تشويه ملامح الوطن

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

عندما كنت أرى وجوه من حكموا مصر لمدة عام على شاشات التليفزيون كنت أشعر أن هذه الوجوه لا أعرفها، ليس لأنها وجوه غير مصرية، على العكس هى وجوه شديدة المصرية لكنها غيرت فى انتمائها أو على الأقل عدلت فى ترتيب أولوياتها فقررت أن تستبعدنا جميعا وتنفرد هى بالوطن كله كغنيمة وكخطوة من أجل تحقيق أهدافها التى تتجاوز الوطن إلى أحلامهم الخاصة فى الخلافة الإسلامية التى يتحول فيها هذا البلد بتاريخه إلى مجرد ولاية، ولذلك فقد تغيرت ملامحهم، أو هكذا شعرت. ولأننى كنت أرى ذلك بوضوح منذ اللحظة الأولى فقد تملكنى ذلك الشعور المستمر بغربتى عن هؤلاء رغم أنه كان لى من بينهم أصدقاء قرروا أن انتماءهم للجماعة أهم من الصداقة.

لم يقف الأمر بهم عند هذا الحد بل بدأوا فى عملية تجريف حقيقية ومؤثرة فى ملامح الشخصية المصرية، وبدأوا يفرضون واقعا جديدا ذا ملامح مختلفة، وكما ذكر لى صديق أنه شعر بأنهم يغيرون ملامح وجهه. وأظن أن هذا التشبيه هو الأكثر تعبيرا عن الإحساس الذى سكن المصريين وقتها، وهذا يفسر جزئيا هذا العدد الضخم من المصريين الذين قرروا أن يخرجوا ليحموا ملامحهم ووجوههم من التشويه الذى بدأته الجماعة ولم تمتلك الوقت كى تنفذه. كما ذكرت سابقا فإن المثل المصرى الدارج يقول «العند يولد الكفر»، وبالفعل نجحت جماعة الإخوان المسلمين فى أن تغير ملامح قديمة فى الشخصية المصرية، فالمصريون لا يثورون بسهولة و«نفسهم» طويل مع حكامهم وقصير فى الاحتجاج، ولكن لأن العند يولد الكفر فقد تمكنت الجماعة بعنادها وإصرارها على إنكار الواقع من أن تولد غضبا حقيقيا ولا نهائيا داخل نفوس المصريين، دفعتهم إلى الكفر بهم وبحكمهم وبرجلهم الذى سكن قصر الرئاسة. هذا الكفر بهذا النظام وهذه الجماعة غير من شخصية المصرى فثار بسرعة واستمر فى الثورة ضدهم، إعلانا عن كفره بهم، ولم يترك المصريون الشارع حتى اندحرت الجماعة ورئيسها وعادت للمصريين ملامح وجوههم.

خرج المصريون، إلا قليلا، واستدعوا المؤسسة الوحيدة القادرة على الفعل فى هذه المرحلة، فى الواقع هى المؤسسة الوحيدة التى نجت نسبياً من عمليات التجريف وهدم الثقة، استطاعت هذه المؤسسة، التى هى الجيش، أن تستعيد بسرعة مكانتها عند المصريين. لم يكن هناك مجال للجميع إلا الأمل فى الجيش فقد تغلبوا على إحساسهم بالشك وظلوا ينتظرون اللحظة التى يعلن فيها الجيش انحيازه للناس مرة أخرى. ولم يخيب الجيش أمل الملايين الذين نزلوا فى الشوارع بحثاً عن وطنهم المخطوف.

Advertisements

داعش.. مواجهة «افتراضية»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

خسائر تنظيم داعش الإرهابى فى دول نشأته، سوريا والعراق، ودول تمدده، ليبيا وبعض الدول الأفريقية وشبه جزيرة سيناء، لا تعنى نهاية الإرهاب.

نعم، قد تكون الجملة صادمة، لكنها حقيقية، وذلك بعد أن أصدر مركز «المستقبل للأبحاث والدراسات»، فى أبوظبى، تقريراً يشير إلى أن التنظيم يبذل جهوداً من أجل استعادة نفوذه ونشاطه مرة أخرى، خاصة على الساحة الإعلامية.

ويعتمد التنظيم، وفقاً للتقرير وكثير من التقارير الإعلامية العربية الأخرى، على تحول الخطاب الموجه للمؤيدين من الحديث على صفحات التواصل الاجتماعى عن جهود بناء الدولة والعمران وتسهيل سبل العيش فى مناطق نفوذه وسيطرته، إلى التركيز على المعارك التى يخوضها التنظيم ضد قوات التحالف والجيوش التى تشن عليه ضربات فى كل مناطق النفوذ، إلى جانب الإجراءات العقابية التى يتخذها ضد العناصر التى تحاول الانشقاق أو التى يتهمها بالتجسس لصالح أطراف أخرى.

وعلى الرغم من أن الفترة الماضية شهدت تراجعاً واضحاً لتواجد تنظيم «داعش» إعلامياً، بعد تراجع المحتوى ��لإعلامى الكمى له، وضعف تأثير تقنيات وجودة الإصدارات الصوتية والمصورة، بعد أن خسر التنظيم فى العراق وسوريا أغلب بنيته التحتية الإعلامية، بالتوازى مع مقتل واعتقال بعض كوادره الإعلاميين، إلا أنه يحاول العودة عبر آليتين رئيسيتين، الأولى الاعتماد على وسائل التواصل الاجتماعى، لدعم انتشاره إعلامياً، من خلال نشر مقاطع الفيديو الخاصة به على حسابات أعضائه ومؤيديه، من أجل التواصل مع الإرهابيين والمتعاطفين، من أجل استقطاب عدد كبير منهم، لتعويض خسائره البشرية.

الآلية الأخرى هى إعادة بناء الصورة الذهنية للتنظيم، حيث يلجأ الآن إلى تغيير خطابه المعلن لعناصره ومؤيديه، ودعوة أعضائه لـ«الصبر» و«المرابطة» فى التعامل مع الضربات المتتالية التى تعرض لها فى مناطق النفوذ والانتشار.

يسعى التنظيم حالياً إلى الاستفادة مما تبقى من وسائل إعلامية له على الأرض، لاسيما فى مناطق الحسكة ودير الزور وحماة، حيث عمد إلى تصوير عدة عمليات انتقامية ضد عناصر من الجيش السورى، كان آخرها صور تناقلتها وسائل الإعلام العالمية، فى مايو 2018، بعد نشرها فى صحيفة «ديلى ميل» البريطانية، لعملية تفجير لأسير لدى التنظيم من جنود الجيش السورى، وهو ما يعد بمثابة عودة لأسلوب «الترويع الممنهج» السابق للتنظيم.

من الضرورى ألا تنسى الدولة المصرية، وهى تشن حربها ضد التنظيم فى سيناء وعبر الحدود الغربية، مع تحقيق نجاحات كبيرة فى هذه الحرب، أنه يحاول التواجد والنشاط من جديد فى الإعلام الديجيتال والعادى، وهو أمر فى غاية الخطورة، ومواجهته لا تقل شراسة عن المواجهات القتالية على الأرض.

النخبة الأصيلة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

العاصمة كالنداهة التى وصفها الأديب يوسف إدريس، إذا لم تقاومها خطفتك، وراحت بك بعيدا تنزع الجذور، أو على الأقل توهنها.

مفهوم النخبة أصبح كلمة حق يراد بها باطل، بل بات البعض يستخدمها ويتمسح فى المصطلح ليتعامل معها كورقة التوت يستر بها عورة الجهل. يحتمى وراء تعبيرات مبهمة أو جمل مركبة يسرقها أو «يستعيرها» من صفحات على الإنترنت تخصصت فى جمع المشهور من الجمل لزعماء سياسيين أو أعلام أدب أو متصوفين.

على عكس ذلك كان هاشم الدندراوى الذى استمد قوته ومعرفته من ارتباطه بأصوله، هو أمير عليهم، وجميعهم يعاملونه باحترام ومحبة عظيمين، لكنه بدا دائماً جزءا أصيلا منهم، وكذلك كان ابن عمه عبيدة الذى هو نائبه ويحمل درجة للدكتوراه فى العلوم السياسية. إذا ما أردنا الحديث عن النخبة الحقيقية فهى تلك النماذج التى كلما ارتقت ازداد ارتباطها بجذورها، لأنها مصدر المعرفة المستمر، والمعرفة هى قوة لو يعلمون.

هذا ما رأيته فى «دندرة» التى تحولت إلى ساحة كبرى لاستقبال الضيوف الأجانب والمصريين، النظام المتقن ومستوى المستقبلين وتهذيبهم ملحوظ، وكلهم من المتطوعين. أيضا المشاركة النسوية فى الاجتماعات ومعارض المنتجات اليدوية التى تنتجها الدندراويات، وكذلك الكرم والاستضافة للوافدين، حيث تفتح بيوت القرية أمام الضيوف بما فى ذلك الكنيسة الأرثوذكسية بالقرية.

الغوص فى الأصول الفكرية للفكر الدندراوى جدير بالدراسة والفهم، لن يتسع المجال هنا لعرض حتى ولو ملامح سريعة لكنى أنصح من يهتم بأن يبحث ويقرأ فيها. ويمكن الإشارة إلى ملامح سريعة، فأساس الفكرة التصدى لحواجز الأفكار الطائفية والفوارق الطبقية والتفاخر بالعصبيات والتناحر بالحدود الإقليمية.

يمكن القول إن هذه الجماعة تتجاوز الصوفية والسلفية، بل يمكن اعتبارها، كما وصفها الفضل بن العباس، دعوة شاملة، وقال عنها إنها ليست بدعوة مذهبية حديثة، وليست بطريقة صوفية جديدة، وليست بجماعة سياسية قومية، وليست بجمعية خيرية إقليمية. أنا أعتبرها نموذجا للعمل الأهلى التنموى الذى ينطلق من قواعد الفهم لثقافة المجتمع ويتصالح معها ويوظفها من أجل صالح الجميع.

الكثير يمكن أن يقال من زوايا متعددة ولكنى هنا سأتوقف عند نقطتين، الأولى أن المؤتمر الذى تشهده دندرة مرتين كل عام يستحق أن يكون حدثاً دولياً بحق يقدم صورة حقيقية لمصر الحقيقية، تمتلك التجربة ما يمكن أن نفخر به من فكر وممارسة وتاريخ وشباب.

الأمر الثانى أن دراسة هذا النموذج يمكن أن تؤدى بِنَا إلى إيجاد وسائل حقيقية لدفع وتنشيط العمل الأهلى الحقيقى النابع من المجتمع والواعى بمشكلاته والحلول المناسبة له.

ثقة الناس تذهب إلى من يُؤْمِن بهم ويفهمهم ويعتبرهم بحق الجذور ومنبع المعرفة.

الأسرة الدندراوية

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

«أعتذر لكم لأنى لم أعرف عنكم من قبل».. هكذا بدأت حديثى أمام آلاف من الرجال والنساء انتظموا فى سرادق كبير فى قرية «دندرة» على الضفة الغربية لمدينة قنا فى صعيد بلدنا.

اعتذارى كان صادقاً بعد أن اكتشفت تلك التجربة المهمة، كبيرة الحضور والتأثير لـ«الأسرة الدندراوية»، وعندما أصفها بالتجربةـ فأنا لا أقلل من شأنها، فقد تأسس الفكر الدندراوى سنة 1875، على يد مؤسس الأسرة «السيد محمد الدندراوى»، أحد أفراد قبيلة «الأمارة» المنتشرة فى الصعيد، والذى نزح من المغرب العربى إلى مصر فى القرن السابع عشر الميلادى. وصفى لها بالتجربة ينطلق من التقدير العظيم الذى حملته للأسرة الدندراوية بعد اكتشافى لها، وما تخيلته من حجم النجاح الذى يمكن أن يتحقق فى مجتمعنا إذا ما نظرنا إلى عمقه واكتشفنا ما فيه من ثقافات وكيانات وتجارب يمكن أن تكون قوة دافعة لهذا المجتمع.

انتظرت أكثر من شهرين لأكتب عن تجربتى فى حضور مؤتمر الدندراوية، أردت أن أكون متخلصا من إعجاب أو انطباع وقتى من أثر قرب الحدث. الغريب والإيجابى فى الأمر أن إعجابى وتقديرى لم ينقص بل تعمق، واقتناعى بأهمية الاستفادة من التجربة ازداد.

معرفتى بهم بدأت بلقاء مصادفة مع رجل فى بدايات عقده الخامس، اكتشفت من نقاشى معه مستوى عمق تفكيره وصدق إيمانه فيما يعبر عنه، اسمه هاشم الدندراوى، كان حوارنا عن مفهوم التنمية المستدامة، وكيف يمكن للعمل الأهلى أن يكون العنصر المهم فى التنمية، وحدثنى عن تجربته فى بلدته دندرة، والمؤتمر الذى اعتاد عقده مرتين فى العام، وقبلت دعوته لحضور المؤتمر، لاعتقادى فى أهمية أن نسمع الناس الحقيقيين ونتعلم منهم إن أردنا تأثيراً حقيقياً.

ذهبت واكتشفت حجم التجربة وعمقها فى تاريخ المنطقة والأثر. آلاف يرتدون زيهم الأبيض رجالاً، وأماكن مخصصة للنساء بلا نقاب، يجلسون اليوم بطوله بحماس وإصرار على المتابعة والمشاركة فى نقاش يبدو عميقاً ولكنهم قرروا أن يفهموا.

الاكتشاف الأكبر كان ذلك البناء التنظيمى للأسرة، التى على رأسها «الأمير» الذى هو هاشم الدندراوى، والذى يحظى باحترام وإجلال عظيم بين كل المنتمين للأسرة الدندراوية. وخلف والده فى الإمارة بعد وفاته من ثمانى سنوات. وعكس الرجل بثقافته العميقة وارتباطه بجذوره نموذجاً مهماً وجديراً بالدراسة والمتابعة لتجربته فى ذلك الكيان الذى هو نتاج طبيعى للمجتمع وتطور ليتجاوز مفهوم الجماعة الدينية، سلفية أو صوفية، وليتجاوز المفهوم القبلى أو الجهوى، وليشكل نموذجاً لمفهوم التنمية الدنيوية والسماحة الدينية. كيف يمكن الاستفادة من هذا النموذج؟.. هذا حديث آخر.

الفعل الناقص

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

مرة أخرى نفعلها، نبدأ الفعل ولا نستكمل دورة الفعل، هنا أتحدث عن أدائنا فى كأس العالم. هذه إحدى السمات التى باتت جزءا من ثقافتنا أن نبدأ العمل ولا نتمه، نتحمس للفكرة ولا ننفذها، نطلق الدعوة ونتناقض فى أدائنا مع ما ندعو إليه.

لا أشكك فى نوايا أى من القائمين- أى فى أعضاء الاتحاد أو الفريق أو المسؤولين- حتى الآن على الأقل، ولكن أشك كثيرا فى قدرة الاستمرار لدى القائمين على هذه الملفات، أو القدرة على العمل المستمر ذى الوتيرة الواحدة أو المتصاعدة، للوصول إلى تحقيق الهدف.

لا أتحدث هنا عما حدث فى روسيا، ولكن هو نموذج للأداء غير القادر على الاستمرار والتواصل، التواصل بمفهوم تطوير الأداء والاستمرار بقوة دفع متزايدة، والتواصل بمفهوم القدرة على استكمال الجملة التى بدأناها. لذلك تستمر حياتنا ومشروعاتنا عبارة عن نبضات تتسرب عبر حالة سكون اختيارية ارتضيناها حكاما ومحكومين. لا نملك الرغبة أو القدرة على استكمال الجملة التى نبدأها، وفى بعض الأحيان نبدأها بداية جميلة توحى بشىء أفضل، ولكن نعجز عن الاستمرار أو نضرب عن الاستمرار.

ما حدث هو حالة متكررة، حالة متكررة فى كل مناحى حياتنا، البداية المفاجئة بقوتها أحيانا عديدة، ثم تراخٍ وخذلان.

أظن دوما أن المشكلة تكمن فى تكويننا الثقافى الذى يخاصم الأسلوب العلمى فى التخطيط والإعداد والتنفيذ. نحن نعيش ونمارس بثقافة «فتوة الحارة» الذى يشمر ذراعيه ويبدأ دون تخطيط. هذه آفة نعانى منها حتى فى بيوتنا، حتى بدا الأمر وكأنه جزء من تركيبتنا من ثقافتنا، من رؤيتنا لأنفسنا ولحضورنا ودورنا فى الحياة، جمل لا تكتمل، وأفعال لا تتم.

أى نجاح مرتبط بأن يستكمل الفعل، وأى نجاح جزئى هو فشل جزئى، وفى بعض الأحيان فشل كلى. وأى جملة غير مكتملة هى جملة مشوهة، مهما بلغ مستواها البلاغى تظل عاجزة عن الوصول إلى المعنى المكتمل، تظل مثلها مثل النوايا الحسنة غير المرتبطة بفعل، تؤدى فى بعض الأحيان إلى جهنم أو إلى الفشل. نحن فى حياتنا الخاصة والعامة نحترف عدم إكمال الجملة، عدم إتمام الفعل. نبدع فى بدايتنا، انطلاقاتنا، ولكن لا نملك القدرة أو الرغبة فى الاستمرار بنفس قوة الاندفاع الأولى، يحدث هذا- كما ذكرت- فى حياتنا العامة، لذلك تظل النتائج دوما مرتبطة بعناصر خارج إرادتنا، ذلك لأننا أطلقنا الفعل ولم نرغب أن نستمر فيه بذات قوة البدء، بدأنا جملتنا ولم نستكملها.

قيادة التغيير

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كل نظام ذكى فى العالم يجدد نفسه بإحداث تغيير يضمن به استمرار سريان القوى الدفع والتحفيز للنظام والمجتمع. هذا يحدث حتى لو كان عمر النظام قصيرا أو حتى لو كان حديث العهد بإدارة العمل السياسى.

بعد قليل يكتشف النظام، أى نظام، مكامن الخلل فى إدارته للشؤون الخاصة بالمجتمع، والفارق هنا بين نظام وآخر هو مدى شجاعته فى إدراك الخطأ والمسارعة إلى تغييره.

إحدى القوى الكامنة فى المجتمع البشرى هى قوى التغيير، وأظنها مثلها مثل قوى الطبيعة التى ظل الإنسان يهابها ويخافها، حتى تمكن من التعامل معها والسيطرة عليها نسبياً. دعونا نتخيل الإنسان الأول الذى أظنه كان يفزع كلما تسببت العواصف فى إحداث حريق، هو عبارة عن نيران لم يتمكن الإنسان الأول من إشعالها، وظلت قوة خفية وغير مسيطر عليها حتى تمكن من التحكم فى إشعال النار، بذلك تخلص من خوفه منها، واستطاع الاستفادة بها، وهكذا بقية القوى الأخرى التى يظل الإنسان متخوفاً منها حتى يتمكن من السيطرة عليها أو توظيفها وفقاً لاحتياجاته، ولو لم يتمكن من ذلك فإنه لا يملك إلا أن ينسحق أمامها أو يتجنبها. هكذا ظل الحال مع قوة الرياح والمياه والعواصف، وأظنه يصلح للتطبيق على قوة التغيير.

هذه المخاوف يمكن أن تنطبق على التعامل مع تلك القوة القديمة المتجددة وهى الرغبة فى التغيير، أو قوة التغيير، قوة التغيير هى قوة قابلة للتوظيف الإيجابى، أو للانسحاق أمامها، المعيار هنا أو العنصر الحاسم هو: هل نقود نحن التغيير أم نقف متسمرين أمامه فلا نجد مستقبلا لنا إلا بانسحاقنا وفقاً لقوانينه أو لقوانين من يحركه؟.

أظن أن المخرج الوحيد لأنظمتنا ولنا فى هذه المرحلة أن نقود نحن عجلة التغيير بأيدينا، قد يتمكن من وضع العصا أثناء دوران هذه العجلة، ولكنه أبداً لن يتمكن من إيقافها حتى لو نجح جزئياً فى تعطيلها.

المطلوب فى هذه المرحلة التجاوب مع قوة التغيير التى أصبحت المطلب الأول الآن بين الشعوب، هذا التجاوب يمكن أن يصب فى صالح هذه الشعوب إذا ما حدث ذلك الاكتشاف المشترك بين الشعوب وحكامها لتلك النغمة المفتقدة بينهما، اكتشاف الأنظمة لغة حوار صحيحة مع شعوبها، وقدرة هذه الأنظمة على تلبية رغبات تلك الشعوب فى الحياة وفقاً لمعايير تشعر هذه الشعوب بأنها تستحقها- هما الأسلوب القادر على استعادة هذه الأنظمة لشعوبها ولمكانتها بينها.

Foreign investment crucial if Egypt is to enjoy an economic renaissance

by Abdellatif El-Menawy

When the term “reconciliation” is mentioned in Egypt, the first thing that comes to mind is rapprochement with the Muslim Brotherhood. Those who pose this suggestion are subjected to sharp attacks from many parties. But what about a reconciliation that is not political, but economic? That is, reconciling the government with the private sector, whose relations with the state are still tense, even if each side claims the opposite.

The state in Egypt must recognize there is no prospect of a genuine economic renaissance without direct and strong foreign investments, which would contribute to the creation of a state of economic mobility that increases growth rates and reduces inflation and unemployment. These seem to have been absent due to the political circumstances of the country over the past seven years, and because of some economic and legal policies that have caused a kind of intimidation of foreign investors, who want to invest their money in a safe manner without any obstacles.

Many of the makers of these pitfalls may have missed — despite good intentions — the idea that foreign investors would not favor an environment that hinders Egyptian investors. Why would foreign investors come while their Egyptian counterparts suffer?

Therefore, the state must face the important fact that there are still impurities in the relationship — a lack of clarity of vision, or a state of apprehension — which are often ignited between the state and the private sector. What is required at this stage is a reconciliation among all parties, without maximizing the private sector or diminishing the state, because the two parties are complementary members of the fabric of society.

What is needed is a solution that I fully believe in, which is the rule of law and the imposition of a legal investment climate, in which logic and fairness are guaranteed and where relations are regulated so as to ensure the fairness of competition and the prevention of monopolies. There should also be clear reciprocal obligations between all parties; commitments by the state through facilitating laws and regulations, and commitments from the private sector to ensure it meets legal, tax, customs and social obligations.

Thus, a state of general psychological calm in society may be created and bridges of mutual trust may be built.

“Solving this problem at its root would not be possible without driving investment, and this would not be powerful enough without foreign direct investment.”

There are certainly many positive changes that confirm Egypt is steadily moving toward a new beginning of comprehensive economic development. But the question is can the state alone succeed? Are its economic assets sufficient for the creation of the desired economic growth? The categorical answer is “no.” This cannot be achieved without pumping direct foreign investment into the body of the economy. Understanding and believing in this is the prelude to action.

Egyptian officials are proud of the success of the economic reform program, with the country’s growth forecast rising to 5.4 percent in the first quarter of this year, according to the Ministry of Planning. Unemployment fell to 10.6 percent during the same period, according to the Central Agency for Mobilization and Statistics. Inflation also fell to 12.9 percent in April after peaking in July 2017 at 34.2 percent.

However, despite the apparent improvement in macroeconomic indicators, a dilemma remains in the increasing cost of living. Solving this problem at its root would not be possible without driving investment, and this would not be powerful enough without foreign direct investment.

It is widely accepted that foreign direct investment is better in developing countries than borrowing, as it helps bridge the gap between savings and investment, especially under the unfair conditions of foreign loans. It also reduces foreign aid to developing countries.

The Central Bank of Egypt announced at the end of last year a rise in the volume of net foreign direct investment during the fiscal year 2016/2017, reaching $7.9 billion, up from $6.9 billion. However, it is important to note that most foreign direct investments are still mainly limited to the field of gas and oil and, despite the importance of these investments, there is a need for diversification.

Egypt’s economic policy-makers should develop a structure of incentives for foreign companies to invest in the country and employ more local workers.

Indicators of stability are among the most important elements that influence the decisions of foreign investors. This stability is represented in inflation, so economic policy-makers must target inflation and maintain exchange rate stability.

Infrastructure also has an impact on attracting investments. Hence, it is important to pave dilapidated roads, establish new roads, build new bridges and develop telecommunications services.

Another crucial element in attracting foreign investment is legal and legislative reforms. There have been important steps taken in this field, but they have been ambiguous in parts.

Economically, there is no chance of pumping real blood into the exhausted body of the state except by following clear legal rules for all parties to the production process — workers, management and investors. Recently we have noticed a situation in which a number of investors, Egyptians as well as Arabs and foreigners, have fled the Egyptian market. This is because of the unwelcoming climate that has plagued the atmosphere, including baseless legal cases. The best way now is to restore stability to the investment climate.

The climate in which the private sector operates remains one of the most critical and stimulating factors for attracting foreign direct investment.

Foreign investment crucial if Egypt is to enjoy an economic renaissance

by ABDELLATIF EL-MENAWY

When the term “reconciliation” is mentioned in Egypt, the first thing that comes to mind is rapprochement with the Muslim Brotherhood. Those who pose this suggestion are subjected to sharp attacks from many parties. But what about a reconciliation that is not political, but economic? That is, reconciling the government with the private sector, whose relations with the state are still tense, even if each side claims the opposite.

The state in Egypt must recognize there is no prospect of a genuine economic renaissance without direct and strong foreign investments, which would contribute to the creation of a state of economic mobility that increases growth rates and reduces inflation and unemployment. These seem to have been absent due to the political circumstances of the country over the past seven years, and because of some economic and legal policies that have caused a kind of intimidation of foreign investors, who want to invest their money in a safe manner without any obstacles.

Many of the makers of these pitfalls may have missed — despite good intentions — the idea that foreign investors would not favor an environment that hinders Egyptian investors. Why would foreign investors come while their Egyptian counterparts suffer?

Therefore, the state must face the important fact that there are still impurities in the relationship — a lack of clarity of vision, or a state of apprehension — which are often ignited between the state and the private sector. What is required at this stage is a reconciliation among all parties, without maximizing the private sector or diminishing the state, because the two parties are complementary members of the fabric of society.

What is needed is a solution that I fully believe in, which is the rule of law and the imposition of a legal investment climate, in which logic and fairness are guaranteed and where relations are regulated so as to ensure the fairness of competition and the prevention of monopolies. There should also be clear reciprocal obligations between all parties; commitments by the state through facilitating laws and regulations, and commitments from the private sector to ensure it meets legal, tax, customs and social obligations.

Thus, a state of general psychological calm in society may be created and bridges of mutual trust may be built.

“Solving this problem at its root would not be possible without driving investment, and this would not be powerful enough without foreign direct investment.”

There are certainly many positive changes that confirm Egypt is steadily moving toward a new beginning of comprehensive economic development. But the question is can the state alone succeed? Are its economic assets sufficient for the creation of the desired economic growth? The categorical answer is “no.” This cannot be achieved without pumping direct foreign investment into the body of the economy. Understanding and believing in this is the prelude to action.

Egyptian officials are proud of the success of the economic reform program, with the country’s growth forecast rising to 5.4 percent in the first quarter of this year, according to the Ministry of Planning. Unemployment fell to 10.6 percent during the same period, according to the Central Agency for Mobilization and Statistics. Inflation also fell to 12.9 percent in April after peaking in July 2017 at 34.2 percent.

However, despite the apparent improvement in macroeconomic indicators, a dilemma remains in the increasing cost of living. Solving this problem at its root would not be possible without driving investment, and this would not be powerful enough without foreign direct investment.

It is widely accepted that foreign direct investment is better in developing countries than borrowing, as it helps bridge the gap between savings and investment, especially under the unfair conditions of foreign loans. It also reduces foreign aid to developing countries.

The Central Bank of Egypt announced at the end of last year a rise in the volume of net foreign direct investment during the fiscal year 2016/2017, reaching $7.9 billion, up from $6.9 billion. However, it is important to note that most foreign direct investments are still mainly limited to the field of gas and oil and, despite the importance of these investments, there is a need for diversification.

Egypt’s economic policy-makers should develop a structure of incentives for foreign companies to invest in the country and employ more local workers.

Indicators of stability are among the most important elements that influence the decisions of foreign investors. This stability is represented in inflation, so economic policy-makers must target inflation and maintain exchange rate stability.

Infrastructure also has an impact on attracting investments. Hence, it is important to pave dilapidated roads, establish new roads, build new bridges and develop telecommunications services.

Another crucial element in attracting foreign investment is legal and legislative reforms. There have been important steps taken in this field, but they have been ambiguous in parts.

Economically, there is no chance of pumping real blood into the exhausted body of the state except by following clear legal rules for all parties to the production process — workers, management and investors. Recently we have noticed a situation in which a number of investors, Egyptians as well as Arabs and foreigners, have fled the Egyptian market. This is because of the unwelcoming climate that has plagued the atmosphere, including baseless legal cases. The best way now is to restore stability to the investment climate.

The climate in which the private sector operates remains one of the most critical and stimulating factors for attracting foreign direct investment.

تواصل الحكومة مع الجمهور

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تحدثنا من قبل عن افتقاد الحكومة المصرية بوصلة التواصل مع الجماهير، وبالتالى عدم مشاركتهم بالمعلومات والحقائق، إلى درجة تصل أحياناً إلى «التعمد» فى عدم إيصال المعلومة، ليفاجأ الجميع بقرارات أو إجراءات من شأنها أن تغضب الرأى العام وتثير البلبلة، فى وقت يحتاج فيه المجتمع إلى الهدوء النسبى لمواصلة البناء.

يفتقد صناع القرارات، وتحديداً التى تمس الغالبية العظمى من الشعب، القدرة على التواصل مع الناس، وإشراكهم فى الإجراءات التى يتم اتخاذها، باعتبار أنها مسألة مشتركة وليست حكراً على متخذى القرار من المسؤولين الحكوميين فقط، وعلى المواطن التلقى صامتاً كان أو غاضباً.

يتحرك الجميع عند الغضب أو عند الرفض، وبالتالى تظهر تفسيرات تالية للأفعال الأولى أو القرارات والإجراءات التى يتم اتخاذها، ومع كل تفسير تالٍ تنتج حالة غضب أخرى، أو بالأحرى إحساس بحال من عدم التلاقى، يشعر به المواطن تجاه الدولة أو تجاه الحكومة فى تحركاتها الأولى والتالية.

الأزمات التى أظهرت هذه الحالة من عدم التواصل أدخلت الدولة فى أنفاق مظلمة سابقة، لأن المسؤولين السابقين كانوا يرون أنفسهم الأقدر والأجدر باتخاذ القرارات دون مشاركة أو حتى استطلاع رأى الأطراف الأخرى، بل كانوا يعتبرون أن مجرد إشراك أى أطراف أخرى فى الأمر هو تقليل من قدراتهم، فكانت النتيجة فشلاً تلو فشل فيما كانوا يفعلون.

المطلوب من الحكومة فى هذه المرحلة أن تنطلق بالفعل من استراتيجية علمية واضحة للتعامل والتواصل مع الجمهور، تعتمد فى الأساس على الدراسات والأبحاث العلمية، ومنها قياسات الرأى العام، وإدراك طبيعة المواطنين واحتياجاتهم فى أماكن تواجدهم، وكذلك إعداد رسائل واضحة عنهم وعن حالتهم الاقتصادية والاجتماعية والنفسية.

المطلوب من الحكومة كذلك تدريب المسؤولين على كيفية التعامل مع وسائل الإعلام والمواطنين، وإعداد متحدثين إعلاميين متخصصين قادرين بالفعل على إيضاح الحقائق وتفسير الجوانب المبهمة من أى قرار يصدر أو أى إجراء يُتخذ، مع بيان الشريحة التى يطبق عليها، إضافة إلى مراعاة مستويات التلقى بين شرائح الجمهور.

المطلوب من الحكومة كذلك صنع مكاتب إعلامية بمفهومها العلمى الشامل المتكامل المتجانس القادر على التعامل مع اللغات الأجنبية فى وقت الاحتياج.

المطلوب من الحكومة أن تتبنى من جديد ثقافة العمل الجماعى، نظراً لغياب مفهوم التواصل، وذلك لتفادى السقوط فى غياهب التفكير النمطى والأحادى، وبالتالى الاستيقاظ على أزمة تتفاقم.

المطلوب من الحكومة أن تتخذ من التفكير العلمى وسيلة لحل أزمة التواصل تلك، وإذا لم تنجح فالأكيد أن المشكلة مرشحة للاستمرار والتطور أكثر من ذلك.

عجز النخبة

تنظيم داعش هو تطور طبيعى لحركات الإسلام السياسى التى ظهرت وتطورت بأشكال مختلفة طوال القرن الماضى، ولم يكن هذا التطور من فراغ، بل جاء مصحوباً بأفكار جهادية سلفية، بعضها قادم من بطون كتب التراث، وبعضها الآخر ابن اللحظة الراهنة معبرا عن تطور الفكرة الجهادية.

استطاع الفكر الجهادى أن يطور نفسه على مدار السنوات الماضية نحو مزيد من الدموية والعنف، لكن فى المقابل، نسأل: ماذا قدمت النخب العربية خلال تلك المرحلة؟ هل استطاع رواد التنوير أن يقفوا فى وجه قادة الظلام والجهل؟

إن الملاحظ هو أن العالم العربى يتحدث منذ أكثر من عقدين من الزمان عن أهمية تجديد الخطاب الدينى، دون أن يأخذ خطوة جدية باتجاه هذا الطريق، حتى بدا كأنه مصطلح غامض لا يستطيع أحد فكه، لا النخبة الثقافية ولا حتى المؤسسات الدينية الرسمية ولا الجامعات.

استطاع تنظيم داعش أن يطبق فكرة العولمة فأصبحت له قدرات عالية فى مجال التواصل الاجتماعى. على الطرف الآخر لدينا الكثير من المراكز البحثية، والكثير من حلقات النقاش، والكثير من الدراسات والكتب، لكن شيئاً من هذه الكتب لم يدخل فى صدام مباشر مع هذه الأفكار، بل يمكن القول إنها لم تصل إلى المستهدفين، الذين تصلهم رسائل الجماعات الجهادية بشكل أسرع.

يمكن القول إنه لا توجد تجربة متكاملة للرد على هذه الكتب، إلا ما قدمته قيادات الجماعة الإسلامية فى مصر، التى تعد أهم الجماعات الإسلامية فى مصر منذ السبعينيات من القرن الماضى، فى مراجعاتها، التى بدأتها عام 1997، وانتهت منها مطلع القرن الجارى، وكنت شاهداً عليها وتفاصيلها وأبطالها، والتى تفند فيها الأفكار التى آمنت بها، وحركتها لاغتيال السادات. استغرق إعداد هذه المراجعات سنين داخل السجون، لكنها كانت كافية لإنقاذ آلاف الشباب من براثن الجهاديين، وقد كتبها مجموعة من القادة التاريخيين للجماعة الإسلامية.

وعلى الرغم من الانتقادات التى وجهت لهذه المراجعات، وعلى الرغم من الردة التى حصلت لبعض أعضاء الجماعة الإسلامية، من الموقعين على المراجعات والمشاركين فيها، عقب صعود الإخوان للحكم فى مصر، والانفلات الذى حدث خلال تلك الفترة- تبقى تلك المراجعات واحدة من أهم الأدبيات التى يمكن الرد بها على أفكار التنظيمات الجهادية. قدمت جماعة الجهاد، مع أحد أشهر رموزها وهو الدكتور فضل، الذى يعد أستاذ أيمن الظواهرى، مراجعات أخرى، وكنت قد التقيت به عدة مرات، وهو مازال فى السجن وقتها، لكن هذه المراجعات لم تلق انتشاراً كبيراً.

لكن بخلاف هاتين التجربتين، لم تقدم النخبة العربيةـ سواء الإسلامية أو الثقافيةـ أى ردود موازية لأدبيات وتنظيرات التيارات الجهادية.