البحث عن «رجل المستحيل»

1248010192 بقلم   عبداللطيف المناوى

تعريف «الغباء» هو: تكرار الفعل أكثر من مرة مع توقع نتيجة مختلفة.. وهذا هو أحد ما نواجهه من سلوك منذ استولت جماعة الحكام الجدد على مقاليد السلطة فى مصر، ليس منذ عدة أشهر فقط، ولكن منذ ساقت كل القوى الفاعلة فى تلك الفترة نحو تحقيق الهدف الخاص بها. والحقيقة أنه لا يمكن اتهامها باحتكار هذه الصفة وحدها، فقد شاركها فيها العديد من القوى السياسية التى تدَّعى امتلاك الشارع، فى الوقت الذى خرج فيه الشارع- أو معظمه- عن سيطرة أو تأثير أى من هذه الجماعات، معارضة أو حاكمة.

الجماعة الحاكمة ظلت منذ اللحظة الأولى تتبع أسلوباً واحداً ثبت مع الزمن أنه يحقق لها ما تهدف، هذا الأسلوب هو عدم إعطاء أى أهمية لأصوات المعارضة بأشكالها المختلفة، وعدم الاهتمام باتجاهات الرأى العام الحقيقية، لكن كان المهم لديها طوال تلك الفترة كسب المزيد من الأرض فى كل مرحلة، واتبعت أسلوب خلق الأزمة تلو الأزمة فى محاولة منها لشغل الأطراف الأخرى بالأزمات المتجددة بما يسمح للجماعة بالتقدم إلى الأمام وتحقيق مغنم جديد بينما الآخرون منهمكون فى التعامل مع الأزمة الجديدة التى خلقتها لهم الجماعة، ولنا فى حكاية الإعلان الدستورى، ثم عملية سلق الدستور، نموذج واضح على هذا السلوك. تكرارهذا الأسلوب نجح عدة مرات حتى الآن، وهو يثبت عكس ما ذكرت فى بداية المقال، ولكن السؤال هنا الآن: هل سوف تنجح الجماعة فى اتباع هذا الأسلوب طويلا فى الفترة المقبلة؟ أظن أن الإجابة هنا تكون بالنفى لسبب بسيط هو أن الشارع فى هذه المرحلة خرج عن طوع القوى السياسية كما ذكرت، بل خرج عن المنطق بعد أن تسببت الجماعة فى إحداث حالة شبيهة بحالات ما قبل الانفجار نتيجة السلوك الملتوى الذى نجحت فيه طوال الفترة الماضية، ويبدو أن عدداً كبيراً من الناس قد بدأ يضيق بذك الإحساس بالاستغفال الذى يمارَس عليهم.

الأسلوب الآخر الذى تمارسه الجماعة كلما واجهت أزمة هو الصراخ بصوت المظلوم، والتلويح بأوراق لا يعلمها سواهم، تتحدث عن مؤامرة لإسقاط الدولة، وأنهم بتوفيق من الله وإلهام لمندوبهم فى الرئاسة وتعاون من الشرفاء فى أجهزة أمن الجماعة قد تمكنوا من الكشف عن هذه المؤامرة التى تهدد أمن البلاد والعباد. هذه المؤامرة المزعومة هى تكرار لقصة المؤامرة التى تحدثوا عنها من قبل، وأكد مرسى أن لديه الوثائق واعترافات المتهمين وقت تطورات الاتحادية- التى تصاعدت وتوقفت فجأة دون أن أفهم السبب حتى الآن(!!)- وبعدها حدثت فضيحة مدوّية عندما خرج وكيل النائب العام ليخلى سبيل الجميع ويؤكد أن ما ذكره من يشغل منصب الرئيس غير صادق،على الرغم من ذلك خرج الموقع التابع لهم ليروى رواية طويلة عن مؤامرة اشترك فيها عدد من المعارضين خططوا فيها للإطاحة بـ«مرسى» وهم فى جلسة عشاء. وبالطبع ضحك الناس كثيراً على هذا الأسلوب الفقير للخيال ولكنه ضحك كالبكاء. ومن هزل وهزال القصة التى رووها اقترحت وقتها أن يستعينوا بخبرة الصديق نبيل فاروق لعله يستطيع أن ينقذهم بقصة مناسبة يكون بطلها «رجل المستحيل» القابع فى أحد القصور الرئاسية دون تحديد، حرصاً على سلامته.

لم يتعلموا من الخطأ، وها هم اليوم يخرجون مرة أخرى برواية عن مؤامرة للإطاحة بنظام الحكم وتدمير الدولة، اخترعوا هذه القصة وتحدث مندوبهم عن تمويل خارجى واستهداف للنظام، مرة أخرى يخترعون الكذبة ويحاولون تسويقها وإقناع البسطاء بها، ويبدو أنهم نسوا أو تناسوا ما حدث منذ أسابيع، أو أنهم واثقون هذه المرة من أن أحداً لن يجرؤ على كشفهم فى ظل الظروف المختلفة التى سيطروا فيها على مساحات واضحة من جهاز القضاء، وأسكتوا جزءاً آخر فى ظروف تبدو أيضاً غامضة.

الحيلة الأخرى التى تمارسها الجماعة ومندوبها ومرشدها هى الدعوة للحوار، تلك الدعوة الرومانسية العائلية الحميمة التى يدعون فيها أبناء هذا الوطن للحوار للعمل على إنقاذه، لكن بشروط، ليس للمجتمعين الحق فى مناقشة أى أمور جادة أو مصيرية أو تمس خطة التمكين أو تقتطع جزءاً من الغنيمة، لكن يمكن النقاش فى أمور أخرى مثل: هل يستخدم الإصبع الأيمن أو الأيسر أثناء إلقاء الخطاب؟ وهل يمكن ارتداء رابطة العنق بألوان محددة أم أن هذا خيار رئاسى؟ وهل الموت بضغط الدم للناس أفضل أم الموت قهراً بالإحباط واليأس؟

عاجزون عن الحلم

بقلم عبد اللطيف المناويUntitled1

أقسى الأمور التي يمكن أن يواجهها الإنسان، عندما يجد نفسه عاجزاً عن الحلم، وفاقد للمستقبل، وهي الحالة التي وصل إليها الشباب الآن بعد عامين من إزاحة النظام السابق.

هل وصل الشباب الذين خرجوا قبل عامين إلى الشوارع للتغيير إلى ما يحلمون به؟ هل هذه هي مصر التي حلموا بها، وأرادوا أن يغيروها إلى الأفضل؟ هل ما تعاني منه مصر الآن هو الأفضل.

أترك الإجابة للتقرير السنوي للمركز المصري لحقوق الإنسان، الذي صدر أخيراً تحت عنوان “مواطنون بلا حقوق بعد عامين من ثورة 25 يناير”، والذي وصل إلى نتيجة مفادها أن الأوضاع الآن أسوأ مما كانت عليه قبل عامين.

التقرير حاول الإجابة على تساؤل أساسي ألا وهو “هل حملت الأيام التي تلت ثورة الخامس والعشرين من يناير الديمقراطية المنشودة للشعب المصري، وهل تحققت شعارات الثورة وهي: “عيش..حرية..عدالة اجتماعية”، والإجابة التي وصل إليها أنه على الرغم من مرور عامين مازال الشعب المصري يلهث خلف رغيف الخبز ولقمة العيش في كل مكان وسط ارتفاع لمعدلات البطالة وانخفاض فرص العمل، ومازالت حرية الرأي والتعبير تعاني هي الأخرى، فقد ارتفعت معدلات القضايا المرفوعة ضد الصحفيين والإعلاميين بل وصل الأمر إلى محاصرة مقر مدينة الإنتاج الإعلامي واتهام الإعلام بالفاسد للاختلاف مع النظام الحاكم في الرأي، أما العدالة الاجتماعية فلم تشهد هي الأخرى أي تطور يذكر فقد ظلت في طي النسيان، مما يؤكد أنه لم يحدث أي تطور بعد الثورة سواء في منظومة الحقوق المدنية والسياسية أو الاقتصادية والاجتماعية.

إلى ماذا انتهى الحلم إذن؟ انتهى إلى استمرار ذات الانتهاكات والتجاوزات الموجودة قبل الخامس والعشرين من يناير، فهناك نحو (165) حالة نموذجية لتعذيب المواطنين داخل أقسام الشرطة من بينها (17) حالة وفاة هناك شكوك قوية حول أنها جاءت نتيجة التعذيب وسوء المعاملة، وما يزيد عن 2533 تظاهرة لتحتل المرحلة الأولي وتتفوق على مرحلة ما قبل الخامس والعشرين من يناير، مما يؤكد على أن الثورة لم تلب طموحات وآمال الشعب المصري حتى الآن وأنهم غير راضين بأي حال من الأحوال عن سير الحياة السياسية في البلاد، ونحو 356 واقعة انتهاك لحرية الرأي والتعبير والتي جاءت على سبيل المثال لا الحصر، حيث جاءت إساءة معاملة الصحفيين والإعلاميين والمدونين والاعتداء عليهم في المقدمة.

ما الذي لدينا اليوم في مصر وقد مر عامان منذ خرج من يحلم بالتغير؟ ما لدينا اليوم هو ذات المعادلة القديمة مع تغيير وضع أطراف المعادلة، من كانوا يحكمون اصبحوا في السجون أو المعارضة وتبادل معهم الموقع المعارضة الرئيسية منذ أكثر من ستين عاما المتمثلة في جماعات الاسلام السياسي بجماعته الرئيسية التي شغلت موقع الحكام الجدد مع الحفاظ على الآلية المعتادة لمعادلة الحكم. اختطفت هذه الجماعة حلم البسطاء من المصريين الذين اعتقدوا أن الشعار الذي ساروا خلفه هو أمل سوف يحققونه، فكانت النتيجة أن أختطفت الجماعة الشعار “الحرية والعدالة ” ليكون اسما لجناحها السياسي دون ان تنجح في ان تحقق ما حمله هذا الشعار.

ولست هنا في معرض المقارنة بين السياسات الحالية لنظام الإخوان والنظام السابق كما يحلو للبعض أن يفعل، لكن استمرار حالة الغضب في الشارع تكشف عن أن شيئاً مما خرج من أجله الشباب لم يتحقق، وأنهم يشعرون بالظلم والغبن، وأن ما تظاهروا لأجله ضاع من بين أيديهم، وأن المدينة الفاضلة التي حلموا بها ضاعت مع سيطرة الإخوان والانهيار الاقتصادي والسقوط في قبضة الديون الدولية وانهيار البنية التحتية وتفكك المؤسسات ومحاولة الجماعة فك فواصل الدولة للسيطرة عليها.

المشكلة الحقيقية هي ضياع الحلم، وضياع القدرة على الحلم، وربما تبدو محاولة استعادة القدرة على الحلم، أكثر صعوبة من الوصول إليه.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

قرود الحكمة

images بقلم   عبداللطيف المناوى

تقفز إلى الذهن صورة «قرود الحكمة» عندما نرى موقفا سلبيا لا مباليا، وهذا ما رأيناه ونراه من الحكام الجدد، فقد بدا وكأن الأمر لا يعنيهم، تسقط الضحية تلو الضحية فيقلبون الشفاه لا مبالين، تسد الصرخات والهتافات أنحاء البلاد فلا يسمعون، عشرات الآلاف فى كل ميدان من ميادين المدن فلا يرونهم وكأنما عميت أبصارهم. قرروا أن يمارسوا شكلا من أشكال العمى والصمم الاختيارى، لم أكن لأقول ما أقول لو لم يكن هذا الموقف شديد اللامبالاة من الجماعة الحاكمة وممثلها فى قصر الرئاسة من كل ما حدث ويحدث فى مصر خلال الأيام الأخيرة.

عشرات المصريين سقطوا ضحية هذا الكبر والعناد والإنكار، خرجوا مع مئات الآلاف ليقولوا إنهم يرفضون الاحتكار والإقصاء، خرجوا ليؤكدوا حقوقهم المتساوية والتى ينكرها عليهم الحكام الجدد بسبل وطرق ملتوية وادعاءات بأنهم وحدهم يمثلون الشعب ولا يبالون بهذه «القلة المندسة»، اختفى من ادعى أنه رئيس كل المصريين ولم يصدر له صوت وهو الذى اعتاد أن يخطب مرة كل يومين حسب بعض الإحصائيات.

بعد سقوط العشرات وإصابة المئات اجتمع مجلس الدفاع الوطنى برئاسة رئيسه وخرج ببيان مبهم قرأه أحد وزراء الجماعة مستخدما «الجيم» المعطشة، تحدث عن هيبة الدولة التى اهتزت وتجاهل الحديث عن الأسباب التى دعت الناس للخروج، تحدث عن الأزمة التى تمر بها البلاد ولم يعترف من هم سبب هذه الأزمة. وجه الدعوة مرة أخرى إلى أكذوبة الحوار الوطنى الذى يستخدم كوسيلة من النظام الحاكم لوأد الأفكار وإجهاض أى مطالبات جادة بتغيير الواقع الذى فرضوه.

هذا التعامل مع ما حدث ويحدث وهذا البيان الذى يعمق الأزمة ولا يحلها يخلق إحساساً عميقاً بالغضب والإحباط من الواقع الذى يريد الحكام الجدد فرضه علينا سواء رضينا أو لم نرض. والخطورة هنا هى تلك المحاولة لجمع عناصر ووسائل قوة الدولة ووضعها فى يد النظام فى مواجهة من يعترض ويعارض النظام، وأنا هنا أنقل قلقا حقيقيا لدى قطاع كبير من المصريين لما يرونه من محاولات مستميتة من بعض عناصر الحكم للدفع بالقوات المسلحة للتورط فى مواجهة الشعب تحت ستار هيبة الدولة واستعادة القانون وحماية الشرعية، هذا عنصر قلق حقيقى كما قلت لدى العديد من المصريين، والمطلوب الحذر والتأكيد العملى على الموقف الثابت للقوات المسلحة التى اختارت الخروج من ساحة العمل السياسى وانحيازها قولا وفعلا للحفاظ على الدولة بمفهومها العام والدفاع عن الشعب بكل عناصره.

قبل أن أواجه الاتهامات بأننى من الداعين للعنف أؤكد ــ كما أكدت دائما ــ أننى ضد أى شكل من أشكال العنف، وأجرم كل من يتسبب فى إسالة دماء مصرى لأى سبب كان، ولكننى هنا أتساءل كما يتساءل الكثيرون: لماذا الآن يرفض الحكام الجدد الأساليب التى كانوا سباقين فيها من قبل، ألم يحرقوا من قبل الأقسام ويقتحموا السجون؟

 ألم يشاركوا فى المظاهرات محملين بالحجارة والمولوتوف والخرطوش وادعى البعض وجود أسلحة حقيقية؟ ألم يمارسوا التهديد بحرق مصر وتفجير الأوضاع والمنشآت ما لم يحصلوا على ما ليس من حقهم؟ ألم يقودوا ويدفعوا الشباب إلى اقتحام المنشآت والمحاكم ومقار أمن الدولة سابقا لحرقها وإتلاف محتوياتها ورأوا فى ذلك سلوكا «ثوريا» محمودا يحققون به أهدافهم ليجلسوا هم وحدهم لا شريك لهم على كرسى الحكم؟ الآن يرفضون السلوك الذى كانوا سباقين فى انتهاجه ودفعوا الكثيرين لاكتشافه وممارسته.

لكن يبقى السؤال: من المسؤول عما وصلنا إليه؟ والإجابة قد تكون طويلة ومعقدة وتعود أصولها إلى عشرات السنين، لكن المسؤول المباشر الآن هو الجماعة الحاكمة التى تصر على احتكار السلطة واحتقار مطالب من لا تعتبرهم من حلفائها أو أهلها وعشيرتها والادعاء بأنها هى وحدها الشعب، أو على الأقل هى وحدها من تمثل الشعب. المسؤول هو ذلك السلوك المتجاهل والمتكبر على مطالب المصريين أو قطاع كبير منهم، والالتفاف على هذه المطالب لإجهاضها ودفنها.

منذ صغرى استوقفتنى تلك الصورة لقرود الحكمة الثلاثة وسعيت أن أفهم ماذا تعنى، وعرفت أن هذه القرود تمثل الحكمة «لا أرى، لا أسمع، لا أتكلم» أول هذه القرود يغطى عينيه ويرمز إلى مبدأ «لا أرى الشر»، والثانى يغطى أذنيه ويرمز إلى مبدأ «لا أسمع الشر»، والثالث يغطى فمه ويرمز إلى مبدأ «لا أتكلم الشر».

ويعتقد الكثير من العلماء أن القرود المنحوتة على أحد المزارات المشهورة فى اليابان تمثل مبدأ دينيا فى آسيا، أى أن هذا الفعل الذى يبدو سلبيا ليس كذلك، لكن الجماعة الحاكمة قررت أن تمارس سياستها بفهمها المغلوط للحكمة، فهى لا ترى ما فعلت أيديها وسياستها ولا تسمع مطالب الناس وغضبهم ولا تتكلم إلا ادعاء بأنها كل الشعب، وأحيانا ظل الله على الأرض.

النتيجة بعد عامين: ثلاثة أرغفة «عيش» وحزب

Photo0001بقلم   عبداللطيف المناوى

هل هذه مصر التى حلمنا بها؟

الذين خرجوا منذ عامين إلى شوارع مصر ولم يستطيعوا أن يروا فى ذلك الوقت إلا حلماً امتلكه كل منهم لصورة المجتمع الذى يعيش فيه، حتى إن ذلك الحلم أغشاهم فلم يستطيعوا أن يروا أولئك الذين استغلوهم فدفعوا بهم بشدة فى الاتجاه الذى يريدون ويحقق لهم أهدافهم هم لا أحلام الذين خرجوا، اليوم عندما يقف هؤلاء ينظرون حولهم ألا يشعرون بالخدعة التى راحوا ضحيتها؟

ما الذى لدينا اليوم فى مصر وقد مرّ عامان منذ خرج من يحلم بالتغيير؟ ما لدينا اليوم هو ذات المعادلة القديمة مع تغيير وضع أطراف المعادلة، من كانوا يحكمون أصبحوا فى السجون أو المعارضة، وتبادل معهم الموقع المعارضة الرئيسية منذ أكثر من ستين عاماً، المتمثلة فى جماعات الإسلام السياسى بجماعته الرئيسية التى شغلت موقع الحكام الجدد مع الحفاظ على الآلية المعتادة لمعادلة الحكم. اختطفت هذه الجماعة حلم البسطاء من المصريين الذين اعتقدوا أن الشعار الذى ساروا خلفه هو أمل سوف يحققونه، فكانت النتيجة أن اختطفت الجماعة الشعار ليكون اسماً لجناحها السياسى دون أن تنجح فى أن تحقق ما حمله هذا الشعار، انتهى الأمر اليوم، كما قال أحد الشباب الذين خرجوا منذ عامين خلف هذا الشعار، بأن الجماعة سرقت شعار «الحرية والعدالة الاجتماعية» وأطلقته اسماً على حزبها.

اليوم بعد عامين تأسس مفهوم الكذب كقيمة مقبولة ومعمول بها، فالحكام الجدد كذبوا منذ عصر اليوم الأول منذ عامين، ومارسوا هذه الرذيلة على مدار العامين. هذه الرذيلة باتت أسلوباً فى الحكم والعيش، النماذج هنا كثيرة منذ تمرير الإعلان الدستورى الأول إلى خداع الشباب عدة مرات، ثم المجلس العسكرى، ثم الالتزام بعدم الترشح إلا على ثلث أو نصف مجلس الشعب، ثم الالتزام بعدم الترشح على منصب الرئاسة، ثم الحديث عن «ناسا» والكذب والاتهام لنا بعدم الفهم. كل هذا قبل الجلوس على الكرسى، وبعد ذلك أصبح الكذب فضيلة يمارسونها، وأصبح الحكام يكذبون ولا يلتزمون هم أو ممثلهم فى قصر الرئاسة بأى وعد يعدون والشعب لا يصدقهم، وإن كان قد قبل الوضع الكاذب.

نجح الحكام الجدد فى القضاء على كل آمال الأمة والشعب فى غضون شهور من تولى الجماعة أمور الدولة والحكم، ولن يقف فى سبيلهم شىء، لأنهم سيحكمون قبضتهم على كل شىء، على جميع أجهزة الدولة التشريعية والتنفيذية ولن يسلم من قبضتهم نظام القضاء.

أما الاقتصاد فحدّث عنه ولا حرج: انهيار عملة، تدهور وتراجع الاحتياطى فى البنك المركزى، انهيار السياحة، تطفيش رجال الأعمال المصريين، تخويف غير المصريين، عدا جنسية واحدة بالطبع، هروب كل الاستثمارات الموجودة، أو محاولة هروبها، تكوين طبقة جديدة من رجال الأعمال (التجار الجدد) المنتمين للجماعة وحلفائهم وعشيرتهم، ممارسة الضغوط المباشرة وغير المباشرة لتكوين الثروات السهلة واستكمال عملية «التمكين» على مفاصل الدولة، الوصول بمصر إلى الوضع الذى تتعلق فيه بأمل الحصول على منحة أو وديعة، وأن يكون الإنجاز الاقتصادى الأكبر النجاح فى الاقتراض!!

من الخطأ الفادح أن يتصور البعض أن الحكام الجدد سيقدمون أى تنازلات لمصلحة الوطن على حساب الجماعة، لأن عقيدتهم لا تضع الوطن فى المحل الأول، فولاؤهم فوق وطنى، أو هكذا يعتقدون.

قال لى أحد الأصدقاء إن المشكلة الحقيقية أنهم قتلوا فينا القدرة على الحلم.

خرج الناس منذ عامين بأحلام كبيرة لم تواجه إلا الإجهاض، وخرجوا تحت شعار لم يبق منه سوى اسم «مختطف» للحزب الحاكم «حرية وعدالة»، وثلاثة أرغفة «عيش» حصة لكل مواطن، كما تنوى حكومة الحكام الجدد.

سؤال إلى الحكام الجدد: هل دفعتم الضرائب؟

بقلم عبد اللطيف المناويUntitled

تذكرت عندما كان صديقى المصرى الذى يعيش فى بريطانيا منذ سنوات طويلة يقول لى تعليقا على المرشحين للرئاسة قبل الانتخابات “هل قدم هؤلاء المرشحون أمام المواطنين والمجتمع ما يثبت أنهم دفعوا الضرائب؟ وهل دفعوها كاملة أم تهربوا من جزء منها؟ كنت أرد عليه ضاحكا بأنه لا يمكن الحكم على مجتمع بقوانين مجتمعات أخرّى، هم فى بريطانيا مروا بمراحل طويلة حتى وصلوا إلى تلك الثقافة التى تتعامل مع جريمة التهرب من الضرائب باعتبارها جريمة مخلة بالشرف. وقتها استحضرت أمامى صورة المحاسب الذى كان يجهد نفسه فى وضع ميزانيات خاسرة لمن يعمل معهم للتهرب من الضرائب. لكن الأيام تثبت صحة وجهة النظر التى تبناها صديقى من أن الالتزام بدفع الضرائب من عدمه هوأمر فاصل للحكم على من يتولى مسئولية، خاصة إذا كانت قيادة دولة، فمن يسرق حق الدولة والمجتمع وهو مواطن عادى، معارض أو مؤيد، لا يؤتمن على الوطن عندما يكون فى وضع الحاكم، خصوصا إذا ما ادعى أنه حاكم بأمر الله.

بعد وصول الجماعة إلى سدة الحكم فى مصر، وبعد أن أحكمت سيطرتها على مفاصل الدولة، يحق لنا أن نطالب بأن تتقدم هذه الجماعة  وقياداتها التى باتت هى قيادات البلاد -رغم أنف الجميع- بكشف حساب عما كان لديهم، ومن أين

لهم كل هذا، والأهم هل دفعوا الضرائب المفروضة عليهم أم لا؟.. لا أظن أنه يمكن الوثوق فيمن خان الأمانة فى السابق، ولا يمكن القول بأنهم كانوا معارضين للنظام، لأن الضرائب هى حق المجتمع لا حق النظام، وإلا سرى على معارضى هذه الأيام حق التهرب الضريبى، ويمكننا هنا إضافته كمادة فى دستورهم المعيب، الذى يجبروننا على أن نتجرعه.

سمعنا وقرأنا عن حكايات كثيرة ومتعددة بها وقائع ووثائق، وفيها بعض من خيالات، حول ثروة الجماعة كتنظيم محلى وكتنظيم دولى- وقياداتهم محليا ودوليا، ووصل الأمر إلى حد أن وضع البعض تقديرات تجاوزت الستين مليار دولار خصصها التنظيم الدولى للجماعة من أجل إسقاط مصر فى قبضتهم منذ منتصف التسعينيات. أيضا الحكايات

الكثيرة عن عمليات تهريب الذهب والآثار وغسيل الأموال التى تخصص فيها الصفوة من قيادات الجماعة فى الداخل والخارج، وحوكم العديد من قياداتهم بهذه الجرائم، وأدين بعضهم. أظن أن كل هذه التساؤلات والاتهامات -أوالحكايات- تحتاج إلى توضيح شافٍ للرأى العام، وتجاهل ذلك لن يعنى سوى شكل من أشكال التعالى على الشعب

وهو أمر مرفوض، وأيضًا اعتراف ضمنى بصحة هذه الاتهامات.

الأمر الآخر المهم هو موقف القيادات الفاعلة من الجماعة، خاصة أولئك الذين يطرحون أنفسهم باعتبارهم القيادات الحقيقية صاحبة القرار وصناعته فى الجماعة والدولة، يساعدهم فى ذلك قدراتهم الاقتصادية وأموالهم الضخمة بغرابة، والتى جمعوها فى ظل النظام السابق الذى كانوا يدّعون أنه يضيق عليهم، واليوم لا يكتفون فقط بالتأثير

فى قرار الجماعة، وبالتالى الدولة، لكنهم يستغلون وضعهم لتحقيق مكاسب اقتصادية خاصة بهم، والدليل على ذلك أن زيارة الوفود الأجنبية خاصة الاقتصادية منها لمن يشغل منصب رئيس الدولة باتت زيارة بروتوكولية فى حين الزيارة العملية والمؤثرة هى لآخرين داخل الجماعة وليس لهم منصب رسمى فى الدولة. وهنا قبل أن نطالبهم بالتوقف الفورى عن استغلال مواقعهم نريدهم أن يخرجوا علينا بالإجابة عن السؤال البسيط: من أين لكم هذا؟ إضافة إلى الإعلان عما دفعوه من ضرائب طوال سنوات عملهم، وما إذا كان قد تهرب من دفع ما عليه.

الاستهانة بالرأى العام هى الآفة التى وقع فيها من حكموا مصر طوال العقود الأخيرة، وهذه الاستهانة أكثر حضورا فى ظل الحكام الجدد، وعدم مواجهة الرأى العام باحترام لذكائه هى مقدمة السقوط القادم فى هذه الحالة لا محالة، وإن طال الوقت. لدى العقول الأكثر تحضرا يتم وضع ألف حساب للرأى العام من قبل المؤسسات الصغيرة أو الكبيرة أو الحكومات، وفى هذا الإطار وفى ظل حديثنا عن الضرائب أشير إلى موقف صغير، لكنه ذو دلالة؛

عندما وقف البريطانيون متظاهرين أما محلات القهوة الشهيرة “ستار بكس” التى انتشرت فى أنحاء بريطانيا منذ أربع عشرة سنة، تظاهروا أمامها وطالبوا بمقاطعتها، وبدأت المقاطعة بالفعل من قبل المواطن البسيط، لأنهم اكتشفوا أن سلسلة المقاهى الشهيرة لا تدفع الضرائب الصحيحة المفروضة عليها، واستجابت الشركة المالكة فورًا، والتزمت، واعتذرت.

مرة أخرى، الضرائب هى حق المجتمع، وإذا لم يكن الشخص أو الجماعة أمناء -من قبل- فى الحفاظ على حق المجتمع فهم غير جديرين بأن يكونوا جزءًا محترمًا منه، فما بالك إذا حكموه؟!

“هذا المقال نشر فى العدد الأول من مجلة 7 أيام”

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في 7 أيام

سياسة الالتفاف على المواقف الحقيقية «ولا زعل الحبيب»

 mursi-perezبقلم   عبداللطيف المناوى

ليس من العيب أن يراجع المرء مواقفه وأقواله وأفعاله، لكنه ينبغى أن يكون من الشجاعة بحيث يجاهر بما تراجع عنه معترفا بخطئه، داعيا الآخرين – خاصة لو كانوا أتباعا – إلى عدم الوقوع فيما اكتشف خطأه. مناسبة هذا الحديث هى إعلان شاغل منصب الرئيس المصرى تراجعه عن تصريحاته السابقة واعتبارها لا تعبر عن موقفه الحقيقى، وهذه التصريحات القديمة لها عمرها – ثلاث سنوات – أعلن حلفاء جماعته فى الإدارة الأمريكية غضبهم منها، وبالطبع وكما نقول نحن المصريين «كله إلا زعل الحبيب» أقصد الحلفاء، أقصد الأمريكان.

وتعود القصة كما تابعناها جميعا إلى عدة أيام مضت عندما أدانت الولايات المتحدة بشدة التصريحات المعادية لإسرائيل التى تضمنها شريط فيديو لـ«مرسى» يعود إلى عام ٢٠١٠ قبل انتخابه رئيسا للبلاد يصف فيه الإسرائيليين بـ«أبناء القردة والخنازير» ويدعو إلى اعتماد «كل أشكال المقاومة فى فلسطين ضد المجرمين الصهاينة». وقالت المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية فيكتوريا نولاند إن «اللغة التى سمعناها مسيئة للغاية.. ونعتقد أنه يجب أن يتم التراجع عن هذه التصريحات وبشكل حازم». .. أكاد أسمع نبرتها ترتفع مع حاجبيها وأصبع السبابة يتوعد. ولم تحتمل الجماعة وممثلها غضب «الحبيب» فأعلن مرسى بـ«شجاعة» أن التصريحات المنسوبة إليه «أذيعت مجتزأة من سياق تعليقه على العدوان الإسرائيلى على الفلسطينيين فى قطاع غزة»، وشدد على ضرورة وضع التصريحات فى السياق الذى قيلت فيه، ليس هذا فحسب بل أكد «التزامه بالاحترام الكامل للأديان وحرية الاعتقاد وممارسة الشعائر، خاصة الأديان السماوية» وذلك كما جاء فى بيان الرئاسة الذى صدر عقب لقائه مع وفد من الكونجرس الأمريكى برئاسة السيناتور الجمهورى جون ماكين.

«معهد الشرق الأوسط لأبحاث الإعلام» الذى يتخذ من واشنطن مقرا له، الذى كشف عن مقابلة مرسى مع قناة القدس قبل ثلاث سنوات، وجاءت فيها تصريحاته سبب الأزمة مع «الحبيب» – لم يعجبه ما قاله مرسى من أن تصريحاته أخرجت عن سياقها بما يشبه اتهاما للمعهد فنشروا له فيديو آخر يحمل نفس المعنى.

الزميل أسامة صابر لم يدخر وسعا هو الآخر فى كشف محاولات التملص والالتفاف على المواقف الحقيقية، فأشار فى مقال له فى صحيفة «البداية» إلى أنه «بالرجوع إلى أرشيف الدكتور مرسى نفسه قبلها بعام وجدنا أنه كرر هذه التصريحات فى مقال له نشر على الموقع الرسمى لجماعة الإخوان بتاريخ ١٠ يناير ٢٠٠٩ أى قبل مقطع الفيديو الذى أثار الأزمة بحوالى ١٠ أشهر».

وفيما يلى أجزاء من مقالته: يقول الدكتور مرسى:

«وعلى الشعوب أن تواصل غضبتها وتستمر فى رفضها هذا الإجرام الصهيونى الوحشى (…)، ونقول لهم – أى للفلسطينيين: نحن معكم، والله قبلنا معكم، ولن يَتِرَكم أعمالكم؛ فقد اصطفاكم الله لنصرة دينه والدفاع عن أقصاه، بل عن العروبة والإسلام ضد قطعان الصهاينة أحفاد القردة والخنازير».

«الأمر واضح، وأعتقد أنه سيكون سخيفاً إذا كرر الرئيس مرسى حجته السابقة بأن التصريح مقتطع من سياقه»، نحن نعلم جميعا أن ما نسب إليه لم يجتزأ من سياقه أو أنه تم تحميله أكثر مما يحتمل، ذلك أن هذه هى لغة الخطاب المألوفة لدى عدد كبير من رجال الدين وأعضاء الجماعات الإسلامية على تنوعها. أنا هنا أيضاً لا أناقش ما يحمله هذا الوصف من معنى، ولكنى هنا ببساطة أدعو صاحب هذا التصريح المتكرر لأن يكون من الشجاعة بحيث يعلن بشكل واضح أحد أمرين، إما موقفه وموقف جماعته وحلفائه الحقيقى أو اكتشافه خطأه طوال هذه السنوات، ليس هذا فحسب، بل إن عليه فى هذه الحالة أن يدعو أعضاء جماعته وحلفاءه وأهله وعشيرته لأن يتوقفوا هم أيضاً عن استخدام هذا الوصف الذى يستخدمونه فى كل مكان، هذا بالطبع إذا كان مقتنعا بتراجعه، وأختم بما قالته المتحدثة باسم الخارجية الأمريكية: «نحن لا نحكم على مرسى بما يقوله فحسب بل أيضا على ما يفعله».

هل بدأ الغرب يندم على دعم الإسلاميين؟

election_2389340b بقلم   عبداللطيف المناوى

النظام الإقليمى فى منطقة الشرق الأوسط ككل يتعرض لانهيار أو هو على حافة الانهيار.. إن حركات التمرد والثورات والحرائق السياسية والمواجهات المسلحة فى المنطقة تثير التساؤلات حول ما إذا كانت المنطقة تتأهب لإعادة رسم حدودها من جديد، الحدود السياسية وحدود القوة، أو أن العملية بدأت بالفعل. وكما سبق أن ذكرت فى المقال السابق فإن مستقبل المنطقة يتوقف بشكل كبير على نتيجة ما ستسفر عنه الحالة المصرية، فإن تمكن الإسلاميون من إحكام قبضتهم ليس على السلطة فقط، لكن على مفاصل وعقل الدولة والمجتمع، فإن ذلك سوف يكون إيذانا بسقوط المنطقة بالكامل، وإن تمكن صوت المدنية والعقل من أن يُوجِد لنفسه مكانا يضمن قدراً من التوازن فى المجتمع، حتى وإن لم يتمكن من الوصول للحكم حاليا، فإن ذلك يعطى بارقة أمل فى أن تتمكن المنطقة من إيجاد صيغة تحاول تجنب الانهيار، واللحاق بركب الحضارة.

الغرب الذى دعم الإسلاميين بوضوح للوصول للحكم بدأ إدراك الخطأ، ورغم التأييد الغربى الواضح لدفع الإسلاميين للإمساك بمقاليد السلطة فى منطقة الشرق الأوسط «الجديد» فإنه بدأت أصوات فى الغرب، خاصة فى مجال الإعلام، تدرك الخطأ الكبير الذى وقعت فيه حكوماتها بدعم الإسلاميين، وليس أدل على ذلك أكثر من السؤال الذى طُرح أثناء الحملات الانتخابية الأمريكية، والذى قال: «من الذى تسبب فى خسارة أمريكا لكل من تونس وليبيا ومصر؟»..

هذا التساؤل كان تعبيرا عن إحساس القلق من القرار الذى اختاره صانع السياسة الغربية والأمريكية. وأثبت الوضع الراهن فى المنطقة، الذى آخره ما يحدث فى سوريا، أن الحرب الأهلية فى سوريا ليست كما قالت وزيرة الخارجية الأمريكية السابقة كوندوليزا رايس «قد تكون الحرب الأهلية فى سوريا الفصل الأخير»، بل هى مجرد فصل جديد من تفكك الشرق الأوسط، وفى الوقت الذى تتنافس فيه القوى الإقليمية والقوى الكبرى فى إحراز النقاط على حساب جثث الأطفال السوريين، فإن الإسلاميين المتشددين والمنتمين فكريا وتنظيميا للقاعدة تتزايد سيطرتهم وتأثيرهم على الوضع هناك، وبسقوط سوريا تكتمل الحلقة، لكن بالشكل الذى سوف يدفع الغرب ثمنا غاليا له فى المستقبل.

من الواضح تماماً الآن أن الجماعات التى تتبنى الفهم الراديكالى للإسلام باتت تسيطر على أجزاء واضحة من الساحة السياسية، وبالتالى من العملية السياسية فى المنطقة، قد يقول قائل، ردا على ذلك، إن هذا الكلام يتناقض مع حقيقة رئيسية وهى أن الجماعة الحاكمة فى مصر مثلا محسوبة على الوسطية بين التيارات الإسلامية، بل ويصل الأمر ببعض هذه الجماعات إلى اتهام الجماعة بالضعف والتفريط، والرد على هذه الحقيقة بحقيقة أخرى هى أن هذه الجماعة تتسم بقدر مشهود له بالانتهازية، لذك فقد تمكنت من التعامل مع الغرب، وقدمت له كل ما أراد من ضمانات والتزامات كانت شرطا للدعم، وفى الوقت نفسه التزمت بتقديم مقابل لإسكات الجماعات الراديكالية التى تحالفت معها وتتفق معها فى مساحة معتبرة من القواعد الفكرية. لكن الحفاظ على هذا التوازن لن يمكن ضمانه كثيرا، هناك لحظة سوف تكون لحظة الاختبار بين حلفاء الداخل من هذه الجماعات وحلفائه فى الخارج.

عندما اختار الغرب دعم الإسلاميين كان ذلك انطلاقا من اعتقادهم أنهم بذلك يحمون مصالحهم، وكما يرى أحد المحللين السياسيين الروس ـ يدعى فيودور لوكيانوف ـ أن أحداث ما يسمى «الـربيع العربى»، تفتتح حقبة جديدة نوعيا. ذلك أن رغبة الشعوب الإسلامية فى التحرر تتخذ طابعا ديمقراطيا فى ظاهره، لكن قوى إسلامية متطرفة، تكمن خلف ذلك الستار الديمقراطى. ولا يستطيع المجتمع الدولى أن يتعامل مع هذه القوى، باستخدام أسلوب مكافحة الإرهاب. وكل ما يستطيع فعله هو: إما الاعتراف بحقها السياسى فى الصعود إلى سدة الحكم، أو شن حرب شاملة ضد تلك الدول، التى تنتعش فيها هذه المجموعات. من الواضح أن الغرب اختار الخيار الأول.

وفى محاولة منها لعدم فقدان زمام المبادرة، نرى الدول الغربية تساهم فى دعم الجماعات التى وصلت لسدة الحكم، لكن استراتيجية التعاون المشترك مع تطورات الأوضاع فى الدول التى نجحت فى الإطاحة بأنظمتها توحى بأن هذا الغرب يمكن أن يندم لاحقا. لأنه ليست هناك أى ضمانات بأن الأنظمة الصاعدة يمكن أن تنتهج سياسات عقلانية.

هل حقاً القيامة لم تقم تماماً؟

 IMG_0132بقلم   عبداللطيف المناوى

اختارت مجلة النيوزويك الأمريكية هذا العنوان ولكن دون أداة الاستفهام، وذلك فى إطار تقييمها لما هو حادث فى الشرق الأوسط الذى يشهد عملية إعادة تقسيم يتم فيها استغلال تيارات الإسلام السياسى كأداة لهذه الجراحة القاسية، بعلمهم والاتفاق معهم أو دون أن يعلموا، لكن الواقع هو أن هذه التيارات التى اتخذت من الدين غطاء لتنفيذ حلمها الأزلى منذ نشأتها بالقفز والسيطرة على الحكم تقوم بالدور المطلوب منها بامتياز، لا يهم فى ذلك الثمن الذى تدفعه الشعوب والأوطان مادام «التمكين» يسير وفق المستهدف.

المجلة الأمريكية تعتبر أن مصر مازالت النقطة المضيئة فى سماء الشرق الأوسط المظلمة، رغم كل المشاكل الضخمة التى تواجهها بعد سيطرة الإسلاميين، لأنها وحدها تملك الإمكانية لقيادة الدول العربية نحو مستقبل ديمقراطى تأتى فيه الحكومات وترحل دون أن تكون شرعية الدولة والأمة وحكامها الشرعيين محل شك. ما لم تقله المجلة صراحة أن قدرة مصر الحقيقية لا تكمن فى الجماعة الحاكمة لكنها تكمن فى الجزء الحى فى الشخصية المصرية الذى تكون عبر العصور والأديان التى مرت عليها وعاشت فيها وبها، والثقافات المختلفة التى مرت واستقرت فى هذه الأرض، مصر لم تكن يوما لجماعة حتى لو خضعت أو بدا أنها تخضع، فالكامن فيها هو تلك الطبقات التى تحدث عنها الدكتور ميلاد حنا، رحمه الله، عن تركيبة وتكوين الشخصية المصرية.

التحدى الحقيقى الذى يواجه الذين يؤمنون بما أؤمن به هو النجاح فى الحفاظ على جذوة هذا التكوين الأصيل للشخصية المصرية الحقيقية من الضياع. الأكيد أن العديد سوف يبيع أو باع بالفعل، والبعض الآخر يمر بمرحلة الفصال والخلاف على سعر بيع المواقف، لكن الأكيد أن هناك قلة سوف تستمر فى موقفها الأصيل والمقتنع بأهمية الحفاظ على مصر التى نعرفها ونريدها أن تكون، هؤلاء قلة الآن سوف يكونون كالقابضين على الجمر.

رغم التأييد الغربى الواضح لدفع الإسلاميين للإمساك بمقاليد السلطة فى منطقة الشرق الأوسط «الجديد» فإن السلوك الذى سلكه الإسلاميون لحظة تمكنهم من السلطة دفع بعض الأوساط الغربية للتوقف والتساؤل عن مدى صحة الموقف الذى اختاروه بدعمهم.

بعد تمكن الجماعة فى مصر من التسرب أو القفز على مؤسسة الرئاسة عبر ممثلهم الذى فاز تصوروا أن الانتخابات كانت لعبة قمار، من يفز فيها فإنه يفوز بكل شىء ولا حق لأحد آخر، وهكذا بدأوا عملية استيلاء على كل ما يستطيعون بمفهوم «الغنيمة»، التى لهم وحدهم حق اقتسامها، هذا الوضع الغريب من هذه الجماعة رأى العديد من الأصوات والجهات فى الغرب أنه موقف «زائد الجرأة» من هذه الجماعة وممثلها. وذلك بهجومهم على السلطة القضائية، وقبلها محاولات تقزيم دور الجيش. العالم يعترف الآن بقدرة الجماعة وممثلها فى الرئاسة على المراوغة، لكن فى الوقت نفسه يدركون أن أحد أهم عناصر قوتهم هو تلك الحالة المفجعة من الضعف والتشرذم التى تعانى منها القوى المدنية والليبرالية الأخرى المتواجدة فى الساحة.

بدأت أصوات فى الغرب، خاصة فى مجال الإعلام، تدرك الخطأ الكبير الذى وقعت فيه حكوماتها بدعم الإسلاميين.

مرة أخرى: هل قامت القيامة فى المنطقة أم ليس بعد؟ الإجابة عن السؤال تتوقف على ما سوف يحدث فى مصر، هل ستسلم مصر زمامها بلا قيد أو شرط لقوى الإسلام السياسى الذى يتجاوز مفهوم الوطن أم أن القابضين على الجمر سوف يتحملون ليستمر صوت مصر الحقيقية التى نريدها؟ الإجابة هى مفتاح المستقبل لكل المنطقة.

التجار حولوها إلى دولة «قروض»

بقلم   عبداللطيف المناوى

أصبح الإنجاز الأكبر الذى سوف يفاخر به حكام مصر الجدد هو النجاح – الذى لم يحدث بعد – فى الحصول على قرض من صندوق النقد الدولى، نعم والله، هذا هو الإنجاز الأكبر.. النجاح فى الاقتراض، ولزيادة الطين بلة فإنهم يروجون أن هذا النجاح إن تم فإنه سوف يفتح الباب أمام مصر لتتمكن من الحصول على قروض أخرى من دول ومؤسسات دولية. مصر التى غاب عنها لسنوات طويلة حديث القروض عاد على أيدى الذين قالوا إنهم أتوا بالخير لمصر، والحقيقة أنهم بدأوا مشوار تخريبها وتقزيمها، وصل الأمر إلى حد التساؤل عما إذا كانت مصر تخضع لهيمنة دويلة خليجية بسبب أزمتها الاقتصادية ليقف رئيس وزرائها لنفى أنهم يسعون للهيمنة على مصر، بل هم فقط يساعدونها. لم يقف الأمر عند القروض بل يتردد بقوة فى الأوساط السياسية والاقتصادية الدفع نحو رهن الأصول المصرية للحصول على قروض تمكنهم من الاستمرار فى الحكم حتى لا ينقلب الوضع فوق رؤوسهم.

ولا يخجل كبار المسؤولين من التفانى فى لعبة النفاق وخداع المواطنين، فيخرج أحدهم ليتحدث عن دلالة نجاح مصر فى الحصول على قرض صندوق النقد الدولى بأن هذا هو بمثابة شهادة ثقة لمصر أمام العالم. وعلى جانب آخر قام خلال الأسابيع الأخيرة وفد من اقتصاديين مصريين بصحبة بعض تجار الجماعة بجولة خليجية حاولوا فيها الحصول على قروض قيمتها حوالى سبعة مليارات دولار من أجل سد الاحتياجات الاجتماعية العاجلة، مسؤول مصرى كبير سابق وعلى دراية بأبعاد وأوضاع الاقتصاد المصرى قال لى تعليقاً على هذه المعلومات إنها لو صحت فإنها جريمة فى حق الوطن والأجيال المقبلة، وإنها ستكون سببا فى تركيع الاقتصاد المصرى وما يتبع ذلك من نتائج.

فى تقرير لجريدة «فاينانشيال تايمز» حول حصول مصر على قرض من صندوق النقد الدولى قالت إن الصندوق يريد من مصر خططاً واضحة حول تخفيض العجز عن طريق زيادة العائدات، وذلك من خلال تقليص الدعم على القطاع العام، بما فى ذلك دعم الطعام والوقود «كالغاز والبنزين والسولار». وأضافت أنه يجب على مصر أيضاً ضمان التمويل من مؤسسات الإقراض الأخرى كجزء من شروط القرض.

الصندوق يعتقد أن ارتفاع قيمة القرض المطلوب لمصر إنما يعكس مدى ضعف الاقتصاد المصرى الذى يعتبره المراقبون الاقتصاديون اقتصاداً مازال منكمشا ولا ينمو على الإطلاق.1797619844___-__-_____-______-___-_______-_____

دولة التجار التى تحكم لا تعرف كيف تدير دفة البلاد أو كيف تبنى اقتصاداً، بل هم فقط يعرفون كيف يستفيدون من نجاحهم فى عملية التمكين التى نجحوا فيها حتى الآن كى يترجموا هذا النجاح فى حجم تجارتهم الخاصة وانتشارها، واستخدام سيطرتهم على مفاصل الدولة للاستفادة القصوى فى بناء جسور خاصة مع دول جديدة وأسواق جديدة.

أنا هنا لا أقلل من مفهوم التجارة، لكن الأكيد أن هناك فارقاً بين إدارة محال مانيفاتورة وإدارة اقتصاد دولة، وعقلية التاجر الذى عندما يفلس يبحث فى دفاتره القديمة أو يبحث عن مصدر لتوفير النقد بسرعة، وهذا قد يفسر أيضاً اللجوء إلى الصكوك التى وصفوها بأنها «إسلامية» و«سيادية»، وهى الصكوك التى رفضها مجمع البحوث الإسلامية، مؤكدا أن مشروع القانون يتضمن مخاطر كبيرة تهدد سيادة الوطن ومن بينها أنه يعطى الأجانب حق التملك فى أرض مصر. وأوضح أن كل شىء فى مصر طبقاً لمشروع القانون قابل للبيع، مشيرا إلى أن كلمة «سيادية» فى القانون تعنى أنه لا يجوز الاعتراض عليها وفقا لأى قانون آخر.

وأكد أعضاء بالمجمع عقب الجلسة أن القانون يحتوى على مخاطر كثيرة على سيادة الشعب وأرض الوطن، وكل شىء فيه حتى نهر النيل، لأن حقيقة سيادة الدولة أو سيادة رئيس الدولة هى تفويض من الشعب للحفاظ على حقوقه فيها وليس تعريضها للخطر، وأن أصول الدولة وأراضيها ليست ملكا لهذا الجيل فقط، وإنما هى ملك أيضا للأجيال المقبلة، مشددين على أن سبب ضياع فلسطين هو السماح ببيع أراضيها جزءا جزءا حتى استولى عليها اليهود.

التفاصيل الخاصة بموضوع الصكوك كثيرة، ولكن ما يهمنى فيها هنا هو الإشارة إلى أسلوب إدارة الدولة بالأسلوب الذى سوف ينزلق بها إلى ما لا أجرؤ على تخيله سواء اقتصاديا أو سياسيا أو أمناً قومياً أو تخوفاً من تخل وبيع لأصول الوطن.