مارين لوبين وزيارتها إلى مصر

French presidential candidate, Marine Le Pen, who is president of the extreme right political party the National Front, and daughter of its founder Jean-Marie Le Pen, speaks at a public meeting ahead of local elections in Lille, in northern France, on March 5, 2011. In a Harris Interactive report which will be released March 6, Le Pen leads the first round of public polls with 23 percent of the vote, ahead of both president Nicolas Sarkozy and Martine Aubry, leader of the French Socialist Party, who each have 21 percent. AFP PHOTO / PHILIPPE HUGUEN (Photo credit should read PHILIPPE HUGUEN/AFP/Getty Images)

بقلم عبد اللطيف المناوي

تمثل مارين لوبين الرقم الصعب فى السياسة الفرنسية الحالية خلال السنوات القليلة الماضية، فبعد أن كادت تقترب من الإليزيه فى الانتخابات الرئاسية الماضية 2012، تراهن بقوة على الوصول إليه فى انتخابات 2017.

تمثل مارين لوبين فى هذه المرحلة اليمين الفرنسى، الذى بدأ ينتشر شعبياً فى الفترة الأخيرة، لكنه ليس اليمين المتطرف، فقد سعت دائما إلى تشكيل تحالف قوى بين الأحزاب اليمينية مثل الجبهة الوطنية، حزب التحرر النمساوى، الحزب من أجل الحرية الهولندى، رابطة الشمال الإيطالى، فلامس بيلنج البلجيكى، والديمقراطيين فى السويد، لضمان السيطرة على البرلمان الأوروبى.

كما تمثل القومية الفرنسية بشكلها الجديد، التى تبحث عن مصالحها فى الشرق الأوسط، وتهتم بالمواطن الفرنسى، وتتخذ موقفاً معاديا للسياسات الأمريكية فى أوروبا والشرق الأوسط. والملاحظ هنا أن عددا من استطلاعات الرأى تشير إلى أن خطاب مارين لوبين أخذ يلقى صدى واسعا لدى الفرنسيين.

مارين لوبين ولدت فى 5 أغسطس 1968، وهى ابنة السياسى اليمينى جان مارى لوبان، مؤسس حزب الجبهة الوطنية ورئيسه السابق. مارست مارين لوبين مهنة المحاماة بين 1992 و1998. انتُخبت عضواً فى البرلمان الأوروبى فى سنة 2004 وأعيد انتخابها فى سنة 2009، تترأس حزب الجبهة الوطنية منذ 16 يناير 2011. مارين ترشحت عن الجبهة الوطنية فى الانتخابات الرئاسية الفرنسية 2012، وحصلت على نحو 14 فى المائة من الأصوات فى الجولة الأولى، حيث حلت ثالثة خلف الرئيس الحالى الاشتراكى فرانسوا هولاند وغريمه السابق اليمينى نيكولا ساركوزى. وتستعد للترشح فى الانتخابات القادمة.

وفقا لاستطلاع رأى أخير، فإن مارى لوبين تقدمت على جميع المرشحين من اليمين المعتدل واليسار الاشتراكى فى الجولتين الأولى والثانية، سواء كان المرشح هو رئيس فرنسا الحالى فرانسوا هولاند أو أبرز مرشحى اليمين مثل نيكولا ساركوزى وآلان جوبى وفرانسوا فيون.

ويبرز الاستطلاع فوز مارى لوبين فى الجولة الأولى بـ 28%، بينما سيحتل نيكولا ساركوزى 25% والرئيس هولاند الثالث 16%. وإذا ترشح فرانسوا فيون ممثلا لليمين وليس ساركوزى، فستحصل مارى لوبين على 32%، بينما فيون 17%، وهولاند 16%. وإذا كان مرشح اليمين هو آلان جوبى، فستحصل زعيمة الجبهة الوطنية على 30% بينما جوبى على 24% وهولاند دائما فى 16%.

وستضمن مارى لوبين الفوز فى الجولة الثانية بما يفوق 61% من الأصوات فى مواجهة أى مرشح من الثلاثة، حيث لن يتجاوز أحسنهم 39%، وهو نيكولا ساركوزى.

وبهذا تستمر الجبهة الفرنسية فى التقدم فى الانتخابات بعدما حققت نتائج إيجابية فى البلدية، ثم فى انتخابات البرلمان الأوروبى، والآن فى استطلاعات الرأى.

لماذا مصر؟

أعتقد أن زيارة لوبين إلى مصر هى خطوة إيجابية تصب فى صالح صورة مصر، حيث ستبدو الدولة الداعية للحوار والقادرة عليه حتى مع من يختلف مع الرؤية المصرية بشكل كامل. تمثل لوبين الخط المتشدد وتقف مصر موقف من يختار الحوار المتمدن الراقى معها وليس لغة الإقصاء والنفى، حتى وإن كانت هى وحزبها يمارسها.

إذا كانت لوبين وحزبها سيشكلان هذا الثقل السياسى فى فرنسا، وإذا كان هناك تغيير ملموس بدأ يتضح فى توجهات الحزب ورئيسته التى تحاول أن تطرح نفسها فى شكل قائد دولة مسؤول وليس زعيم حزب، فإن من مصلحتنا أن ندعم هذا التوجه ونبنى عليه، خاصة أن الزيارة واللقاءات لا تتسم بالرسمية.

زيارة مصر واستقبالها هو تأكيد على صورة مصر الوسطية حاضنة الإسلام الحقيقى المعتدل والقادرة على التعامل مع الجميع، حتى المختلفين معها.

ولقد كان استقبال الإمام الأكبر شيخ الأزهر لها والحوار الذى دار بينهما تأكيدا لكل المعانى السابقة.

Advertisements

الإعلام.. توصيف حالة

عبد اللطيف المناويبقلم عبد اللطيف المناوي

أكثر الموضوعات إثارة للشهية هذه الأيام هو الإعلام، يختلف الناس والمسؤولون فى أذواقهم، واتفقوا على توجيه الاتهامات إلى الإعلام، وقد تكون هذه مناسبة لطرح بعض التصورات فى محاولة لتوصيف الوضع الراهن، قد يمكننا من خلال الفهم أن نجد حلولاً واقعية.

تشهد الساحة الإعلامية حالة من السيولة والفوضى الإعلامية تطيح بكل مصالح الدولة وقدرتها على السيطرة فى ظل غياب أهداف أو استراتيجية واضحة للدولة فى التعامل مع الإعلام تخدم مصالحها، وتراعى الحالة غير المستقرة للوضع السياسى فى مصر والمنطقة العربية، وتزداد حالة السيولة والفوضى الإعلامية مع وصول عدد وسائل الإعلام من فضائيات وقنوات تليفزيونية رسمية ومواقع إلكترونية إخبارية إلى المئات، 20 منها على الأقل لها جمهورها الذى تؤثر فيه، زاد هذا الجمهور أو قل.

وتعمل جميع الوسائل الإعلامية الإلكترونية أو المطبوعة أو المسموعة أو المرئية دون تحديد أو معرفة بقضايا الأمن القومى، أو تحديد أهداف محددة لحماية الدولة ومراعاة المرحلة، كما أن هناك بعض أشكال التواصل غير المنضبطة بين بعض وسائل الإعلام والإعلاميين وبعض الأجهزة الأمنية، حيث يتم تناول أسرار ووثائق ومعلومات تتعلق بشخصيات سياسية أو اجتماعية بارزة فى المجتمع، ولأن هذه التسريبات تبدو غير محكومة فإنها تخلق حالة من التوتر فى المجتمع، خاصة مع انتشار الاتهامات بالعمالة والخيانة على مختلف الأطراف دون أن يكون لها داع أحيانا أو سند قانونى فى معظم الأحيان. غياب سياق يعمل داخله الإعلام، وغياب خطة مركزية قادرة على تعبئة الجماهير حول قضية وطنية واحدة تفتح الباب واسعا لسيادة هذا الشكل من الأداء.

وتزيد حالة السيولة والفوضى الإعلامية من الاستقطاب السياسى والعقائدى مما يهدد السلام الاجتماعى، وقد يصل الأمر إلى تحريض بعض الإعلاميين على القتل وتنصيب أنفسهم قضاة ومحققين ووكلاء عن المجتمع، وأصبحت وسيلة الانتشار لدى عديد من الإعلاميين أن يخاطبوا العوام بلغة غير مهنية ولا تراعى مواثيق شرف ولا قوانين ولا أخلاقيات مهنية، ويقوم الإعلام بقصد أو دون قصد ويبتز مشاعرهم فيخلق حالة من السيولة السياسية يجب أن تتوقف، كما أنه يتجاهل قضايا اجتماعية واقتصادية، ويقوم باستدعاء رجال الدين لزيادة حدة الاحتقان الطائفى والعقائدى حتى بين المذاهب المختلفة فى الدين الواحد أو الأديان المختلفة دون مراعاة أى معايير مهنية، وإبراز أمراض المجتمع دون تقديم أى معالجة اجتماعية، وهو ما يهدد المجتمع نفسه.

فى إطار توصيف الحالة يمكن الحديث عن كيانات إعلامية تبدو متنافرة تخلّق صورة غير متماسكة أو واضحة المعالم، لكن على الرغم من ذلك ينقسم الإعلام المصرى إلى إعلام تملكه الدولة- غير معروف أى جزء فيها هو المالك- وإعلام خاص يبدأ مستواه من صحف أو مواقع صغيرة، هو إعلام «بير السلم»، كما أسميه، وصولاً إلى كيانات إعلامية ضخمة معظمها يحقق خسائر ضخمة، مما يثير تساؤلات مشروعة وجادة.

يبدو أن إعلام الدولة يخسر كل يوم جزءاً من موقعه فى التواجد والتأثير فى الرأى العام وتشكيله.

من الملاحظ تراجع تأثير الصحافة القومية على المجتمع ورجل الشارع ووسط النخب، ويبدو هذا بوضوح من خلال أرقام توزيع صحف كبرى كانت حاضرة ومؤثرة فيما سبق.

والحال لا يختلف كثيرا فى نسب مشاهدة قنوات التليفزيون التى تمتلكها الدولة، وقد تراجعت بشكل غير مسبوق فى أى مرحلة سابقة. وهو ما انعكس على الوضع الاقتصادى لهذه المؤسسات، فتراجعت الإعلانات وقل الدخل، وأصبحت النتيجة أزمة مالية متفاقمة شكلت عبئاً حقيقياً ومستمراً على الدولة.

المشكلة أن الدولة لا تعرف ماذا تملك وكيف تديره وتنظمه، وتعاملت مع ما تملك من أدوات إعلامية باعتبارها مشكلة وعبئاً وليست فرصة يمكن استغلالها.

الأسئلة الصعبة: الثقة والقدرة والأمل «٢»

Abdul-Latif-Al-Minawiبقلم عبد اللطيف المناوي

فى المقال السابق تحدثنا عن السؤال الصعب الأول الخاص بمدى ثقة الناس بقدرة نظامهم على الإنجاز. واليوم نحاول الاستمرار فى التدريب الذهنى بالإجابة عن التساؤل الثانى: هل هو قادر بحق، ويمتلك الأدوات للفعل؟ والإجابة عن هذا السؤال طويلة ومعقدة ومتشعبة، وأيضاً محبطة فى مواضع كثيرة. لكنى سأحاول أن ألمس بعضا مما أعتقد أن قطاعا كبيرا يتفق فيه معى، ويلمس من الشواهد ما يؤكد تخوفاته.

منذ عدة أشهر، كتبت: «لن يتمكن الرئيس وحده مهما كان عمق رؤيته وصدقه وتفانيه – وهى صفات أشهد له بها وأكثر- أن يعمل وحده أو أن يعمل من خلال وسائل قديمة وأساليب تقليدية، أو عبر نظام بالٍ قديم ممزق ملىء بالعيون والثغرات، نظام تغيب فيه الرؤية المتكاملة التى تعتمد المعايير العلمية أسلوبا أساسيا فى التنفيذ والقياس وبناء علاقات العمل». وكما يقول التعبير الأدبى «مرت مياه كثيرة فى النهر» وتسربت أشهر من عمرنا جميعا، وما زال التخوف الذى أشرت إليه مع كثيرين قائما.

يوما بعد يوم يتأكد التخوف مما نرى من شواهد، يبدو لنا كأن الرئيس وحده يعمل، أو فى أحسن الظروف لا يوجد من نشعر أنه معه كتفا بكتف. هذا الوضع المتفانى فى العمل بأحادية يتحمل مسؤوليته جميع الأطراف بمن فيهم الرئيس شخصيا. كذلك يتحمل المسؤولية من اعتقدوا أن توسيع قاعدة فريق العمل سوف يعنى خصما من مساحتهم التى يتمسكون بها حتى لو كانت أكبر من قدراتهم أو طاقتهم أو كونهم بشرا فى نهاية الأمر لهم قدرات بشرية تظل محدودة بكونهم بشرا مهما بدا أنها قدرات كبيرة.

تظل مؤسسة الرئاسة – خاصة فى هذه المرحلة وأكثر من أى وقت مضى- هى الآلة الأساسية أو القاطرة الرئيسية لدفع هذه الأمة إلى الأمام، ولكى تستطيع أن تقوم بذلك فإنها إلى جانب وجود قائد قوى، وهو موجود، وقوته وقدراته يشهد ويثق بها الجميع- تحتاج إلى مكونات أخرى كثيرة لكى تكتمل كآلة قوية قادرة على تلبية رؤية وخطة الرئيس وما يتوقعه الناس منه كقائد لهذه الأمة. وهنا تكمن المشكلة عندما لا نرى نحن- المتابعين والمهتمين بالشأن العام- ملامح مرضية لوجود هذه الآلة التى أتحدث عنها.

فى مصر، تلك الدولة الكبيرة شديدة التعقيد، وفى هذا التوقيت الذى لم يمر على مصر مثله من حيث المخاطر والتحديات- لا يمكن الاقتناع بأن ما يمكننا أن نراه من آلة الرئاسة هو ما تحتاجه مصر، ويحتاجه الرئيس. ما نعتقده هو أن فريقا رئاسيا بمواصفات خاصة من التعليم والتخصص والخبرة والشخصية والقدرة على العمل بتفانٍ- هو الفريق الذى يستحقه الرئيس، ويستحقه الوطن فى ظل هذه الظروف والتحديات التى يمكن أن تستغرق طويلا فى شرحها. لا مجال فى هذه المرحلة للنوايا فقط، والمزج بين أهل الثقة وأهل الخبرة تحت مظلة قيادة تقترب من الإجماع عليها فى هذه المرحلة.

نحن فى مرحلة لا تحتمل التجريب، ولا يمكنها أن تعتمد على رؤية لعدد محدود ليس بينهم كثير ممن تصدوا للعمل العام أو على الأقل يمتلكون مفاتيح المعرفة به. ليس كافيا أن يقرأ المرء كتابا ليصبح مثقفا، ولو ترأس اجتماعا لخبراء وهو ليس منهم لا يعنى ذلك أنه أصبح سيد الخبراء. والأكيد أن نجاح إنجاز مهمة تحمل مقومات نجاحها من البداية لا يعنى أن الشخص الذى تصادف أنه كان فى منطقة الفعل بات خبيرا فيها، فكل الأمر أنه تواجد فى موقع ما فى ظل ظرف ما. هذه حقائق بسيطة، وتكاد تكون مطلقة. لسنا بحاجة إلى إعادة اختراع العجلة، نحن فقط نريد إحضارها وتشغيلها. لا مجال للتجريب أو الاختراع. مهما حاول مخترع جديد للعجلة أن يبتكر فإن نتيجته محدودة، فما هو حاضر الآن هو نتاج تطور فكر وممارسة بشرية على مدى طويل. الصحيح هو الاستفادة بتجارب الآخرين، خاصة الذين نجحوا من قبل فى إدارة بلادهم.

ظللت لسنوات طويلة أختصر مشكلة مصر الأساسية فى غياب هذا «السيستم»، كلمة السر فى تقدم الأمم والشعوب، «النظام» وجود نظام علمى يدير شؤون الوطن بكل تفاصيله، نظام واضح يتم فرضه على أسلوب العمل وعلاقات أطرافه، نظام يحدد الأدوار، ويقسمها، ويحاسب على مدى الالتزام بالمسؤوليات، ووجود أو غياب هذا «السيستم» يعد أحد المعايير الأساسية التى عليها يمكن قياس قدرة النظام على الفعل. وفوق كل هذا «رؤية» هى عنوان هذا النظام. أين نحن من هذا؟!