى تنهار فوق سكانها نتيجة إهمال هذا المهندس أو المقاول الذى أُسندت إليه عمليات إنشائها، والكثير من ضحايا الطرق نتيجة إهمال سائق المركبة. والمرضى الذين يدفعون ثمن إهمال ممرض أو طبيب أو إدارة مستشفى، أو سائق قطار يتركه فى وضع الحركة ليتشاجر أو «يهزر» مع زميله فيقتل أكثر من عشرين ويفسد حياة أكثر من عشرين آخرين.

هل الإهمال نتاج الكسل والتقاعس، أم أنه يُعد مرضاً نفسياً يحتاج إلى علاج؟ وهل له علاج؟

أفضل الطرق لمعالجة الإهمال هو الاعتراف بالمشكلة، والأهم بعد الاعتراف ألا ننسى الأمر برمته حتى كارثة جديدة. وكأى أزمة لها علاجان، أحدهما عاجل والآخر طويل المدى، وهما بالترتيب: الردع بتنفيذ القانون، والتربية والتعليم من الصغر.