العرب ـ أفريقيا والفراغ الذي تركناه خلفنا

المشكلة المثارة هذه الأيام حول مياه نهر النيل تفتحح ملفا آخر غاية في الأهمية هو ملف العلاقات المصرية الإفريقية، أين نحن من إفريقيا؟ وأين الدول الإفريقية منا؟، قديما درسنا في مدارسنا في حصص التاريخ والجغرافيا والمواد الاجتماعية، وقرأنا على الأغلفة الخلفية للكراسات الدوائر التي ترتبط مصر بها، الدائرة العربية، والإفريقية، والإسلامية، ودول عدم الانحياز، وقديما أيضا قرأنا كثيرا وتابعنا بشغف مواقف مصر المؤيدة لحركات التحرر الإفريقية، وعرفنا أسماء زعماء أفارقة، وتابعنا الحديث عن إفريقيا الحرة، كل هذا كان قديما، ولكن منذ فترة ليست بالقصيرة بدا الأمر وكأن الموضوع الإفريقى، والعلاقات مع الدول الإفريقية، لم يعد هو شاغلنا الأهم، وبدا الوضع وكأن مرحلة دفء العلاقة مع إفريقيا هي مرحلة مرت، وبدأت مراحل أخرى جديدة لم تعد إفريقيا هي الحاضرة بشكل أساسى فيها، وظهر هذا جليا في العديد من المناسبات، ويمكن هنا العودة إلى المؤتمرات الإفريقية المتعددة خلال الأعوام الكثيرة الأخيرة، والتحقق من مستوى التمثيل المصرى فيها، وتراجع اجتماعات سواء منظمة الوحدة الإفريقية، أو الاتحاد الإفريقى الذي حل محلها وسوف نكتشف حجم الغياب المصرى، أيضا فلنقارن حجم زيارات مسؤولينا ـ المسؤولون عن العلاقات الخارجية ـ وعن ملفاتنا مع إفريقيا، ولنقارنها بحجم زياراتهم إلى الدول الأوروبية والولايات المتحدة، أيضا سوف نكتشف كم أهملنا هذا الملف لسنوات طويلة.President Abdel Fatah Elsisi

هذا الوضع خلق حالة من الفراغ، وهذا الإحساس المتنامى لدى الأفارقة بالإهمال حاول البحث عن بدائل تعوض هذا الإحساس، حالة الفراغ وجدت من يملؤها من إسرائيل، ومن الصين، ومن دول أوروبية بل ومن الولايات المتحدة نفسها، ومن دول إفريقية أخرى أرادت أن تملأ هذا الفراغ الذي تركته مصر وراءها.

إحدى المشكلات الرئيسية التي واجهتنا خلال العقود الأخيرة، هي تلك النظرة الخاطئة إلى مفهوم المصلحة في العلاقات، بمعنى هل من المصلحة أن تكون علاقتنا بجيراننا جيدة حتى لو كانوا في مستوى اقتصادى أدنى أو أقل، أو أنه من الأفضل أن تتعلق عيوننا إلى جيران سبقونا اقتصاديا وسبقونا تكنولوجيا فقررنا بدلا من أن ننظر حولنا أن نعلق عيوننا إلى الأعلى، فلم نصل إلى ذلك إلى الأعلى في علاقات متساوية أو ندية وخسرنا لفترات طويلة من هم حولنا لأن عيوننا لم ترهم.

هذا النموذج حدث ويحدث لنا في مصر والدول العربية الأخرى عندما تعلقت أعيننا كما ذكرت بالدول الأوروبية ونسينا الدول الإفريقية، وعندما يأتى مؤتمر القمة العربية الإفريقية في دورته الثانية فإننا بذلك نبدأ عمله ونصحح بذلك الخطأ الشائع، فليس السبيل لكى تكون غنيا أن تصادق الأغنياء، وليس معنى أنك تصادق الفقراء أو محدودى الدخل أن تصبح فقيرا مثلهم، ولكن الغنى هو أن تستطيع أن توفق ما بين قدراتك على تلبية احتياجات الآخرين والمحيطين بك، والذين يمكن أن يقبلوا في بعض الأحيان بظروف أفضل من الآخرين الذين تعلقت أعيننا بهم.

تظل السوق الإفريقية إحدى الأسواق المهمة والأساسية للمواد الخام والمواد الغذائية، وبقدر أعلى من التنسيق في العلاقات بين الدول العربية ـ مصر تحديدا ـ والدول الإفريقية يمكن أن يكون مردود هذا التنسيق أكثر مما لنا أن نتخيل.

التوجه الذي تبناه الرئيس السيسى منذ توليه السلطة ينبئ بأن هناك إدراكا لهذه الحقيقية وأن سياسة جديدة بدأت تعود لتطل برأسها تتفهم أهمية العلاقة والروابط المصرية الأفريقية.

أطلب فقط من القراء الأعزاء أن يحضروا خريطة أفريقيا مع العالم العربى الذي جزء من دوله دول إفريقية، وينظروا إليها وسط خريطة العالم، ولهم أن يتخيلوا كيف لهذه الرقعة الجغرافية الكبرى أن تصبح لو ربطتها علاقات مصلحة اقتصادية واحدة، ستدفعهم إلى التواجد على ساحة العالم بشكل أفضل، وساعتها يمكن لهؤلاء جميعا أن يكونوا أغنياء بعلاقاتهم المتبادلة.

مصر وإثيوبيا.. محاولة للفهم «٢» الجزء الآخر من الصورة

يبدأ الخطأ عندما لا أرى سوى ما أقتنع به، ويتضاعف الأثر السلبى عندما أُصر على ما أراه، ولا أحاول أن أجهد نفسى بأن أنظر من زاوية مختلفة، من زاوية الآخر، هذا ينطبق إلى حد كبير على أسلوبنا فى التعامل مع دول حوض النيل، لقد اكتفينا بالتأكيد على ما هو غير قابل للنقاش أو التنازل، وهو عدم التنازل عن حق مصر فى الحصول على نصيبها وما يكفيها من مياه نهر النيل، واكتفينا لسنوات طويلة بالتأكيد على هذا المعنى والتقليل من أى رؤية مخالفة لبقية دول الحوض، ولم نحاول أن نذهب إلى زاويتهم لنرى من خلالها، ليس لتبنى ما يرون ولكن لكى نصل إلى رؤية مكتملة، إلى صورة أكثر اكتمالا تساعدنا على فهم المشكلة من زواياها المختلفة، لتمكنّا من اتخاذ القرار الصحيح والخطوات الصائبة نحو حل تلك الأزمة بما يضمن لنا مصالحنا، وتدفق حقنا من المياه، ولكن فى ذات الوقت دون خسارة أى من العناصر الأخرى، من علاقات واستقرار مع دول ليس لنا جميعا خيار سوى أن نتواجد معا إلى الأبد.p1010061.jpg

جزء من الخطأ فى فعلنا فى الماضى أننا وقفنا مكاننا نؤكد ما هو حق لنا فى مياه النيل، نلوح بالاتفاقيات والمعاهدات الدولية التى تنص على حقوق مصر فى هذه المياه، ولم نشغل أنفسنا كثيرا بأن نعرف ماذا يريد الآخرون، لماذا غضب الآخرون، هل مواقفهم هذه نابعة عن جهل منهم بهذه الاتفاقيات، أم رفض لها، أم تعبير عن غضب من سلوك غائب منا، أو سياسة فى التعامل غاب عنا فيها الإحساس بالطرف الآخر واحتياجاته السياسية والاقتصادية والنفسية.. المشكلة أننا تعاملنا أيضا بأسلوب الضامن لما فى يديه إلى الأبد، والقادر دائما على التحرك الناجح فى الوقت الذى يراه مناسبا.

انشغلنا بأمور أخرى كثيرة، وفى غمرة انشغالنا لم نلحظ أن ما كنا نعتقده من الثوابت فى بعض المناطق لم يعد من الثوابت، ولم ندرك أن هناك تطورات سياسية واقتصادية ونفسية قد حدثت فى مناطق اعتدنا أن نتعامل معها تعامل الواثق القادر دون أن يطور من أساليبه أو يجدد من وسائل تواصله ورؤيته لهذه المناطق التى اختلفت رؤيتها لما حولها وعلاقاتها ومصالحها وتحالفاتها وحتى لنفسها.

الاتفاقيات الدولية مهمة، ولكنها لن تكون الحل لموضوع مياه النيل، والإصرار على الموقف والحق فى الحياة ينبغى أن يكون مستمرا، ولكن وحده- أى الإصرار- لن يكون كافيا لتحقيق ذلك.

عندما التقيت مع ميليس زيناوى، رئيس الوزراء الإثيوبى الراحل، توقفت أمام جزء آخر من الصورة لم يكن واضحا لى، وكان مهما أن نراه، كان من بين ما قال:

■ إثيوبيا لا تطالب باقتسام مياه النيل بشكل متساو.. نحن لم نقل ذلك، ولكننا نطلب اقتسام النيل على نحو عادل.

■ نحن نعلم أن مصر بحاجة إلى مياه للرى أكثر من إثيوبيا، ولذلك فمن غير المعقول أن نطالب بمساواة حصة إثيوبيا من المياه بحصة مصر، ونحن لم نطلب أبدا مساواتنا بمصر.

■ إن حصة مصر من مياه النيل تتضمن المياه المهدرة فى القنوات. فإذا كان المصريون سيخبروننا بأن لديهم الحق فى إهدار مياه النيل، أما أنتم الإثيوبيون فليس من حقكم أن تستغلوا لترا واحدا من مياهكم وإن كنتم ستعانون من الجوع، فبهذا الشكل لا يكون المصريون يفكرون بطريقة معاصرة للقرن الحادى والعشرين.

■ ينبغى أن يكون هناك اعتراف متبادل بمصالح كل طرف منا على السواء، فاتفاقية 1959 لا تعترف بمصالح سبع دول من إجمالى تسع، بل إنها تعترف فقط بمصالح دولتين. فإذا كنت تُصر على الاعتراف فقط بمصالح دولتين، فبذلك أنت تغلق الباب أمام التعاون. فالخطوة الأولى من التعاون هى الاعتراف بمصالح بعضنا البعض، والاعتراف بالحاجة إلى الوصول إلى حل يعود بالنفع على الجميع.

■ «متى تعلق الأمر بمصر وإثيوبيا فليس هناك أدنى احتمال للانشقاق، وليس من المحتمل قطع العلاقات بين مصر وإثيوبيا. فلقد ربط النيل بين مصر وإثيوبيا ومن المستحيل فصلهما عن بعضهما البعض».

بعد أيام قليلة قضيتها فى إثيوبيا ما يمكننى قوله إننا نحتاج أن نقف من زوايا مختلفة ننظر إلى الصورة بتحرر من أساليب عفى عليها الزمن، ونمسك بحقوق لن نتمكن من الحفاظ عليها لو لم ندرك ذلك.

مصر – إثيوبيا.. محاولة للفهم

أصدرت مصر وإثيوبيا بيانًا مشتركًا منذ عدة أسابيع أكدتا فيه التزامهما المتبادل بمبادئ التعاون والاحترام المتبادل وحسن الجوار واحترام القانون الدولى وتحقيق المكاسب المشتركة.

وصدر البيان عن الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى ورئيس وزراء إثيوبيا «هيلى ماريام ديسالين»، بشأن مباحثات القمة التى جرت بينهما فى مالابو أثناء القمة الأفريقية الأخيرة. جاء هذا البيان ليعيد إلى الأذهان العلاقات المتميزة بين البلدين قبل أن تشهد خفوتا واضحا فى عهدى مبارك ومرسى.. وبنظرة سريعة على العلاقات بين مصر وإثيوبيا، نكتشف أنها ممتدة منذ مصر الفرعونية، واستمرت تنمو وتزدهر عبر العصور التالية، إلى أن غلب عليها الركود فى فترة الحكم العثمانى، وذلك بسبب اشتراك الدولة العثمانية فى الصراع بين الإمارات الإسلامية وإثيوبيا، واستقرارها فى شواطئ الأخيرة ومنعها الإثيوبيين من الاتصال بالبحر والعالم الخارجى. وقد ظل هذا الوضع مستمرا حتى وصول محمد على إلى الحكم فى مصر وفتحه السودان بعد ذلك، ما أدى إلى وجود حدود مشتركة بين مصر وإثيوبيا.عبد اللطيف المناوي

ذهبت إلى إثيوبيا من قبل فى محاولة للفهم، فالمشكلة لدينا هى التصورات المسبقة دائما عن الأشياء والأشخاص، والتى تجعلنا أحيانا نصل إلى نتيجة خاطئة، ومحاولة الفهم كانت محاولة لفهم ما يحدث الآن فى ملف حوض النيل، حول سبب الموقف الإثيوبى، فى محاولة لفهم أين نقف نحن الآن من هذه القضية.

إثيوبيا واحدة من الدول القديمة، وهى صاحبة أطول تاريخ من الاستقلال – وإن كان ليس بشكل مستمر – بين دول القارة الأفريقية.. حافظت إثيوبيا على استقلالها خلال فترة استعمار أفريقيا.. وظلت كذلك حتى 1936، حيث اجتاح الجيش الإيطالى إثيوبيا، هزمت القوات البريطانية والإثيوبية القوات الإيطالية عام 1941، ولكن إثيوبيا لم تستعد السيادة حتى توقيع الاتفاق الأنجلو – إثيوبى فى ديسمبر 1944.

ويربطنا بها تاريخ إسلامى واحد، حيث كانت الحبشة هى المكان الأول الذى ضم واحتضن المسلمين الأوائل عند هجرتهم الأولى وهروبهم بدينهم عند الملك النجاشى وفرارهم من كفار مكة.

أما أنهار إثيوبيا فتتجه جميعها نحو الغرب وتنتهى فى حوض وادى النيل، باستثناء نهر أومو الذى يجرى فى الجنوب ويتجه إلى بحيرة، ويجرى فى الشمال نهر تكيزة أو كما يسمى محلياً «الرهيب» مع روافده هابطاً من جبال ألاسكا. ولكن أكبر أنهار إثيوبيا هو نهر آباى، أو «النيل الأزرق»، الذى يتغذى من بحيرة تانا ومن نهر آباى الصغير أو «النيل الأزرق الصغير» الذى يهبط من جبال شوك ويصب فى بحيرة تانا المذكورة.

تبلغ مساحة إثيوبيا 1.127.127 كم 2، ويبلغ سكانها حوالى 80 مليونا، وقد تسبب الجفاف المتكرر الذى تعرضت له إثيوبيا فى العقد الأخير فى خسائر بالغة، بشرية وبيئية، وتتعدد اللغات والعروق البشرية فى إثيوبيا، ويرافق ذلك تعدد فى الانتماءات الدينية، وأصول السكان فى إثيوبيا متنوعة جداً. ويؤلف الأمهريون الأكثرية الساحقة منهم ويقدرون بنحو ثلث السكان، ثم تليهم شعوب الغالا ويؤلفون نحو خمسى السكان.. وتلت ذلك مجموعات بشرية متعددة الانتماء العرقى والقومى، منهم: قبائل التغرة التى تعيش فى الشمال، والجماعات النيلية التى تقيم فى الجنوب والغرب من البلاد، والعرب الذين يتوزعون على أقاليم أوغادين وصحراء الدناقيل، وغيرهم مثل الصوماليين والدناقيل والسودانيين.

ذهبت إلى إثيوبيا كما قلت فى محاولة للفهم، والحقيقة أننا كلنا فى حاجة للاقتراب وفهم هذا التنوع الثقافى والتاريخى، والعلاقات التى كانت موجودة والتى نتمنى أن تعود أفضل مما كانت.

حتى لا يفشل الرئيس ونفشل «٣» دون زرع الأمل في النفوس لا أمل في المستقبل

President Abdel Fatah Elsisi

في خطابه إلى الشعب المصرى، والذى أعلن فيه ترشحه للرئاسة، تحدث المشير عبدالفتاح السيسى- وزير الدفاع وقتها- في آخر مرة ارتدى فيها زيه العسكرى عن ثلاثة محاور رأى أنها ستكون محددات أساسية، شعارا لحملته الانتخابية كمرشح، وهدفا له يحققه كرئيس بعد انتخابه، هذه المحاور وذلك الشعار هو «الأمن والاستقرار والأمل».

 العمل الجاد يخلق الاستقرار والأمن، لكن قبل ذلك يجب أن يكون هناك أمل، الأمل بتعريف السيسى في خطابه ذلك «هو نتاج العمل الجاد. الأمل هو الأمان والاستقرار، الأمل هو الحلم بأن نقود مصر لتكونَ في مقدمة الدول، وتعود لعهدها قويةً وقادرةً ومؤثرةً تُعَلّم العالم كما عَلّمَته من قبل». والحديث عن الأمل الآن لا يقل أهمية عن الحديث عن أهمية العمل والاستقرار، فبالعمل وحده لا يمكننا أن نفعل ذلك، ولكن بالأمل يمكن أن نفكر في المستقبل ونحلم به، ونفكر كيف نبنى وطناً أفضل لأبنائنا.

 عدو مصر الحقيقى الآن هو اليأس، تلك الحالة التي أصبح لها دعاة، هم قاتلو الأمل في نفوس الناس، هم الذين لا يفكرون في المستقبل، وإنما طوال الوقت يجروننا إلى الماضى، هم الذين لا يريدوننا أن نخطو خطوة واحدة إلى الأمام، وإنما يدفعوننا دوماًَ إلى الخلف، هم الذين لا يهتمون بما يمكننا أن نفعل من أجل هذا الوطن، بل يجروننا إلى مشاكل وهمية، حول ماض تجاوزته مصر في 30 يونيو.

 دعاة اليأس لن يصمتوا، سيواصلون النفخ في رماد اليأس، حتى لا يقوم هذا البلد من غفوته، فكلما طال الرقاد كلما طال وجودهم، وهؤلاء لا يمكن محاربتهم إلا بالأمل، الأمل الذي ستحيا به وله ومن أجله هذه الأمة التي عانت طويلاً.

الأمل يعنى أن نعتمد على العلم في كل خطواتنا، على أهل الخبرة في قيادة أمور هذا الوطن ومقدراته، الأمل في خلق كيانات سياسية حقيقية قادرة على جمع المصريين حولها، من أجل البناء، لا من أجل الهدم، من أجل أن تكون هناك مشاركة سياسية حقيقية لا من أجل مجرد الوجود في الصورة.

الأمل هو أن نفكر في لـُحمة وطنية حقيقية تنهى عصر الانقسامات والفتن الطائفية، أن تكون هناك قوى سياسية، حتى لو اختلفت توجهاتها وأيديولوجياتها، لكنها تعمل جنباً إلى جنب من أجل هذا الوطن، تضع الطوبة بجوار الطوبة، كى نقيم جداراً واحداً قوياً نستظل جميعاً بظله.

الأمل هو أن نفكر في أن نطور جميع منظوماتنا التعليمية، فإذا كان الأمل هو المستقبل، فإن هذا المستقبل في الأجيال التي تتعلم الآن في مدارس تحتاج إلى كثير من الجهد لكى تقدم ما هو مطلوب منها، فإذا أردنا أن نرى الأمل في عيون هو الأبناء والطلاب فلابد أن نقدم لهم ما يستحقونه، ما يحفزهم على أن يقدموا لوطنهم مثل ما قدم لهم من تعليم حقيقى.

لا حديث عن مستقبل حقيقى لهذا الوطن دون الحديث عن الأمل، لا حديث عن استقرار وأمن وأمان دون حديث عن الأمل، لا حديث عن اقتصاد حقيقى وعودة مصر إلى دورها الحقيقى دون الحديث عن الأمل. الأمل هو مستقبل مصر الحقيقى، المهم أن نملك القدرة والرغبة في أن نحلم ونأمل ونحقق ما نأمله ونحلم به.

الذي يمتلك أن يفتح طاقة الأمل أمام المصريين هو ذلك الرجل الذي انتخبوه رئيساً، هو وعدهم به وعليه أن يحققه لهم، لذلك فكل ما يصدر عنه يجب أن يحمل في طياته عنصر أمل، حتى لو كان ما يصدر عنه قرارات صعبة. الناس على استعداد للتحمل بشرط أن يمتلكوا «الأمل».

حتى لا يفشل الرئيس ونفشل «٢».. الحديث بلغة غير لغة الناس

President Abdel Fatah Elsisiقلت من قبل وتحت عنوان «لماذا السيسى؟»، إن المعطيات الرئيسية فى المعادلة المصرية لا تؤدى بحسابات المنطق إلا إلى نتيجة فشل، المعطيات الاقتصادية أو السياسية أو الأمنية فى المعادلة تفاعلاتها وفقا للحسابات ليس من بين نتائجها النجاح، وقلت وقتها إن الوحيد القادر بقيادته لمصر على تغيير نتيجة المعادلة إلى وقف الفشل كحد أدنى هو قائد قادر على أن يطلق طاقة المصريين الكامنة ويصدقوه ويتحملوا معه، ولم أجد، كما لم يجد عشرات الملايين غيرى، غير السيسى لهذه المهمة، وأصبح قائدا بالفعل لهذه الأمة التى قدرها الراهن أن تتحدى الفشل، ولكن ليست هناك نتائج مضمونة دون شروط، فوجود الرئيس فى سدة الحكم ومركز القيادة يتطلب وجود أدوات قادرة على تحقيق الرؤية التى على أساسها سلم الناس القيادة للرئيس. والسؤال هنا الآن: هل اكتملت هذه الأدوات؟ هل يمكن اعتبار القائمين على تنفيذ هذه الرؤية هم الأكثر قدرة، وهل هم على مستوى الرؤية التى يتبناها الرئيس ويؤمن بها كما يبدو كل يوم؟

 نموذج رفع أسعار الطاقة يصلح للتوقف أمامه ودراسته كنموذج لأداء فى أخطر وأهم قرار اقتصادى اتخذته حكومة مصرية على مدار عشرات السنين. فى البداية فإننى أعتبر صدور هذا القرار هو خطوة صحيحة تماماً فى إطار الإصلاح الاقتصادى الذى لن تتمكن مصر من تحقيقه وتجاوز الفشل إلا باتخاذ قرارات صعبة، على رأسها رفع أسعار الطاقة، ولكن، هل الشكل الذى صدرت به هذه القرارات هو الشكل الصحيح؟ هنا لدىّ مجموعة من الملاحظات:

 منذ زمن طويل ذكرت أن المشكلة الأساسية التى تعانى منها حكومات مصر المتعاقبة على مدار عشرات السنين هى عجزها عن التواصل مع الجماهير وغياب اللغة المشتركة، أو بشكل أدق عدم قدرة الحكومات على الحديث بلغة الناس. الأمر الثانى وهو مرتبط ارتباطا وثيقا بما سبق أن ذكرت أن هناك إضافة إلى عجز التواصل التأخير فيه عندما يحاولون. وبتطبيق ذلك على الموقف الأخير فإن ما حدث هو غياب تام قبل إصدار القرارات عن التمهيد لها، على الرغم من أن المصريين فى أكثر مراحلهم استعدادا لتفهم هذه القرارات، ولذلك عندما صدرت تسببت فى حالة من الاستياء العام. خروج رئيس الوزراء للشرح فى اليوم التالى ومعه مجموعة من الوزراء كان إجراء صحيحا فى شكله ولكن هناك ملاحظات على توقيته ومضمونه.

 المعلومات التى طُرحت فى هذا اللقاء مهمة جداً لكنها متأخرة كثيرا، فقد كان المفترض أن يتم استغلال هذه المعلومات فى وقت سابق للشرح والتمهيد للرأى العام، وخلق حالة حوار حول هذه القضايا. الأكيد أن الناس فى أغلبهم لن يكونوا سعداء برفع الأسعار أيا كان مستواهم الاجتماعى، ولكن على الأقل فإن «حالة فهم» كانت نتيجة مؤكدة لاحترام المواطنين والحوار معهم قبل مفاجأتهم بالقرارات. أيضا فإن اللغة المستخدمة كانت فى حاجة إلى تبسيط لتصل إلى المواطن العادى الذى لا يهمه تفاصيل تقنية فى عجز الموازنة ونسبة التضخم ولكن يريد أن يعرف ما له وما عليه وما الذى يتوقعه.

الملحوظة المهمة الأخرى هى استخدام تعبيرات قديمة باتت تحمل ذكريات غير طيبة لدى المتلقى المصرى، وقد استخدم أحد أشهر هذه التعبيرات وهو تعبير «تحريك الأسعار» والذى يعتبره المصريون خداعا غير ذكى واستخفافا بقدرتهم على الفهم. هم يعرفون والمسؤولون كذلك أن الاسم الصحيح هو «رفع الأسعار» أو زيادتها، لذلك فلنحدث الناس بلغتهم وباحترام لفهمهم وفى التوقيت الصحيح.

 أصلح الرئيس السيسى الكثير بكلمته إلى المصريين فى اليوم التالى، وإن كنت أعتقد أن الناس مازالت فى حاجة إلى الاستماع إلى رسالة الأمل أكثر فى تلك المرحلة، جنبا إلى جنب مع رسالة كشف الواقع، ولكن هنا أحذر أنه لا ينبغى الاعتماد دائماً على رصيد الرئيس لدى الناس لتجاوز أزمة كان يمكن تجنبها لو أحسنا الحديث مع الناس مبكراً.

حتى لا يفشل الرئيس ونفشل (١)

President Abdel Fatah Elsisiأحذر مبكرا من أن نكتشف أننا نتجه أو يتم دفعنا إلى الخلف، لقد منحنا الله مصر مرة ثانية بعد أن ضاعت أو كادت، عادت لنا وطنا لكل المصريين وذلك بفضل أبناء مصر الذين خرجوا في معركة استرداد الوطن، وانحاز الجيش الوطنى لشعبه ووضع أبناءه وقائدهم أرواحهم على أكفهم فداء لوطنهم وشعبهم. ولأن الموقف لا يحتمل ترددا ولا نملك ترف الوقت والتفكير طويلا والانخراط في جدل بيزنطى لا طائل وراءه فإن الحل، بل الاختيار، كان أن يتولى قيادة البلاد من قاد قواته في مهمة استعادة الوطن حاميا ومحميا بشعبه. وقد كان، وهكذا أصبح السيسى رئيساً لمصر، قائدا للمصريين. عديد من الملاحظات الجديرة بالتوقف أمامها ظهرت خلال الفترة القصيرة الماضية وجدت من الأمانة أن أطرحها للنقاش العام من أجل الوطن المستعاد.

 الأكيد أن روحا جديدة قد دبت في أوساط حياتنا، سواء على مستوى الإحساس الشعبى العام أو على المستوى الحكومى بمستوياته المختلفة، سواء انسياقا وراء أداء الرئيس الجديد إو إعجابا أو اضطرارا، فبات المسؤولون يتباهون باستيقاظهم المبكر، ليس هذا فقط بل بإنهائهم لعديد من المشكلات التي ورثوها، أو سعيهم على الأقل لحلها. بتنا نسمع كثيرا أن الرئيس يتابع بنفسه ويتواصل مع المسؤولين لمتابعة التكليفات اليومية في بعض الأحيان من الرئيس. كل هذا هو تعبير عن حالة جديدة، وكل هذا ملامح لإيجابيات بتنا نلمحها في المجتمع ولو بدرجات قليلة نسبيا، ولكن هل هذا يكفى؟ أظن أن هذا السؤال هو سؤال المرحلة، لا يملك شخص أن يشكك في نوايا وصدق الرئيس فيما يهدف إليه، أنا شخصيا أستطيع أن أكون شاهدا على هذا الصدق وذلك التفانى اللامحدود وبلا غرض إلا رفعة الوطن واستعادة مكانته التي فقدها منذ عقود طويلة. أظن أن الإجابة المنطقية الصادقة هي أن هذا لا يكفى، ذلك أن هذا الحراك مازال حتى الآن في إطار الحراك الانفعالى غير المنضبط، بمعنى أن ما نشهده الآن من حالة فوران وحركة دؤوبة بين المسؤولين، أو معظمهم، هو رد فعل مع رئيس جاد وحاسم، وهم هنا يتفاعلون مع هذه الحالة، ولكنه يظل تفاعلا غير منضبط، لأنه ببساطة لم يوضع بعد في إطار «سيستم» أي نظام متماسك وعلمى ومحدد الرؤية والأهداف.

 ظللت لسنوات طويلة أختصر مشكلة مصر الأساسية في غياب هذا «السيستم»، كلمة السر في تقدم الأمم والشعوب، «النظام»، وجود نظام علمى يدير شؤون الوطن بكل تفاصيله، نظام واضح يتم فرضه على أسلوب العمل وعلاقات أطرافه، نظام يحدد الأدوار ويقسمها، ويحاسب على مدى الالتزام بالمسؤوليات، وفوق كل هذا «رؤية» هي عنوان هذا النظام. أعلم أن الرئيس السيسى في هذه المرحلة يعكف على دراسة تشكيل فريق المعاونين له في المجالات المختلفة، وعلى أهمية هذا الإجراء وهذا الانغماس في دراسة من يمكن أن يكون معاونا أو مستشارا في أي مجال من المجالات، فإننى أدعوه في البداية لأن يكلف فريقا علميا متخصصا في بناء نظم الدولة.

 لن يتمكن الرئيس وحده مهما كانت عمق رؤيته وصدقه وتفانيه، وهى صفات أشهد له بها وأكثر، أن يعمل وحده أو أن يعمل من خلال وسائل قديمة وأساليب تقليدية، أو عبر نظام بال قديم ممزق ملىء بالعيون والثغرات، نظام تغيب فيه الرؤية المتكاملة التي تعتمد المعايير العلمية أسلوبا أساسيا في التنفيذ والقياس وبناء علاقات العمل.