العفو والإفراج لهم والدهشة نصيبنا

بقلم   عبداللطيف المناوى

يبدو أننا فقدنا القدرة على الدهشة تجاه ما نراه يحدث فى مصر يوماً بعد الآخر، وآخر هذه الأحداث هو استمرار مسلسل خروج قيادات الجماعات الإسلامية التى أدينت خلال العقود الأخيرة بممارسة الإرهاب وقتل المدنيين، وذلك بقرار الإفراج عن واحد من أهم قياداتها وأمرائها وهو مصطفى حمزة المتهم الأول بالتخطيط لاغتيال الرئيس السابق فى أديس أبابا، وهى القضية التى حُكم عليه فيها بالإعدام، إضافة إلى قضايا أخرى سبقت إدانته، ولا أظن القارئ بحاجة إلى التذكير بموقف وموقع مصطفى حمزة الفكرى والتنظيمى وإن كنت أنصح بقراءته، فقط أذكّر بأن العديد من زملائه ورفاقه أكدوا فى أحاديثهم ومذكراتهم واعترافاتهم أنه المخطط الرئيسى لمحاولة اغتيال الرئيس السابق، وبدوره فى عملية قتل السياح بالأقصر عام ١٩٩٧، وبالتالى فلا مجال هنا للحديث عن عدم توفر معلومات أو عن تلفيق قضايا من شياطين أمن الدولة.

ويأتى هذا القرار، ومن قبله الإفراج عن القيادى الآخر الذى خرج حراً طليقاً هو الآخر رفاعى طه، ويأتى هذا متسقا مع السلوك الذى سنته القيادة العسكرية منذ تولت «إدارة» البلاد بأسابيع، ومن خلفها تديرها الجماعة المتحكمة وقتها فيها، ثم بعد ذلك قرارات العفو الرئاسى التى صدرت كقرارات أولى للرئيس الذى رشحته الجماعة، ونجح بعد أن أصبحت الجماعة الحاكمة. وهكذا عشنا فى مصر إلى اليوم الذى نرى فيه من أدين يخرج طليقاً ليعيش أهل من ماتوا على أيديهم أو بسبب فتاواهم فى حسرة ما بعدها حسرة.

من الأمور التى لم تصبنى بالدهشة أيضا تلك المطالبة التى تقدم بها قيادات الجماعة الإسلامية إلى السلطات المصرية، وإلى الخارجية المصرية، للتدخل لدى السلطات الإثيوبية للإفراج عن أعضاء الجماعة الذين حوكموا فى إثيوبيا، وصدرت ضدهم أحكام بالإدانة فى محاولة اغتيال الرئيس السابق، ولن أستغرب إذا ما حدث وتحركت حكومة ودولة «الجماعة» لتنفيذ هذا المطلب الذى يناقض كل منطق فى العالم. الفعل الإرهابى لا يوصف سوى بأنه «فعل إرهابى»، ومحاولة الاغتيال والقتل هى عمل إرهابى إجرامى لا تتغير صفته بتغير النظام، ولكنه يتغير الآن فى مصر، ولم تصبنا الدهشة.

لا أظن أن من يعرف مواقفى السابقة من قضايا الجماعات الإسلامية بشكل عام، خاصة الجماعة الإسلامية، سوف يتشكك فى موقفى، خاصة أصدقاء لى من بين قيادات الجماعة نمت علاقتنا على مر السنين التى تابعت فيها تطورهم الفكرى وإسهاماتهم المهمة التى سميت بمبادرة وقف العنف للجماعة الإسلامية، ومن بعدها جماعة الجهاد.

 بدأ شعورى بالقلق عندما أطاح زملاء ورفقاء طريق بأسلوب افتقر للنبل بقيادات وصفت بأنها القيادات التاريخية، وأقصد هنا الإطاحة بكرم زهدى وناجح إبراهيم، فقد كانا من قاد بحق الجماعة لتلك المبادرة المهمة لوقف العنف، وعندما أطيح بهما عرفت أن هناك طريقاً جديداً يختلف عما التزموا به من قبل مما قرر القادة الجدد سلوكه، وهذا يتطلب من هذه الجماعات الآن أن تحدد موقفها مما سبق أن أعلنته عن نبذ العنف، وهذا حق المجتمع. لقد كنت أحد الذين صدقوا ما طرحوه وساهمت فى تقديم هذه المبادرة للرأى العام، لذلك أرى أن من حقى أن أطالبهم بذلك، خاصة بعد التبدل فى مواقفهم من قضايا عدة، تناقض ما سبق أن صرحوا به من قبل، وقد سجلت شخصيا تليفزيونيا مع كل هذه القيادات السابقة والحالية دون ضغوط من أى نوع عشرات الساعات التى لم تذع حتى الآن تحدثوا فيها عن مواقفهم من قضايا عدة وجد بعضهم اليوم يتخلى عما سبق أن التزموا به.

 الجماعة الآن مطالبة بتقديم موقف واضح من كل ما سبق أن التزمت به، وهكذا الجماعات الأخرى. ولن نتحدث اليوم عن الجماعة الحاكمة التى لا تعرف حتى الآن مصدر شرعيتها، سوى شرعية الأمر الواقع الذى علينا أن نتجرعه.

على الرغم من هذا التوجه بالإفراج والعفو الرئاسى عن المتورطين والمدانين بأعمال إرهابية، وعلى الرغم من أنه لا الرئيس ولا حكومة الجماعة الحاكمة أو أى من مسؤوليها وصف حادث رفح الذى راح ضحيته ستة عشر من أبناء الوطن ولم تعلن أسماء الفاعلين بعد ـ بأنه حادث «إرهابى» بل اكتفى بعضهم بوصفه بأنه «إجرامى» فقط، على الرغم من ذلك فاجأتنا محكمة الإسماعيلية الاثنين الماضى بإصدار حكم على أربعة عشر إسلاميا جهاديا أعضاء فى جماعة «التوحيد والجهاد» بالإعدام لإدانتهم بشن هجومين أوقعا سبعة قتلى العام الماضى فى سيناء فى هجوم على بنك ومركز للشرطة فى العريش. ولكنى هنا أبادر وأطمئن هؤلاء بأن العفو قادم لا محالة أو بحد أدنى تخفيف العقوبة لحدها الأدنى بقرار كالقرارات السابقة، ولا أظن أن الدهشة سوف تزور أياً منا، فلقد تعودنا.

حتى لا نشهد سيناء «وزيرستان» أخرى

بقلم عبداللطيف المناوى

مازال الخطر يحوم حول سيناء، فى المقال الماضى تناولت قضية تبادل الأراضى مع إسرائيل، واليوم أتناول قضية أخرى غاية فى الأهمية، وكما أقول دائما إن سيناء يمكن أن تكون الرصيد المهم للوطن، ويمكن أن تكون قنبلة موقوتة، والفيصل هو أسلوب التعامل.

اهتمت وكالة «الأناضول» التركية للأنباء بإجراء حوار مع قيادى سلفى، وصفته بأنه وثيق الصلة بالتنظيمات الإسلامية المسلحة فى سيناء ويدعى «حازم المصرى»، لم يزعجنى تلويحه باستهداف الجيش المصرى، ولا اعتبارهم أن اشتباكاتهم – كما أطلق عليها – مع الجيش أو الشرطة هى «دفاع شرعى عن النفس» لا يقومون به إلا للضرورة، محذراً الجيش من التمادى فى الخوض فى المستنقع السيناوى والاشتباك مع الجهاديين، لكن ما أزعجنى هو تلويحه بأن تتكرر تجربة «وزيرستان»، فى إشارة إلى المنطقة القبلية على الحدود الأفغانية الباكستانية.

حسب ما أعلم فإن الجيش فى تعامله مع الجماعات الإرهابية هناك يحاول قدر المستطاع عدم استهداف الأرواح بقدر الرغبة فى محاصرة هذه الجماعات وإجبارها على تسليم أنفسهم ليسلمهم إلى سلطات النظام الحاكم فى مصر حاليا، غير أن الاقتصار فى التعامل مع هذا الملف الشائك فى سيناء على الجانب العسكرى هو تكرار للخطأ التاريخى الذى وقع فيه النظام السابق فى الاقتصار على التعامل الأمنى، الخشية هنا من خلق حالة ثأر بين بعض أهل سيناء والقوات المسلحة، وهذا الثأر سوف يعنى حالة من نزيف الدماء لسنين طويلة، وسوف تساعد على ذلك الطبيعة الجغرافية الصعبة للعديد من مناطق سيناء، إضافة إلى الحالة التى تعيشها مصر فى هذه المرحلة من فتح أبواب السجون والحدود لكل أطياف الإسلاميين والمحسوبين عليهم من العقلاء والإرهابيين، وأيضا ذلك التدفق للأسلحة والجماعات عبر الأنفاق والحدود بطريقة تثير الريبة، واستقبال أشخاص عرف عنهم ارتباطهم بتمويل الحركات الإسلامية الجهادية وعملياتهم بمختلف مستوياتها – استقبالا مثيرا للاهتمام فى العاصمة المصرية، عندما يكون هذا هو الحال وعندما يفلت جزء من أرض مصر من السيطرة المصرية الخالصة – إذا لم يكن هذا قد حدث جزئيا بالفعل – عند كل هذا فإننا يجب أن نتوقف بقلق حقيقى أمام المخاوف من ضياع سيناء وتحولها إلى «وزيرستان» أخرى.

«وزيرستان» الأصلية منطقة جبلية فى شمال غرب باكستان على حدودها مع أفغانستان، وهى ذات طبيعة جبلية وعرة. استقلال المنطقة ذاتيا مع ضعف السيطرة الحكومية عليها، لم يكن وليد اللحظة الحالية ولم يأت نتيجة انقلاب أو ثورة على نظام معين، بل إنه طبيعة للمنطقة منذ الأزل.

التركيب السكانى والقبلى لوزيرستان متشابك ومعقد جدا، فسكان المنطقة مكونون من ثلاث قبائل رئيسية، هى: «محسود، ووزير، وبهتانى»، إضافة إلى بعض القبائل الصغيرة.

سيطرت حركة طالبان على أفغانستان بعد هزيمة السوفيت وبدأ ظهور تنظيم القاعدة. تأثرت منطقة وزيرستان، وتعاطف الكثير من أبناء القبائل بشكل خاص مع حركة طالبان، ومع ضعف السيطرة الحكومية أو انعدامها أصلا، تكونت بيئة صالحة لتخريج متطرفين مستقبلا. مع انهيار نظام حركة طالبان فى أفغانستان فى أكتوبر ٢٠٠١، على يد قوات التحالف بقيادة أمريكا، كانت كهوف وجبال وزيرستان الأماكن الأكثر أمانا لبقايا حركة طالبان وتنظيم القاعدة.

شهدت المنطقة الحدودية بين باكستان وأفغانستان هجمات ضارية من جانب الجيش الباكستانى تدعمه القوات الأمريكية فى الفترة ما بين مارس ٢٠٠٤ وسبتمبر ٢٠٠٦، فى محاولة للسيطرة على المنطقة واستئصال الحركات المتطرفة منها، إلا أن معظم هذه الهجمات المتعاقبة فشلت فى تحقيق أهدافها.

هذه البؤرة لم تعد مجرد ملاذ آمن لمتطرفى حركة طالبان وتنظيم القاعدة، بل تحولت إلى «مركز تدريبى دولى» معتمد لدى الجماعات الإرهابية تنطلق منه إلى أهدافها، لا نريد مركزا آخر فى مصر يكون المتسبب فيه تكرار أخطاء الماضى، ووضع مصلحة «التنظيم» فوق مصلحة الوطن.

نص وثيقة جيورا إيلاند مطلع 2010،

لا يبدو التوقيع علي اتفاق سلام إسرائيلي – فلسطيني أمرا ممكنا في المستقبل القريب. قبل بضعة شهور كان هناك من ينظر إلي الوقائع نظرة متفائلة. وكان سبب هذا التفاؤل الموسمي السياسة المعلنة للرئيس الأمريكي الجدي

د باراك أوباما، التي جعلت من تحقيق السلام في الشرق الأوسط حجرا أساسيا في توجهاتها الجديدة.
لكن الواقع الموضوعي القائم في مطلع 2010، لا ينبيء بشيء مختلف عما حدث في كل المرات الماضية، التي جري فيها تحريك عملية السلام. بدءا من خريف 1993 (التوقيع علي اتفاق أوسلو)، وصيف 2000 (مؤتمر كامب ديفيد)، وديسمبر 2000 (خطة الرئيس كلينتون لإنهاء النزاع)، وخريف 2007(مؤتمر أنابوليس) من الصعب التصديق أن المسعي الدبلوماسي الذي فشل عام 2000، سينجح عام 2010، لاسيما بعد تغير عناصر المعادلة كلها. نحن اليوم أمام أربع وجهات نظر: المقاربة الأولي هي القائلة بتعذر التوصل إلي حل سياسي في المستقبل القريب، من هنا من الأفضل إدارة النزاع، وعدم حله. المقاربة الثانية هي التي تحاول التوصل إلي “تسوية جزئية”. والتي تقبل الاعتراف بقيام دولة فلسطينية ذات حدود موقتة، الأمر الذي يفرض نقل أراض جديدة إلي الفلسطينيين، ولكنه يمنع مواجهة المشكلات غير القابلة للحل، مثل مشكلة الحدود الدائمة، والقدس، واللاجئين، والاعتراف المتبادل الشامل ونهاية النزاع. المقاربة الثالثة هي التي تسعي إلي الاتفاق الدائم. وفي رأيها برغم كل الإخفاقات الماضية والعوائق، يجب محاولة التوصل إلي اتفاق دائم يقوم علي مبدأ (دولتين لشعبين). لأن هذا هو الحل الوحيد، وكل تأجيل في تحقيق هذا الحل، سيزيد في العوائق التي ستحول دونه مستقبلاً، كما سيزيد من المخاطر المترتبة عن غياب السلام. المقاربة الرابعة هي التي تحاول التوصل إلي اتفاق دائم، ولكن ليس انطلاقاً من مبدأ الدولتين لشعبين، الذي سبق وفشل أكثر من مرة في الماضي، وإنما علي أساس البحث عن حلول أخري. وهذا ما سنتحدث عنه في الصفحات التالية.- الحلول البديلة. إن النقاش الذي دار خلال الستة عشر عاما الأخيرة، أي منذ التوقيع علي اتفاق أوسلو تمحور بين حدين: الثقة الكاملة بأن حل” الدولتين لشعبين” ممكن التحقيق؛ في مقابل التشاؤم التام من إمكان التوصل إلي حل سياسي للنزاع. وبين هذين الحدين برزت أفكار متعددة لاتفاقات مؤقتة. الحل الإقليمي الأول: كونفيدرالية أردنية – فلسطينية مثل كل الدول العربية، رفض الأردن قرار التقسيم عام 1947، وسارع إلي السيطرة علي الضفة الغربية، كما حاول احتلال أجزاء من الضفة كان من المفترض أن تكون تابعة للدولة اليهودية. في نهاية حرب الاستقلال ضم الأردن الضفة الغربية، وبعكس موقف مصر من غزة، تعامل مع الأرض والسكان كجزء لا يتجزأ من الأراضي التابعة للسيادة الأردنية. احتلت إسرائيل الضفة الغربية خلال حرب الأيام الستة في 1967، ومنذ ذلك الحين وحتي 1993 انقسمت الآراء في إسرائيل إلي موقفين: وجهة نظر حكومة حزب العمل الداعية للتوصل إلي “تسوية إقليمية” مع الأردن، تقضي بإعطاء الأردن معظم الضفة الغربية، خصوصا المناطق التي يسكنها العرب. علي أن تحتفظ إسرائيل بمنطقتين أمنيتين: وادي الأردن في الشرق، ومناطق إضافية في الغرب توسع “الخاصرات الضيقة” للدولة. عارض الليكود كل تسوية إقليمية. ففي رأيه الضفة الغربية (يهوداوالسامرة) يجب أن تبقي لأسباب أمنية أو تاريخية – دينية، تحت السيادة الإسرائيلية الكاملة. وعلي الرغم من ذلك كان الليكود مستعدا منح السكان العرب (الفلسطينيين) في هذه المنطقة حكما ذاتيا. علاوة علي ذلك، فحتي قبل 18عاما، كانت فكرة قيام دولة عربية مستقلة جديدة (الدولة الفلسطينية) مرفوضة تماما من جانب غالبية الجمهور الإسرائيلي. وحتي الأردن لم يكن يعتقد طوال السبعينيات والثمانينيات، بأن حل النزاع الأردني – الإسرائيلي يتطلب قيام دولة فلسطينية. في إبريل 1987، عقد في لندن اجتماع سري بين شمعون بيريس الذي كان وزيرا للخارجية آنذاك، والملك حسين لحل مشكلة الضفة الغربية، عن طريق إقامة كونفيدرالية أردنية – فلسطينية. وكان المطلوب أن تتنازل إسرائيل عن معظم أراضي الضفة. يومها غضب رئيس الحكومة إسحق شامير، ورفض الفكرة بصورة مطلقة. وشكل هذا نقطة تحول في موقف الأردن من الموضوع. فبعد نشوب الانتفاضة الأولي (في ديسمبر 1987، أدرك الملك حسين ضآلة حظوظ المملكة في ضم الضفة الغربية إلي أراضيها، فأعلن في يوليو 1988أنه لم يعد مسئولا عن الموضوع الفلسطيني، وأنه من الآن فصاعدا علي إسرائيل التفاوض مع منظمة التحرير. هذا التغيير في التوجه الأردني سهل علي إسرائيل والأردن التوصل إلي اتفاق سلام في 1994، وأغلق الطريق أمام التوصل إلي حل للنزاع الفلسطيني – الإسرائيلي.- كونفيدرالية أردنية – فلسطينية. الحل الأول المقترح هنا هو إنشاء مملكة أردنية فيدرالية، تتكون من ثلاث “ولايات”: الضفة الشرقية، الضفة الغربية وغزة. هذه الولايات تكون states بالمفهوم الأمريكي، مثلما هي حال بنسلفانيا أو نيوجيرسي، تتمتع باستقلال داخلي كامل، ولها موازناتها، ومؤسساتها الرسمية، وقوانينها الخاصة، وحاكمها وسائر أشكال الاستقلال. ولكن كما هي حال بنسلفانيا ونيوجيرسي فإنها لا تملك أي صلاحية في موضوعين: السياسة الخارجية، والقوات المسلحة. فهاتان السلطتان ستبقيان ضمن صلاحية الحكم (الفيدرالي) في العاصمة عمان. بعد سيطرة “حماس” علي غزة، ما زال بالإمكان تحقيق هذا الحل علي مرحلتين. بداية في الضفة الغربية، وعندما تنضج الظروف يمكن تطبيقه علي غزة. من أجل ذلك تجري إسرائيل مفاوضات مع حكومة فلسطينية-أردنية مشتركة، كما كان من المفترض أن يحدث في مؤتمر مدريد عام 1991. – فوائد حل الفيدرالية الأردنية – الفلسطينية. إن هذا الحل هو الأفضل بالنسبة للفلسطينيين وللأردن، وبالتاكيد بالنسبة لإسرائيل أيضا. بالنسبة للفلسطينيين: الذين يعيشون في الضفة من غير المؤيدين لـ”حماس”، فإن هذا الحل هو أفضل من حل”الدولتين لشعبين” وذلك لأربعة أسباب. أولا: لأنه منتج أكثر من أي اتفاق قد تنفذه إسرائيل. فالعديد من الفلسطينيين يرغبون في رؤية نهاية الاحتلال الإسرائيلي، ويفضلون أن يتم ذلك عبر هذا الحل، علي حل السلام الإسرائيلي – الفلسطيني الذي من الصعب التوصل إليه في وقت قريب.السبب الثاني، إدراك هؤلاء الفلسطينيين أنه في حال قيام دولة فلسطينية وفقا “لحل الدولتين لشعبين”، فالأرجح أن تسيطر عليها “حماس”. وكثيرون يفضلون العيش تحت السلطة الأردنية، علي تحمل الاستبداد الديني لـِ”حماس”، كما يحدث في غزة. ثالثا: وحده الحل الإسرائيلي – الفلسطيني، سيفرض علي الفلسطينين تقديم تنازلات صعبة مثل التنازل عن حق العودة، والاتفاق علي نهاية النزاع وهلم جرة. ومن الأسهل مشاركة دولة عربية (الأردن) في تحمل العبء العاطفي المترتب آنذاك. رابعا: يدرك الفلسطينيون أن حل” الدولتين لشعبين” سيحولهم إلي مواطني دولة صغيرة جدا، وغير قابلة للحياة، تخضع لقيود كبيرة في الموضوع الأمني (مثل التنازل عن السيادة علي الأجواء الجوية)، لذا من الأفضل لهم أن يكونوا مواطنين متساوين في دولة محترمة وكبيرة يشكل فيها الفلسطينيون الغالبية الديموغرافية. بالنسبة للأردن: يدرك الأردنيون أن قيام دولة فلسطينية مستقلة في الضفة قد يجعلها تقع تحت سيطرة “حماس” كما جري في غزة. من هنا فإن قيام دولة مجاورة (فلسطين) يحكمها الإخوان المسلمون، بالإضافة إلي الحدود الطويلة بين الدولتين، وخطر الإخوان المسلمين في الأردن، سيشكل نهاية المملكة الهاشمية. إن السبيل الوحيد لبقاء الأنظمة في الشرق الأوسط هو السيطرة الأمنية الفعلية. من هنا فالطريقة الوحيدة لقمع التمرد الذي قد تقوده سلطة “حماس” مستقبلا هو السيطرة العسكرية الأردنية علي هذه المنطقة. بالنسبة لإسرائيل: هناك أربع ميزات لهذا الحل بالمقارنة مع حل “الدولتين لشعبين”. أولا؛ هناك تغيير في الخطاب السائد. فلم يعد الموضوع يتعلق بالشعب الفلسطيني الواقع تحت الاحتلال، وإنما بنزاع إقليمي بين دولتين: الأردن وإسرائيل. ومن المنتظر أن يتغير الضغط الدولي الذي يمارس حاليا علي إسرائيل ويطالبها بالتنازل. ثانيا؛ من المحتمل أن يكون الأردن أكثر تساهلا في عدد من الموضوعات، مثلاً الموضوع الإقليمي. فالفلسطينيون غير قادرين علي التنازل عن”حدود 1967″. فإسرائيل الصغيرة بحاجة إلي المزيد من الأراضي، لكن الدولة الفلسطينية ستكون أصغر. وليس من المنطقي مطالبة الطرف الأضعف والأصغر بالمزيد من التنازلات. ولكن عندما يصبح الشريك هو المملكة الأردنية فالأمر يصبح أسهل بكثير.ويصح ذلك بصورة واضحة علي كل ما له صلة بالترتيبات الأمنية. ففي أي اتفاق ستطلب إسرائيل تجريد الضفة الغربية من السلاح. وستطلب من الدولة الفلسطينية التخلي عن سلاحها الثقيل علي كل أراضيها. وهذا أمر صعب بالنسبة لشعب يسعي إلي الاستقلال. ولكن عندما يصبح الموضوع اتفاقا بين إسرائيل والأردن تصبح هذه المطالبة أكثر منطقية. ويصبح كل المطلوب التنازل عن نشر القوات في مناطق معينة (الضفة الغربية)، وهذا مطلب قد يبدو مقبولا من جانب الأردنيين، مثلما قبلت مصر قبل ذلك المطلب الإسرائيلي بعدم نشر قوات عسكرية كبيرة في سيناء. ثالثا؛ الموضوع الأهم هو مسألة الثقة. ففي حل “الدولتين لشعبين” سيكون علي إسرائيل التنازل عن أمور ملموسة مقابل “تعهدات” فلسطينية بالمحافظة علي الهدوء. وهناك تخوف إسرائيلي من خسارة مزدوجة: التنازل عن كل المناطق، وعدم الحصول علي الأمن. وثمة خطر كبير من أن تعجز السلطة الفلسطينية عن تقديم المطلوب، أو ترفض تقديمه. ويختلف الأمر عندما يكون المطروح التوقيع علي اتفاق سلام إسرائيلي – أردني. ربما ستضطر إسرائيل إلي المخاطرة بكثير من الأشياء، ولكنها ستكون مخاطرات شبيهة بتلك التي أخذتها علي عاتقها عام 1973عندما وقعت اتفاق السلام مع مصر وتنازلت عن كل سيناء. أما الفائدة الرابعة فهي المتصلة بالعلاقات بين الدولتين. هناك أسباب كثيرة للتخوف من أن يؤدي نشوء دولة فلسطينية مستقلة ضعيفة بنيوياً إلي خلق عبء إضافي علي إسرائيل. وبصورة عامة ليس أكيداً أن المساحة الواقعة بين نهر الأردن والبحر تسمح بقيام دولتين قابلتين للحياة. من هنا فإن كل مشكلات الدولة العتيدة (غياب البني التحتية، وعدم وجود فرص العمل، والانفصال بين الضفة الغربية وغزة) ستقع علي عاتق دولة إسرائيل. ناهيك بأن المجتمع الدولي سيعتبر أن من واجب إسرائيل الأخلاقي مساعدة الدولة الجديدة، وذلك بعد سنوات الاحتلال الطويلة، وناهيك بالانعكاس السلبي علي إسرائيل للفقر والعوز والبطالة في الدولة الفلسطينية. وكل هذا لن يحدث في حال أصبحت الضفة جزءا من مملكة الأردن”الكبري”. إن قيام دولة فلسطينية وفقا لحل” الدولتين لشعبين” سيبقي غالبية المشكلات في المرمي الدولي. وسيكون من الصعب علي الدولة الجديدة أن تستقل اقتصاديا، كما أنها ستنقسم إلي إقليمين (غزة والضفة الغربية)، ولن يكون حل مشكلة اللاجئين قريبا. والأهم من هذا كله المشكلات بين إسرائيل و فلسطين لن تُحل في اللحظة التي يجري فيها توقيع الاتفاق. وسيضطرالمجتمع الدولي، وبصورة خاصة الولايات المتحدة، إلي توظيف جهود كبيرة من أجل إنجاح تطبيق الاتفاق. وتختلف المشكلة عندما تتحول مشكلة دولتين قائمتين ومستقرتين، فإسرائيل والأردن ستكونان مسئولتين عن حل هذه المشكلات. وبعد توقيع الاتفاق سيصبح تطبيقه تحديا بالنسبة للأردن ولإسرائيل، ولكن حجم الاهتمام الدولي سيتراجع بصورة كبيرة، كما جري بعد التوقيع علي اتفاق السلام مع مصر في 1979.- الحل الإقليمي الثاني: تبادل مناطق.في إطار تحسين اقتراح حل” الدولتين لشعبين”، اقترحت الإدارة الأمريكية علي الدول العربية إعطاء إسرائيل مقابلا لاستعدادها التنازل عن أراض مقابل الاتفاق. ففي نظر هذه الإدارة ليس في مستطاع الفلسطينيين وحدهم دفع الثمن لإسرائيل (وهذا صحيح) مقابل التنازلات الكبيرة التي ستقدمها في إطار اتفاق السلام. والثمن المنتظر تقديمه من الدول العربية هو تحسين علاقاتها مع إسرائيل. وعلي الرغم من أهمية ذلك، فمن الواضح صعوبة “تعويض” خسارة إسرائيل كل مناطق الضفة مقابل بوادر حسن نية أو أمور أخري.كما أنه من الصعب موضوعياً، عدم رؤية شوائب حل الدولتين. فمن جهة ستضطر إسرائيل وفلسطين للاكتفاء بدولة صغيرة ومكتظة سكانيا، ومن جهة أخري ستكونان محاطتين بدول ذات أراض شاسعة، مع عدد قليل من السكان (الأردن، صحراء سيناء، السعودية). فالأمر الوحيد الذي تملكه الدول العربية بكثرة وتحتاج إليه إسرائيل وفلسطين بصورة حادة هو الأرض. فإذا تنازلت هذه الدول عن جزء قليل من الأرض، يمكن إدخال تحسينات كبيرة علي وضع إسرائيل والدولة الفلسطينية. يتناول هذا الفصل كيفية “تكبير الكعكة” بحيث يخرج الجميع رابحين.- أسس الاقتراح.1ـ تنقل مصر إلي غزة مناطق مساحتها نحو 720 كيلومترا. وتشمل هذه المنطقة جزءاً من الشريط المبني الممتد علي طول 24 كيلومتراً علي طول شاطيء البحر المتوسط من رفح غربا حتي العريش. بالاضافة إلي شريط يقع غرب كرم سالم جنوبا، ويمتد علي طول الحدود بين إسرائيل ومصر. وتؤدي هذه الزيادة، إلي مضاعفة حجم قطاع غزة البالغ حاليا 365 كيلومترا نحو ثلاث مرات. 2 ـ توازي مساحة 720 كيلومتراً حوالي 12 في المئة من أراضي الضفة الغربية. ومقابل هذه الزيادة علي أراضي غزة، يتنازل الفلسطينيون عن 12في المئة من أراضي الضفة التي ستضمها إسرائيل إليها. 3 ـ مقابل الأراضي التي ستعطيها مصر إلي فلسطين ستحصل من إسرائيل علي منطقة جنوب غرب النقب. ويمكن أن يصل حجم الأراضي التي ستنقلها إسرائيل إلي مصر إلي 720 كيلومتراً، ويمكن أن تكون أصغر.- الفائدة بالنسبة لفلسطين. غزة في حجمها الحالي غير قابلة للحياة. ولا تملك الحد الأدني الذي يسمح باستقلالها اقتصادياً. إذ يعيش فيها اليوم مليون ونصف المليون، وسيبلغ عدد سكانها في 2020 مليونين ونصف المليون نسمة. فمن يصدق أن سكان غزة الحاليين قادرون علي العيش برخاء في منطقة غير قابلة للنمو؟ فحتي مرفأ صغير من الصعب بناؤه في غزة لعدم وجود مساحة كافية، أو بسبب الأضرار الكبيرة التي قد يتسبب بها لشواطيء إسرائيل نظراً إلي قربه الشديد منها. ويخطيء كل من يشبه غزة بسنغافورة، فالتجارة في سنغافورة تعتمد علي التجارة الدولية، وعلي المصارف المتطورة و صناعة “الهاي – تك”. أما الاقتصاد في غزة فيقوم علي الزراعة والتكنولوجيا البسيطة.إن زيادة مساحة غزة وفقاً للاقتراح أعلاه سيزيد شاطئها بمساحة 24كيلومتراً، ويشمل ذلك إضافة تسعة أميال من المياه الإقليمية، مع احتمال العثور علي الغاز الطبيعي في هذه المنطقة. وستسمح زيادة 720كيلومتراً علي مساحة غزة بإنشاء مرفأ دولي كبير، ومطار دولي، علي بعد 20إلي 25 كيلومتراً من الحدود مع إسرائيل. والأهم من هذا كله: بناء مدينة جديدة يسكنها مليون شخص، تشكل المستقبل الطبيعي، ليس لغزة فقط وإنما يمكنها استيعاب اللاجئين الفلسطينيين من دول أخري. ومقابل تحويل غزة مكاناً جذاباً ذا قدرة فعلية علي التحول إلي مركز للتجارة الدولية في المنطقة، علي الفلسطينيين التنازل عن مناطق في الضفة الغربية توجد فيها منذ عشرات السنوات مستوطنات إسرائيلية ومنشآت عسكرية. وهذا تنازل مؤلم، ولكن لا يمكن مقارنته بالفائدة الكبيرة في غزة.- الفائدة بالنسبة لمصر. مقابل إعطاء مصر (للفلسطينيين وليس لإسرائيل) 720 كيلومتراً من أرضها “المقدسة”، ستحصل علي سبع فوائد: 1 ـ أرض مقابل أرض. إذ ستحصل مصر من إسرائيل علي أرض تقع جنوب النقب حجمها 720 كيلومتراً. 2 ـ مصر اليوم معزولة جغرافياً عن جزء أساسي من الشرق الأوسط (هو الجزء الشرقي)، وذلك عبر البحر الأحمر إلي الشرق الجنوبي، والبحر المتوسط في الشمال. ومن أجل السماح بارتباط بري، ستسمح إسرائيل بحفر قناة تربط بين الأردن ومصر. وستمر القناة التي يبلغ طولها نحو عشرة كيلومترات من الشرق إلي الغرب (علي بعد خمسة كيلومترات من إيلات) وتكون خاضعة للسيادة المصرية الكاملة. بحيث لايحتاج الانتقال من مصر إلي الأردن إلي موافقة إسرائيلية. 3ـ بين المطار الجديد في غزة الكبري، والمرفأ البحري الجديد علي شاطيء البحر المتوسط، والقناة التي تربط مصر بالأردن، يجري شق شبكة من الطرق السريعة للسيارات، ويمد أنبوب للنفط (مسار هذه الخطوط سيكون بمثابة حدود أردنية – مصرية علي الجانب المصري) وتجتاز هذه الخطوط الثلاثة القناة إلي الأردن، ومن هناك ستتوزع شمالاً في اتجاه الشمال الشرقي نحو العراق والأردن، وجنوباً في اتجاه السعودية ودول الخليج. وسيؤدي هذا الربط إلي فوائد اقتصادية ضخمة. والفائدة التي ستجنيها مصر واضحة: إذ ستحصل الجمارك المصرية علي حصتها من حركة التنقل بين الأردن والعراق والخليج العربي من جهة ومرفأ غزة من جهة ثانية. 4ـ تعاني مصر مشكلة مياه آخذة في التفاقم. فهناك زيادة كبيرة في عدد السكان مقابل تراجع في مصادر المياه العذبة. وليس باستطاعة دولة نحو خمسين في المئة من سكانها يعيشون علي الزراعة الاستمرار، لعقد أو أكثر من دون حل جذري لمشكلة المياه. الأمر الذي يقتضي توظيف استثمارات في تحلية مياه البحر وتكرير المياه، ويتطلب هذا أموالاً طائلة وتكنولوجيا متطورة. وهو ما لا تملكه مصر، من هنا مقابل “الكرم” المصري، سيوظف العالم في مصر (عبر البنك الدولي) في مشاريع تحلية المياه وتكرريها. 5 ـ لقد أعطي اتفاق السلام المصري – الإسرائيلي مصر الكثير من الإنجازات، ولكنه في المقابل فرض قيوداً كثيرة وقاسية علي انتشار قواتها العسكرية في سيناء. وستوافق إسرائيل كجزء من إقدامها علي إجراء تغييرات علي الملحق العسكري لاتفاق السلام، مما سيسمح لمصر أن تقول لشعبها: صحيح أننا تنازلنا عن واحد في المئة من سيناء، لكن هذا التنازل سيسمح لنا بعد ثلاثين عاماً، بتطبيق السيادة المصرية بصورة أفضل علي 99 في المائة من أرضنا. 6 ـ تسعي مصر مثل العديد من الدول في المنطقة إلي الحصول علي الطاقة النووية (لأغراض سلمية)، وبناء مفاعلات نووية من أجل انتاج الكهرباء.- الفائدة بالنسبة للأردن. الأردن هو المستفيد الأكبر من هذا الاتفاق من دون أن يدفع شيئاً. وهناك فائدتان كبيرتان: 1 ـ شبكة الطرقات، وسكة الحديد، وأنبوب النفط الذي سيربط مرفأ غزة الدولي، بالخليج الفارسي عبر القناة الأردنية – المصرية. وسيصبح للأردن منفذ مجاني علي البحر المتوسط (المرفأ الجديد في غزة)، ومن هناك إلي أوروبا. بالإضافة إلي ذلك، فإن الجانب الشرقي للقناة سيتحول “عنق الزجاجة” لحركة التجارة من أوروبا إلي العراق والخليج، الأمر الذي سيدر علي الأردن فوائد اقتصادية وإستراتيجية كبيرة. 2 ـ تشكل المشكلات الديموغرافية مصدر قلق للأردن، لا سيما أن غالبية مواطنيه هم من أصل فلسطيني، وعددهم آخذ في الازدياد. ومنذ اللحظة التي تقوم فيها غزة “الكبري مع المرفأ والمطار الجديدين، فإن هذا سيخلق فرصا كثيرة للعمل، وسيغير الوضع في الأردن، وسيفضل الفلسطينيون الذين من غزة (نحو 70 ألفا منهم يعيش اليوم في الأردن)، العودة إلي ديارهم، بالإضافة إلي جزء من اللاجئين المقيمين حاليا في الضفة والأردن.- الفائدة بالنسبة لإسرائيل. لدي المقارنة بين هذا الحل، حل الدولتين، تبرز أربع فوائد: 1 ـ الأراضي في يهودا والسامرة ستبقي تحت سيطرة إسرائيل (نحو 12في المئة)، وهذه مساحة أكبر مما يمكن الحصول في الحل العادي. وهذه المساحة من الأرض هي التي اعتبرها إيهود باراك ضرورية للمحافظة علي المصالح الإسرائيلية، في قمة كامب ديفيد (2000). وهي ستسمح لإسرائيل بخفض عدد الإسرائيليين الذين سيضطرون إلي إخلاء منازلهم من مئة ألف إلي ثلاثين ألفا. يضاف إلي ذلك أن هذه المساحة من الأرض ستسمح لإسرائيل بالاحتفاظ بالأماكن ذات الأهمية الدينية والتاريخية (مثل عفرا وكريات أربع، وأرييل) البقاء داخل إسرائيل ضمن شروط مريحة. 2 ـ إن التقسيم المتوازن للأرض بين غزة والضفة سيجعل الدولة الفلسطينية أكثر قدرة علي الحياة وبالتالي أكثر قوة وقدرة علي احترام الاتفاق.3 ـ إن مشاركة دول عربية مثل الأردن ومصر في الحل لها أهمية وتجعله ملزما، وتقدم “ضمانات” قوية لاستمرار الاتفاق. 4 ـلا يلغي هذا الاتفاق الإقليمي الحاجة الي”معبر آمن” بين غزة والضفة، ولكنه يقلل من أهميته. “فالمعبر الآمن” سيظل معبرا للانتقال بين غزة والضفة، ولكن سائر الحركة التجارية وتنقل الأشخاص بين غزة والعالم العربي ستجري عبر المسار الجديد.- الفوائد الاقتصادية للجميع. إن معظم التجارة بين العراق والسعودية ودول الخليج وأوروبا تجري عبر السفن التي تعبر قناة السويس، أو عبر السفن التي يضطرها حجمها للالتفاف حول إفريقيا. وهذان الطريقان غير مفيدين، ولكن لا غني عنهما في غياب مرفأ عصري علي ساحل البحر المتوسط، وفي غياب شبكة مواصلات مفيدة.ولكن في حال وجود مرفأ عصري علي شاطيء البحر المتوسط في “غزة الكبري” يستخدم تكنولوجيا متطورة، مثل تلك المستخدمة في ميناء سنغافورة، وفي حال تشعبت منه شبكة طرق وسكة حديد وأنبوب للنفط، يمكننا أن نحسن بصورة كبيرة من التجارة، وخفض تكلفتها.ولن يأتي تمويل هذا المشروع من الدول التي ستقام فيها البني التحتية التابعة له، وإنما من الدول الغربية. فاليوم ينفق العالم ملياري دولار من أجل إطعام الفلسطينيين، ووفقاً لهذا المشروع يمكن استخدام المال في الاستثمار وليس في الاستهلاك، وهذا الاستثمار يمكن استرجاعه خلال بضعة أعوام. وسوف تستفيد مصر والأردن مباشرة من الحركة الاقتصادية، بالإضافة إلي دول أخري ستستفيد بصورة غير مباشرة.يفضل المجتمع الدولي اليوم البحث عن حلول متعددة الطرق تستند إلي أساس اقتصادي، وليس الحلول الثنائية التي تقوم علي أساس سياسي – إستراتيجي. ويعتبر الاتحاد الأوروبي النموذج الأبرز علي ذلك. إن هذا الحل سيعطي للفلسطينيين فرصة للتحول “سنغافورة الشرق الأوسط”. ومن غير الممكن التوصل إلي مثل هذا الإنجاز ضمن الحدود الضيقة الحالية لغزة”.

المشروع الشاطر الذى لم يتم نفيه بعد

بقلم   عبداللطيف المناوى

عندما قال لى صديقى العائد لتوه من أمريكا إنهم مشغولون الآن فى العاصمة الأمريكية للإعداد لزيارة الرئيس المصرى، وأيضا إعداد لقاءات للسيد حسن مالك، سألت بتلقائية: وماذا عن ترتيب لقاءات لخيرت الشاطر؟ فأجاب مندهشا: لا أعلم ما إذا كان ضمن الوفد أم لا. سؤالى كان تعبيرا عن صورة مثيرة للتساؤل عن طبيعة أدوار كل من السيدين الشاطر ومالك اللذين يوضعان على أجندة أى مسؤول أو مستثمر عربى أو أجنبى يزور مصر، ويبدو أن هذا اللقاء الذى يوحى – بضم الياء وفتح الحاء – به يكون أحيانا أكثر أهمية وعملية من اللقاء مع الرئيس الذى يبدو لقاؤه فى بعض الأحيان بروتوكولياً، وهذه الحالة تذكرنا بمشاهد قريبة عانت منها مصر ودفع أصحابها الثمن. هذه إشارة سريعة لهذا الموضوع الذى يحتاج إلى أكثر من معالجة فى مرات مقبلة، ومن آخرين مهتمين بأهمية الاستمرار فى الضغط للحفاظ على ملامح دولة.

موضوعى اليوم يرتبط بقضية غاية فى الخطورة، ورد فيها اسم المهندس الشاطر، وأعلم أنه مهتم، وطرح هذا الموضوع منذ أشهر على بعض الجهات وقوبل اقتراحه بالرفض لأسباب تتعلق بالأمن القومى. هذا الموضوع هو إقامة منطقة تجارة حرة بين مصر وغزة، وقد تردد أن هناك تفويضاً رئاسياً للشاطر بإدارة هذا الملف، والاتفاق مع الجانب الفلسطينى حول محاور تنفيذ المشروع، لعلاقاته القوية بحركة حماس.

المهندس الشاطر، ومعه رئيس الوزراء، نفيا خبر التكليف الرئاسى ولكن لم ينف أى منهما أو أى مسؤول خبر إنشاء المنطقة الحرة، بل إن المهندس الشاطر أخذنا معه فى جولة كلامية حول عدم الانكفاء والتقوقع على الذات والتواصل مع دول الجوار العربية والإسلامية، وكلام لا ينجح إلا فى تشتيت الرؤية عن الموضوع الرئيسى وهو هنا: ما موقف النظام الحاكم فى مصر اليوم وأعوانه أو قياداته فى الجماعة من هذا المشروع؟ أظن أن هذا سؤال مشروع يحتاج إلى إجابة حاسمة، وأنا هنا لا أناقش وضع المهندس الشاطر ولا علاقته كرجل أعمال بهذا المشروع، فهذه ليست قضيتى الآن.

وقد يكون من المناسب الإشارة هنا إلى التاريخ القديم للمشروع الإسرائيلى – الأمريكى الذى يطلق عليه أسماء عدة أهمها وأقربها للواقع هو «مشروع تبادل الأراضى»، وقد ولدت الفكرة من جديد فى السبعينيات، فطرحت فكرة لتحييد سيناء مقابل تعويضات لمصر، ثم طرحت فكرة تدويلها وإقامة صندوق دولى لتنمية سيناء، ثم طرحت فكرة تبادل الأراضى بين مصر وإسرائيل أثناء مفاوضات السلام لحل مشكلة ضيق مساحة أراضى غزة، وهى الفكرة التى قوبلت برفض حاسم من الرئيس السادات وقتها.

وقد نشر فى مطلع عام ٢٠١٠ دراسة مستشار الأمن القومى الإسرائيلى السابق جيورا إيلاند التى قال فيها إن مملكة الأردن الجديدة هى وطن الفلسطينيين التى ينبغى أن تتكون من ثلاثة أقاليم تضم الضفتين الغربية والشرقية وغزة الكبرى التى تأخذ جزءا من مصر. والدراسة طويلة أنصح بالاطلاع عليها، لكنى هنا سأذكر الجزء الخاص بتصور الوضع بالنسبة لسيناء فيها، وهى كالتالى:

تنقل مصر إلى غزة مناطق مساحتها نحو ٧٢٠ كيلومتراً. وتشمل هذه المنطقة جزءاً من الشريط الممتد على طول ٢٤ كيلومتراً على طول شاطئ البحر المتوسط من رفح غرباً حتى العريش، بالإضافة إلى شريط يقع غرب كرم أبوسالم جنوباً، ويمتد على طول الحدود بين إسرائيل ومصر. وتؤدى هذه الزيادة إلى مضاعفة حجم قطاع غزة البالغ حالياً ٣٦٥ كيلومتراً نحو ثلاث مرات.

وتستمر الدراسة الصادمة لتطرح ماذا تستفيد مصر، وتقول التالى: تحصل مصر من إسرائيل على أرض تقع جنوب النقب مساحتها ٧٢٠ كيلومتراً. تسمح إسرائيل بحفر قناة تربط بين الأردن ومصر. وستمر القناة التى يبلغ طولها نحو عشرة كيلومترات من الشرق إلى الغرب «على بعد خمسة كيلومترات من إيلات»، وتكون خاضعة للسيادة المصرية الكاملة، بحيث لا يحتاج الانتقال من مصر إلى الأردن إلى موافقة إسرائيلية، وما يتبع ذلك من فوائد اقتصادية. سيستثمر العالم فى مصر «عبر البنك الدولى» فى مشاريع تحلية المياه وتكريرها لحل أزمة مصر المائية المقبلة. وكذلك فى مشروعات الطاقة النووية.

هذا بإيجاز شديد ما كان مطروحاً ومازال، ويبقى السؤال: أين ذلك من المشروع الذى لم يتم نفيه حتى الآن؟

وبحق أتمنى أن يتم نفيه.

لعن الله من يوقظها

بقلم   عبداللطيف المناوى   

أبدأ بالإشارة والتأكيد على أن هذا الفيلم المسىء للرسول ــ عليه الصلاة والسلام ــ لا يقع تحت مظلة الأعمال الفنية على الإطلاق، بل هو عمل إجرامى على المستوى القيمى والإنسانى والدينى والثقافى، وفى النهاية الفنى، لذلك فإن من الخطأ اعتباره فيلماً سينمائياً أو عملاً فنياً، بل هو هلوسة لشخص أو أشخاص ملووثين، مرضى عقلياً ونفسياً. الأمر الآخر المهم الإشارة إليه هنا هو أن هذا الشىء الذى سموه بالخطأ فيلماً تم تنفيذه منذ أكثر من عام بتكلفة بلغت خمسة ملايين دولار تم جمعها ــ حسب وسائل إعلام أمريكية ــ من حوالى مائة متبرع يهودى، وأنه سبق عرضه فى إحدى دور العرض السينمائى فى قاعة خالية تقريباً من المشاهدين فى هوليوود بداية هذا العام، وأن مقطعاً منه موجود على «يوتيوب» منذ شهر يوليو الماضى، وتمت دبلجته باللهجة المصرية العامية، ولم يلتفت إليه أحد، أى أنه لقى ما يستحقه من إهمال. هذا ما يبدو من حقائق رئيسية ظهرت حتى الآن، والمنطق هنا يفرض علينا أسئلة منطقية بناء على تلك الحقائق وحقائق أخرى، ولنبدأ.

كل هذا يجعلنا نطرح السؤال الذى ضاع فى دخان نيران الفتنة وقنابل الغاز: من الذى أخرج شيطان الفتنة من مرقده ليضع هذا الفعل الشاذ الذى اصطلح على تسميته بـ«الفيلم المسىء» تحت الضوء؟! هذا «الشىء» المتاح منذ أشهر، وتم التعامل معه بما يليق به من التجاهل التام، من الذى أعاد تقديمه والإلحاح به علينا وربطه بشكل مباشر بأقباط المهجر؟! وهو الأمر الذى يعنى بالتبعية إشعال فتنة بين المصريين المسلمين والأقباط، وبدأت بوادرها بالفعل، لولا التغير الذى دفع بالريح فى اتجاه آخر، عندما ارتبط الفيلم ببلد إنتاجه، وهو أمريكا فاتجهت نيران الغضب نحو سفاراتها فى عدد من الدول، من بينها مصر، فهدأت نسبياً نيران الفتنة التى حاول مَن حاول أن يشعلها بين المصريين. ويعلم الله أنه لو لم تنح الأمور هذا الاتجاه لكان للوضع شأن آخر. هذا يعنى ببساطة أن هناك من يحاول أن يشعلها حريقاً فى مصر وينبغى أن ندرك هذا ولا ننساق وراء دعوات الحريق.

ولا ينبغى أن نمر على هذه النقطة دون التوقف عندها، فقد كاد الكثير أن يقعوا فى خطأ التعميم، عندما أطلقوا الاتهامات نحو أقباط المهجر، لأن عدداً من الأقباط لا يتجاوز أصابع اليد تلوث اسمه بهذا العمل، ونسى أولئك الذين وجهوا اتهامات معممة نحو أقباط المهجر ــ أو تناسوا ــ أن هذا التعبير ينطبق على ما يقترب من مليونى مصرى من الأقباط الذين يعيشون خارج مصر، ولكن فقط أشير إلى أول رسالة تلقيتها من مصرى قبطى يعيش فى أمريكا فى اليوم التالى لتوجيه الاتهامات لأقباط المهجر من المواد الإعلامية المنشورة فى الإعلام الأمريكى حول حقيقة الواقعة، ولذا طلب منى نقل هذه الرسالة لتصحيح الفهم، والموقف الآخر من بين مواقف متعددة وهو لصديق قبطى عاش عمره خارج مصر وإن ظل مرتبطا بها هو وأبناؤه حتى الآن، عندما قال لى صادقاً: «لقد شعرت بالخجل الشديد عندما شاهدت الفيلم بعد الضجة التى أثيرت حوله، هذا ضد الأخلاق والدين»، وتساءل: ماذا يستطيع أن يفعل، وماذا يقول لأصدقائه من المسلمين وأصدقائه من الأجانب؟! .

أما رد الفعل الرسمى، فقد كان متخبطاً بطيئاً بامتياز، خاصة عندما تطورت الأحداث، واتخذت منحى الهجوم على السفارة الأمريكية بعد دعوات التظاهر من قبل حلفاء الحكام الجدد الذين لم يشاركوا فى هذه المظاهرات والتزموا الصمت وأصابهم الحرج فى معالجة الموقف، عندما بدأ تظاهر حلفاء الداخل ضد حلفاء الخارج. وكان الصراع بين أى السلوكين يسلكون سلوك الدولة، أم سلوك الجماعة؟ وربما بدا هذا التخبط من خلال لغة الخطاب على الموقعين، فحدثوا حلفاء الداخل باللغة العربية بإعلان موقف يرضونه، بينما فى الموقع الإنجليزى اتخذوا موقفاً يرضى عنه الأمريكان والغرب، وهو الأمر الذى أحرجتهم به السفارة الأمريكية، عندما قالت فى بيان لها إن على الجماعة أن تدرك أنهم يقرأون باللغتين!! أما المظاهرات وما حولها فلها حديث آخر.

إمارة الترهيب

بقلم   عبداللطيف المناوى

خلق جمهورية الفزع والقلق والخوف لن يؤدى إلى انطلاق المجتمع إلى الأمام، فقط سيمكّن من يزرع تلك الحالة من القوة الحاكمة الجديدة من التمكن بشكل أكثر من السيطرة على إدارة هذه الدولة التى سقطت سهلة بين يديها لجهل أو ضعف أو طيش أو تآمر أو التحالف المشبوه لبقية القوى السياسية والمؤسسات الأخرى التى كانت فاعلة فى الساحة السياسية.

تبدو الجماعة الحاكمة اليوم فى مصر أنها ترفع شعار أمراء الانتقام المعروفين فى تاريخ البشرية «عدت لأنتقم»، هذا هو لسان حالهم فى التعامل مع أطياف المجتمع، فمن امتلك رأياً فيما يمارسون أو تحرك ضد أهدافهم أو تذكروا له موقفاً سابقاً فإن لغة الانتقام هى الأسلوب، ولكن بالقانون وبما لا يخالف شرع الله!!

الحالة الحاصلة فى مصر الآن أن كل مصرى مشروع متهم ما لم يثبت ولاءه أو خنوعه وخضوعه لرغبة وسياسات الجماعة الحاكمة، ولنا فى كل ما يحدث على الساحة دليل، ابتداء من «ذبح القطة» للقنوات التليفزيونية والصحف الشاردة بإغلاق القنوات ومحاكمة أصحاب الرأى المخالف، وكله بالقانون، أو تلك الهجمة الضارية ضد الصحافة القومية من خلال أدواتهم التشريعية المدعمة بأدواتهم القانونية، وهى تلك الهجمة التى لاقت غضاً للطرف من قبل القيادات النقابية التى كانت تاريخيا مع الصحافة والصحفيين فى أقسى وأشد اللحظات، لكن لغض الطرف ثمن يؤدى بتحقيق أحلام كانت بعيدة المنال إذا ما كانت الخبرة والكفاءة هما المعيار. وتوازى مع ذلك هجمة من شيوخ -أو هم يبدون كذلك- من خلال جميع الوسائل المتاحة للاغتيال المعنوى للمختلفين معهم واتهامهم بالكفر والإفساد فى الأرض، ولا يجدون دولة أو قانوناً يحاسبهم.

ويستمر مسلسل أمراء الانتقام فى الدولة الجديدة بالدفع بميليشياتهم القانونية من المحامين ليتفننوا فى تقديم البلاغات أشكال وألوان ضد أطياف المجتمع، يختلف الأفراد الذين يتعرضون لهذه البلاغات فى هوياتهم وخلفياتهم ولا يتفقون إلا فى أن لهم موقفاً معارضاً أو ناقداً للجماعة أو هناك «تار بايت» معهم، وحان وقت الانتقام منهم. المثير للضحك الذى هو أشبه بالبكاء هو تلك التصريحات الدائمة من القيادات من الأمراء الجدد بأنه لا علاقة لهم بهذه التصرفات والبلاغات، ولكنهم – أى مقدمى البلاغات – مواطنون شرفاء يريدون أن يصلحوا المجتمع ويطهروه من الفساد، مرة أخرى مليون علامة تعجب!!!

لم يتوقف الأمر عند هذا الحد بل لا بأس من إعادة فتح ما أغلق من قضايا، وهنا أذكر بعض ما يتردد فى أوساط بعض شيوخ العاملين فى مجال العدل من أن مسؤولاً جديداً طلب من مساعديه أن يطلعوه على القضايا المتهم فيها مسؤولون سابقون أو من لهم علاقة بالنظام السابق فعرضوا عليه القضايا محل التحقيق فاستدرك بأنه يريد ما أغلق منها لإعادة التحقيق فيه، وتزامن مع ذلك أيضاً ما تردد من أن هناك قائمة من ثلاثمائة شخصية على قائمة الانتقام تقرر أن تبدأ إجراءات الانتقام منهم. هذا هو ما أسميه «جمهورية الرعب»، أو «إمارة الرعب».

بات الخارج من مصر أو الداخل إليها من رجال أعمال أو ناشطين يسيطر عليه الإحساس بالقلق، فلا يدرى الخارج منها هل يخرج أم يكتشف اسمه من بين الممنوعين من السفر، والداخل إليها لا يعلم إن كان طريقه إلى بيته أم إلى مكان آخر.

عندما قرأت خبر إحالة فاروق حسنى إلى محكمة الجنايات لم أستغربه فى ظل تلك الحالة المسيطرة، حتى لو كان الرجل ممن يشهد له كل من عرفه بإخلاصه وطهارة يده، ولكنه الانتقام من مواقف سابقة و«التار البايت»، وهكذا هى الحال مع العديد من رجال الأعمال والسياسيين وأصحاب الرأى الذين يواجهون مصير الإرهاب والسيوف المسلطة على الرقاب لا لشىء إلا لأنهم يتجرأون بتحدى رغبة السطوة والاحتكار بلا منازع لوطن كان لنا جميعا.

مرة أخرى، لا مجال لنجاح أو لتطور وانطلاق هذا الوطن فى ظل سلوك احتكارى ترويعى رافض للآخر، وحتى الآن لم نر إلا هذا السلوك الذى يدفع بمسؤول كبير لأن يصرح لضيوفه بأنه لن ينسى لشخص ما مواقفه من الجماعة طوال الفترة الماضية مهما كان له من قيمة أو تاريخ أو دور فى وطنه أو خارجه، فلابد أن يدفع ثمن مواقفه(!!).

هل يمكن إنقاذ ما يمكن إنقاذه؟

بقلم  عبداللطيف المناوى

إحدى المشكلات الأساسية التى عانت منها مصر طوال العقود الأخيرة، وتضاعفت خلال الأعوام الأخيرة من عمر النظام السابق- هى تلك الحالة الشديدة من الضعف، التى انتابت جميع القوى والاتجاهات المعارضة، وأقصد تحديدا القوى المدنية، ولهذه المشكلة أسباب متعددة لا يمكن تحديد أيها أكثر أهمية وتأثيرا ولكنها بتواجدها وتفاعلها معا تسببت فى هذه الحالة من الهزال الشديد التى كانت الميزة الرئيسية والتى تميزت بها المعارضة المدنية التى خيبت الآمال وقت الجد.

السلوك الذى مارسه الحزب الحاكم فى ذلك الوقت وتزايد فى السنوات الأخيرة- كان يعتمد بشكل رئيسى على سلوك احتكارى استحواذى، اعتمد على الحرص على أن يضم فى صفوفه كل من يستطيع، والأهم أن يحول دون أن تتمكن أى قوة معارضة مدنية أخرى من تقوية صفوفها وحضورها السياسى والشعبى، ومارس الحزب الحاكم ممارسات صبت جميعها فى تقزيم المعارضة المدنية.

لكن الأمر لا يحمل وزره فقط الحكام فى ذلك الوقت ولكن للقوى المدنية المعارضة وعدد لا بأس به من السادة الليبراليين والمقيدين بكشوف الليبراليين، والذين احتلوا مواقع النخبة استسلموا لهذه الحالة، فمنهم من وجد أنه لا جدوى سوى الاستسلام للأمر الواقع، فباع المعارضة وسنينها وامتزج أو تحالف أو تزاوج مع القوة الحاكمة تحت أى مسمى، بل قررت بعض هذه القوى أن تلعب دور «الواد سيد الشغال» فى مسرحية عادل إمام الشهيرة، كمحلل لأى اجراء أو تحرك كى يكتسب شرعية بوجود أو موافقة أو مشاركة هذا المحلل. بينما بعض القوى الأخرى أصابتها أمراض النظام الحاكم نفسها، من شيخوخة القيادة والأفكار والصراع على مناصب داخل مؤسساتهم المعارضة التى لا تحظى بحضور فى الشارع. وأستطيع القول إن أكثر من فرصة لاحت لحضور قوة مدنية مؤثرة على الساحة ولكن لم تستغل، لأن أطرافها فى ذلك الوقت كانت كالطائر الذى اعتاد قفصه فرفض الطيران.

هذا الوضع كان من بين الأسباب الرئيسية التى ساهمت فى انتشار وتغلغل تيارات الدين السياسى فى المجتمع، وهى تيارات تملك بطبيعتها وطبيعة المجتمع القدرة على العيش والانتشار، رغم الظروف غير المواتية، خاصة فى ظل غياب رؤية سياسية حقيقية لدى النظام لمفهوم المعارضة المدنية إضافة إلى غياب رؤية لخطورة تغييب مثل هذه المعارضة وتهوين من قدرات جماعات الدين السياسى.

والسؤال الآن: هل حدث تغير كبير فى المجتمع؟ هل أدركت القوة الحاكمة أو القوى المدنية المعارضة الواقع الجديد؟ أظن أن الاجابة عن هذا السؤال هو واجب على أى مهتم للحفاظ على مدنية الدولة، والأهم هو التحرك من أجل تجاوز مشكلات الماضى. ولكن إجابتى عن السؤال يمكن أن أضع لها رؤوس أقلام تحتاج الى تعمق أكبر فيها ودراسة جادة متخصصة لها. لكن ما يمكننى قوله فى هذا المقام التأكيد على أن سياسات الحكام الجدد تؤكد أنهم يسلكون الطريق الاحتكارى الاستحواذى نفسه الذى كان يمارس من قبل، مع تعديلات خطيرة فى الواقع، فالحزب الحاكم الحالى يقصر احتكاره واستحواذه على المنتمين للجماعة والتابعين، فيما يمارس بأسلوب قاطع وحاسم عملية اقصاء لغير المنتمين والتابعين، بل يتمدد داخل إدارات الدولة ليسيطر على مفاصلها بشكل تام، مما يتيح له استخدام الوسائل الإدارية فى عملية «تحزيم» للمجتمع والحيلولة دون صعود تيار مدنى قوى يخلق حالة توازن نسبية فى المجتمع، والتفاصيل هنا كثيرة، والأمثلة عصية على الحصر خلال الفترة الزمنية القصيرة السابقة.

هذا على جانب الحكام الجدد، أما على جانب القوى المدنية فيبدو أن جزءا من أمراض الماضى مازال متأصلاً فى بعض هذه القوى، فظل بعضها يقوم بدور المحلل الذى أجاده من قبل، والبعض الآخر استمر فى خلافه الداخلى على قيادة مركب غير موجود بعد. أما القوى المدنية الأخرى، فقد انشغلت بتأكيد ذاتيتها ومرجعيتها ومارست سلوكا نرجسيا وتحولت إلى جزر منفصلة، بل متصادمة فى أحيان عدة، وبدلا من البحث عن مناطق الاتفاق وتوسيع قاعدة الاتفاق انشغلت بعض هذه القوى فى اتهامات متبادلة بالخيانة الثورية والانتماء للنظام السابق والتشكيك فى المواقف والانتماء للداخل والخارج، إضافة إلى رغبات زعامة تعوق التحالف والاتفاق بين هذه القوى. لسان حال الراغبين فى حماية مدنية مصر يصرخ «يا مدنيى مصر اتحدوا» لكنهم للأسف مشغولون أو مازالوا يعانون من أمراض الماضى، والنتيجة صمم يعوق سمع النداء وعجز عن الفعل الصحيح.

ليس المطلوب هنا تكوين قوة انقلاب، فالواقع الجديد بات حقيقة واقعة، لكن المطلوب وجود قوة مدنية حقيقية مؤثرة تقوم بدورها فى حماية البقية الباقية من مدنية الدولة وحماية الحريات الفردية والحد من الأداء والسلوك الاحتكارى والإقصائى.

الفكرة الرئيسية للمقال قبل كتابته كانت الإجابة عن سؤال: هل أخونة الدولة قدر أم خطر؟! ولكنى وجدت نفسى أكتب ما كتبت، وأظنه يصلح لأن يكون مقدمة للإجابة عن السؤال.

مساهمة «زويل» فى علاج آثار الخلل السلوكى

بقلم   عبداللطيف المناوى

مشكلات ملكية الأراضى والعقارات ووثائق ملكيتها إحدى المشكلات الكلاسيكية فى مجتمعنا، وجزء لا بأس به من القضايا المدنية المنظورة أمام القضاء يتعلق بشكل أو بآخر بنزاعات إثبات ملكية، والطريف أنه عادة ما يمتلك كل طرف من الأطراف وثائق تثبت ملكيته العقار المتنازع عليه تدحض وثائق الطرف الآخر. بات هذا الشكل شكلاً فلكلورياً تقليدياً نابعاً من عديد من الأسباب مرتبطة بثقافة المجتمع وغياب التوثيق الدقيق لثروة المصريين فى العقارات والأراضى.

إذا كانت هذه الصورة باتت متفهمة ومقبولة بحكم الأمر الواقع، فإنها لا تكون مقبولة فى بعض الحالات، وأكثر الحالات التى لم أستطع تقبلها فيها هى ذلك الوضع الذى وضع فيه د.أحمد زويل نفسه، عندما بدا مثله مثل أى مواطن بسيط يقاتل من أجل إثبات ملكيته قطعة أرض، حتى لو اضطر لوثائق مشكوك فيها أو يعتمد على ضعف ذاكرة القاضى أو عدم تركيزه فيحكم له بملكية الأرض. هذه للأسف كانت صورة دكتور زويل وهو يقاتل كمحام فى قاعة محكمة سيئة الإضاءة والتهوية من أجل أن يثبت أن الأرض والمبانى، التى نبتت فيها مدينة زويل بشكل شيطانى مفاجئ«!» هى ملكية خالصة له يحاول انتزاعها من جيران السوء الذين يطلقون على أنفسهم جامعة النيل. يحاول دكتور زويل أن يثبت بصور ضوئية لقرارات تخصيص واجتماعات مجالس أمناء وتلويح بمخالفات قانونية قديمة «يفضل ألا يتحدث عنها» كما يقول، كل هذا ليثبت أنه لم يعتد على مبانى وأراضى جامعة النيل، وأنها ملك خالص له لا ينازعه فيه أحد.

وبغض النظر عن الوثائق والوقائع التى تثبت أن كل ما استند إليه دكتور زويل من وثائق وتواريخ مشكوك فيها، ورغم أن كل الشواهد الواقعية والمادية تقول إن هذه الجامعة ومبانيها سابقة لكل ما يدعيه، رغم كل هذا إلا أن الأمر أكبر من هذه الصغائر، وأصغر من أن يرتبط اسم عالم حاز جائزة نوبل بقضية نزاع على أرض، بل يبدو أن هذا العالم قاس فى موقفه تجاه شباب يبدأ حياته العلمية. كان الأجدى والأوقع أن يكون موقف العالم الكبير مختلفا عما نراه الآن. لقد كان غريباً أن يتباهى العالم ومعه رئيس الوزراء الأسبق «شرف» أمام مبنى ليس لهما، وأمام ماكيت لمشروع نزع عنه اسم النيل وألصق عليه اسم زويل، ولم يدرك هؤلاء أن اسم النيل هو الباقى ويزول اسم الأشخاص.

كنت من الذين انتقدوا الأسلوب الذى أنشئت به جامعة النيل لما ارتبط بها من شكوك حول الإجراءات التى تم بها، وما بدا وقتها أن هناك محاولة لتأمين موقع خاص لرئيس الوزراء وقتها دكتور أحمد نظيف، وقد أثار هذا الموضوع ضجة فى حينها واتخذت بعض الإجراءات لتصحيح الموقف. لم يكن اعتراضى وقتها على الجامعة كفكرة ومشروع، فقد حدث أن أحد أساتذتها صديق شخصى وشرح لى وقتها أهمية واستراتيجية مشروع الجامعة فى البنية البحثية والتعليمية المصرية، لكن اعتراضى كان على ما شاب إجراءات إنشائها. وفى إطار حالة الاندفاع نحو نفاق الرأى العام صدر قرار إعدام جامعة النيل يوم الخميس التالى لانهيار النظام السابق، والسبت التالى كان قرار بدء العمل فى مدينة زويل على جثة جامعة النيل.

أنا هنا أوجه رسالة إلى دكتور زويل، أقول له: نحن أصبحنا نعانى كثيراً خلال الفترة الأخيرة من سلوكيات تحتاج تضافر الجميع من أجل الحد منها، نحن نعانى من حالة شديدة من احنقان النفوس والغضب المتجاوز وتجاوز القوانين، بل والإطاحة بها. نحن نعانى من سواد فى بعض القلوب، قررت انتهاز الفرصة لتفرض سوادها على كل مناحى حياتنا وسلوكنا، ما نتوقعه منك فى هذه المرحلة أن يكون موقفك أنت هو سلوك العلماء الوطنيين الذين يبنون ولا يهدمون، ما أتوقعه منك أن تنهى أنت هذه المشكلة بإعطاء الحق لأصحابه، وأن تبدأ أنت مشروعك دون الدخول فى منازعات أراض.

هذا هو ما نتوقعه منك كإضافة لك فى مشروع إعادة البناء لنفسية وسلوكيات المجتمع، وهذا أمر يبنى المستقبل.

مخططات الإشغال بعد ركل السلم الخشبى

بقلم عبداللطيف المناوى

إحدى المقولات السائدة أن تيار الإسلام السياسى يستخدم الديمقراطية وأساليبها كالسلم الخشبى المتحرك، يستخدمه ليصعد به إلى السلطة والسطوة، وما إن يصل إلى هدفه يركل السلم الخشبى بقدمه، فلا هو نزل عن السلطة ولا غيره صعد إليها. وحتى الآن، التجارب التى رأيناها ونراها حولنا تؤكد هذا المفهوم، ومقدمات ما نراه حتى الآن لدينا تؤكد أيضا هذا التخوف.

إحدى الدول التى سيطرت عليها القوى الدينية، وهى إيران، تنصل قادتها الدينيون من التزاماتهم بعدم التدخل فى السياسة أو ممارسة أى دور سياسى فى أقل من أسبوعين بعد سقوط الشاه، وانتهى الأمر بإيران إلى ما نراه اليوم، ولكن هناك فارقاً رئيسياً فى النموذج الإيرانى، لأنها دولة غنية وتمتلك قاعدة اقتصادية قوية من أيام حكم الشاه، إضافة إلى وزنها فى سوق البترول العالمية.. هذا الوضع الاقتصادى القوى ريعيا ساعد النظام فى السيطرة على الأمور، ومكّنه من تجاوز الآثار السلبية لركله السلم الخشبى بتلك الإمكانيات الاقتصادية، فالحاجة الأولى للشعوب هى إمكانية العيش الآمن اقتصاديا، والقدرة على تجاوز أى ضغوط اقتصادية يمكن أن تمارس دوليا، وشراء حلفاء وعملاء محليين ودوليين، وضع إيران الاقتصادى هو ما مكّن نظام الملالى فى إيران من الاستمرار أكثر من ثلاثين سنة حتى الآن.

الأسلوب الثانى للاستمرار فى السيطرة على مقاليد البلاد إذا ما كان هذا البلد يعانى اقتصاديا ـ وهناك نموذج جار لنا ـ هو حل المشكلات كلاميا، واختلاق الأزمات الداخلية والخارجية التى تشغل الرأى العام أو تخلق داخله حالة من الإحساس بالخطر أو المساس بالكرامة الوطنية التى يختزلها أفيال النظام السياسى الحاكم، فيعطى لنفسه مبرر البقاء والتشبث بالسلطة إلى الأبد أيا كان الثمن، ويتماثل النموذجان الغنى والفقير فى اتجاههما بأساليب مختلفة نحو السيطرة الكاملة والاستحواذ والتمكين من كل مفاصل الدولة، مع استبعاد الآخرين المختلفين والمعارضين وتضييق مساحات التعبير والتأثير فى الرأى العام.

إكسير الحياة لمثل تلك الأنظمة هو اختلاق المشكلات والأزمات التى تمكّنه من استمرار السيطرة والإقصاء للآخر، ولا بأس هنا من خلق أزمة حقيقية مع جزء من نسيج الوطن لخلاف دينى أو عرقى، ولتشتعل أزمة أو حربا ثمنها انفصال واقتطاع جزء من الوطن، وهذا حدث بالفعل وضاع جزء من الدولة ولكن بقى النظام. تتعرض مثل هذه الأنظمة لضغوط ومخاطر خارجية، بل تسعى حتى إلى افتعال الأزمات لخلق هذه الضغوط الخارجية التى تدفع المواطنين إلى تجاوز أزماتهم الداخلية والالتفاف حول النظام القائم حتى لو كان فاشيا ديكتاتوريا، لأنه يتعرض لخطر خارجى والالتفاف حوله ودعمه هو التزام وطنى، لأن الكرامة الوطنية تم المساس بها، ونجح النظام فى خلق الإحساس بالخطر.

مثل هذه الأنظمة التى تسعى بالأساس إلى السيطرة والاستمرار فى الحكم أيا كان الثمن تسلك كل الطرق لتحقيق هذا الهدف، هدف الركل بالسلم الخشبى أيا كان اسمه، ديمقراطية أو ثورة أو انتفاضة، لينفرد التيار بالجلوس وحده، فلا غيره صعد ولا هو نزل.

هناك من سيبادر بمناقشة هذا الرأى بأن النموذج التركى يختلف، وهذا حديث آخر يطول فى وقت آخر، ولكن ما يمكن طرحه الآن هو أن النظام التركى ليس نظاما يسيطر عليه تيار الإسلام السياسى، بل إن تركيا – كما قال قادتها – هى دولة مدنية علمانية، يحكمها حزب سياسى مدنى ذو ملامح دينية، أساس عقيدته الحفاظ على مدنية وعلمانية الدولة.