ثقافة «اليوم التالى»

«إحيينى النهارده وموتنى بكرة»، هذا هو أحد الأمثال الشعبية المصرية، التى أظن أن لها مثيلا أو معادلا لدى كل شعوبنا العربية، من المحيط الهادر حتى الخليج الثائر. وبالتدقيق فى مفهوم مثل هذا القول الشائع نستطيع أن نتلمس إحدى أهم المشكلات، أو لنقل الأمراض، التى تميز الشخصية العربية. وهذه المشكلةـ أو هذا المرض ـ يتمثل فى أننا دائماً عاجزون أو غير راغبين فى تحديد خطواتنا التالية لما بعد اليوم. بشكل آخر فإننا دوماً نترك أنفسنا فى موقع رد الفعل، لا نحاول أن نخطط سيناريوهات مختلفة للأحداث التى نواجهها أو قد نواجهها. أى أننا لا نملك سيناريوهات مختلفة لحياتنا، ولا نمتلك بدائل متعددة، ولكن ننتظر حتى يقع الحدث سواء كان الحدث سلبياً أو إيجابياً، وبعدها نقرر ماذا نحن فاعلون.hqdefault

هذا النمط من التفكير ليس حكراً على قيادات فى مجالات مختلفة فحسب، ولكنه أسلوب حياة اخترنا أن نعيشه، ابتداء من أصغر خلية فى المجتمع، التى تبدأ من الشخص منفرداً، إلى الأسرة، إلى العائلة أو القبيلة، وحتى أعلى مستوى فى المجتمع. نحن فى حياتنا لا نطرح السؤال البسيط المهم «وبعدين؟» أو «وماذا بعد؟»، أى ماذا بعد أن نختار أن نقوم بفعل ما، أو ماذا بعد أن يقع حدث ما؟ ما الذى يمكن أن يحدث وكيف يمكن أن نتعامل مع المتغيرات. نحن كأسرة نقرر أن نخرج من المنزل ولكن لا نعلم وجهتنا ولا ماذا نحن فاعلون، وإلى أين نحن متجهون، نكتشف فجأة أن شهر رمضان يبدأ فى اليوم التالى وكأننا لا نعلم بقدومه منذ 11 شهراً.

من منا يعلم ماذا سيفعل الصيف المقبل؟ كم واحدا بيننا يخطط لإجازته فى نصف العام المقبل؟ هل قرر أى منا إذا كان مسافرا أو زائرا لأهله أو باقيا فى مدينته أو بلدته؟ كم واحدا منا يخرج من بيته مع عائلته يوم إجازته وهو يعلم ماذا سيفعل؟ وما هو مخطط اليوم؟ أظن أن الإجابات عن كل هذه الأسئلة لن تكون مفاجئة‏،‏ لأن الإجابة التى أتوقعها أن معظمنا لا يعلم أو لم يقرر أو لم يخطط لما سوف يفعله‏،‏ بل أظن أن البعض منا يمكن أن يفاجأ بالأسئلة ذاتها‏.‏ للأسف الشديد فإن وضع نظام محدد وخطط واضحة لخطواتنا المقبلة هو الأمر الأكثر استبعادا‏.‏ هذه مسألة نعانى منها على المستوى الشخصى ومستوى الأفراد‏،‏ ومستوى التعليم ومستوى التربية‏،‏ نترك الأمور والأيام تقودنا ولا نعطى لأنفسنا القدرة أو الرغبة او الإرادة فى أن نقود نحن الأيام‏،‏ نضع أنفسنا فى موقف رد الفعل فى معظم الحالات والمواقف‏،‏ نترك الأحداث تداهمنا والأيام تمر بنا وتتخطانا ولا نضع مخططا لمواجهة تلك الأحداث أو الاستفادة من الأيام المقبلة قبل أن تأتى‏.‏

ليس ما فات فقط هو كل الصورة‏،‏ ولكن الجانب الآخر منها هو التالى لتعاملنا مع موقف أو أزمة‏،‏ نحن نتفاعل مع الأزمة أو الموقف لحظة مواجهتنا له‏،‏ نتحمس أحيانا‏،‏ نتصرف بشكل صحيح أحيانا، نتغلب على الموقف أو نتجاوز الحدث‏،‏ ننجح أحيانا ونفشل أحيانا‏،‏ ولكن الأكيد أن كثيرا منا لا يعرف ما هى الخطوة التالية‏،‏ أو ماذا بعد‏،‏ ليس هذا فقط‏،‏ بل إن بعضنا يمكن أن يقرر أن يخرج من بيته ثم يقرر فيما بعد ماذا سيفعل‏،‏ نفتقد هنا ما يمكن أن نطلق عليه ثقافة اليوم التالى‏،‏ أو ثقافة وماذا بعد وهذه مرتبطة بالمسألة الأولى المرتبطة بالتخطيط المسبق لأيامنا ومواقفنا‏،‏ أو هى الوجه الآخر لها‏.‏ تواجهنا الأزمة‏،‏ أو المشكلة أو الكارثة أو الموقف، ونتخذ رد فعل سريعا قد يكون موفقا‏،‏ أو غير موفق دون أن نقرر وماذا بعد‏،‏ أو ماذا سنفعل الخطوة التالية‏،‏ أو ماذا سيكون رد فعلنا لو أننا فشلنا هنا أو نجحنا‏.‏

هذه الثقافة هى التى تنتج لنا أياما بلا خطط‏،‏ وأحداثا نجد أنفسنا دائما فى الموقف المتفاجئ بها‏،‏ لنكون فى معظم الأحيان فى موقف رد الفعل وليس موقف الفاعل‏،‏ فى موقف من تقوده الأحداث‏،‏ وليس موقف من يسيطر عليها ويدفعها لمصلحته أو يقلل من آثارها السلبية‏،‏ إن كان لها آثار سلبية‏.‏

بعضنا يخرج فى مظاهرات حاشدة، ولكن لا يحدد ماذا يريد من التظاهرة، وما هى الخطوة التالية لها، وكيف يمكن البناء عليها والاستفادة منها. نطالب باتخاذ مواقف مثل المقاطعة مثلاً، ولكن لا نحدد، بعد أن نتخذ هذا الموقف، ما هى الخطوة التالية وكيف يمكن الاستفادة من رفع شعار جذاب يمكن أن يكون سلاحاً ذا حدين. وهكذا ترتفع مستويات الفعل والحدث ورد الفعل المقابل حتى تصل إلى المستويات الأعلى، فلا نعرف ماذا نحن فاعلون تجاه العراق الآن، وماذا نحن فاعلون إذا ما سقط النظام هناك، ولا نعرف ماذا نحن فاعلون إذا ما وقعت الحرب، ما هى خطواتنا التالية، وكيف نواجه مرحلة ما بعد الحرب.

إن ما نفتقد إليه هو ما أسميه ثقافة «اليوم التالى» أى ثقافة الاستعداد لمواجهة مختلف الاحتمالات بردود فعل مناسبة لهذه الاحتمالات. وهذا العيب، كما ذكرت فى البداية، ليس عيباً تنفرد به القيادات على مختلف المستويات، وليس عيباً تنفرد به السياسات العامة، بل عيب كامن فى تكويننا كأفراد وكأسر وجماعات، ولذلك يتسرب ذات العيب حتى أعلى المستويات.

إذا ما بدأنا كأشخاص نعرف ماذا نحن فاعلون بعد أن ننتهى من قراءة هذه الجريدة، فالأكيد أننا نضع أقدامنا على أول طريق المعرفة.

ثقافة الأمل

على الرغم من أن المصريين القدماء، هم من علموا العالم كله ماذا تعنى صناعة المستقبل والغد، عبر آثارهم التى تثبت يوماً بعد يوم أن هناك من فكر ذات يوم فى الخلود وصنع الخلود بأهرامات ومعابد وثقافة مازالت متجذرة ومؤثرة حتى اليوم، إلا أن أحفادهم ـ أحفاد الفراعنة ـ نسوا ذلك، ولم تتعد خططهم سنوات قليلة قادمة، تنتهى أو تتوقف بمجرد رحيل المسؤول.Abdul-Latif-Al-Minawi

وبهذه الطريقة لم تكتمل لنا خطة، أو استراتيجية، حيث تتغير الاستراتيجيات مع قدوم المسؤول، وتنتهى مع رحيله، ولم نشهد أو نر من يضع خطة للمستقبل، وللأمل الذى يواكب تطلعات المواطنين، الذين ارتفع سقف أحلامهم وطموحاتهم من أجل مستقبل أفضل لهم ولأولادهم ولوطنهم.

ولم تكن هذه آفة المسؤولين فقط، بل آفة المجتمع كله، فمن منا يعلم ماذا سيفعل الصيف المقبل؟ كم واحدا بيننا يخطط لإجازته فى نصف العام المقبل؟ هل قرر أى منا إذا كان مسافرا أو زائرا لأهله أو باقيا فى مدينته أو بلدته؟ كم واحدا منا يخرج من بيته مع عائلته يوم إجازته وهو يعلم ماذا سيفعل؟ وما هو مخطط اليوم؟ أظن أن الإجابات عن كل هذه الأسئلة لن تكون مفاجئة‏، لأن الإجابة التى أتوقعها أن معظمنا لا يعلم أو لم يقرر ويخطط لما سوف يفعله‏،‏ بل أظن البعض منا يمكن أن يفاجأ بالأسئلة ذاتها‏.‏ للأسف الشديد فإن وضع نظام محدد وخطط واضحة لخطواتنا المقبلة هو الأمر الأكثر استبعادا‏،‏ هذه مسألة نعانى منها على المستوى الشخصى ومستوى الأفراد‏،‏ ومستوى التعليم ومستوى التربية‏،‏ نترك الأمور والأيام تقودنا ولا نعطى لأنفسنا القدرة أو الرغبة أو الإرادة فى أن نقود نحن الأيام‏،‏ نضع أنفسنا فى موقف رد الفعل فى معظم الحالات والمواقف‏،‏ نترك الأحداث تداهمنا والأيام تمر بنا وتتخطانا ولا نضع مخططا لمواجهة تلك الأحداث أو الاستفادة من الأيام المقبلة قبل أن تأتى‏.

هذه الثقافة هى التى تنتج لنا أياما بلا خطط‏،‏ وأحداثا نجد أنفسنا دائما فى موقف المتفاجئ بها‏،‏ لنكون فى معظم الأحيان فى موقف رد الفعل وليس موقف الفاعل‏،‏ فى موقف من تقوده الأحداث‏،‏ وليس موقف من يسيطر عليها ويدفعها لمصلحته أو يقلل من آثارها السلبية‏،‏ إن كان لها آثار سلبية‏.

ليس ما فات فقط هو كل الصورة‏،‏ ولكن الجانب الآخر منها هو التالى لتعاملنا مع موقف أو أزمة‏،‏ نحن نتفاعل مع الأزمة أو الموقف لحظة مواجهتنا له‏،‏ نتحمس أحيانا‏،‏ نتصرف بشكل صحيح أحيانا نتغلب على الموقف أو نتجاوز الحدث‏،‏ ننجح أحيانا ونفشل أحيانا‏،‏ ولكن الأكيد أن كثيرا منا لا يعرف ما هى الخطوة التالية‏،‏ أو ماذا بعد ‏،‏ ليس هذا فقط‏،‏ بل إن بعضنا يمكن أن يقرر أن يخرج من بيته ثم يقرر فيما بعد ماذا سيفعل‏،‏ نفتقد هنا ما يمكن أن نطلق عليه ثقافة اليوم التالى،‏ أو ثقافة وماذا بعد، وهذه مرتبطة بالمسألة الأولى المرتبطة بالتخطيط لمستقبل أيامنا ومواقفنا‏،‏ أو هى الوجه الآخر لها‏.‏ تواجهنا الأزمة‏،‏ أو المشكلة أو الكارثة أو الموقف ونتخذ رد فعل سريعا قد يكون موفقا‏،‏ أو غير موفق دون أن نقرر وماذا بعد‏،‏ أو ماذا سنفعل الخطوة التالية‏،‏ أو ماذا سيكون رد فعلنا لو أننا فشلنا هنا أو نجحنا‏.‏

أحد إنجازات مؤتمر شرم الشيخ الاقتصادى «مصر المستقبل» هو إعادة ثقافة الأمل، وصناعة المستقبل والغد، فمع النتائج المبشرة التى خرج بها المؤتمر، عادت روح التفاؤل تعم مرة أخرى، وعادت تطلعات المصريين فى غد أفضل للظهور مرة أخرى، لكن اللافت أيضاً أن الدولة هى التى أصبحت تقود هذا الطريق بمؤسساتها، فإذا كان عدد من المشروعات التى تم توقيعها سيستغرق عدداً من السنوات، تستمر بعد رحيل المسؤول، وترتبط فقط باسم الوطن، فإن الدولة نفسها لأول مرة تعلن عن استراتيجية 2030، وهذه لها مغزى آخر كبير. فمعنى أن الدولة تضع استراتيجية، ستنفذ خلال خمس عشرة سنة قادمة، هو أن الدولة بدأت بالفعل تفكر فى المستقبل، وفى استراتيجيات طويلة المدى، وفيما هو أبعد من عمر الحكومة الحالية أو الرئيس الحالى، بدأت تسير فى اتجاه صناعة الأمل والغد للأجيال القادمة، هذا لا يصنع الأمل فقط للمصريين، بل يمنح الثقة للشركات الأجنبية المستثمرة فى أن هذا الوطن يفكر لمدى أبعد، يفكر فى إعادة بناء الوطن، ووضع مصر فى مكانتها العالمية التى تستحقها.

لو كنت مكان السيسى فى شرم الشيخ

President Abdel Fatah Elsisiصحيح أن الرئيس السيسى وجّه خطابه إلى العالم عدة مرات، لكن تظل كلمته التى سوف يلقيها فى شرم الشيخ ذات طابع خاص، لذلك ينتظرها العالم ليسمع من الرجل وهو يواجه ويوجه كلمته وكلمة شعبه إلى ممثلى دول العالم، منها الصديق ومنها المتحفز، وإلى مستثمرين منهم من حقق المكاسب فى مصر فيما مضى ويريد أن يستمر، ومنهم من ينتظر ليحقق هو الآخر نجاحاً ينعكس على حسابات نجاحه وأرباحه. هذه الأجواء تعطى لكلمة السيسى أبعاداً جديدة، واستقبالها سيكون مختلفاً. لذلك أعتقد أنه من الضرورى أن تتضمن هذه الكلمة تحديد مواقف من قضايا معينة حتى لو بدا فيها تكرار، وذلك بهدف تحقيق الهدف المرجو باستعادة ثقة العالم فى الأداء المصرى سياسياً واقتصادياً.

لو كنت مكان السيسى فى شرم الشيخ لاستخدمت تعبير «حلم الدولة المصرية الحديثة»، باعتباره الأمل الذى يراود كل مصرى عانى خلال السنوات الأخيرة وشارك فى العمل وتحمل الأوضاع بهدف تحقيق مبادئ العدالة الاجتماعية والكرامة وبناء الدولة على أسس ديمقراطية حديثة تحقق احترام سيادة القانون والاستقرار والتقدم الاقتصادى الذى يأمل فيه جميع المصريين.

لو كنت مكانه لقلت إنه لا شك أن إعادة بناء الاقتصاد المصرى، خلال السنوات القليلة المقبلة، والنهوض بالدولة المصرية، يحتمان على جميع المصريين وأشقائهم وأصدقائهم من خلفهم مواجهة جميع التحديات بكل جهد وإخلاص وأمانة، كما يحتم تأسيس علاقات دولية متوازنة، خاصة مع الأصدقاء القدامى كالولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا وروسيا وغيرها من الدول التى تتمتع بثقل سياسى واقتصادى على الصعيد العالمى.

الانتخابات الرئاسية التى شهدتها مصر وأتت برئيس إجماع هى بوابة العبور إلى الأمل وبناء الدولة الحديثة.. أتت هذه الانتخابات فى فترة عصيبة من تاريخ مصر بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات من الاضطرابات السياسية والأمنية، إلا أن الشعب المصرى أثبت أنه أصبح صاحب القرار، ولن يقبل أى تدخل أجنبى فى مسيرته وأحلامه الوطنية.

الدولة المصرية الحديثة ينبغى أن تكون دولة القانون، تطبيق الدستور وبناء الديمقراطية وتحقيق العدالة وحماية حرية الفكر والتعبير واحترام سيادة القانون هى الأسس التى تحفظ لها مكانتها وقوتها.

أما فيما يتعلق بالقضايا المنظورة حالياً أمام الدوائر القضائية، والتى تسبب بعضها فى إثارة جدل كبير لدى مختلف الدوائر السياسية والحقوقية ومنظمات المجتمع المدنى حول العالم، فعلى الرئيس أن يوضح فى هذا الإطار أننا فى هذه المرحلة الراهنة لا يمتلك أحد سلطة التدخل فى أعمال القضاء، وذلك اتساقاً مع المبادئ الأساسية والأفكار التى نعمل على تأصيلها، يتمثل جوهرها فى عدم التدخل فى شؤون السلطة القضائية بصفتها سلطة مستقلة طبقاً للدستور، ومن يعتقد خلاف ذلك فمن المؤكد أنه لا يدرك بشكل حقيقى الأوضاع فى مصر، كما أن دعم السلطة القضائية واحترام سيادة القانون يمثلان إحدى أهم أولوياتنا فى الفترة المقبلة، وذلك لنتمكن من تأسيس دولة القانون، لأنه لا وجود لديمقراطية فى غياب دولة القانون.

مصر الجديدة هى الدولة التى ينبغى أن تتمتع بالأمن والأمان، حيث يشعر السائح بالطمأنينة.. حيث يقبل المستثمر على الدخول فى السوق المصرية بأمان بما يعود فى النهاية بالخير على المصريين جميعاً، ولا شك أن هذا المناخ الجديد سيغير نظرة العالم إلى مصر باعتبارها دولة ديمقراطية مستقرة متطورة تتمتع بالأمن والأمان.

لو كنت مكان السيسى لأكدت أن مصر الجديدة تؤمن بالحقوق والمسؤوليات التى يمنحها الدستور للشعب المصرى والنخبة السياسية. مصر الجديدة التى لا تكون فيها المؤسسة العسكرية هى فقط الضامن الوحيد للاستقرار الوطنى والحصن الوحيد ضد التطرف، الذى انتشر بشكل محزن وغريب على مجتمعنا الذى تميز طوال التاريخ بالاعتدال والتمسك بالقيم والأخلاق، وأيضاً انتشر فى مختلف أرجاء العالم. لذلك نعمل على ألا يكون فى مصر مكان لأى أيديولوجيا متطرفة أو لأى تنظيم يسعى للإضرار بأمن مصر واستقرارها، فشعب مصر العظيم حكم بالفشل على الإسلام السياسى الذى قدمته جماعات المصالح الخاصة التى صعدت للسلطة باسم الدين ولم تحترم مصالح الوطن أو سيادة القانون أو حتى الشعب المصرى.

لو كنت مكان السيسى لأكدت أن مصر حققت تقدماً كبيراً فى صياغة دستور والبدء فى بناء ديمقراطية فاعلة، لكننا نواجه تحديات اقتصادية هائلة، فبالرغم من أن مصر غنية بالموارد البشرية والكفاءات فى مختلف المجالات، فإن الكثير من المصريين يعانون الفقر والبطالة وسوء الحالة الصحية وأزمة السكن، التى تعد جميعها تركة ثقيلة خلفها فشل الأنظمة السابقة، فضلاً عن بنية تحتية متداعية أثرت بدورها على عمليات التنمية الاقتصادية والنهوض بالمجتمع. نحن ندرك فى مصر صعوبة الواقع الذى نعيشه، لكننا نواجهه بشجاعة. أدركنا أن مصر تحتاج إلى خطة للإنعاش الاقتصادى على المدى الطويل بشكل يضعنا على طريق النمو الاقتصادى المستدام والتنمية الاجتماعية، وهذا ما عملنا عليه طوال الأشهر الماضية.. نحن نحتاج إلى التكاتف جميعاً لإعادة بناء الدولة والنهوض بها كى تصبح فى مصاف الدول المتقدمة. هذه الخطة لإنعاش اقتصادى تتناول بالتوازى جميع الملفات من فقر وبطالة وأمن وصولاً إلى إنعاش قطاع السياحة وجذب الاستثمارات الأجنبية المباشرة وتنويع الاقتصاد وتعظيم الاستفادة من الطاقة النظيفة وتحديث البنية التحتية. ولكن لتحقيق هذه الخطة لجأنا إلى اتخاذ بعض الخيارات السياسية الصعبة وإجراء إصلاحات داخلية ضرورية تفهمها أهلنا فى مصر ودعموا قيادتهم لإدراكهم أهمية هذه الإجراءات، كما سنحتاج الوقت والصبر حتى يشعر المواطن بتحسن ملموس فى مختلف القطاعات.

لو كنت مكانه لقلت فى النهاية إننى سأسعى إلى جانب تحقيق الأمن والاستقرار والأمل لبلادنا، لاستعادة تحالفاتنا السابقة وتعزيز علاقاتنا الدولية وخلق مناخ يمكننا من استعادة ثقة المستثمرين فى مصر مرة أخرى.

هل أفلت الإخوان من التقرير البريطانى؟

نشرت صحيفة التايمز أخيراً، مقالاً حول تقرير الحكومة البريطانية بشأن أنشطة الإخوان المسلمين فى بريطانيا، وكيف يمكن أن تؤثر تلك الأنشطة على علاقات بريطانيا بدول الشرق الأوسط، كما كشف المقال عن الضغوط التى تجرى لتخفيف حدة التقرير.198968_1925889754891_1471580740_32131816_3447614_n

اشترك المحرر السياسى «فرانسيس إليوت» ومحرر الجريمة والأمن «شين أونل» فى كتابة المقال الذى يقول إن علاقات بريطانيا مع حلفائها فى الشرق الأوسط يمكن أن تتعرض للتوتر بسبب ملاحقة الحكومة البريطانية للإخوان المسلمين التى يصفها المقال بأنها أكبر حركة إسلامية فى العالم، ويقول الكاتبان إن الملاحقة البريطانية قد اشتدت كثيرا لكنها توقفت عند حدود وصف الجماعة بالإرهابية.

هذا التوقف الذى أشار إليه المقال، يدفعنا للتساؤل: هل أفلت الإخوان من التقرير البريطانى؟ هل نجحت الضغوط الإخوانية، عبر شبكة المصالح والعلاقات الضخمة، والتى تكونت طوال السنوات الماضية ـ برعاية مخابراتية ودولية ـ فى وقف ملاحقة الجماعة؟ هل هذا يكشف لنا إذن عن سرّ الدعم الأمريكى والبريطانى بالرغم من الإطاحة بهم فى مصر، للإخوان، وهل يكون هذا التوقف هو الجواب على أسئلة كثيرة حول النظرة الملتبسة والمفضوحة للغرب دائماً تجاه ما يتعلق بقضايا الإرهاب فى منطقة الشرق الأوسط، والإخوان جزء منها بطبيعة الحال، لا سيما بعد أن أعلنتها دول عربية عدة جماعة إرهابية؟

بحسب المقال المهم، فإن جماعة الاخوان، ذات الصلات بحركة حماس وبالجماعات المتصارعة على السلطة فى ليبيا، سوف يُطلب منها أن تكشف عن شبكتها «الغامضة» من الأتباع فى بريطانيا التى تشمل من المساجد ووسائل الإعلام إلى المؤسسات الخيرية وجماعات تنظيم الحملات، كما يشير إلى أن لجنة حكومية تشكلت لفرض سياسة موحدة على جماعة الإخوان المسلمين فيما يتعلق بتقليص حصول أتباعها على منح من القطاع العام للدولة، ولفحص شؤونها المالية وسدادها للضرائب، كما ستطلب تلك اللجنة من الجماعات التابعة للإخوان المسلمين التعهد بشجب الإرهاب والعمل على دعم التكامل الاجتماعى.

ما سيحدث إذن فى بريطانيا، هو محاولة لشرعنة جماعة الإخوان المسلمين فى بريطانيا، لوضعها فى إطار قانونى، وإن كان من المضحك أن يشترط عليها شجب الإرهاب، لا عدم فعله، فالقنابل التى تنفجر يومياً فى مصر، قد تشجبها الجماعة المحظورة قانوناً، لكن عناصرها هم من يقومون بها، وجماعة فجر ليبيا تذبح الشعب الليبى هناك، وتقتل المواطنين، ولا مشكلة لدى التنظيم الدولى فى الشجب والندب فقد تعود، وتعودت قيادته على الكذب.

ينقل الكاتبان فى مقالهما عن أحد معدّى التقرير قوله إن هذه الإجراءات تمثل أسلوبا جديدا فى التعامل مع الإخوان المسلمين سواء بالنسبة لعقيدتها أو تنظيمها. ويقول المقال إن أسلوب مراقبة ضرائب الجماعة سيكون وسيلة لفرض الالتزام عليها. وينقل الكاتبان عن مصادر الحكومة القول إن الجماعة وُضعت تحت الملاحظة وتتم مراقبة أنشطتها عن كثب. ويقول المقال إن رئيس الوزراء البريطانى شعر بالغضب الشديد عندما التقى قادة الجماعة العام الماضى فى لندن من دون علم المخابرات البريطانية.

ربما يكون رئيس الوزراء البريطانى غاضباً، لكنه يعلم أن الإخوان لن يتركوا منفذا إلا ويدخلون منه حتى لا يتركوا النعيم البريطانى، ولقاؤهم مع المخابرات البريطانية هو لقاء عمل، ولقاء ضغوط، مرتبط بمصالح الجماعة وبريطانيا فى الشرق الأوسط، فى ظل حالة الشد والجذب، فبينما تطالب مصر والسعودية بريطانيا أن تتخذ موقفا ضد الجماعة، وتقولان إن لندن كانت قاعدة للأنشطة الدولية للجماعة لسنوات طويلة، فإن دولا أخرى، كانت داعما قويا ولزمن طويل للجماعة وصاحبة استثمارات كبيرة فى بريطانيا، تحاول ممارسة الضغوط لتخفيف حدة الانتقادات الموجهة للجماعة. كما أن هناك مخاوف من تأثر العلاقات مع تركيا التى تستضيف الآن عددا من كبار قادة الجماعة.

لا ننتظر موقفاً جدياً من بريطانياً، فيبدو أن تعقيدات المصالح، والأنظمة، وهواية اللعب فى منطقة الشرق الأوسط، أكبر من موقفها ضد الإرهاب.