حانت ساعة الإنقاذ

انتهت الانتخابات رسمياً بالأمس، بعد ثلاثة أيام من التصويت، خرج فيها المصريون لكى يختاروا مستقبلهم، ولكى يتجاوزوا مرحلة طويلة من عدم الاستقرار، ولكى يختاروا المستقبل الذى يفضلونه لبلادهم.

النتيجة باتت معلومة تقريبا ومحسومة، بل كانت محسومة من اللحظة الأولى، فالمصريون اختاروا المستقبل، واختاروا إعادة بناء الدولة، واختاروا الالتفاف حول مشروع قومى لإنقاذ الوطن، الذى تناوبت عليه الطعنات طوال السنوات الثلاث الماضية، واختاروا من وقف إلى جانبهم حين خرجوا بالملايين لإنقاذ هذا الوطن.DSC_8195

وكما سبق أن ذكرت، أن ميزة هذا المرشح الذى سوف يصبح رئيسا أنه غير مختلف عليه بشكل حاد، حتى من أولئك الذين صوتوا ضده لمرشح آخر، أو امتنعوا تعبيرا عن رغبة أو تصور لديهم بأن هناك خيارات أخرى كانوا يفضلونها لكنها غير متاحة، فهؤلاء جميعاً خرجوا يوم 26 يوليو الماضى تلبية لندائه ونداء الوطن بالوقوف معاً ضد الإرهاب، وهؤلاء جميعاً وجهوا إليه النداء يوم 30 يونيو الماضى لكى ينقذ الوطن من اختطافه من قِبَل تنظيم كان يريد أن يسيطر على البلاد ويغرقها فى دوامة العنف والطائفية.

المهم أن النتيجة الأولية تقول إن الأمر قد حُسم، وأصبح هناك قائد جديد يحظى بشعبية غير قابلة للتشكيك من معظم المصريين، ويحظى بأمل الجميع فى القدرة على الفعل من كل المصريين، وهذا هو ما ننتظره.

انتهت الانتخابات وحانت ساعة العمل والفعل، ليس هذا مجال أو قت الاحتفال أو إعلان الانتصار، ولكن الانتصار أو إعلانه يكون من خلال إطلاق شارة البدء لإنقاذ الوطن، وإعادة بنائه مرة أخرى، وإعادة هيبة الدولة، والبدء فى مشاريع تنموية لخفض نسب البطالة، وجذب الاستثمار، وجذب السياحة، ووضع هذا البلد فى المكان الذى يستحقه، والمكانة التى نصبو إليها جميعاً.

ويظل المشروع القومى لهذه المرحلة، والذى يجب أن يلتف حوله المصريون هو مشروع إنقاذ الوطن من الحالة الأكثر تعقيدا والأكثر سوءا مما يعتقد أو يشعر كثيرون. وأظن أن نداء العمل والالتفاف حول الوطن وحول الرئيس القادم يعبر عنه الشعار الذى ذكره المرشح الرئاسى عبدالفتاح السيسى بأنه ليس لديه ما يقدمه سوى العمل الشاق، ومطالبته جميع المصريين بتحمل المسؤولية، فبناء هذا الوطن هو مسؤولية الجميع.

إنقاذ هذا الوطن يستوجب وضع كل الإمكانات والخبرات فى جميع المجالات والانتماءات السياسية، ومن أنصار كلا المرشحين، تحت راية مرشح واحد اتفق المصريون عليه واختاروه، وتحت شعار واحد هو إنقاذ مصر.

ساعة العمل يجب أن تبدأ من وقت إعلان النتيجة، فإنقاذ هذا الوطن لا يتحمل تأخير ساعة أخرى، حتى لو كانت للاحتفال أو الفرحة، والعمل يجب أن يشارك فيه الجميع، فبناء الوطن يحتاج إلى كل ساعد وكل يد وكل جهد، فبهذا وحده نستطيع أن نبنى وطننا، ونستعيده، وندفعه للأمام، ونعيده إلى مكانته التى يستحقها.

Advertisements

التصويت للمستقبل

هذه لحظة فارقة فى عمر الوطن، لحظة تجتاز فيها مصر مرحلة تجاوزت الثلاث سنوات، لكنها كانت بأحداثها تساوى عقوداً من الزمن فى عمر بلدان أخرى، لحظة تدخل مصر فيها مرحلة بناء الدولة الديمقراطية التى نحلم بها جميعاً، يعمل فيها الجميع يداً بيد، من أجل البناء والتنمية والمستقبل.IMG_0132

كل هذا سيتوقف فقط على تصويت المصريين لهذه اللحظة، والاصطفاف فى طوابير الانتخابات، ليؤكدوا خياراتهم التى اختاروها فى 25 يناير، و30 يونيو، و26 يوليو، فنزول المصريين بأعداد كبيرة هو الذى سيوجه رسالة للعالم بأكمله تؤكد أن هذا هو خيار المصريين، ورفض منهم للإرهاب، واختطاف مصر باسم الدين تارة، وباسم تيارات دينية مختلفة تارة أخرى.

الوقوف فى صفوف الانتخابات، اليوم وغداً، هو واجب وطنى على كل مصرى ومصرية، كل شاب وكهل، كل من ينبض قلبه بحب هذا الوطن وسمائه وأرضه، كل من يتمنى له مستقبلاً أفضل، كل المصريين الذين أبهروا العالم فى 25 يناير و30 يونيو، بإصرارهم وقدرتهم على التغيير، وفرض إرادتهم، وتطلعهم إلى غد أفضل.

إلى هؤلاء جميعاً، أتوجه بمقالى هذا، وأقول، هذا هو موعدكم، موعد جديد مع الإرادة، لحظة جديدة تبهرون فيها العالم، باصطفافكم أمام صناديق الانتخاب لتختاروا مستقبلكم، لقد صنعتم التاريخ بخروجكم من قبل، مطالبين بالعيش والحرية والعدالة الاجتماعية، وصنعتوه مجدداً فى 30 يونيو، حين رفضتهم الفاشية الدينية واختطاف مصر، وصنعتوه يوم 26 يوليو حين خرجتم لرفض الإرهاب، وطالبتم الدولة بمؤسساتها بالوقوف ضده، وهذا يوم تاريخى جديد لكم، تستكملون فيه خريطة المستقبل التى وضعتموها بإرادتكم، وتسيرون خطوة واسعة إلى الأمام، حيث نستكمل بناء وطننا، وحلمنا، ومستقبل أولادنا وأحفادنا.

هذا وقت البناء، وبداية المستقبل الذى سطرتموه بأنفسكم فى 30 يونيو، وواجهتم لأجله كل التحديات والإرهاب الأعمى، من أجل وطن آمن مستقر متقدم مزدهر، تحلمون به. بناء الأوطان يحتاج إلى العمل، وهذا أول أيام العمل من أجل مصر، أول أيام المستقبل الذى نريده، لوطننا، أنتم اليوم أمام أحد اختيارين: إما الانتقال إلى المستقبل، حيث مصر العزة والكرامة والأمل والمستقبل والمجد، التى ستبنونها بسواعدكم، أو الارتداد إلى الخلف، ونزولكم وحده هو الذى سيحدد كيف ستكون مصر الغد، ونزولكم وحده هو الذى سيؤكد اختياراتكم السابقة فى 25 يناير و30 يونيو.

هذا ليس وقت الكلام، بل وقت الفعل والعمل واستعادة الوطن، وإعادته إلى دوره التاريخى والريادى، والفعل والعمل يبدأ بوقوفكم أمام صناديق الانتخاب، لكى تختاروا الرئيس الذى تريدونه لمصر، لا أقول لكم اختاروا شخصاً بعينه، بل أقول لكم اذهبوا إلى الصناديق واختاروا مصر، اختاروا وطنكم، اختاروا مستقبل أحفادكم.

هذا يوم مصرى خالص، يوم مجيد فى تاريخ مصر، نصنع به تاريخاً جديداً، وننتقل به خطوة إلى الأمام، تتبعها خطوات أخرى، لكنها تبدأ من هنا. تبدأ اليوم، من أمام الصناديق الانتخابية.

تحيا مصر

من الظواهر التى لاحظناها لسنوات طويلة اختفاء تحية العلم، أذكر عندما كان يرتفع صوت أحد التلاميذ من زملائنا صارخا بصوته الرفيع، متقمصا إحساسا بالرجولة يسعى لأن يصل إليه سريعا ولكنه يشعر بأنه إحساس يليق بمقام ندائه (تحيا جمهورية مصر العربية) ونرددها وراءه، أولادا وبناتا، كان البعض يصرخ بأعلى صوته حتى تنفر عروقه وهو يكرر النداء بمزيج من الفطرة والحماسة والطفولة التى تحاول تقمص حالة نضج ولو لحظات.24_20131106174423

مرت السنون وتراجعت هذه الظاهرة عن حياة أولادنا بعد أن كبرنا وأصبح لنا أولاد، مثل أمور كثيرة من حياتنا تراجعت قيمة النداء وحلت محلها حالة من الاسترخاء العام، هو انعكاس لحالة مجتمعية. لم يقف الأمر عند التخلى فى معظم المدارس عن نداء (تحيا جمهورية مصر العربية)، بل تجاوز الأمر إلى حدود استبدال هذه التحية بنداءات أخرى لا ترتبط بالوطن ولا تقوى نسيجه، وأصبحت هناك الطائفية ونداءات أخرى دينية، وفى الحدود الدنيا تجاهل لحضور الوطن فى طابور الصباح.

أظن أن اختيار حملة المرشح عبدالفتاح السيسى شعار «تحيا مصر» هو أكثر الاختيارات توفيقا وصدقا وذكاء، فالشعار ليس فقط شعار حملة ولكنه تحول بحق إلى شعار أمة، إلى رغبة أبناء وطن فى التحرك نحو إنقاذ هذا الوطن من سقوط يبدو حتميا لولا تحرك الجموع لتنفيذ عملية الإنقاذ. من الخطأ التعامل مع هذه الحالة بشكل سلبى من أى طرف، حتى لو كان معارضا لاختيار السيسى رئيسا.

قد يكون أهم ما يميز هذا المرشح هو تلك القدرة على جمع شتات أبناء الوطن خلف هدف رئيسى هو إنقاذه، ولذلك فإن من أهم ما أتوقعه هو أن الجميع بمن فيهم المعترضون سوف يصطفون فى عملية الإنقاذ، فالاختلاف على هذا المرشح ليس اختلافا جوهريا، والرفض ليس رفضا قاطعا، ولكنه اختلاف ورفض أراه ثانويا وليس جوهريا، ولذلك فإنه بمجرد نهاية الانتخابات نتوقع أن ينضم إليه حتى المعترضون.

وقد تكون هذه الحالة التى تعيشها مصر مناسبة تماما لإعادة الاعتبار لمفهوم التحية.. تحية الوطن. المتوقع الآن أن تعود جميع المدارس لتؤكد احترامها لمفهوم تحية العلم، وأن يعود التأكيد مرة أخرى على قدسية واحترام وتقدير علم الوطن. نتمنى أن يعود العلم والتحية إلى كل المدارس والساحات التى تربى أبناء هذا الوطن، ليأتى جيل جديد يُعلى قيمة الوطن والمواطنة (وتحيا مصر).

رسالة من الخارج إلى الداخل

حتى لو أتت النتائج النهائية بأن عدد من شاركوا من المصريين فى الخارج فى انتخابات الرئاسة هذه المرة أقل من انتخابات الرئاسة الماضية، فإن الأمر الأكيد أنها أكثر صدقية وتعبيراً عن حالة مختلفة لدى المصريين الذين يعيشون خارج البلاد، لكن المؤشرات حتى اللحظة تقول إن العدد سوف يتفوق على كل المرات السابقة.p1010061.jpg

فى انتخابات 2012 كانت حالة الارتباك وحالة عدم اليقين هى السائدة، وحالة إفساد الإرادة هى الموجودة، وذلك عن طريق أسلوب التصويت عبر البريد، وهو ما حاول الإخوان استغلاله، باستخدام أسلوب يعد تطويراً لما كان يحدث فى الداخل ويعرف بأصوات الزيت والسكر (حيث كان الإخوان يشترون الأصوات الانتخابية بكرتونة من المواد الغذانية من الفقراء)، فقد مارسوا نفس الأسلوب مع العمال الفقراء فى الخارج الذين اشتروا بطاقاتهم، وزورا إرادتهم عن طريق البريد، ومن الحكايات المشهورة فى هذا السياق ما تردد عن أن الإخوان فى الكويت كانوا يشترون الأصوات ليوجهوها فى اتجاه معين أو يبطلوها، بسعر 50 ديناراً، كما ذكرت إحدى الصحف الكويتية.

وبغض النظر عن المبالغة من عدمها فى ذلك، إلا أنها، هذه المرة، تدل الصور القادمة من أمام السفارات والقنصليات المصرية فى الخارج على أن المصريين استطاعوا تجاوز ذلك، واستطاعوا القضاء على الوصوليين، وسيستطيعون أن يعبروا عن إرادتهم الحرة لاختيار مستقبل بلادهم، كما استطاعوا أن يفعلوا ذلك من قبل فى 30 يونيو و3 يوليو و26 يوليو ويخرجوا هذه الأيام ليؤكدوا أنهم مازالوا يستطيعون الفعل.

فعل الخروج هو تأكيد على حرية الإرادة والرغبة فى وضع أسس جديدة فى حياة أو دولة جديدة، وتشير الصور القادمة من أمام السفارات إلى طوابير ممتدة، كأنها فى لجان داخل مصر، فى الكويت، والسعودية، ودبى، وأبوظبى، والعواصم الأجنبية، ولعل ما يؤكد ذلك هو دعوة بعض الجاليات المصرية فى الخارج لتمديد فترة التصويت يومين إضافيين، حتى يتمكنوا من التصويت جميعاً، وهو ما حدث جزئيا بمد أيام التصويت يوما إضافيا.

هذا دليل آخر على أن المصريين وعوا الدرس، وأدركوا أنهم يجب أن يبدأوا المشاركة فى صنع مستقبل بلادهم، ومازال هناك يومان، وهذه دعوة لكل المصريين للمشاركة فى التصويت، ليس فى الخارج فقط، بل فى الداخل أيضاً، ويبدو الأمر كأنه مؤشر على ما سيحدث فى انتخابات الأسبوع المقبل، يومى 26، و27 المقبلين، من إقبال جماهيرى كثيف، وتأكيد على الرغبة فى المشاركة، وتحدى الإخوان، وتحدى تهديداتهم ومظاهراتهم، وانفجاراتهم، ورغبتهم فى زعزعة أمن البلاد، وتأكيد من الشعب المصرى على الرغبة فى إكمال خارطة الطريق، وانتخاب رئيس بإرادة حرة شعبية يعبر عن كل أطياف المصريين وكل توجهاتهم، وليس أسيراً لاتجاه معين يريد اختطاف البلاد إلى جماعة وعشيرة. أدرك المصريون ما يريدون وبدأت نتائج ذلك تظهر فى طوابير التصويت على الانتخابات فى الخارج.

ونتائج تصويت المصريين على الانتخابات فى الخارج، رغم أن عددهم قليل، فإن الانتصار فيها انتصار للمعنى وإشارة يمكن أن تشعل الداخل، وبالتالى فإن تصويت المصريين لن يقف عند الخارج، بل سيكون أحد الأسباب والمقدمات لما سنراه فى الداخل.

الوجه الآخر لعبد الفتاح السيسى

كان الحوار الذى أذيع الاثنين والثلاثاء الماضيين مع المرشح الرئاسى عبد الفتاح السيسى يعد المرة الأولى التى يتحدث فيها باستفاضة، فى كل القضايا المصيرية التى تخص حياة المصريين، وماضيهم وحاضرهم ومستقبلهم، لقرابة الخمس ساعات، استطاع أن يجيب فيها عن كل الأسئلة التى تدور فى ذهن المصريين عنه وعن طريقة تفكيرة وطريقته فى إدارة الدولة فى حال وصوله إلى كرسى الرئاسة.President Abdel Fatah Elsisi

دحض المرشح الرئاسى عبد الفتاح السيسى بحواره المطول ما حاول البعض أن يروجه من أنه لا يملك القدرة على التواصل مع الناس، ولا يمتلك رؤية واضحة لمستقبل البلاد، من خلال حوار مطول شرح فيه أبرز ملامح برنامجه الانتخابى، والمشاريع التى ينتوى تنفيذها فور وصوله إلى الحكم، وبدا واضحاً تفكيره المنهجى والواضح والمنظم، ورؤيته للمشكلة بشكلها الكامل، وحلولها.

ومن الواضح أيضاً من خلال ما ظهر من هذا اللقاء، أن هذا المرشح الرئاسى القادم يمتلك فرصة كبيرة لقيادة البلاد إلى بر الأمان، عن طريق مجموعة من العناصر، أبرز هذه العناصر هو اختياره طريق الحسم والإصرار عليه والقدرة على تحمل المسؤولية والمواجهة المباشرة للمشاكل، عن طريق تحليل عناصرها ووضع خطط زمنية يتم حلها عبرها.

كما بدا واضحاً أيضاً أن السيسى منزعج جداً من الواقع، بكل ما يحمله من تجاوز، وما يحمله من مشاكل وعوائق قد لايراها كثيرون، وبدا انزعاجه واضحاً من هذه النقطة تحديداً، وهى عدم رؤية الأمور والمشاكل بشكل واضح، أو ما يجب أن تكون عليه، وهو ما يوصل هذا الانزعاج لديه إلى حالة من حالات الغضب، ومحاولة تغييره، عن طريق شرح الواقع للمصريين، ودعوتهم إلى مساعدته فى إعادة مصر إلى دورها القيادى الذى كانت عليه دائماً.

كانت لغة السيسى فى الحوار واضحة وصارمة وقاطعة، يحاول أن يصل بها الجميع باختلاف انتماءاتهم الطبقية والمجتمعية، رغم أن كل الحكومات السابقة على مر تاريخ مصر فشلت فى أن تجد لغة الحوار الحقيقية التى يمكنها أن تصل إلى الناس، وهذا أحد أسباب تراجع أداء وشعبية هذه الحكومات، لكن من الواضح أن السيسى يمتلك هذه اللغة.

كثير من الموضوعات يمكن أن نتوقف أمامها فى الحوار المطول، والتى كشفت الوجه الآخر للمرشح الرئاسى عبد الفتاح السيسى، وهو أنه قادر وقوى وصارم ويمتلك نبرة أخرى غير نبرة الحنو، التى كان البعض يسخر منها ويعتقد أن السيسى لا يمتلك غيرها، لكن ما كشفه السيسى فى حواره أن لديه خطاباً آخر زرع مساحة من الأمان لدى قطاع مهم من المصريين، وحسم تشككات البعض فى أنه قادر فقط على دغدغة المشاعر.

كشف الحوار عن شخص صادق مواجه حتى لو كان مسببا لصدمة أو مفاجأة للبعض، لكن ما وضح أنه يمتلك رؤية لمستقبل مصر يقفز بها إلى الأمام، بحسب تعبيره، وأنه يمتلك حلماً يعيد مصر إلى مكانتها، حلماً قابلاً للتحقق، ويعرف آليات تنفيذه، ويمتلك القدرة على هذا التنفيذ، وهذا هو المهم.

هل يمكن أن يؤتمن العقرب؟

يحكى أن عقرباً كان يشعر بأنه منبوذ لأنه يلدغ جميع من يقترب، بعد أن تركه الجميع وعاشوا على الضفة الثانية من النهر، وفى يوم أراد العقرب أن يعبر إليهم فى الضفة الثانية من الشاطئ، ولما كان لا يعرف السباحة فى المياه، انتظر حتى وجد ضفدعاً قريباً من الشاطئ، فاقترب منه قائلاً: يا صاحبى!.. هل لك أن تنقلنى إلى الضفة الثانية من النهر؟عبد اللطيف المناوي

رد الضفدع: كيف لى أن أنقلك، وأنت المعروف بلدغتك، وغدرك، وسُمّك القابع فى جوفك؟! ومن يضمن لى أنك لن تلدغنى بوسط النهر، وتقتلنى؟!. ألم تلدغ الكثيرين من قبل حتى أقرب القريبين منك، ثم إنى اتفقت مع «أشقائى» و«حلفائى» ألا نتعامل معك إلا سوية بعد أن تعود عما فى رأسك، وتعتقد أنك قادر عليه رغم «حجمك».

قال العقرب: كيف لى أن ألدغك، وأنا راكب على ظهرك!.. فإن لدغتك، فسنغرق سوية! ثم إنك صاحب فضل علىَّ وساعدتنى، فهل يعقل أن أضع سمى فى عنق من ساعدنى؟

رد الضفدع مشككاً بصدق العقرب بينه وبين نفسه: أعطيه فرصة، عله يصدق هذه المرة؟ لقد «تفاوضنا» كثيرا وهو على استعداد لأن «يوقع» وثيقة يتعهد فيها بحسن الخلق كما وقع من قبل، صحيح لم يلتزم ولكن لماذا لا أعطيه فرصة؟ صمت الضفدع لحظة بعد تفكيره الذى اعتقد أنه «عميق» وقال للعقرب بلهجة «متذاكية»: لا بأس!.. لقد أقنعتنى.. اركب على ظهرى، لأوصلك إلى الضفة الأخرى، ولكن احذر فإنى سأراقبك طول الطريق.

ركب العقرب على ظهر الضفدع الذى انطلق سابحاً.. وفى وسط النهر بدأت غريزة العقرب تتحرك، وشهوته فى اللدغ تشتعل، فكان يُصَبِّر نفسه حتى يعبر النهر، ولكن شهوته لم تسكن، ونفسه مازالت تأمره، بل تشجعه على اللدغ، فلدغ.. وبدأ الاثنان فى الغرق! فقال له الضفدع مندهشاً: لِمَ لدغتنى؟! وقد ساعدتك.. فقد قتلت نفسك، وقتلتنى معك! فقال له العقرب: أمرتنى غريزتى، فاستجبت لها! يا عزيزى.. أنا عقرب، وأنت تعرف ذلك، ولو لم ألدغك وأخدعك لما استحققت أن أكون عقربا! وبينما يغرق الضفدع يكرر سؤاله الذى عرف إجابته: «لكنك وعدت، ووقعت عهدا، فلماذا لم تلتزم؟!»، وكانت آخر خيالات أمام الضفدع ضفادع أخرى ماتت أمام عينيه «لدغا».

وهكذا.. ماتا غريقين!

هذه حكاية قديمة، مجهولة المؤلف، وينسبها البعض إلى كتاب كليلة ودمنة والبعض ينسبها إلى حكايات فلكلورية ألمانية، لكن أياً كان مؤلفها فهى تستحق أن تروى دائماً لتفسر لنا وتُذَكِّرنا بمواقف بعض الأشخاص والمؤسسات والدول، حتى يتبين لنا من يتخابث علينا ويخدعنا ليعود إلى صفنا مرة أخرى ونحن نعرف أنه ذات يوم سيخدعنا، لأن غريزة الشر لديه أقوى من أى غريزة أخرى.

البعض يعتقد أن سؤال الحكاية التراثية الحقيقية هو لماذا لدغ العقرب الضفدع؟ مع أن الإجابة معروفة، وهى أن من تربى على شىء شاب عليه، ومن خبرناه وعرفناه طوال سنوات عمره وهو لا يحفظ معروفاً، ويحفر لمن حوله، وعندما يقاطعونه لسوء طباعه، يعود ليبكى لهم، مدعياً أنه توقف عن خصاله الشيطانية، فإذا ما صدقوه للحظة عاد إلى ما كان يفعله، وكأن شيئاً لم يحدث، فهذه طباعه التى لن يغيرها، مهما أقسم أو وقع على بيانات وأعلن التزامه بما طُلب منه، لأنه سيعود ويلحس وعوده مرة أخرى، وهو الأمر الذى يجعل السؤال الحقيقى للقصة هو: لماذا وافق الضفدع على أن يحمل العقرب فوق ظهره وهو يعرف أن هذه طبيعته التى لا يلبث أن يعود إليها؟!

كما فى القصص الشعبية، هناك فى السياسة الدولية دروس مستفادة، وأسئلة يجب أن تتم الإجابة عنها، وما حدث بين الضفدع والعقرب يمكن أن نراه بسيطا فى محيطنا الإقليمى والدولى إذا راقبنا ما يحدث، ويمكننا ببساطة أن نصل إلى النتائج التى انتهت إليها قصة الضفدع والعقرب.

العقرب لا يسكن إلا مع العقارب، لا يأتمن سواهم فى بيتهم، ولا يبدو أنه يريد سواهم، فإذا جاءكم ذات يوم وقال لكم إنه توقف عن اللدغ، من أجل الأخوة والمصالح المشتركة، فلا تصدقوه.