خطيئة تدمير تليفزيون الدولة (2)

بقلم عبد اللطيف المناوي

لو تخيلنا أننا استيقظنا يوما فلم نجد مبنى ماسبيرو العريق قائماً مكانه، بل اختفى بمن فيه. أستطيع أن أؤكد أن هذه الصورة يمكن أن تمثل قدراً كبيراً من الارتياح لدى أطراف عديدة مسؤولة وشعبية. وهنا تكمن المشكلة كما سبق أن ذكرت، فهذا المبنى ليس عبئاً، ولكنه أصل من أصول الدولة، يواجه مشكلات ينبغى حلها، وأهم مشكلاته هى الإحساس السلبى تجاهه الذى أشرت إليه.

أذكر أنه كان قد مرّ حوالى العام على تحملى المسؤولية فى تليفزيون الدولة فى ذلك الوقت، وكان هناك خبر صغير عن نقل تمثال رمسيس من موقعه فى الميدان الذى يسمى باسمه إلى موقعه الجديد فى المتحف المصرى الكبير، وقررت وقتها اختبار مدى قدرة المبنى على التعامل مع حدث يمكن أن يكون كبيراً، ويمكن أن يكون مجرد حدث صغير وقع فى ليل، فقررنا وقتها أن يتم تحويل عملية نقل التمثال من الميدان إلى مقره الجديد إلى احتفالية مصرية، يراقب فيها المصريون التحرك الأخير لملك مصر عندما يمر من شوارعها، وكأنه يتفقد أحوالها قبل أن يصل إلى موقعه الأخير.

لم يكن المشروع فى ذلك الوقت يبدو سهلاً، لكن كل من يتذكر الحدث يذكر كيف سهر الكثيرون ليعايشوا حركة الملك من لحظة تحركه حتى وصوله، فى ليلة لم ينَم فيها كثير من المصريين.

ما أردت قوله فى هذه القصة أن عملية النقل التليفزيونى هذه تمت بكاملها من خلال العاملين فى تليفزيون الدولة، وبإمكانيات ماسبيرو، عبر عشرات نقاط البث وعشرات العربات، ومئات العاملين، فى قدرة عالية على التنسيق وتقديم ما يُبهر المشاهدين. وهذا يعنى أن هذا المكان يمتلك من المقومات ما لا تمتلكه أى مؤسسات أخرى، مهما أثير حولها من ضجة أو دعاية، وأن هذا المبنى يمتلك من العناصر البشرية من يستطيع أن ينجح وأن يقدم عملاً ناجحاً.

هذا النموذج الصغير نخرج منه إلى نماذج أخرى أكثر اتساعاً عندما ننظر إلى كل (أعنى كل) المؤسسات الإعلامية الأخرى الناجحة مصرياً وعربياً، فمن قام بها هم هؤلاء.

هذه شهادة حق ينبغى أن توضع لذلك المكان الذى أعتبره جوهرة التاج للإعلام المصرى حتى لو غطاها الكثير من تراب الإهمال وغبار تجاهل حل المشكلات، وينبغى العمل على حل مشكلاته.

لقد كانت لى تجربة مع هذا المكان، وانتهت، وتجاوزتها، وهذه التجربة أكدت لى كل ما سبق أن أشرت إليه من إيمان بإمكانية إعادة إيقاظ ما ظللت أسميه دائمًا «هذا الديناصور النائم»، والذى إن استيقظ فإنه سيستطيع أن يملأ مكانه، وأن يتحول إلى إحدى أهم أدوات الدولة فى هذه المرحلة، والبداية هى الإيمان بكل ما ذكرت.

وثبت خلال الأعوام الماضية أنه ليست هناك وسيلة أخرى قادرة على أن تحل محل تليفزيون الدولة، جربنا القطاع الخاص (إعلام رجال الأعمال)، وثبت أنه فى اللحظات الحاسمة لا يكون إعلام دولة بمفهومه العام، ولكنه إعلام مال خاص يتناول موضوعات عامة من موقعه، وأخشى تكرار خطأ الاعتقاد بأن هناك كيانات أخرى قادرة على أن تزيح تليفزيون الدولة وإعلام الدولة، وتحل محله.

وعندما أدعو هنا إلى دعم إعلام الدولة فإننى لا أنفى ولا أصادر حقوق أطراف المجتمع الأخرى الأساسية، من رجال أعمال ومؤسسات من حقها أن تكون لها وسائلها الإعلامية، ولكن الجريمة هنا إذا ساد الشعور بالارتياح والانتصار إذا ما تخيل أحدهم اختفاء مبنى ماسبيرو بمن فيه.

Advertisements

فى غرق مركب رشيد.. نلوم من؟

بقلم عبد اللطيف المناوي

كارثة غرق المصريين ستوقفنا هذه المرة عن الاستمرار فى تناول موضوع إعلام الدولة، فغرق أكثر من 150 مصرياً هو خبر صادم ويشيع مناخاً من الحزن والأسى والتشاؤم.

الحل الأسهل- وهو صحيح نسبياًـ هو توجيه الاتهام إلى هؤلاء الهاربين بدعوى عدم وجود عمل، فيدفع كل متهم 40 ألف جنيه ليسافر أو ليهرب، فى حين يردد البعض على صفحات السوشيال ميديا أن مصر استقبلت لاجئين من سوريا والعراق واليمن ووجدوا فرص عمل فى مصر.

كما قلت قد يكون توجيه هذه الاتهام صحيحاً، ولكن يظل الطرف الآخر من هذه الصورة صحيحاً أيضاً، وهو: هل يعلم أى من هؤلاء أن هناك فرص عمل موجودة فى مصر؟ وهل تواجدت البرامج التى توزع أو تدرب أو تستمع بالقرب من هؤلاء أو فى محيطهم على الأقل؟ وهل هناك من تحدث مع هذه المجتمعات الفقيرة والساعية إلى الغنى السريع، أو إلى الهجرة إلى بلاد أوروبا، وهل تحدث معهم أحد بلغتهم ومن خلال وسائلهم، ليبين لهم مخاطر هذا الفعل، ويشرح لهم البديل؟

100_0757-1.jpg

صحيح قد يكون هؤلاء أخطأوا، ولكن يظل السؤال، وأسئلة أخرى كثيرة، هو كيف استقبلت الدولة والمجتمع والإعلام هذا الحادث؟

لو قارنا عدد هؤلاء الذين راحوا ضحية الحادث، متعدد الاتجاهات، بحوادث أخرى، وكيف كان رد الفعل، لتبين لنا أن استقبالنا هذا الحادث أقل كثيراً مما يستحق.

فى اليومين الأولين تعاملت وسائل الإعلام جميعها- لا أستثنى منها أحداً- مع الحادث باعتباره غرقاً لمركب يغرق مثله كل يوم، حتى بدأت الصورة تتضح تدريجياً، وتظهر معالمها وملامحها، ولم نجد طوال الأيام الأولى أى رد فعل حقيقى جاد من المسؤولين الذين يتولون هذا الملف.

فمنذ فجر الأربعاء حتى ظهر أمس السبت لم يصدر أى بيان من الدولة ككيان، أو الحكومة، بل ولم يحدث اجتماع حتى بين وزيرين، أو مجموعة وزارية لمناقشة حدث، واتخاذ الإجراءات المناسبة لمحاسبة المسؤول، والإعلان والحديث عن الأمر للرأى العام. لم يحدث هذا إلا بعد أن عاد الرئيس من أمريكا، ودعا لاجتماع فى الرئاسة لمناقشة ما حدث، بعدها دب النشاط المتأخر فى جسد الدولة التى لم تتحرك طوال أيام.

أما الإعلام فيبدو أنه كان منتظراً لأن يصعد عداد الغرقى ويتجاوز المائة فقيد، حتى تهتم وسائل الإعلام المختلفة بشكل صحيح بهذه المسألة.

أحد الأسئلة المطروحة المهمة هو: كيف يمكن لـ400 شخص أن يتجمعوا على ساحل حدودى ليستقلوا مركباً بشكل غير شرعى، وبالتنسيق مع عصابات متعددة المراكز فى دول مختلفة، فيتجمع هؤلاء ويتم التنسيق لسفرهم، ويغادروا تلك النقطة الحدودية ليخرجوا إلى عرض البحر فى عملية احتاجت بالتأكيد أياماً، إن لم يكن أسابيع، لترتيبها، كيف يمكن أن يحدث ذلك دون أن يكون هناك جرس إنذار لدى أى من الجهات المسؤولة التى وظيفتها أن تؤمّن هذا البلد؟

خطيئة تدمير تليفزيون الدولة

بقلم عبد اللطيف المناوي

قرارى بالكتابة اليوم عن موضوع إعلام الدولة، وعلى رأسه التليفزيون الذى يطلق عليه اسم «ماسبيرو»، ليس مرتبطاً بالخطأ الذى وقع منذ يومين، عندما أُذيع بالخطأ حوار تليفزيونى قديم، فأقام الدنيا ولم يقعدها، ودفع ثمن الخطأ فى رد فعل عصبى ومتوتر مسؤولون وموظفون. قرارى بالكتابة فى هذا الموضوع كان منذ أيام مع تلك «الهوجة» الممزوجة بالكثير من الشائعات وادعاء المعرفة والأصوات الخافتة التى تتحدث عن «دخول» أو «استهداف» أو «السيطرة» أو «توجيه» الإعلام.

p1010061.jpg

كل تعبير من هذه التعبيرات يرتبط بالموقف من الدولة أو من وسائل الإعلام الجديدة التى احتلت مساحات الحديث فى المقاهى والفنادق وأوساط الإعلاميين وبعض المسؤولين، وكوبرى أكتوبر والمحور.

ساعتها عاد يراودنى السؤال الذى لم أتوقف عن طرحه منذ سنوات: وماذا عن إعلام الدولة؟ أنا ممن لديهم الكثير من الملاحظات على كل ما حدث ويحدث وسيحدث فى مسألة إدارة ملف الإعلام داخلياً وخارجياً، وظللت أحاول حتى الآن بلا جدوى لطرح الأسئلة الجادة حول هذا الملف وإدارته. وفى هذا الإطار كان دائماً السؤال: ماذا الدولة فاعلة بما تملك؟ لم تكن هناك أبداً إجابة واعية بأهمية ما تملك، بل كانت الإشارات دائماً شديدة السلبية تجاه إعلام الدولة.

المشكلة الأساسية هنا هى غياب التقدير الصحيح من الدولة لأهمية ما تمتلك من وسائل. الدولة فى موضوع التليفزيون الرسمى على سبيل المثال، بل أيضاً المؤسسات القومية، تتعامل معها باعتبارها عبئاً ومشكلة لو تخلصت منها لارتاحت، وبدا حال المسؤولين الذين تولوا هذا الملف فى محاولات لحله، وكأنهم يتعاملون مع تليفزيون الدولة باعتباره مشكلة، قد يكون الحل لها هو التخلص منها، بل من التليفزيون نفسه.

لم ينظر أحد أبداً إلى هذا الكيان باعتباره أصلاً من أصول الدولة، يعانى مشكلات يجب حلها، والهدف الرئيسى يكون بالحفاظ على هذا الأصل. لم ينظر أحد أبداً إلى هذا الكيان باعتباره أداة معطلة بسبب مشكلات على مر عقود، ويجب أن يُبذل الجهد لإزالة هذه المشكلات لتتحرر الأداة المهمة من المعوقات، فتنطلق دعماً لدولة فى مرحلة من المراحل الخطيرة فى وجودها، ودولة تواجه من التحديات ما لم تواجهه من قبل، فهذه مرحلة تحتاج فيها الدولة إلى كل الأدوات حتى تلك الأدوات التى تواجه مشكلة.

وليس الحل أبداً فى أن نستيقظ ذات يوم فنجد أن هذا الجزء من إعلام الدولة قد اختفت معه المشاكل الناجمة عنه، فهذا ليس إلا شكلاً من أشكال الانتحار الذاتى.

نعم.. تمر مؤسسة إعلام الدولة بأزمات حقيقية، ليس من فيها فقط هم السبب فيها، ولكن لأنه على مدار سنوات ظل التعامل معها بأسلوب غير مهنى وغير حرفى غير حريص على أن تستمر، وهذا هو السبب الأساسى الذى أدى إلى تلك النتيجة.

قد يكون سلوكاً صحيحاً أن تتخذ قراراً ضد شخص مخطئ، ولكن هناك ارتباطا شرطيا بصحة هذا القرار، والشرط هنا أن تكون هناك مؤسسة مهنية صحيحة.

معركة الدولة فى المرحلة القادمة يجب أن تكون فى إطار دعم ما تمتلك من قدرات وأدوات، وليس فى إطار قتل وسحق هذه الأدوات، والاعتقاد الخاطئ بإمكانية وجود بدائل سريعة.

هذا الكيان عمره طويل، وتأثيره كان كبيراً، ومازال يؤثر من خلال من خرجوا منه ويعملون فى أماكن أخرى، واللوم فى أى تجاوز أو أى مشكلة لا يقع فقط على عاتق العاملين فيه، ولكن يقع بالأساس على من يمتلك، ومن يمتلك هنا هو الدولة.

للحديث بقية حول هذا الموضوع، ولكن قبل أن أنهى هذا المقال أذكر أننى عندما توليت دوراً داخل هذه المؤسسة، عندما شكا لى أحد العاملين من أنه نُقل من موقعه إلى موقع آخر لأنه غير مؤهل للقيام بدوره فيه، ذكرت له وقتها أننى لو كنت مكانك لرفعت قضية على الدولة لأنها تسببت فى تلك الحالة من التخلف المهنى، أو عدم القدرة على القيام بالدور المنوط به، لأن معظم من يدخل هذا المكان يدخله وهو مفعم بالنشاط بما امتلك من علم تعلمه، وعلى مر السنوات ينتهى به الحال موظفاً غير مهنى، لأن الدولة لم تهتم بتدريبه وتطويره والارتقاء به مهنياً، فقضت على أحلامه وقضت على مستقبله.

هذه الحالة ليست موجودة فى مؤسسة واحدة فقط، ولكنها حالة متكررة فى مؤسسات الدولة، والعلاج يحتاج إلى قرارات أهم سماتها شجاعة الاعتراف بالمسؤولية، وبقيمة ما نمتلكه من أصول.

حرب الفراولة

بقلم عبد اللطيف المناوي

البداية كانت مع الفراولة، عندما نُشرت أخبار تفيد بأن هيئة الغذاء والدواء الأمريكية «FDA» أوقفت شراء واستهلاك الفراولة المصرية لعدم صلاحيتها للاستهلاك، وللاشتباه فى تسببها فى الإصابة بفيروس A.

وتلا ذلك نشر قائمة نُسبت إلى «FDA» تضم أطعمة ومنتجات غذائية تقول إنها غير صالحة للاستهلاك الآدمى، فيها العديد من أنواع الأجبان، والتى تعتبر أحد العناصر الأساسية فى وجبات الكثير من المصريين، وكذلك أنواع أخرى من الخضروات المجمدة والمجففة.

عبد اللطيف المناوي

قائمة طويلة، إذا قرأها أى مواطن مصرى سيتحسس معدته، ويشعر بالقلق الشديد على نفسه وعلى أسرته، لأنه عاش طوال الفترة الماضية يتناول هذه الأطعمة. رد الفعل كان متعدداً، فهناك من صور الحالة وكأن الدولة تنهار والفساد يستشرى فى كل مكان، وهناك من تحدث عن مؤامرة إخوانية لإفساد فرحة العيد على أهل مصر وتصعيد حالة الغضب ضد الحكومة، وخرجت مجموعة أخرى تتحدث عن مؤامرة دولية لإسقاط مصر، وكما قال أحدهم فإن «هذا تدبير شيطانى يستهدف تدمير الاقتصاد وفقدان الثقة فى الإنتاج»، وهناك من تحدث عن أن هذه القائمة من عام 2005 و2009، ولكنه تجاهل تماماً أن إعادة النشر لنفس القائمة من ذات المؤسسة مع إضافة مواد جديدة يعنى أن المنع عمره سنوات وليس أشهراً، وأنه مستمر.

الملاحظ أن ردود الفعل جميعها كانت انفعالية، وفيها قدر عال من العصبية والعصبية المضادة، والبعض تعامل باستسهال شديد مع القضية.

وكنت أعتقد أن رد الفعل الطبيعى هو خروج تصريحات رسمية من مسؤولين (بالمفهوم الوظيفى واللفظى للمسؤولية) ليتحدثوا عن تلك القضية، ولكى يعترفوا أو يصححوا، يعترفوا إن كانت هناك مشكلة قائمة، ويتحدثوا عن كيف وما الإجراءات التى اتخذت وستُتخذ للتعامل وإصلاح هذا الوضع، خاصة إذا كان عمرها سنوات فى بعض الأمور، ويوضحوا ما إذا كانت هذه الأخبار غير حقيقية، ويردوا بالأدلة العلمية على كل ما تردد أو أثير، ويخرجوا ليطمئنوا الجمهور (المواطنين)، أصحاب الحق الأصيل فى المعرفة وفى التفسير.

قد يكون هذا الموضوع مؤامرة، كما يقول البعض، وقد يكون حقيقة، والفيصل هنا هو التعامل بجدية مع الأمر. وقد يكون أحد العناصر الغائبة هنا فى التعامل مع قضايانا هو ذلك اللفظ البسيط: (الجدية).

في النقاش الفقهى حول أكل لحم الحمير

بقلم عبد اللطيف المناوي

لم يمر عيد الأضحى دون أن نسمع الجدل المعتاد كل عام حول أكل لحم الحمير، وذبح بعض فاسدى الضمائر حميراً وبيعها فى استغلال لإقبال الناس على شراء لحوم من جهة، وارتفاع أسعار لحوم الأضاحى من جهة أخرى.

لكن الصدمة، هذه المرة، كانت فى إعداد بعض الصحف ملفات كاملة عن هذا الموضوع، وتخصيص مانشيتات الصفحات الأولى لهذا الأمر، والصدمة الأكبر أن الأمر تجاوز هذه المرة مسألة الحديث عن الأضرار الصحية لهذه اللحوم، وتحذير المواطنين، وتعريفهم بطرق تجنب شراء لحم الحمير، وخراب ذمم بعض الجزارين، للحديث والجدل حول مدى تحريم هذا النوع من اللحوم، وكأنه لو حللت فتوى أكل لحوم الحمير فسيكون من حق المواطن أن يتوجه إلى جزار ويقول له: «أعطنى كيلو لحم حمير واتوصى».

فى الأعوام الماضية، كان الجدل يكثر حول من هم بلا ضمير، الذين ينشطون فى عمليات الغش، وفى عمليات ذبح الحمير وبيعها، وكان هذا الأمر منتشراً أساساً فى المحال التى تبيع الأطعمة الجاهزة، والمحال المنتشرة فى معظم شوارع مصر (محال الكباب والكفتة).

وهذه التجاوزات وهذه القضايا كانت موجودة بشكل مستمر، ولكن خلال الفترة الأخيرة، ونتيجة الأزمة الاقتصادية، (التى نتمنى أن ترى حلاً خلال الفترة المقبلة)، والأزمة الأخلاقية (التى يبدو كل يوم أنه يصعب وجود حل لها)، فإن هذه الظاهرة باتت أكثر انتشاراً، وتجاوبت مواقع التواصل الاجتماعى مع الأمر فى إطار الهزار والسخرية، وكان من أشهر المقولات التى انتشرت أن كل مواطن أكل حماراً كاملاً على الأقل، وذلك لصعوبة التمييز بين لحوم الحمير واللحوم الأخرى، كما صرح مسؤول بوزارة الزراعة.

ووقتها خرجت بعض المصادر المنسوبة لوزارة الصحة، والتى أرادت التخفيف من حدة قلق المصريين من هذه المسألة، فصدمتهم من حيث لا تدرى، عندما قالت إن لحوم الحمير لا تضر، وغير صحيح ما يتردد عن وفاة من يأكلها.

أما الباحثون عن الشهرة فقد خرجوا بتصريحات من خبراء فى مجالات الصحة، تتحدث عن أهمية أكل لحم الحمير، وتوظيفه فى سد الفجوة الغذائية، وزاد أحدهم بالقول إن لحوم الحمير تحتوى على نسبة كبيرة من مادة ذات اسم علمى لا أذكره، وهو ما يعطيها طعماً مسكراً، وأن أليافها ناعمة، وهو ما يجعل لحمها طرياً ومستساغاً.

وازدادت الكارثة، أو الصدمة، عندما دخل على الخط بعض الفتاوى التى تتحدث عن حرمانية أو جواز أكل لحم الحمير، وانشغل الشيوخ وأهل الفتوى بالرد على بعضهم البعض، وثار الجدل الفقهى حول جواز أكل الحمير بالمطلق أو اضطراراً.

هذه صورة تبدو خفيفة، ولكنها تعكس حالة من حالات الخلل الذى يعيشه المجتمع المصرى، وعلى الرغم من أن هذه إحدى القضايا الحياتية، لكن الجدل حولها تحول إلى ضرب من الخفة، فغاب صوت العقل طوال الفترة الماضية.

ما يغيب فى هذا الجدل أن الأمر برمته شكل من أشكال الفساد الصغير، فساد فى بيع اللحوم، فساد فى الذمم، فساد فى الإدارة والنقاش، وقبل كل ذلك فساد للمعدة.

لماذا نكرههم؟.. لماذا يكرهوننا؟

بقلم عبد اللطيف المناوي

أمس الأول مرت الذكرى الخامسة عشرة على أحداث 11 سبتمبر، والتى قلبت العالم رأساً على عقب، ولاتزال توابعها مستمرة. فإذا كان الكثيرون قالوا إن العالم بعد 11 سبتمبر يختلف عن العالم قبل 11 سبتمبر، فالأكيد أيضاً أن الإرهاب بعد 11 سبتمبر يختلف عن الإرهاب قبل اصطدام الطائرات ببرجى التجارة الأمريكيين.

Abdul-Latif-Al-Minawi

طور مفهوم العنف عند الجماعات المتشددة، خلال السنوات الماضية، وتم تصدير مفهوم أكثر قسوة وأكثر راديكالية، فجميعنا يذكر موجة العنف فى أواخر القرن الماضى، وليس بعيداً عن الذاكرة عمليات القتل والترويع التى حدثت فى التسعينيات، فى عدد من الدول العربية، واعتمدت على أحكام قتل المدنيين فى الشريعة الإسلامية ومنها مصر، والفتوى التى اعتمدت عليها الجماعة الإسلامية فى الجزائر لقتل المدنيين، وهى «قتل الذرية والنسوان» المنسوبة إلى الجهادى أبى قتادة. وعلى الرغم من منسوب العنف الذى وصلت إليه الجماعات فى تلك الفترة، إلا أن الجماعات الجهادية الجديدة استطاعت أن تتجاوز ذلك، وتطور نفسها على أكثر من مستوى، لتقدم مفهوماً جديداً للعنف الجهادى.

التطور الأول، هو تطور دور هذه الجماعات من القيام بعمليات تستهدف نقاطاً محددة، أو أشخاصاً أو مؤسسات، إلى الرغبة فى إنشاء دولة، وهو تطور مهم جداً ربما تبدو بذوره موجودة فى سيطرة فكرة الخلافة على جميع أفراد الجماعات الراديكالية، وهو ما استطاعت الجماعات الجهادية الجديدة تنفيذه، أو تنفيذ جزء منه، من خلال السيطرة على مساحات كبيرة من دول موجودة بالفعل لتقيم ركائز دولتها الوهمية، ومؤسساتها، وساعد فى ذلك حالات التفرقة، والتشظى، الموجودة فى المجتمعات الإسلامية والعربية، ودخلت فيها مصالح سياسية لدول وجماعات.

وتجاوز الأمر ذلك، لأن أصبح لهذه الجماعات عدد من المؤيدين، فى أجزاء من المناطق التى يسيطرون عليها، عندما فرض الجهاديون أنفسهم باعتبارهم مخلصين للمجتمعات من الكفر، ويحملون مفاتيح الجنة، فى ظل غياب تام للدول الأصلية.

التطور الآخر المهم، فى الاتجاه لتصدير العنف، وعدم الاكتفاء بتواجده فى الحدود العربية والإسلامية، ليشمل كل دول العالم، فلم يعد هناك مجتمع أو دولة محصنة من وصول أذرع جماعات العنف بشكلها الجديد، عبر ما يعرف باسم «الذئاب المنفردة»، فضلاً عن استغلال هذه الجماعات لوسائل التواصل الاجتماعى فى تجنيد جهاديين جدد فى مختلف دول العالم، يتم استخدامهم فى إحداث موجة مستمرة من العنف فى دول العالم المختلفة.

الإشكالية هنا أن معظم الدول العربية، أو الدول التى يشكل المسلمون فيها أغلبية، انشغلت بالصراع الطائفى، والخلاف المذهبى، بدلاً من الانشغال بمحاولة حصار هذه الأفكار وهذه التطورات، بل إن الأمور تجاوزت هذا، إلى استخدام البعض لهذه الجماعات فى تحقيق أهداف سياسية ضيقة الأفق.

لذلك يظل السؤال القديم: «لماذا يكرهوننا؟» حاضراً، وهو السؤال الذى طرحه الأمريكيون، قبل 16 عاماً، وعقب أحداث 11 سبتمبر، حول الجماعات المتشددة والتكفيرية، والقاعدة مثالاً، والعرب من خلفهم، لكنه يحضر هذه المرة معكوساً، فى ظل انتشار الإسلاموفوبيا فى الغرب، لنسأله نحن، بل يكون حاضراً بقوة فى الانتخابات الأمريكية بعد ما أثاره المرشح الرئاسى دونالد ترامب، لكن يجب علينا هذه المرة أن نضيف إليه سؤالاً آخر: وإذا كانوا يكرهوننا، فمن المسؤول؟

مفاجأة الحكومة المتكررة

بقلم عبد اللطيف المناوي

قد تكون الصفحة الأولى لهذه الصحيفة، والصحف الأخرى الصادرة، صباح اليوم، تحمل أنباء تعيين عدد من المسؤولين الجدد، قد تحمل أنباء تعيين 5 أو 6 محافظين جدد، وقد تحمل اسم وزير، أو عدد من الوزراء الذين يشملهم تعديل وزارى أعلن عنه منذ فترة، وخرجت التسريبات بعشرات الأسماء الراحلة والمعينة، دون تأكيد من مسؤول أو نفى من آخر.

هذه الحالة من حالات المفاجأة الدائمة فى اختيار أسماء الوزراء والمحافظين، وعدد الراحلين من الحكومة وعدد الداخلين فيها، تستمر كل فترة، حتى ساعات قليلة، قبل حلف المحافظين أو المسؤولين اليمين الدستورية أمام الرئيس، وفى كل مرة، وعلى مدار أسابيع ممتدة، تستمر التسريبات والمصادر الحكومية التى تؤكد، والمصادر المسؤولة التى تسرب، والمصادر المطلعة التى تقول، والمصادر التى تنفى، ثم تكون المفاجأة بأسماء أخرى غير التى تم التحدث عنها، وتأكيد توليها المسؤولية.

ما تفعله الصحافة أو وسائل الإعلام فى كل مرة، هو أن تنسب لمسؤولين، حتى مستوى رئيس الوزارة، أن هناك فعلاً ما سيتم، بتعيين أو رحيل شخص ما، لكن ما يحدث دائماً على أرض الواقع يأخذ شكلاً من أشكال مفاجأة المواطنين، وكأن الحكومة تفضل دائماً أن تفاجئ المواطنين، كمن يحمل هدايا أعياد الميلاد.

قد يكون عنصر التكتم جيداً فى بعض الاختيارات، وهو مطلوب فى أوقات محددة، وقد تكون بعض الأمور فى حاجة إلى قدر عال من السرية، ولكنها محدودة، ولكن الأكيد أن محافظة بلا محافظ لمدة خمسة أشهر، وليست أى محافظة، ولكنها العاصمة المصرية، وسط حديث عن تغيير محافظين مرتقب منذ حوالى 5 أشهر أيضاً، يطرح العديد من علامات التساؤل.

فطوال الخمسة أشهر الماضية، هناك تكهنات، وهناك أخبار تتردد عن اختيار محافظ القاهرة، ثم عن اختياره ضمن حركة تغيير محافظين، ثم عن قرب إجراء تغيير وزارى بالتعاون مع حركة المحافظين، ثم عشرات الأسماء المرشحة، التى تستند فيها وسائل الإعلام إلى مصادرها الموثوقة، والمطلعة، وتمر الأيام ويظل الوضع كما هو عليه، ولا يتجاوز أخبار أن قريباً تصدر حركة المحافظين، وكأن أحداً لا يعلم من المسؤول القادم، ولا متى سيأتى.

هذه العادة ليست جديدة فى إدارة العمل التنفيذى فى مصر، ولكن كان هناك أمل ـ ضمن آمال متعددة ـ أن يكون هناك تغيير حقيقى، على الأقل فى هذه المنطقة، لأنه ليس مفهوماً أن تظل هذه الموضوعات فى إطار السرية والتكتم، وليس مفهوماً أن يكون السبب الذى يُقدم أنه لا يوجد مرشحون لهذه المناصب.

وليس مفهوماً أيضاً أن يصدر تصريح مبهم لرئيس مجلس الوزراء، قبل القَسَم بساعة أو أقل، يتحدث فيه عن أن هناك مسؤولين سيؤدون اليمين، دون أن يعلم الرأى العام من هؤلاء، ولماذا أتى من أتى، ولماذا خرج من خرج.

إحدى أولويات العمل التنفيذى والسياسى هو الفهم والمعرفة، وحق الرأى العام فى المعرفة هو حق أصيل، ينبغى أن يُوضع دائماً فى الاعتبار، فبهذا نستطيع أن نخطو جميعاً ـ معاً ـ للأمام.

«الشعب والحكومة إيد واحدة».. ممكن؟!

بقلم عبد اللطيف المناوي

فى ظل الأوضاع الجديدة اقتصادياً بدخول صندوق النقد الدولى، ومع الانعكاسات أو التطورات التى يمكن أن تصاحب هذا الوضع الجديد فى مجالات الأسعار، أو القدرة على التحكم فى السوق أو سياسياً واجتماعياً، وبالتالى على مدى صحة وقوة علاقة الناس بحكومتهم، فإن الحاجة هنا تزداد لإيجاد سبل وطرق يمكن بها تحقيق المصالحة بين المواطن وحكومته، بشكل أدق، تحاول الحكومة من جانبها مصالحة المواطن والتقليل من إحساسه بضغوط الواقع مع التغيرات التى تطرأ عليه.

عبد اللطيف المناوي

قد يكون الطريق طويلاً لتحقيق ما نصبو إليه كأمة، لكن الإيجابى أننا بدأنا هذا الطريق بالفعل، وفى الاتجاه الصحيح حتى لو كانت السرعة أقل نسبياً مما نأمل. لن تكون هناك عصا سحرية لحل مشكلاتنا التى تراكمت عبر عشرات السنين، ولن يتمكن الناس فجأة من الإحساس بأن أمورهم باتت متيسرة، الطريق طويل ولكن يحتاج إلى مناطق مضيئة ليشعر المواطنون بأن التغيير قادم وأن الأمل حقيقى.

ماذا يمكن أن تفعل الحكومة- أية حكومة- لكى يرضى عنها الناس، خاصة فى الوضع الذى نمر به الآن؟. الأزمة تكون عندما يكون العيب فى الحكومة وليس من الشعب، عندما تكون متطلبات الناس ممكنة وتعجز عنها الإدارة، أو عندما تفشل الحكومة فى أن تحوز رضا الناس فى أمور تبدو ممكنة حتى فى ظل الصعوبات الاقتصادية.

بتطبيق ما فات على أوضاعنا المصرية، يمكن القول إن الأزمة الحقيقية فى العلاقة بين الحكومة والناس تتمثل فى لغة الخطاب من الحكومة إلى شعبها، وتتمثل فى قدرة الحكومة على جذب الانتباه إلى ما تفعل من إيجابيات، وعندما تغرق نفسها فى أخطاء صغيرة تفسد ما تفعله من إنجاز، الخطأ الآخر الذى تقع فيه الحكومة هو عندما لا تركز على وسائل إرضاء المواطن البسيطة والممكنة، وهى وسائل لو استطاعت أن تضع يدها عليها لتمكنت من أن تكسب المواطن معها مشاركاً ودائماً لها فى مواقع الإنجاز الأخرى بدلاً من الوقوف موقف المناوئ الناقد لها.

يبدأ هذا الأسلوب بتحديد مناطق تعامل المواطن مع الحكومة، تلك المناطق التى يكون فيها احتكاك مباشر بين الطرفين عادة ما يتسبب فى حالة من الغضب لدى المواطن، لا يكون فى كل الأحوال غضب من الاحتكاك فى موضوع بعينه، بل هى مناسبة لإعلان الغضب بصوت عالٍ من أمور أخرى وجدت منفذاً من حالة الاحتكاك التى أعتقد أنها جديرة باهتمام الحكومة منذ الآن.

هذه الحالات من تعامل المواطن مع المصالح الحكومية التى أتحدث عنها يمكن الإشارة إلى بعضها ابتداء من الميلاد وحتى الوفاة، ويمكن تحديد بعضها بسرعة عندما نبدأ بمكتب الصحة الذى تخرج منه شهادة الميلاد، إلى المستشفى الذى يعالج فيه الطفل إلى إدارات التعليم التى يتعامل معها الأهالى، إلى مكاتب الضرائب وأقسام الشرطة وإدارات المرور، ومكاتب الجوازات والسجل المدنى، وغيرها من المصالح الحكومية أو المتصلة بالحكومة التى يتعامل معها المواطن فى حياته كلها حتى يصل مرة أخرى إلى مكتب الصحة الذى يستخرج منه شهادة الوفاة. وقبل أن نحدد المطلوب دعونا نغمض أعيننا للحظة ونتخيل حجم معاناة المواطن فى كل ما ذكرت من أماكن، وغيرها مما لم أذكر، وأترك لكم تصور ما يحدث وما يلقاه المواطن من معاناة، لكن فى المقابل تخيلوا معى لو قررت الحكومة، كخطوة استباقية، أن تبدأ فى «مصالحة» المواطن، أن تبدأ فى خلق جو من الثقة بينها وبين المواطن، أن تبدأ بإصلاح أحوال هذه الأماكن، وقررت أن تيسر على المواطن فى كل هذه النقاط- نقاط التماس المباشرة لها مع الجمهور- فى حياته، وأن يجد موظفاً مبتسماً ومكتباً نظيفاً، وإنهاء سريعاً لإجراءاته وأوراقه المطلوبة.

تخيلوا معى لو شعر المواطن بأن الحكومة وضعت نصب عينها- وعرف ذلك وشعر به- أن تجعل حياته فى «مناطق الاحتكاك والتنكيد» أسهل وأيسر، تخيلوا معى ماذا يمكن أن يكون شعور المواطن فى هذه الحالة تجاه حكومته؟ لا أقول إن هذا يحل المشكلة، ولا أقول إن الحكومة بذلك تكون قد حلت مشكلتها مع الناس، ولكنها بداية لكى يشعر الناس بأن الحكومة بحق معنية بمعاناتهم، والتالى لذلك أن يشعر المواطن بأن الحكومة حكومته، وأن مشكلاتها هى مشكلاته، وأن إنجازاتها هى إنجازاته، وأن التحديات التى تواجه البلد هى مسؤولية الجميع، إن أحسنوا.