الطريق إلى جوبا

بقلم   عبداللطيف المناوى

ذهبت إلى جوبا عاصمة جنوب السودان بحثا عن عناصر تصب في مصلحة وحدة السودان ، و لكن خرجت منها مكتشفا أن عناصر الانفصال الحاضرة  اكبر كثيرا من عناصر الوحدة .

في التاسع من يناير المقبل  يجري الاستفتاء لمواطني جنوب السودان لتقرير المصير ، إما الاستمرار في ظل سودان واحد أو الانفصال إلى شمال وجنوب ، والعقل والمصلحة لكافة الأطراف في السودان شماله وجنوبه وشرقه وغربه مع الوحدة ، هذا عن العقل والمصلحة ، أما ما هو متوقع حتى الآن فإن الأمور تتجه إلى الانفصال ، ما لم تحدث معجزة .

الوصول إلى جوبا ليس بالأمر السهل من الخرطوم ، المسافة برا  حوالي 1600 كيلو متر ، معظمها غير ممهد ، تستغرق الرحلة إذا قرر أحد المغامرة حوالي تسعة أيام ، الطيران من عاصمة السودان إلى عاصمة جنوبه عبارة عن رحلة واحدة منتظمة ، ولكن غير منضبطة في مواعيدها ، واثنتان في مهب الريح ، في المقابل ثلاث رحلات يوميا من نيروبي ، وثلاث رحلات من كينشاسا ، وثلاث أسبوعيا من أديس أبابا ،

الدلالات الانفصالية لا تقتصر على اللغة الانجليزية التي أصر السيد سيلفا كير على الإجابة بها رغم إجادته التامة للعربية ، ولكنها كانت ساطعة كشمس الجنوب الحارقة ، واضحة وجلية مثل النيل الذي يمر من هناك في طريقه إلى مصر .

جوبا ـ عاصمة جنوب السودان ، و عاصمة منطقة بحر الجبل ، يتحدث سكانها العربية والإنجليزية واللهجات المحلية، لكن العربية هي اللغة الطاغية على الرغم من دخول بعض قواعد الإنجليزية عليها ، تعتمد على النقل النهري ، حيث نهر النيل يشكل خزانا مائيا  ، عانت طويلا من الحرب الأهلية والتهميش الذي يتهمون به  الشمال ، التوجه للانفصال بدأ مبكرا ، فالأعوام الماضية لم يضعها قادة الحركة الجنوبية هباءً، وإنما استغلوها في تسليح الجنوب وتأهيل جيش جنوبي ضخم ، وهذا يأتي ردا على إحساسهم  بأن عوامل الطرد من الشمال أكبر كثيرا من العوامل الجاذبة .

رأيت هناك الكثير من عناصر الانفصال  ، و سمعت الكثير من السيد سيلفا كير ، إثناء رحلتي إلى جوبا اكتشفت أن الأمر تخطى مرحلة الخلاف العرقي بين  شمال السودان وجنوبه ، بات خلافا بين رؤيتين لهوية دولة ، دولة مدنية متعددة الثقافات والديانات ، علمانية العاصمة ، وهوية لدولة دينية .

عناصر الانفصال باتت أقوى من عناصر الوحدة و مشعلو حرائق الخلافات بين الشمال والجنوب لتعجيل الانفصال يتحركون بنشاط غير معهود ، والشواهد تدل على ذلك مثل قيام حكومة الجنوب بفتح 18 مكتبا للحركة الشعبية في عدد من الدول الإفريقية والأوروبية والعربية ، على رأسها “قنصلية” في الولايات المتحدة الأمريكية ، وإنشاء حكومة الجنوب بنكا مركزيا جديدا  .

الحضور المصري في الجنوب بات حضورا مميزا خلال  الفترة الأخيرة ، وساهم هذا الحضور من خلال المستشفيات المصرية ، والمدارس المنشأة من قبل الحكومة المصرية ، وكذلك محطات الطاقة التي أضاءت العديد من مدن الجنوب التي لم ترى الكهرباء من قبل ، هذا الحضور يأتي دعما لجنوب السودان في إطار تدعيم  وحدة السودان ، وساهم بشكل ملحوظ في صورة مصر في الجنوب حاليا ، بل إن كثيرا من أبناء جنوب السودان تخرجوا من الجامعات المصرية ولهم أصدقاء بالقاهرة وصلة المودة والتزاور قائمة حسبما قال لي السيد سيلفا كير ، بل إن معظم خريجي الجامعات المصرية من  أبناء الجنوب على سدة الحكم  الآن في وزارات جنوب السودان .

إثناء لقائي مع السيد سيلفا كير  حدثني عن تجربة الجنوب  بعد توقيع إتفاقية السلام التي مر عليها خمس سنوات ونصف وقال لي أن الأمر  لم يختلف كثيرا عن الماضي ولم يتخلق أي انطباع لدى الجنوبيين بأن الشمال أو العالم العربي ـ حسب اعتقاده ـ يريدون السودان دولة واحدة وأضاف أن الحكومة المركزية فشلت فى جذب الجنوبيين تجاه الوحدة ، والوقت قد حان في رأيه لتحقيق الوحدة فقط إذا ما تمكنت الحكومة المركزية من إقناع الجنوبيين بهذا الأمر ، الرئيس البشير وعده بالوحدة ولكن ما هى الأولويات التي قدمها لجعل الوحدة خيارا ممكنا ، الأمر يحتاج في رأيه إلى إجراءات عملية على أرض الواقع ، قال لي السيد سيلفا كير أنه اقترح على الرئيس السوداني أن يكون له مكتب فى جوبا ويمارس منه العمل ثلاثة أيام في الأسبوع ولكنه لم يفعل ذلك ،  وأضاف ” كل ما تم الاتفاق عليه ما زال حبراً على ورق ” .

السيد سيلفا كير الذي التقيته بمكتبه في منزله كرر عدة مرات إثناء لقائي به بأن اختيار الجنوبيين للوحدة يحتاج إلى معجزة في زمن لم يعد زمن معجزات ، الوقت المتبقي للاستفتاء قصير للغاية : ثمانية أشهر ، ويظل السؤال هل تنجح الاطراف السودانية ـ خاصة حكومة السودان ـ في جعل خيار الوحدة جاذبا للجنوبيين ؟ هذه هي المعجزة التي يمكن أن تحدث . لو صدقت النوايا ، وكانت هناك إرادة سياسية حقيقية .

تحدثت عن المشكلة التي سيواجهها السودان بعد ثمانية أشهر ، وهي حق تقرير المصير ، الأمر بدا لي بعد أن تحدثت مع السيد سيلفا كير محسوما ، بداية من إصراره على الحديث باللغة الانجليزية مرورا بعشرات الدلائل التي تؤكد استعدادهم لذلك  ، لذا أخشى أن يكون الحديث عن أن الوحدة  هي الأقرب للسودان  بعد استفتاء تقريرالمصير مطلع العام المقبل ، رفاهية لا يمكلها السودانيون ، سكان الشمال والجنوب معا ،  فالدلائل كلها تشير إلى انفصال آت ما لم تحدث معجزة ، على حد تعبير السيد سيلفا كير .

حين سألت السيد سيلفا كير  عن الإستفتاء الذى سيحدد مصير الجنوب : الوحدة أوالإنفصال ، قال لي أنه ليس لديه توجيهات محددة للجنوبيين فهم أحرار فى إختيار ما يقررونه لمستقبلهم وهو معهم فى هذا الأمر ولا يمكنه إجبار أحد على أمر ما ولابد من العمل أولاً على تشكيل لجنة للإستفتاء وترسيم الحدود وتشكيل لجنة للإستفتاء فى الجنوب كل هذه أمور يجب أن تسبق الإستفتاء ، وهذا كلام جميل لكنه  يلقي الكرة في ملعب الشمال ما الذي قدمه شمال السودان وحكومته خلال السنوات الماضية ـ خلال الفترة التي حددت حتى يتم تقرير المصير ـ  ما الذي قدمه الشمال خلال الفترة الماضية .

هناك مشكلات كثيرة لابد من حلها خلال المرحلة المقبلة قبل اجراء الاستفتاء مثل تشكيل لجنة للاستفتاء فى منطقة ابيي الغنية بالنفط، ، والاستعداد لترسيم الحدود لان اى ممارسة تتعلق بالاستفتاء او الانفصال يجب ترسيم الحدود قبلها ، وبالتالى يجب الانتهاء من هذا الاجراء اولا  ، وبعد تشكيل الحكومة الجديدة وفقا للانتخابات الماضية ستبدأ مباشرة عملية تسجيل أصوات الناخبين الجنوبيين، وبعد ذلك الحملة الانتخابية التمهيدية للاستفتاء والتى يكون فيها “الحق لاى شخص تأييد الوحدة ومن حق اى شخص اخر رفضها وتأييد الانفصال”.

الأمور يبدو أنها تسير ناحية الحسم ، لكن لا أحد يمكنه الجزم بالمستقبل، حين سألت السيد سيلفا كير عما أعلنه الرئيس السوداني عمر البشير بأنه سيتخذ اجراءات تدفع الجنوبيين لتفضيل خيار الوحدة، أجابني بأن “الامر يحتاج لمعجزة لأنه لم يتبق سوى شهرين أو ثلاثة  لكي يجعل من الجنوب أرضا تشبه الجنة، ولكنه أعلن أنه سيضع وحدة السودان على أولوياته وأعتقد أنه بعد نجاحه في الانتخابات فإنه سوف يواجه صعوبة في تحقيق ذلك لأن الأمر ليس شفهيا ولكن يحتاج إلى إجراءات عملية”.

الأمر ليس شفهيا ، ولكنه يحتاج إلى اجراءات عملية ، هكذا  حدد السيد سيلفا كير الطريق إلى الحل ، و قال لي من قبل  الأمر يحتاج إلى معجزة ، ما بين المعجزة والاجراءات العملية ،  طريق طويل ، لا أحد يعرف الآن كيف ينتهي .

Advertisements

هل لا زال النيل هبة مصر ؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

هل مصر على حق فى موقفها فى قضية مياه النيل ؟ كمصري ، وأظننا جميعاً نقولها قولاً واحداً : نعم ، حق لنا ، عشنا حقيقة أن مصر هبة النيل ، وعشنا عمرنا وعمر أجدادنا بأن هذه المياه حقيقية حاضرة غير قابلة لمناقشة استمرارها ، وغير متخيل أن نشعر بخطر يهدد حقوقنا فيها ، لكن ما حدث مؤخراً من جدل كبير أثار مرة أخرى التخوفات وهز الشعور الذى كان طاغياً بالاطمئنان بأنه لا مساس ، ولكننا صحونا على وضع مناقض لهذه الحالة من الإطمئنان ، إذ بدأنا نسمع عن مشكلات مع دول حوض النيل ، ووصل الأمر أخيراً إلى التلويح بما نسميه حالة من التمرد من دول المنبع وعددها سبع دول على الإتفاقيات التاريخية المنظمة لتوزيع حصص المياه على الدول المختلفة .

هذه المشكلة ليست وليدة اللحظة ، وليست وليدة وقت قريب ، ولكنها بالتأكيد نتاج سياسة تم إنتهاجها لعقود لم تضع في اعتباراتها احتمال حدوث مثل هذا اليوم ، وهذه قضية أخرى تحتاج إلى مناقشات جادة ولكن فيما بعد .

تطورات الأزمة  بعد اجتماع شرم الشيخ وصلت إلى إصدار دول المنبع لبيان تعلن فيه أنها ستبدأ فى 14 مايو المقبل إجراءات التوقيع على إتفاقية إطارية للتعاون بين دول حوض النيل منفردة دون دولتى المصب مصر والسودان ، هذه الاتفاقية الإطارية نوقشت فى اجتماع شرم الشيخ الذى عقد مؤخراً وفشل فيه المجتمعون في التوصل إلى إتفاق حول بند الأمن المائى الذى يحافظ على الحقوق التاريخية لمصر فى حصة مياه النيل والتى تصل إلى 5 . 55 مليار مكعب ، وهذه هى نقطة الخلاف الرئيسية ، إضافة إلى نقطتين أقل أهمية هما الإخطار المسبق لمصر قبل إقامة أية مشاريع مائية مثل السدود ، وضرورة الحصول على موافقة الإجماع أو موافقة الاغلبية التى يجب أن تضم مصر والسودان على تلك المشاريع  ، دول المنبع السبع بقيادة أثيوبيا تصر على رفض هذه النقاط ، وتصر على إيجاد آلية جديدة لتقاسم مياه النيل عوضاً على الإتفاقات السابقة التى تقول هذه الدول انها وضعت فى عهد الإستعمار .

يقول المؤرخون إن مصر هبة النيل ، و يقول بعضهم إن النيل هو هبة مصر ، لكن ـ مع كل هذه المشكلات ـ هل لا زال الأمر كذلك

تعتبر الدول التسع المشتركة مع مصر فى حوض النيل  دولاً غير مستقرة ، وغير قادرة على أن تبدأ مشروعات كبرى على النهر أو إستصلاح أراض زراعية ، ولديها أوضاع داخلية تعانى منها ، فبعضها يعاني من حروب أهلية وصراعات قبلية ومشكلات إقتصادية ، ومثل هذه المشروعات الكبرى تحتاج إلى تمويل دولى ، وهذا التمويل لن يأتى دون دراسات جدوى تقر من كل الدول المنتفعة بالنهر ، ومن هنا يأتى مدخل مصر للتعامل مع هذه الازمة ، وأيضاً هذه النقطة هى إحدى النقاط التى يمكن ان ترجح عدم وجــود خطر عاجل يهدد تدفق النيل إلى مصر فى المستقبل المنظور .

هناك عدة تحركات سياسية لمصر فى المرحلة المقبلة أهمها بالتأكيد حرص مصر على علاقاتها الوطيدة من دول حوض النيل وخاصة أثيوبيا التى ترتبط مائياً مع مصر والسودان ، وان تنمية موارد الهضبة المائية يقوم على المشاركة الفعالة للدول الثلاث .

تتمتع معظم دول الحوض بأكثر من مصدر للمياه بينما لاتزيد حصة مصر من الأمطار 20 ملم فى الوقت الذى يصل فى بعض الدول من دول الحوض إلى 20 الف ملم ، أى أن مصر تعانى عجزا مائياً وصل إلى أكثر من 30 % وتتغلب عليه من خلال إعادة الإستخدام ، من هذا المنطلق فإنه ينبغى أن نعلم أن أى تكلفة أو عبء أو جهد يتم فى منطقة دول حوض النيل ليس إهدارا للموارد أو الطاقات ، وإنما هو شكل من أشكال الاستعمار المباشر فى المستقبل ، وبالتالى فإن التعاون والاقتراب من هذه الدول هو مسألة مصيرية ومهمة ، ومن هنا تأتى أهمية المباردة الرئاسية لإنشاء مفوضية دول حوض النيل بغض النظر عن التوقيع الآن على الاتفاقية الإطارية بين دول حوض النيل . ويتوازى مع ذلك مسألة مهمة جداً هى الحرص على عدم التصعيد فى لغة الخطاب حول هذه القضية ، مع التأكيد على أن حقوق مصر التاريخية فى مياه النيل هى حقوق غير فابلة للمناقشة أو المساس بها .

ولكن فى ذات الوقت لا ينبغى أن تأخذ الحماسة البعض منا ، أو الرغبة فى تحقيق بطولات وهمية بأن نصل باللغة الى حد التهديد والوعيد ودق طبول لحرب ليس لها طبول ، ولكن تكون معالجة الأمربالصبر والإستمرار فى التفاوض وتأكيد مفهوم التعاون كأساس لتعويض ما فات والحفاظ على حقوقنا التى لن تمس .

من يستحق إطلاق الرصاص عليه ؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

ثارت ضجة ، ولم تتوقف منذ أن نسبت تصريحات إلى بعض من نواب مجلس الشعب من الحزب الوطني و آخرين ، بأنهم يدعون إلى إطلاق الرصاص على المتظاهرين من حركتي كفاية و6 إبريل ، و هي ضجة مفهومة تماما في ظل الأجواء السياسية السائدة ، رغم نفي أحد النواب بأنه طالب بذلك ، وإنما ما قاله أنه كان يمكن للشرطة أن تطلق النار على المتظاهرين كرد فعل على الاعتداء عليهم ولكنها لم تفعل .

لن أناقش هنا ما نسب إلى هؤلاء النواب ، لأنه لو صح فإن هذا خطأ كبير على قياداتهم أن يبادروا سريعا باتخاذ إجراء واضح معلن للرأي العام يؤكد موقف الحزب وقياداته من حرية التعبير في حدود  القانون ، ورفض للتصعيد اللفظي الذي يسخن الأجواء ، ولا يهدئها .

ما أتوقف أمامه هنا نقطتين : الأولى هي التكوين السياسي لنواب وقيادات الأحزاب ، وامتلاك أدوات الخطاب السياسي الذي يعبر عن الموقف السياسي ـ وحتى الصدامي ـ دون أن يخسر الرأي العام  ، ودون أن ينزلق في تعبيرات لا يقصدها تؤدي إلى أزمة حقيقية أو مفتعلة ، وتؤدي إلى خسارة سياسية له شخصيا ، ولحزبه .

فيما أظن أنه حتى لو صح أن أحد النواب أو أكثر قد قال هذا التعبير ، وطالب بإطلاق الرصاص على المتظاهرين فالأكيد أنه لم يقصد ذلك ولكنه اندفاع لفظي ، وعدم قدرة على استخدام أدوات القول  بشكل يحقق الهدف ، ولا يتسبب في أضرار سياسية له ولحزبه ، مرة أخرى هنا يكمن السؤال حول أساليب الإعداد السياسي لأعضاء وقيادات ونواب الأحزاب ـ كل الأحزاب ـ وأظن أن هناك  مشكلة حقيقية في هذا الأمر .

النقطة الثانية : التي أتوقف أمامها أيضا في هذا الموضوع  هي تلك الحالة من التربص الحادثة في المجتمع ، هذه الحالة تعطي الانطباع بأن كل أطراف المجتمع في حالة تربص متبادلة ، الأغلبية متربصة بالمعارضة ، والمعارضة متربصة بالأغلبية ، والقوى السياسية خارج المعارضة الشرعية والأغلبية متربصة بالجميع .

الأكيد أن كل الأطراف تعلم أن نواب البرلمان الذين طالبوا بإطلاق الرصاص على المتظاهرين لا يقصدون هذا حرفيا حتى لو قالوه ، وإنما كان المقصود هو التشدد في معاملة المتظاهرين ، وهو أيضا أمر محل اعتراض نسبيا ، ولكن هذه الحالة من التربص هي التي دفعت إلى التعامل مع هذا التجاوز اللفظي و السياسي بهذا القدر من التحفز والتصعيد ، وهي حالة على الأطراف جميعها ـ وأولهم حزب الأغلبية ـ أن يحذروا من تزايدها .

إذ كان هناك  من يستحق أن يواجه بعنف ، ويطلق عليه الرصاص ،  فهو هذه الحالة الخطيرة من التربص و التحفز والغليان المتبادل .

مصريون على رصيف الحكومة

بقلم   عبداللطيف المناوى

منذ عدة سنوات ـ في عام 2005 ـ من كان يمر من ميدان مصطفى محمود في حي المهندسين بالقاهرة كان يلاحظ مجموعات صغيرة من الإخوة السودانيين يتجمعون صباحا في الحديقة المواجهة للمسجد هناك ، كان يمر من يمر ، ويشاهد تلك التجمعات الصغيرة ويتساءل للحظة ثم يمر دون أن يسأل ماذا يحدث ، بعد فترة قصيرة تطورت الأمور بأن أصبحت تلك المجموعات تتواجد صباحا ومساء ، بل وبدأت تقضي ليلها في الحديقة ، ازدادت التساؤلات عما يحدث ، وتطور الفضول إلى مرحلة البحث عن إجابة ، وكانت الإجابة أن هؤلاء جاءوا ليحتجوا أمام مفوضية اللاجئين التابعة للأمم المتحدة .

اكتفى من سمع الإجابة بما سمع  ، ولم يلق اهتماما ، وظل الوضع هكذا يوما بعد يوم ، ثم تطور ، وتحول عدد المتجمعين والمقيمين في ميدان مصطفى محمود من عدة أفراد يعدون على أصابع اليدين إلى عدة آلاف ، وتحولت الحديقة إلى مخيم مغلق  ، و تحولت أزمة بسيطة كان من الممكن حلها مبكرا إلى أزمة تم حلها بثمن باهظ دبلوماسيا وسياسيا وأمنيا ، بعد أكثر من ثلاثة أشهر من تهاون التعامل معها مبكرا .

تذكرت هذه الصورة وأنا اتابع التجمعات أمام البرلمان ومجلس الوزراء، والتي بدأت بوقفات احتجاجية من عمال وموظفين من هيئات ومصانع وشكرات مختلفة ، وكان الأمر ينتهي عند حد الوقوف والتعبير عن الرأي ورفع الشعارات بالمطالب التي يعتقد أصحابها في أحقيتهم بها ، حتى هذا المستوى من التعبير يظل الأمر مقبولا ، وبالفعل تم التعامل بمستوى راق من الجهات الأمنية المختلفة ، لكن التطور الجديد الحادث هو ذلك التحول في التعبير من حدود الوقوف للتعبير عن الموقف إلى الإقامة على الرضيف في ممارسة حياتية كاملة استمرارا في التعبير عن مواقفهم أو سخطهم ، فقد تحول رصيف مجلس الشعب ومجلس الوزراء إلى أماكن إقامة دائمة للمعتصمين و المحتجين ، وفي إطار ممارسة الحياة العادية أقام المعتصمون بمختلف انتماءاتهم شعائر صلاة الجمعة عدة مرات ، ووقف بينهم الخطباء يصبون جام غضبهم ودعائهم على من يعتقدون أنه ظلمهم ، واحتفل المعتصمون بالمناسبات الدينية والإجازات الرسمية ، آخر هذه الاحتفالات كان احتفالهم بشم النسيم ، وتباين مستوى احتفال كل منهم حسب مقدرته ، وتبادلوا التهاني والحديث .

رغم طرافة جزء مما يحدث ونراه من مظاهر على رصيف البرلمان و الحكومة إلا أنه تعبير متعدد الاتجاهات عن أمور عدة معظمها مر ، وبعضها ينذر بخطر حقيقي ناتج عن معالجات خاطئة لأزمات كان يمكن أن تحتوى  في مراحلها الأولى .

ما يحدث الآن هو تهاون في التعامل مع مشكلات بدأت صغيرة وتركت ـ ونظرنا إلى  احتجاج أصحابها بأشكال مختلفة بقدر من التجاهل أحيانا والاستخفاف أحيانا أخرى ، و ترك البعض منا تفسيراته لتصل إلى الحدود التآمرية باستغلال هذه الاحتجاجات لأغراض سياسية من قبل أطراف سياسية يعتقد ذلك البعض أن هدفهم ـ أي هذه الأطراف ـ هو خلق حالة من التوتر و القلق في المجتمع .

وسوف أناقش هذه النقطة الأخيرة لأنطلق منها إلى النقاط الأخرى ، صحيح أن بعض القوى السياسية ـ سواء المعارضة للحكومة أو المناوئة لها ـ تستخدم هذه الأحداث من أجل إثبات موقفها ورأيها في الأداء الحكومي ، والبعض منها يريد بالفعل إحداث قدر من القلق والهزة في مواجهة الحكومة ، ولكن يظل السؤال المهم و هو من الذي  خلق المجال والأجواء والتربة الخصبة من أجل وجود مثل هذه الوقفات  بهذا المستوى الذي يتطور من مجرد وقفات احتجاجية وتعبير عن ظلم ـ يعتقد المجتمعون أنه واقع عليهم ـ  إلى إقامة كاملة تشكل نواة صالحة تماما للتحول إلى أزمة حقيقية ، لن نعلم مداها إلا عند مواجهتها .

لذلك فإن الارتكان إلى فكرة أن هؤلاء يقعون في إطار مخطط سياسي ، سند خاطئ وخطير ، فالناظر إلى وجوه المصريين المقيمين على رصيف البرلمان والحكومة يراها وجوها مصرية أصيلة أنهكها إحساسها بالظلم ـ حتى لو لم يكن حقيقيا ـ ومعاناتهم  من التجاهل من قبل قياداتهم ـ حتى لو كانت معاناة مبالغ فيها ـ ولكن الأكيد أنهم ليسوا جزءا من تنظيم يستهدف النظام العام واسمه .

من هنا تنطلق الأسئلة المهمة التي تحمل في طياتها جزءا من الإجابة عليها ، هل أصبح رصيف مجلس البرلمان والحكومة الحل السحري لمشكلات هؤلاء المصريين من عاملين وعمال في مصالح الدولة وشركات القطاع العام و قطاع الأعمال و الشركات المخصخصة ، والباحثون عن حقوق يعتقدون بأحقيتهم فيها من شقة أو علاج ؟

والسؤال الآخر اللصيق بالسؤال السابق : أين الوزراء المسئولين عن هذه القضايا ؟ وأين المسئولين الآخرين المنوط بهم التعامل مع مثل هذه المشكلات و المطالب ؟ و لماذا تراجع إحساس هؤلاء الناس عن أن ما خلف رصيف البرلمان والحكومة بات عاجزا عن التعبير عنه أو تحقيق مصالحه ؟

المشكلة خطيرة ، والخطورة هنا ليست في نوعية مشكلات هؤلاء المعتصمين و التي تبدو في معظمها بسيطة وقابلة للحل ، ولكن الخطورة تكمن في أسلوب تعامل المسئولين عن هذه القضايا و المشكلات مع أصحاب هذه المطالب ، التعامل مع هذا التطور الأخير بقدر من الاستخفاف أو التهاون .

مرة أخرى لا أدعو هنا إلى حل أمني ، ولكن على كل مسئول أن يتحمل مسئوليته ليس بمنطق الانصياع للمطالب حتى لو كانت من غير حق ، ولكن بالتعامل بحرفية مع إدارة هذه المشكلات ، والأزمات التي يواجهها ، على كل مسئول أن يتحمل  هو حل المشكلات و المطالب التابعة له ، لا أن يصدرها إلى رصيف البرلمان والحكومة ، على كل مسئول أن يتحمل مسئولياته وأن يجمع ناسه وأن يدير أزماته لا أن يصدرها وندفع نحن جميعا الثمن .

القطن المصري

هبقلم   عبداللطيف المناوى

قررت لجنة الزراعة بمجلس الشعب تأجيل إجتماعها مساء أول أمس وذلك بعد أن وذلك بعد أن فؤجئ أحد أعضاء اللجنة بغياب رئيس ووكيلى اللجنة البرلمانية ليس هذا فقط ، بل فوجئ بعدم حضور أياً من النواب وانتظر النائب قليلاً ، ثم دخل نائب آخر الذى طالب بتأجيل الإجتماع والذى كان مخصصاً لمناقشة موضوع القطن المصرى لحين حضور وزير الزراعة وبقية الأعضاء .

انتهى الخبر ، ولن اتساءل ىنا مع المتسائلين عن سبب غياب النواب عن اللجنة ، فلم يعد ذلك محل إستغراب ، ولن اسأل مع المتسائلين عن عدم حضور وزير الزراعة ، فلم يعد ذلك أيضاً محل علامات إستفهام ، ولكن ما تساءلت عنه حقيقة هو من يهتم بالقطن المصرى ؟

القطن – الذى كان يسمى الذهب الابيض فيما مضى  ـ ليس مجرد محصول ، ولكنه جزء من تاريخ حياة هذا البلد . والقطن المصرى عندما يذكر فى أى مكان فى العالم ساعتها  لا يقفز إلى الأذهان إلا القيمة العالمية  و الجودة ،  و  فى تاريخ الإقتصاد المصرى فإنه المحصول الذى كان يعد العمود الفقرى للإقتصاد الزراعى القومى ، بل وساهم فى رسم الخريطة السكانية ونشأة العديد من المدن المصرية . وقد عاشت مصر زمناً اعتماداً على صادراتها من القطن ، و فى الماضى كان الكثير من اهل مصر يربطون الكثير من تطورات حياتهم بمواسم حصاد القطن ، وفى الخارج كانت هناك مصانع تصمم خصيصاً فى أوروبا لتتواءم مع مواصفات القطن المصرى.

اليوم ماذا حدث  للذهب الأبيض ؟ ولماذا يبدو مستقبله لا علاقة له بلونه ؟ وهل انتهى عصر القطن المصرى طويل التيلة ؟ وهل نقبل بهذا ونقف نتحسر على أيام كانت ؟ .

لست مع نظرية المؤامرة، ولست مع من يعتقدون أن هناك من يخطط لتدمير القطن المصري ، ولكني مع الرأى الذى يقول إن هناك مشكلات حقيقية تعانى منها زراعة القطن فى مصر ، وأن هناك استهانة بالتوجه الحادث من قبل كثير من الفلاحين لاستبدال زراعة القطن بزراعة محاصيل اخرى أكثر جاذبية اقتصادياً لهم كاللب والكانتلوب والفراولة ، وهناك سلوك يؤدى إلى وضع معوقات أمام زراعة القطن .أين تكمن المشكلة إذن  ، وكيف يمكن تجاوزها

مشكلة القطن المصري ـ أو مشاكله إن شئت الدقة ـ ليست فقط في عدم حضور وزير الزراعة ورئيس ووكيل اللجنة البرلمانية والنواب الجلسة المخصصة لمناقشته  ـ وهو مشكلة في حد ذاتها  يجب  السؤال عنها ـ ولكن في تراكم عدد من المشاكل على مر السنين الماضية وهو ما تؤكده الدراسات التي تطرح المشاكل واقتراحات بالحلول أيضا ، من هذه الدراسات ـ وهي كثيرة ـ دراسة من معهد القطن تقول إن الكساد الناتج عن الأزمة الاقتصادية ونقص السيولة أدى إلى انخفاض حركة تداول القطن على المستوى العالمى بنسبة تصل إلى 20% نظرا لانخفاض الطلب على القطن والانخفاض فى استهلاك القطن فى صناعة الغزل والنسيج بنسبة تصل إلى 10% وهى نسبة ضخمة ،  الدراسة قالت أيضا إن الإنتاج العالمى من القطن حوالى 26.5 مليون طن، انخفض هذا العام نتيجة الأزمة إلى 23 مليون طن ، و أشارت إلى أن مساهمة القطن المصرى فى السوق العالمى كانت حوالى 40% وصلت العام الماضي إلى 20%، مرجعة هذا التأثير السلبى للأزمة على القطن المصرى إلى عدة أسباب أهمها المنافسة الشرسة من الأقطان الأجنبية وخاصة القطن الأمريكى  والذي  يجد دعما بمليارات الدولارات من الحكومة الأمريكية والتى تشترى القطن من المزارعين بـ 180% من السعر العالمى، على عكس القطن المصرى الذى يفتقد إلى الدعم بعد أن رفعت الدولة يدها عنه، وهو ما أدى إلى إزاحة القطن الأمريكى للقطن المصرى من السوق العالمية، كما دخلت الصين والهند كمنافس لمصر أيضا فى هذا المجال.

الأمر لم يتوقف عند هذا الحد ، فقط كشفت الدراسة أنه فى السنوات التى كانت الدولة تضع يدها فيها على القطن فى الستينيات والسبعينيات وحتى أوائل التسعينيات كانت تنتج من 7 إلى 11 مليون قنطار وكان التصدير يتراوح بين 3 ملايين قنطار فى أقل السنوات ليصل إلى 8 ملايين قنطار، وكان استهلاك المغازل المحلية من 2.5 إلى 5 ملايين قنطار ولكن هذا العام تنتج مصر 2.1 مليون قنطارا فقط .

الدراسة قدمت عددا من النصائح أو الحلول  تبدأ بمجموعة من الاجراءات لإنقاذ القطن المصرى من الاندثار ، وهذه الإجراءات هى ضرورة العودة إلى نظام الدورة الزراعية ودعم الدولة للقطن المصرى وعودة الدولة إلى السيطرة على زراعة وتجارة وصناعة القطن وإنشاء صندوق موازنة لأسعار القطن المصرى يدخل كممول وداعم للقطن فى سنوات الأزمات.قبل كل ذلك فإن بداية الطريق أن يجد القطن من يبحث أزمته ، لا أن يغيب عنها نواباً ومسؤولين .

مصر ومجالها الإفريقي

بقلم   عبداللطيف المناوى

إذا ما سألت مسئولا ـ أي مسئول ـ عن ملف العلاقات الإفريقية ، هل قصرت مصر في تعاملها مع إفريقيا خلال العقود الأخيرة ؟ ، فإن الإجابة الدبلوماسية سوف تكون بالنفي القاطع، وأن علاقات مصر الإفريقية في أحسن مستوياتها، ويعيد التذكير بالمجالات بالمجالات السياسية الحيوية لمصر : العربية والإفريقية والإسلامية ودول عدم الانحياز ، لكن الحقيقية هي أن هذه الإجابة مجرد إجابة دبلوماسية لا تعكس الحقيقة التي تقول أننا بالفعل أهملنا الملف الإفريقي لفترة طويلة ، وجزء من الثمن الذي ندفعه الآن لإهمال هذا الملف هو ذلك الجدل والشد والجذب الحادث بين مصر ودول حوض النيل .

بدأت مصر منذ فترة الاهتمام الإيجابي  بملف دول حوض النيل ، وتبدى هذا واضحا من خلال اهتمام  مستويات عليا من المسئولين بالعلاقات بين مصر وهذه الدول ، وبدأنا نرى لأول مرة منذ فترة طويلة زيارات لمسئولين مصريين على مستوى رئيس الوزراء لهذه الدول ، وهو أمر إيجابي بالـتأكيد حتى لو كان متأخرا .

دول حوض النيل تمثل أهمية استراتيجية قصوى لمصر ، وهذا يضع على عاتق مصر أهمية التعامل مع هذه الدول بمنظور استراتيجي شامل ، وليس مجرد علاقات ثنائية ، وأن يكون أساس هذه العلاقات ربط  المصالح المشتركة لدول حوض النيل العشرب معنى تعظيم الاستفادة لكل الدول من مياه النيل ، وإقامة المشروعات التي تحقق هذه الاستفادة .

هذا يعني أن تخرج مصر من مجرد علاقات ثنائية كما ذكرت ، ومشاركة في مياه النيل واتفاقيات تنظمها إلى مفهوم أكثر شمولا ، يتضمن المجالات المختلفة وإيجاد آليات تعاون مع كل دولة على حدة ، وآليات تعاون بين دول الحوض مجتمعة .

المعوقات كثيرة في العلاقات المصرية مع دول حوض النيل : انخفاض التبادل التجاري ، عدم وجود خطوط ملاحية بحرية أو جوية منتظمة ، إلغاء بعض رحلات مصر للطيران إلى عدد من هذه الدول ، عدم وجود سكك حديد ، ارتفاع أسعار الشحن ، الأهم من ذلك عدم وجود إعلام كافي عن الحضور المصري في هذه الدول .صحيح أن مياه النيل وحقوق مصر هي أمر غير قابل للنقاش ، لكن تأكيده يتأتى عبر سياسة واعية ، تمكن من احتواء أية مشكلات وتبنى بشكل استراتيجي ، ولن يكون الحل بالشعارات الصارخة .

أين الحزب و حكومته؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

لي صديق اعتدنا أن نتحدث معا في الشأن العام ، ونتناقش حول ما نواجهه في مجتمعنا من أزمات ، وله رأي فيما يحدث ويتابع بشكل دائم ، ويقترح أحيانا كثيرة أفكارا للتعاطي معها إعلاميا اعتقادا منه أنني يمكن أن أتبنى هذه الأفكار المرتبطة بالشأن العام ، وأناقشها أو أطرحها إعلاميا ، وهذا حدث مرات كثيرة  ، ولأنه يعمل عملا خاصا فعادة ما نتحدث في هذه الموضوعات يوم الإجازة عندما نلتقي

على غير العادة اتصل بي ذلك الصديق وسط الأسبوع ، وهو ما دفعني للتساؤل  عن السبب الذي أخرجه من دائرة الاعتياد في اللقاء و الحديث في أوقات محددة ، وفاجأني بالسؤال عندما اتصلت به رادا لاتصاله ” ماذا يحدث ؟ أين هم ؟
أين رجال الحكومة ؟ وأين رجال الحزب الوطني ؟ ” استفسرت منه عما يقصد فاستطرد قائلا ” الكل يتحدث هذه الأيام ، والكل متواجد على الساحة الإعلامية والسياسية وفي الشارع ، قضايا عديدة تطرح ، و انتقادات كثيرة تثار  ، ولا نسمع من الحزب أو من حكومة الحزب من يخرج ليرد ويشفي غليلنا ” .

صديقي هذا ليس عضوا في أي حزب ، وبالتالي فهو  أيضا ليس عضوا في الحزب الوطني  ولكنه  مهموم بالشأن العام ، أو مريض بالهم العام كما البعض منا ـ وهم قليل ـ وعدت لسؤال الصديق : ” ماذا تقصد ؟ أنا أتابع في بعض الصحف و بعض الفضائيات  أعضاء من الحكومة والحزب يتحدثون في العديد من القضايا ” ، ليرد صديقي قائلا : ” أنت تعلم أنني متابع جيد لكل ما يذاع و ينشر من كل الاتجاهات ، ويمكن أن أؤكد لك أنه خلال الأسابيع الأخيرة فإن الحضور السياسي لقوى المعارضة ـ شرعية و غير شرعية ـ  موجودة بقوة على الساحة ، وأن أصوات الانتقادات ، والمطالبة  بحقوق حقيقية أو مطالب غير حقيقية تتعالى ، وأن قوى سياسية متعددة  نزلت إلى الشارع ، وتحاول أن تطرح نفسها وكأنها الحل وهذا حقها في أن تفعل ذلك ، ولكن مرة أخرى أسأل : أين رجال وقيادات الحزب والحكومة ؟ وأين أعضاء  الحزب ونوابه ؟ أم أنهم في إجازات أو مشغولين  بدوائرهم ؟ “

لم أمتلك إجابة أجيبه بها ، ولكن بعد تفكير لفترة وجيزة واستعادة لما دار من حوار وجدتني أسأل ذات الأسئلة .

شيخ الأزهر

لم يلق خبر تولي شخصية عامة منصبا من الترحيب كما لقي نبأ تعيين دكتور أحمد الطيب شيخا للأزهر ، رغم بعض الأصوات الصادرة من بعض الاتجاهات السياسية والتي انتقدت قرار توليه الإمامة الكبرى ، إلا أن هذه الأصوات اختفت وسط تيار الترحيب برجل يحمل من الصفات ما سمع الناس عنها ولمسها من اقترب منه ، والأمل في أن يعيد للازهر المكانة التي هي له بحكم التاريخ والمكانة والأثر في العالم .

شخصيا كنت من أشد المتحمسين للشيخ الطيب منذ أن كان مفتيا للديار المصرية ، كنت قد التقيته ذلك الوقت بمكتبه بدار الإفتاء ، واكتشفت ملامح شخصية المصري الحقيقي في د. الطيب ، ليس فقط ملامح  ” الطيبة ” على وجهه والتي هي تأكيد على أن لكل من اسمه نصيب ، ولكن أيضا لما امتلك من أركان تكوين لشخصية ضاربة في جذور مصر بثقافتها ، وتاريخها ، وتسامحها وتعددها ، لذلك ما كنت أتمناه عندما بدأ الحديث عن شيخ جديد للازهر ، أن تلقى المهمة على عاتق د. الطيب .

الدكتور أحمد الطيب شخصية متعددة الجوانب ، ويجمع بين صفات تبدو للوهلة الأولى متناقضة لكنها بشيء من الـتأمل تبدو متكاملة ، فهو يحمل صرامة الرجل الصعيدي القادم من الأقصر ، ويحمل استنارة وليونة الرجل المتحضر ، ولديه زهد المتصوفين الذين ينتمي إليهم .

بسيط من أسرة بسيطة ، لكنها متميزة من الناحية العلمية والاجتماعية لا من الناحية المادية ، فأجداده جميعهم تقريبا من العلماء، ويقول أنه اكتسب صفاته من جده الأكبر العالم الجليل الذي توفي عام 1956 عن عمر يناهز مئة عام ، وبلدته التي ينتمي إليها وهي القرنة بمحافظة الأقصر بجنوب مصر ، لا هي قرية ولا هي مدينة ، ولا هي خليط بين الاثنين لكنها تجمع كل تاريخ وحضارات مصر المتعاقبة منذ الفراعنة

إذن د. الطيب هو ابن الحضارة المصرية الضاربة في جذور التاريخ ، وهو ابن الثقافة المصرية الوسطية ، ووثيق الصلة بالصوفية التي بدأت من مصر ، وجذوره الفكرية هي الأصول الفكرية الصحيحة  للإسلام

فالواقع يقول إن الإمام الأكبر الجديد قد تم تعيينه ، وهو تعيين لقي قدرا ملحوظا ـ وقد يكون مفاجئا ـ من التقدير والاستحسان ، هذا بالطبع لا ينفي الحق في الاستمرار في طرح فكرة اختيار شيخ الأزهر بالانتخاب ، أو إيجاد أسلوب آخر للاختيار ، ولكن ذلك النقاش ينبغي ألا يكون منبت الصلة بالواقع المحيط ، أو بالظروف الحاكمة للمجتمع ، وبالتالي فإن النقاش ينبغي أن ينبني على دراسة الحالة ككل والوضع العام حتى يكون النقاش جديا وليس بغرض التشكيك .

وبالتالي فإن الحوار الذي أظن ان هذا وقته هو الحوار حول تأكيد مكانة الأزهر وشيخه في المؤسسة المصرية ، أعيد مرة اخرى ” المؤسسة المصرية ” بمفهوم التكوين المصري كله وليس السياسي ، وتأكيد هذه المكانة يبدأ بأسلوب التعامل مع الإمام الأكبر بين مؤسسات الدولة ، ومحددات تعامل الإمام الأكبر مع الإعلام ، والشكل العام لحضور الإمام الأكبر في المحافل الدولية والمشاركات .

أظن  ـ ويظن معي كثيرون ـ أن أولى خطوات تأكيد استعادة مكانة شيخ الأزهر هو التأكيد على أسلوب التعامل معه في مؤسسات الدولة بإكمال محددات هذه المكانة في قواعد التعامل وبروتوكولات الدولة ، فشيخ الأزهر يستقبل في المشيخة المسئولين ، ويتعامل باعتباره ممثلا للأزهر بما يعني هذا الاسم من مكانة ودلالة .

مكانة شيخ الأزهركمكانة البابا في الفاتيكان ، وعلى مؤسسات الدولة أن تضع ذلك في حسبانها ، وأن يتعامل الإمام الأكبرمن هذا المنطلق ، وأظنه ينبغي أن يكون جزءا من أي تمثيل مصري ولقاءات مصرية على المستوى الدولي .

إعلاميا فإنه ينبغي أن يكون للإمام الأكبر في كل مرة يظهر فيها إعلاميا أن يكون ظهورا محسوبأ ، وأن يكون بقدر الإمكان في قلعة الإسلام الأزهر، أما المشاركة في المحافل الدولية أيضا ينبغي أن تكون مشاركة يحكمها دائما مكانة الأزهر، حضور شيخ الأزهر في أي محفل يجب أن يكون حدثا كبيرا ، ونتمنى ونعتقد أن هذه الأمور جميعها حاضرة في ذهن الإمام الأكبر الذي يمكن أن يحقق ذلك باقتناعه به ، وبدعم من كل من ينبغي أن يدعم ذلك التوجه .

عفوا د.سيد مشعل

بقلم   عبداللطيف المناوى

عفوا د . سيد مشعل لا أتفق معك حين قررت ان تصطحب المدرسين الموقوفين من مدرسة الخلفاء الراشدين الاعدادية بحلوان – دائرتك الانتخابية –  والذهاب  بهم إلي مقر وزارة التربية والتعليم لترتب لهم لقاء مع د. احمد زكي بدر – زميلك في مجلس الوزراء – في محاولة لأن يتراجع عن قراره بنقل العاملين بالمدرسة إلى إدارة تعليمية أخرى لما وجده من تقصير وغياب للانضباط بالمدرسة – بغض النظر عن  مدى القرارات التأديبية التي اتخذها د . زكي بدر وهل هي مناسبة ام اقل من مناسبة أم اتسمت بالقسوة ـ  إلا أنها في النهاية قرارات صدرت من الوزير المسوؤل في مواجهة تسيب موظفين يعملون في منظومة التعليم المسوؤل عنها . وهو مسئول عنها ،  وكان يتوقع أن يجد دعما من مجلس الوزراء كله في قراراته في إطار المسؤولية التضامنية للوزارة ، لا أن يفاجأ بوزير زميل يقود هؤلاء الموظفين في حافلات – قيل انها تابعة لمصانع الإنتاج الحربي – إلى معقل الوزارة في شكل من أشكال الضغط حتى لو بدا الامر غير ذلك

و كما قالت الصحف التي تابعت هذا الحدث المهم فان الوزير بدر اجتمع بحوالي مائة من معلمي وإداريي المدرسة ، وتقدم المعلمون باعتذار لـ ” بدر ” عن المخالفات التي اكتشفها اثناء زيارته المفاجئة للمدرسة ، وأكدوا له أنهم نادمون علي ارتكابها . وتعاهدوا علي اصلاحها وتحويل مدرسة الخلفاء الراشدين الي واحة من أفضل المدارس بمصر ، وطلبوا منه ” الصفح ” و ” العفو ” عنهم ، ومنحهم فرصة أخرى لإصلاح أخطائهم ،  ورفع المعلمون لافتات علقوها داخل ديوان الوزارة وكتبوا عليها ” نؤيد ونبايع الدكتور احمد زكي بدر وزيرا للتربية والتعليم ”  ، ووصفوه بأنه قائد مسيرة تصحيح التعليم ، ويبدو  أن بدر وجد نفسه في مأزق فاتخذ موقفا وسطيا مابين التراجع عن قراراته والتمسك بها ، فأوضح أن اجتماعه بمعلمي المدرسة لا يعني التراجع عن قراراته الانضباطية وانما القصد منحهم فرصة لإعادة تصحيح أوضاع مدرستهم .

د.سيد مشعل وزير في ذات مجلس الوزراء الذي يشاركه فيه د . احمد زكي بدر ويتوقع كل وزير ان يجد السند من شريكه في المجلس ولكن النائب سيد مشعل استفاد من وضعه الوزاري وزمالة وزير التربية و التعليم لدفعه للتراجع عن قرارات رأي صاحبها أنها تحقق الانضباط ، وهو موقف اختلف فيه – و أظن معي كثيرون – مع الوزير النائب سيد مشعل

ثورة الحشاشين

بقلم   عبداللطيف المناوى

” اختفى الحشيش وارتفعت أسعاره ” ، هذا هو أحد الموضوعات  المهمة التي خصصت لها وسائل إعلامية متعددة فقرات للحديث عنها ، واهتم بها زملاء في وسائل إعلامية مختلفة بالمتابعة الدقيقة ، بتتبع تأثير الحملات الأمنية على الحشيش ، على ارتفاع أسعاره ، وأماكن تواجده ، بل و البدائل المتاحة .

هذا الاهتمام من قبل  بعض الزملاء من الإعلاميين يطرح تساؤلات حول أولوياتنا كأشخاص امتلكوا أدوات تمكنهم من التواصل مع الرأي العام ، وكيف نتعامل مع ما يمر بالمجتمع ، وفي هذا الموضوع تحديدا ـ موضوع الحشيش ـ هل من المقبول أن نتناول اختفاءه باعتباره أزمة جديدة ـ شبهها البعض بأزمة الخبز وأنابيب البوتاجاز ـ نندب فيها حظ ملايين المصريين الذين يتعاطون الحشيش ، ويعانون الآن من ارتفاع اسعاره ؟ هل يجوز أن نعتبر الحشيش سلعة استراتيجية ـ يتباكى البعض منا على اختفائها ؟

أنا هنا لا أنكر وجود الظاهرة ، ولا ضخامة عدد من يتعاطون الحشيش في مصر ـ والذي وصل فقا لتقديرات لجنة الصحة بمجلس الشعب إلى حوالي 7 مليون مصري 2% منهم من طلبة المدارس والجامعات ، و حجم الإنفاق عليه حوالي 8 مليارات جنيه ، أي حوالي 5% من إجمالي الدخل القومي لمصر، هذه حقائق مؤلمة ينبغي أن نتوقف أمامها ونناقشها، ونبحث عن طرق متعددة لمعالجتها ، بدلا من أن نقف ـ أو يقف البعض منا ـ متباكيا على اختفاء الحشيش وارتفاع ثمنه ، والوصول إلى حد التلميح بأن هذا إجراء مقصود به إخفاء الحشيش لفترة و العودة به بأسعارأعلى .

أيها السادة  ممن حزنوا لاختفاء الحشيش نحن نواجه مشكلة حقيقية في ارتفاع نسبة مدمني المخدرات بشكل عام ، تشير الدراسات إلى أن النسبة تقترب من 9 % ، ليس هذا فقط ، بل إن متوسط العمر انخفض من 24 سنة إلى أعلى من عشر سنوات بقليل ، هذا هو المحزن و الخطر الحقيقي الذي ينبغي أن تتضافر الجهود للبحث عن طرق للتعامل معه وتجاوزه .

عندما نقرأ خبرا عن جروبات شبابية على الفيس بوك تندد باختفاء الحشيش ، ويهدد فيها ممثلو المدمنين  بإسقاط النظام  ” إذا لم يعمل على إعادة الحشيش مرة أخرى إلى الأسواق ” وعندما نقرأ على تلك الصفحات شعارات مثل ” معا من إجل إعادة الحشيش ” ، وعندما يصل الأمر إلى المطالبة بوقفات احتجاجية للمتضررين من اختفاء الحشيش من إجل إعادته إلى الأسواق ، عندما نقرأ كل هذا فإن ابتسامة ترتسم فوق الشفاه من طرافة ما نقرأ ، ولكن ما أن نمعن فيه قليلا حتى تنقلب تلك الابتسامة إلى حالة قلق حقيقية على مصير أبنائنا وبلدنا .

جهود مشكورة من الأمن من أجل القضاء على تجارة الموت ، وهي جهود لن نسأل الآن لماذا لم تكن هكذا دائما ولكن نتمنى أن تستمر ، ورجاء لنا جميعا للتضافر من أجل أبنائنا .