إزالة مخلفات «داعش» الفكرية

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

يتحدث العالم العربى منذ أكثر من عقدين من الزمان عن أهمية تجديد الخطاب الدينى، ولكن دون أن يأخذ خطوة جدية باتجاه هذا الطريق، حتى بدا كأنه مصطلح غامض لا يستطيع أحد فك رموزه أو شفرته.

زاد الحديث عن هذا التجديد بعد أن وصل عدد من الحركات الإسلامية إلى الحكم فى بعض البلدان العربية، بل توغل الفكر الداعشى فى عقول الكثيرين. تحدث عنه رئيس الجمهورية أخيراً، كما تحدث عنه رواد التنوير فى السابق، بل نخب ومثقفو العرب، وحتى بعض المنتمين إلى المؤسسات الدينية، لكن الطريق يظل ضبابياً غير واضح.

والسبب أن لا أحد رد على كتب الجهاديين التى تتطور يوماً بعد يوم فى مسألة تبرير سفك مزيد من الدماء، فلم يكن ظهور تنظيم داعش إلا تطوراً طبيعياً لحركات الإسلام السياسى التى ظهرت وتطورت بأشكال مختلفة طوال القرن الماضى، ولم يكن هذا التطور من فراغ، بل جاء مصحوباً باستراتيجيات وأفكار جهادية سلفية، بعضها قادم من بطون كتب التراث.

حرّك داعش عناصره فى فرنسا وبلجيكا وألمانيا، ونفذ تفجيراته، ويرهب العالم عن بعد، بل لم يعد بحاجة إلى طرق تجنيد القواعد القديمة، بعد أن أصبح يستخدم الإنترنت ومواقع التواصل الخاصة، وأصبح يصل إلى أجهزة الجميع، بل إلى الهواتف المحمولة مع كل شاب.

الكارثة أن الفكر الجهادى استطاع أن يطور نفسه على مدار السنوات الماضية نحو مزيد من الدموية والعنف، ومن خلال كتبه سنلاحظ ذلك، لكن فى المقابل، لنا أن نسأل ماذا قدمت النخب العربية خلال تلك المرحلة؟، هل استطاعت النخب ورواد التنوير أن يقفوا فى وجه قادة الظلام والجهل؟، أشك فى ذلك.

لدينا الكثير من المراكز البحثية، والكثير من حلقات النقاش، والكثير من الدراسات والكتب، لكن شيئاً من هذه الكتب لم يدخل فى صدام مباشر مع هذه الأفكار، بل يمكن القول إنها لم تصل إلى المستهدفين، الذين تصلهم رسائل الجماعات الجهادية.

نحن الآن على أعتاب انتصار عسكرى على الدواعش، يحدث ذلك فى سيناء والعراق، وربما فى سوريا خلال وقت قليل، بينما لا يعلم إلا الله توقيت الانتصار عليهم فى ليبيا، أؤكد مرة أخرى أن الانتصار عسكرى وليس فكريا، فنحن الآن أمام إشكالية كبيرة ومتجددة تتعلق بتوغل الفكر «الداعشى» فى عقول الكثيرين (ممن ليس لهم علاقة بالتنظيم الإرهابى) رغم تحرير كثير من المدن والمناطق، وهى إشكالية تحتم علينا إزالة مخلفات «داعش» الفكرية بالمواجهة أولاً، قبل الحديث عن أى انتصار أو تجديد.

الإعلانات

صلاح الإنسان

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

ملكات محمد صلاح الإنسانية يثبت صدقها وحضورها كل يوم. لم أعد من المتابعين بانتظام للرياضة، لكنى ككل المصريين يتتبعون بصمات وحضور محمد صلاح الذى أصبح هو مصدر سعادة المتابعة فى ظل الواقع الذى نعيشه. لا تقف قدراته عند حدود التهديف فى مستطيل ملعب كرة القدم، ولكن فى الجانب الإنسانى يحرز صلاح الأهداف بقوة وتأثير، فأعماله الخيرية لم تقتصر على وطنه، بل كسب النجم المصرى ود واحترام الجميع فى الدول الأوروبية، حيث شارك فى الحفل الذى نظمه ناديه الإنجليزى لذوى الاحتياجات الخاصة، وذلك قبل ساعات من خوض إحدى مباريات الدورى الإنجليزى، حيث أعرب صلاح خلال هذا اليوم عن سعادته وفخره بمشاركة الأطفال هذا الاحتفال.

وبالتأكيد لن ينسى أحد لفتته المؤثرة على هامش تتويجه بلقب أفضل لاعب فى الدورى الإنجليزى العام الماضى، حينما لبى رغبة طفل مريض بمرض جلدى نادر، طلب أن يلتقيه حينما سألوه عمن يفضلهم من المشاهير ليلتقط صورة معه، وبالفعل توجه صلاح للطفل وتبادل معه الحديث والتقط معه صورة جديدة.

أما فى مصر فقائمة أهدافه المؤثرة إنسانياً كثيرة ومتنوعة، آخرها وجوده على رأس حملة أطلقها صندوق مكافحة وعلاج الإدمان والتعاطى برئاسة وزيرة التضامن غادة والى، منذ أيام، عن كيفية تطوع الشباب لدى الصندوق تحت عنوان «التطوع أسلوب حياة»، حيث تتضمن فيلماً تسجيلياً عن مشاركة الشباب من مختلف الفئات بجميع المحافظات المصرية فى الأنشطة والمبادرات المختلفة التى ينفذها الصندوق للتوعية بأضرار تعاطى المخدرات، وبلغ عدد الشباب المتطوع لدى الصندوق 27 ألف شاب وفتاة، كان على رأسهم صلاح الذى شارك خلال العامين الماضيين فى تصوير أربع حملات إعلامية متطوعاً لدى صندوق مكافحة الإدمان، فى تجربة فريدة تنظر لها العديد من المنظمات الدولية المعنية ووسائل الإعلام العالمية باعتبارها أحد أهم الحملات المؤثرة فى مجال الوقاية من الإدمان. صلاح أيضاً اختير أول العام الجارى ضمن قائمة «فوربس» للشباب العربى الأكثر تأثيراً فى محيطه، إذ ساهم فى عدد كبير من الأعمال الخيرية البارزة، جعلته أحد نجوم الشباب المؤثرين.

يحتفظ صلاح بنفس هادئ غير متقطع، قادر على المواصلة والاستمرار. احتفظ بنفسية ابن البلد الذى يعضد أخاه فى السراء والضراء، يعطف على الفقير ويجلّ الكبير، يرسم بسمة على وجوه الأطفال والمحرومين، ويضفى بهجة على قلوب المشجعين. احتفظ بعقلية الخير وجاورها بعقلية الاحتراف.

صار صلاح نموذجاً لشاب مصرى آمن بحظوظه فى الحياة، واعتقد فى موهبته، فأعطته الحياة وجهها المشرق، ومازالت.

هذه التركيبة الإنسانية هى مزيج من التكوين والتدريب، وهذا الميل لقيم الرحمة والتعاطف والرغبة الحقيقية لدعم الناس ومواساتهم هى ملامح لشخصية جديرة بكل الاحترام والتقدير والتشجيع، حتى لو لم أكن متابعاً لكرة القدم.

أهمية الرؤية ووجود المايسترو

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

ما زالت الشكوى من نقص الكفاءات التى تتولى العمل العام، ولكنى أظن القول ليس كله حقيقة. نعم هناك ما يبدو أنه إحجام من بعض الكفاءات عن المشاركة فى تولى مسؤولية فى الوقت الحالى، وذلك لأسباب بعضها حقيقى وبعضها مبالغ فيه. لكن الأمر الأكيد أيضا أن هناك كفاءات قررت مواجهة التحدى والعمل فى ظل بيئة ليست إيجابية دوما، ويمكن تسمية مجموعة منهم، والواقع أن تحديدهم ليس صعباً، ومن بين هؤلاء السفيرة نبيلة مكرم عبيد، وزيرة الهجرة، ليس صعبا اكتشاف قدرتها وحماسها للإنجاز، وبدا هذا فى عدة مناسبات. تمكنت بالوزارة الصغيرة ذات الإمكانيات المحدودة أن تمارس نشاطاً ملحوظا لدى الناس. ولكن يظل السؤال الذى تكرر فيما كتبت على مدى اليومين الماضيين: هل ينجح العزف المنفرد فى تحقيق الهدف؟، هل العزف المنفرد دون «نوتة» يعزفها جميع المسؤولين يمكن أن «يطرب» أم ستكون النتيجة عزفا متقاطعا لا ينجح فى تحقيق الهدف؟.

حضرت جزءا من فعاليات المؤتمر الذى يحمل اسماً موحياً «مصر تستطيع» فى نسخته الرابعة تحت شعار «التعليم»، باعتباره عنصر الاستطاعة الرئيسى لأى مجتمع يهدف إلى الانطلاق. فيما سمعت وشعرت، فإن اهتمام الدولة بدا أقل مقارنة بالنسخ السابقة، أقله- كما ذكر الزميل محمد أمين- غياب رئيس الوزراء.

الموضوع المطروح غاية فى الأهمية كما ذكرت، حضر المسؤول الأول عن ملف التعليم دكتور طارق شوقى واكتفى بطرح رؤيته فى حوالى الساعة، واشترط كما علمت ألا يناقشه أحد أثناء عرضه، ولم يحضر أى جلسة أو ورشة عمل حضرها القادمون من الخارج للمشاركة بما لديهم من علم وتجربة. اكتفى المسؤول بقول كلمته ورحل.

جزء أساسى وكبير من نجاح المؤتمر يعود إلى شخصية الوزيرة نفسها بما تمتلك من لباقة وقدرة تواصل وبلاغة وإصرار، ولكن هل كل هذا وحده كاف؟. يقولون إن استدامة النجاح أكثر أهمية من مجرد تحقيقه، فهل المعطيات المحيطة والتراجع النسبى للاهتمام لدى الدولة بملفات مهمة يمكن أن تضمن استدامة ولو فى جزء مما يحدث؟. فى هذا الملف على الأقل هناك حاجة إلى تعريف مفهوم من هو العالم؟، وما هو البرنامج الذى يجب أن تتعاون فيه أجزاء الدولة لتحقيق الاستفادة القصوى من العلماء الحقيقيين. وأهمية تواصل أجزاء الدولة لتستفيد وتدعم وتتكامل مع بقية أجزائها النشطة، وهذا لا يكون بالحضور البروتوكولى.

قد يكون من المناسب الآن أن أطرح مفهوم «النوتة» الموسيقية للعازفين المنفردين بعد هذه الإشارات السريعة خلال الأيام الماضية. المقصود هنا، ببساطة، وجود ما يطلق عليه «ماستر بلان» أو رؤية شاملة تجمعها وتحكمها رؤية علمية وخطط علمية يعرف فيها كل «عازف» حدود دوره ومناطق تعاونه مع الباقين، التعاون والتنسيق هنا إلزام وليس تفضلاً. لكن الأساس يبقى فى وجود الماستر بلان والأدوار المحددة لكل طرف مع حرية القرار فى إطار الرؤية العلمية العامة، وفوق كل هذا مايسترو يؤمن بالرؤية ويقود لضمان نجاح اللحن بلا سيطرة ليس مجالها العمل المشترك الناجح.

العزف المنفرد وحده لا يكفي

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كما ذكرت بالأمس، أن ينجح مسؤول فى حشد عشرات السفراء الأجانب فى زيارات إلى معالم مصرية مهمة «سيوة، الخارجة، سانت كاترين، الأقصر، أبوسمبل»، فى ستة أسابيع، فإن ذلك يُعد مجهوداً حقيقياً لوزير الآثار وفريقه الصغير، لكنه يقف كعزف منفرد، وفى أحسن الأحوال «دويتو»، ولا يكتمل الأداء لسيمفونية متكاملة.

وزارة السياحة هى مَن يتكامل مع «الآثار»، وكانت لدىَّ الفرصة أن أجلس مع دكتورة رانيا المشاط، الوزيرة، فى جلسة ضمت مجموعة صغيرة، استعرضت فيها كشف حساب عمرها فى الوزارة، البالغ وقتها 11 شهراً، واستعرضت فيها الاستراتيجية الجديدة لصناعة السياحة فى مصر. ألَمّت «المشاط» بالأبعاد المختلفة للمعاناة التى تعانيها مصر فى السياحة، ويبدو أنها نجحت فى أن تثبت أنها قادرة على استيعاب المهمة التى حملتها رغم أنها ليست فى إطار تخصصها كخبيرة فى المجال الاقتصادى والمصرفى. ما طرحته أمامنا يتجاوز العيب الخطير، ميزنا فى إدارة شؤوننا، فقد بدا أنها تضع رؤية علمية وخططاً تُعلى قدر الفهم والدراسة وطبيعة الواقع، ولا تعتمد على الفهلوة وسد الفراغات ومخاصمة الأسلوب العلمى. أيضاً أدركت الوزيرة أن صناعة السياحة تعتمد بشكل شبه مطلق على القطاع الخاص، وهذا يعنى أن تقوم الدولة بدور المنظم والمشجع للقطاع الخاص لا بدور المنافس أو الساعى للاحتكار. هذا الإدراك لأهمية القطاع الخاص هو أحد ملامح ما تطرحه الوزيرة من أفكار. ورغم أنها استعانت بشركة تمتلكها الآن الدولة، «كانت قطاعاً خاصاً»، فى الترويج السياحى، فإن أسباب الاختيار كانت مقنعة جداً لتجاوز العقبات والقيود البيروقراطية التى تكبل العمل السياحى، الذى يحكمه قانون عمره اقترب من نصف قرن.

ملامح استراتيجية وخطة النهوض بالسياحة بشكل علمى تبدو مقنعة عند الطرح، ويبدو أن واضعيها اعتمدوا مفاهيم علمية تضمن النجاح حال الالتزام بها وقت التنفيذ، هنا مكمن التساؤل والقلق. التنفيذ ليس مسؤولية «السياحة» وحدها، ولن يتغير الوضع كثيراً لو تعاونت معها «الآثار» كما يحدث حالياً، الخطة تبدأ من مناهج التدريس فى المدارس الابتدائية، وتصل إلى تعاون وتنسيق تام مع «الداخلية» و«النقل» و«الطيران» و«الصحة» والهيئات الحكومية العديدة التى تتقاطع مع صناعة السياحة. هذا الأمر يعنى ببساطة أن كل هذه الجهات مطلوب منها أن تعمل تحت قواعد واحدة حاكمة لصناعة السياحة، تتكامل فيها كل جهات الدولة، لا تتنازع أو تتصارع، وفى بعض الأحيان تتشفى فى خطأ تقع فيه جهة أخرى.

تمتلك «المشاط» عقلية علمية اقتصادية منظمة، يبدو أن تربيتها وتعليمها فى المؤسسات الاقتصادية الدولية قد جعلاها تؤمن بالعمل المؤسَّسى، وذلك ممزوج برغبة حقيقية فى النجاح. كل ذلك أمر مبهج، ولكنه، أيضاً، يظل عزفاً منفرداً لن يُكتب له أن يكتمل ما لم تتجانس وتتطور أدوات العزف الأخرى فى إطار «نوتة» موسيقية واحدة. بدونها سيبدو العزف المنفرد جزءاً من نشاز كبير مهما كان جميلاً ومتفرداً. وغداً نموذج آخر.

الحماس فى مواجهة الخلل

كانت لدىّ الفرصة، خلال الفترة القصيرة الماضية، أن ألتقى عن قرب نسبى بعدد من وزراء الحكومة الحالية. ولأن انطباعاتى الشخصية عن كفاءة وإمكانيات هؤلاء كانت إيجابية، فإن السؤال الذى يقفز إلى الذهن مباشرة هو: أين الخلل؟

وقبل أن أجتهد فى محاولة الإجابة، أستعرض سريعًا الانطباعات الشخصية خلال معايشتى لهؤلاء المسؤولين فى مناسبات مختلفة.

منذ عدة أسابيع كانت لدىّ الفرصة أن أكون ضمن مجموعة من السفراء فى زيارتين، أراهما فى منتهى الأهمية، نظمهما وزير الآثار دكتور خالد العنانى، وهو يمتلك حماسًا وطاقةً ورغبةً فى النجاح كبيرة.

الزيارة الأولى كانت إلى دير سانت كاترين، وحضرها عدد من السفراء من مختلف دول العالم فى المناسبة المسماة «لنصلِّى معاً» ورغم الملاحظات على التنظيم الذى لم تكن وزارته مسؤولة عنه، فإن الغرض والهدف تحققا بقيمة المكان وعناصر الجذب التى يمتلكها، وهى فيما أظن كافية لصناعة سياحة تعيش عليها دولة بكاملها لو استخدمت بشكل صحيح. ولكى يحدث هذا فإن الأمر يتطلب تعاون الجهات الحكومية المختلفة وتناغمها، من وزارات الطيران أو الصحة أو الحكم المحلى أو النقل أو المحافظة وغيرها من الجهات، للوصول إلى الهدف.

الزيارة الثانية كانت إلى الوادى الجديد، وأيضا كانت بصحبة مجموعة من السفراء، وكان المميز فيها أن يكون سفير المكسيك هو أحد المشاركين، وأهمية ذلك تعود إلى البعد السياسى المهم لمشاركة الدولة التى فقدت عددًا من مواطنيها منذ عدة سنوات فى حادث فى ذات المنطقة.

هذه الزيارة ذات اليوم الواحد أيضاً أكدت قيمة وأهمية ما تملكه مصر من مقومات تؤهلها لأن تكون وجهة أساسية فى صناعة السياحة العالمية.

الرسالة الرئيسية فى هذه الزيارة كانت أن مصر آمنة، وهو أمر ظهر واضحاً أثناء الزيارة التى تمكن فيها مدير الأمن ورجاله هناك من تأمين هذه المجموعة الكبيرة من السفراء والدبلوماسيين، دون أن يكون هناك شعور بحضور ظاهر للأمن جنوداً أو معدات. وتحركت المجموعة فى المدينة، دون أن تكون مصحوبة بقوات أمنية ظاهرة كما هى العادة.

هذه الرسالة بالأمان وصلت بشكل ملموس للحضور، لكن فاجأتنى صحفية أمريكية بتعليق وسؤال: «أنا الآن مقتنعة بأن مستوى الأمان مرتفع، إذاً لماذا لا تسمح دولتكم حتى الآن للسياح بأن يزوروا هذه المناطق التى نزورها الآن؟».. لم أجد إجابة!

حماس المسؤول ودأبه- كما رأيت فى وزير الآثار- ليس كافيًا وحده للنجاح المكتمل. يفعل الرجل ما يمكنه، ولكنه جزء من سلسلة لا مجال إلا أن تكون متكاملة، وإلا كان جهداً منثوراً.

وهذا الخلل هو ما سيتكرر فى النماذج المقبلة.

رحيل المتصالح الصادق

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لا أدعى معرفة قوية وراسخة بالراحل حسن كامى، ولكننا التقينا عدة مرات خلال الفترات الماضية، حيث كانت تجمعنا مجموعة «الفرسان»، وهى دائرة من الأصدقاء التى تكونت عبر سنوات عديدة، انضم إليها عديد من قامات وعلامات وشخصيات يندر أن تتجمع فى مكان واحد.

على قلة اللقاءات إلا أننى تمكنت من معرفة معدنه عن قرب. لم نتحدث كثيراً، ولكنى عرفت ولمست مدى نبله ورقيه وأدبه. شاهدت الابتسامة التى ربما لم تفارق وجهه أبداً، والتى قابل بها كل نجاحات حياته ومحنها على السواء. رأيته متصالحاً مع نفسه متسامحا مع من حوله.

علق مثلاً على واقعة مصادرة دولة يوليو أموال أسرته فى 1952، بأن العلم أهم من الثروة، فلا أحد يستطيع أن ينتزع منه علما تعلمه، بينما «الفلوس بتروح وتيجى»، وهو المثل الدارج الذى يستخدمه المصريون عادة تعليقاً على مصائبهم وخسائرهم المادية.

كان الرجل يقف دائماً فى منطقة وسطى من الأشياء، لم نسمع منه رأياً متطرفاً، كما لم نشاهده يحمل ضغينة لأحد أو كراهية لشخص، بل كان مخلصاً محباً لفنه وثقافته المزيجة بين الشرقية والغربية، كما كان ودوداً لمن يقابله، منحازاً لضميره ومبادئه.

المحن التى مر بها الرجل كانت عديدة، لعل أهمها ألم الخسارة والفقد الذى تعرض له فى حياته الخاصة، حيث قضى ابنه الوحيد «شريف» فى حادث سيارة، وكان يبلغ حينها 18 عاماً، وفاة ابنه كانت أكبر صدمة فى حياته، ربما وازت صدمة فقدان زوجته التى رحلت قبل ست سنوات، ليظل أسير ذكراها وذكرى ابنه.

كان كامى يردد دائماً أنه بعد وفاة زوجته لا يوجد لديه أى شخص قريب، وأحيانا يجلس ويتحدث وكأنه يسألها ويأخذ رأيها فى أمور حياته. ومن تابعه على السوشيال ميديا لاحظ رسائله اليومية لها وكأنها لم تفارقه. بدا كنموذج للصدق دون ادعاء كما يبدو على كثيرين.

كان المعروف عنه حبه للحياة، امتلك وجهًا يملؤه التفاؤل والمحبة لكل من حوله، وانعكس ذلك فى الصور التى انتشرت له عبر وسائل التواصل الاجتماعى، ورأيت هذا فى وجهه فى كل مرة التقيته فيها. كانت الابتسامة تسكن وجهه بصدق ودون ادعاء. ويتسرب هذا الإحساس إلى الأجواء المحيطة به.

بعد أن فقد ابنه وزوجته اتجه للاهتمام بمكتبته التى تضم 40 ألف كتاب ومخطوط فى منطقة وسط البلد، والتى يعود تاريخها للقرن التاسع عشر، حيث كان يمتلكها أحد المستشرقين اليهود، الذى غادر مصر بعد العدوان الثلاثى عام 1956، فاشتراها حسن كامى.

سنوات مرت ابتعد فيها كامى عن الأضواء زهداً ورغبة فى بعض الهدوء والسكينة، ليأتى الخبر الحزين بوفاته.

رحم الله الفنان الإنسان، الذى لم تغب عن وجهه الابتسامة، حسن كامى.

القليل من العقل يجنبنا الكثير

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

علمونا فى المدارس قديماً أن الله ميز الإنسان عن بقية المخلوقات الأخرى بميزة العقل، الذى يستطيع أن يميز بين النقائض عادة. فنعرف عبره الفارق بين الخير والشر، الحقيقى والخيالى، الخطأ والصواب، اليمين واليسار.

وبجهد بسيط، نستطيع عبر هذه الميزة أن نستنتج ونستوعب ونربط الأشياء والأحداث لنصل إلى منهج بسيط يعيننا على فهم الظواهر والظروف التى تمر أمامنا، وعلى أساس فهمنا نبدأ فى التعامل مع هذه الظروف أيا ما كانت.

وأقصد بعبارة «الجهد البسيط» أن فهم الأمور لا يتطلب قدراً كبيراً من التعليم أو الثقافة أو حتى الإلمام بكم هائل من المعلومات، بل مجرد الوصول إلى معقولية الأشياء تكفى للتمييز بين النقائض.

الغريب أن البعض لم يصل بعد إلى ما يمكن تسميته بـ«معقولية الأشياء»، فيدهشنا بآراء واستنتاجات ما أنزل الله بها من سلطان، كأن مثلاً ينسب الاحتجاجات التى اندلعت فى فرنسا إلى جماعة الإخوان الإرهابية!.

أى منزلة عقلية تلك التى تستنتج ذلك استناداً لطريقة وأسلوب إدارة المظاهرات، أو لمجرد وجود مهاجرين ينتمون إلى دول الشمال الأفريقى فى فرنسا، أو حتى الاعتقاد بأن إدارة ترامب تريد الانتقام من ماكرون بواسطة الإخوان.

أى منزلة عقلية تلك التى تربط- كما ادعى البعض- بين ما تسميه انتقام الجماعة الإرهابية غضباً من اتهام طارق رمضان، حفيد مؤسس الجماعة حسن البنا فى قضايا اغتصاب. ثم أى عقلية تلك التى تدلل على اشتراك الإخوان فى التظاهرات، بسبب ارتداء المحتجين لسترات صفراء، وهو اللون الذى تستخدمه الجماعة فى خلفية شارة «رابعة»!.

من يرددون مثل هذه الأشياء لا يعلموان لا من قريب ولا من بعيد طبيعة المجتمع الفرنسى، أو المجتمع الأوروبى بشكل عام، فحركة السترات الصفراء لم تعلن إنهاء احتجاجاتها ضد الحكومة الفرنسية، والتى بدأت منذ منتصف نوفمبر الماضى على رغم أن الحكومة الفرنسية تراجعت وألغت قرارات الزيادات التى سبق الإعلان عنها فى ضرائب الوقود، بل إن الحركة تستعد لتظاهرات جديدة.

فى الحقيقة إن احتجاجات الفرنسيين مستمرة ضد ارتفاع تكاليف المعيشة عموما، وهى ثورة ضد المساس بالحدود الآمنة للرفاهية المجتمعية، وقد عبر عنها ببساطة أحد المتظاهرين حين قال إنه يتقاضى راتبا 1500 يورو، وهذا الراتب لا يسمح له بتغيير سيارته منذ أربع سنوات كما لا يسمح له بالسفر خارج فرنسا، وأنه لا يستطيع التسوق كما يريد.

احتجاجات الفرنسيين تختلف عن أى احتجاجات اندلعت فى السابق خارج أوروبا، فالشعب الفرنسى الذى قاد العالم نحو الحرية تمتع بكامل حقوقه وحرياته، ووصل إلى مستوى عال من المعيشة لا يستطيع أن يتنازل عنها.

هل يدرك هؤلاء هذا الأمر؟، هل يدركون أنهم بآرائهم واستنتاجاتهم تلك يدللون على قوة وهمية لجماعة انتصرت عليها مصر شعباً وجيشاً وضميراً، هم يقصدون، ولا شك، مزيداً من الانتقاد والهجوم ضد الجماعة، او تخويفاً من تبعات عودتها، لكنهم وبسبب فقرهم إلى معقولية الأشياء ينفخون فيها روحاً، ويأتون بها من خارج التاريخ، إلى داخله مرة أخرى.

تصحيح المسار أم العزة بالإثم؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كنت قد أشرت سابقاً إلى «الطيش» ومفهومه الذى امتد من مجرد «طيش» يرتبط بمرحلة عمرية معينة إلى «طيش» يرتبط بمؤسسات وهيئات ضالعة ومؤثرة فى المجتمع. كما أشرت أكثر من مرة إلى ضرورة أن يتحول المجتمع إلى مرحلة «النضج» إذا أراد أن يستمر فى البناء على أسس صحيحة.

وأتصور أن التحول إلى النضج يرتبط بمفاهيم عدة، لعل أهمها مفهوم المراجعة، مراجعة المواقف والسياسات والاتجاهات والتوجهات، بل مراجعة اختيار الأشخاص الذى ربما يشوبه الخطأ البشرى أو العقلى أو الظرفى، فيؤدى إلى اختيار شخص غير مناسب، أو إلى اختيار شخص مناسب فى ظرف غير مواتٍ. وامتلاك جرأة تصحيح الخطأ بعد اكتشافه، لا المكابرة وسيادة منطق العزة بالإثم.

والمراجعة تقتضى ضرورة الإنصات إلى نصائح البعض، ولاسيما المنتقدين الذين يمارسون فعل النقد، سواء أكان رد فعلٍ على سياسة ما أو قرار ما، أو حتى كان الشخص دائم الانتقاد، لكنه يقول قولاً حسناً فى أمر محل نظر. لكن أن يأتى الانتقاد أو اللوم أو الملاحظة- سمّها ما شئت- من أجنحة وأشخاص لا غبار ولا كلام ولا ريب فى دعمهم للدولة وقيادتها، فهو أمر يدعو بالضرورة إلى الانتباه لهذا الانتقاد، بل العمل على تفنيد انتقاده ودراسته بشكل جيد، والعمل فوراً على مراجعة القرار أو التوجه محل الانتقاد.

ملف الإعلام، أو بمعنى أدق تعاطى الدولة مع ملف الإعلام، يحتاج إلى مراجعة شاملة ودقيقة، فانتقاد التعامل مع هذا الملف لم يأتِ فقط من فئة يسار الدولة أو منتقدى السلطة، بل جاء من عمق الدولة، من شخصيات دعمت وتدعم وستظل تدعم الدولة، السلطة الحالية، بقوة الكلمة والفعل، وأرشيفها الصحفى والإعلامى موجود ومنتشر، بل يستطيع أن «يسد عين الشمس»، وكذلك يسد عين من قد يحاول أن يرد الهجوم والانتقاد. والأمثلة على ذلك كثيرة، وكثيرة للغاية.

من يقودون الإعلام، سواء كان بمفهومه السياسى الشامل، أو حتى بمفهومه الترفيهى المسلسلاتى والبرامجى، يحتاجون إلى نظرة مع أنفسهم، قبل أن تكون من الدولة. من يقودون الإعلام حالياً أتى بهم الظرف فى وقت صعب للغاية، وقتٍ يحتاج إلى جراحين مهرة يداوون مريضاً عانى لسنوات طويلة، أو يقودون سفينة وسط أمواج من معدومى الموهبة الإعلامية وأنصاف المفكرين. يحاولون أن يوجهوا الرأى العام بعقل مستنير متقدم قائم على العلم والفهم الصحيح، لا بتلك العقلية القديمة التى اعتمدت فى وقت من الأوقات على «اللا معقول» و«اللا منطق».

نضج المؤسسة الإعلامية فى هذا الوقت الحذر هو المطلوب. ولن يأتى هذا النضج إلا بمراجعة حقيقية لسياسات القائمين على الإعلام، أو هكذا أظن.

طيش الشباب

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

الطيش، لفظة مرتبطة بالشباب عادة، قيلت فى أفلام قديمة للدلالة على التهور والانفعال، فى مواقف لا تستحق ذلك، أو لا تستدعى ذلك. ودائماً ما ينتح عن هذا الطيش عواقب غير محمودة.

بالفعل، منطق الأشياء يقول إن ما كنا نفعله بالأمس لا يصلح لأن نفعله اليوم، لذا فإن مساحات المسموح به فى سن معينة تضيق أو تتحدد أو تتغير بتقدم العمر، والسير نحو مفهوم النضج.

ربما يكون مسموحا للإنسان فى سن مبكرة بالتجاوز أحيانا، والطيش أحيانا، والتطرف أحايين أخرى، كما يمكن للمحيطين القبول بهذه التجاوزات منه، على أنه لم يصل بعد إلى سن النضج، لكن بعد أن يصل إلى السن المذكورة، ويمارس نفس الأفعال، فالأمر يكون هنا محل انتقاد ورفض.

وعلى هذا فإن الطيش غير المرتبط بسن الشباب غير مقبول، كطيش الكبار والناضجين، وكطيش المؤسسات التى من المفترض أنها ناضجة فاعلة ومؤثرة فى المجتمع ككل.

نعم، هناك فرد طائش، وهناك مؤسسة طائشة، تفعل ما هو غير مقبول أو معقول، وتسهم فى تأزيم الأشياء وإيصالها لحدٍ من الصعب العودة منه.

الزمن دالة أخرى فى معادلة الطيش. فما كان مسموحا به فى السابق زمنيا، لم يعد مسموحا به فى وقت لاحق.

الطيش أيضاً مثله مثل النوايا الحسنة غير المرتبطة بفعل، والتى تؤدى فى بعض الأحيان إلى قطيعة وتباعد بين من يقوم بالفعل، ومن يقع عليه الفعل. أى قد يتباعد المواطن عن الحكومة، إذا ارتكب أحدهما فعل الطيش.

والطيش الذى سبق أن حذرت منه مرارا وتكرارا هو غياب التواصل. إن مشكلتنا الرئيسيّة فى استمرار الحوار الحقيقى مع الناس، نموذج الأداء الرسمى غير القادر على التواصل هو إحدى مناطق الضعف الرئيسيّة التى نعانى منها حتى الآن. التواصل بمفهوم تطوير الأداء والاستمرار بقوة دفع متزايدة، والتواصل بمفهوم القدرة على إيجاد لغة مشتركة يتواصل بها المسؤولون مع البشر، مع الطرف الثانى ـ الذى هو نحن ـ تواجه مشكلة حقيقية، لذلك حتى لو امتلك الطرف الأول رسالة ما، فإنه يعجز عن أن يوصلها إلينا، لأنه لا يمتلك أو لا يريد أو لا يعلم لغة الحوار وأسلوب التواصل معنا، وبالتالى يستمر فعل الطيش.

ويبقى السؤال: من الذى عليه عبء البداية، الطرف الأول (الذى يمارس فعل الطيش) أم الطرف الثانى (الذى يقع عليه تبعات فعل الطيش)، أم طرف ثالث لا نعلمه، قد يكون مؤسسة أعلى أو أقل فى التراتبية والأولوية، وقد يكون مؤسسة متخصصة فى فن التواصل؟.

الإجابة فى يدنا وعقلنا جميعا. فى يد الطائشين الذين احترفوا إهمال قيمة التواصل أو المتضررين الذين شعروا بالبعد عن الطرف الأول. فالأول لا بد أن يتخلص من طيشه، والثانى لا بد أن يقترب أكثر ويعمل أكثر ويتعاون أكثر.

حالة الطيش لا بد أن تنتهى بأن يتحدث الجميع إلى الجميع بلغة مفهومة ومتحضرة. بلغة تحترم العقل أولاً، وقبل كل شىء.