لو استمعوا لمبارك وقتها لاختلف الوضع الآن

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

«إن الحل هو عقد مؤتمر دولى يقوم- ­تحت رعاية الأمم المتحدة­- بصياغة اتفاقية تجرّم الإرهاب.. وتتعهد من خلالها الدول المُوقِّعة بعدم استقبال إرهابيين على أراضيها، وبعدم السماح لهم بفتح معسكرات تدريب على ترابها الوطنى، وبمنعهم من المرور من بلد إلى آخر.. على أن تتم مقاطعة دولية للحكومات التى ترفض تطبيق هذه الاتفاقية.. ولقد سبق لى أن قدمت هذا المشروع لأول مرة أمام برلمان (ستراسبورج) خلال عام 1986، فكم من وقت أهدرنا منذ ذلك الحين؟!». هذا كان رد الرئيس المصرى الأسبق حسنى مبارك عندما سأله «شارل لامبروسكين»، رئيس تحرير صحيفة «لوفيجارو» الفرنسية، فى الثانى والعشرين من سبتمبر عام 2001، أى بعد أيام من هجوم الحادى عشر من سبتمبر. ويمكننا أن نرى من خلال الإجابة، بل من خلال الحوار كله، كيف كانت الرؤية المصرية شديدة الوضوح فى مسألة خطر الإرهاب على العالم ككل، وأيضاً أسلوب مكافحته.

وقتها أيضا نصح مبارك الولايات المتحدة بألا تلعب نفس لعبة أعدائها، قائلاً: «إنهم يترقبون إجراءاتكم القمعية حتى ينطلق من بين الدماء والحطام جيل جديد منهم يطالب بالثأر من أمريكا». كان رأيه أن الدواء لا ينبغى أن يكون أمَرّ من الداء.

وحول تعليقه على تعبير «الدول المارقة»- ومنها إيران، التى تتهمها واشنطن بأنها تدين الإرهابيين علانية، لكنها تمولهم سراً- أشار إلى أنه لا يريد التحدث عن إيران أو عن غيرها، وأن كل ما يمكنه أن يقول هو: «مصر لا تستخدم لغة مزدوجة، ومبدؤنا إزاء الإرهاب.. هو الشفافية».

وعما إذا كان يمكن التحدث عن الشفافية عندما يتعلق الأمر بالمملكة العربية السعودية.. قال مبارك: «على عكس ما يتردد فى بعض وسائل الإعلام الغربية، فإن المملكة لا تمول الإرهاب، وبالتالى فإنه لا ينبغى الخلط بين الحكومة السعودية وبين بعض المنظمات الخاصة، التى تسعى إلى مساعدة الفقراء بالمال، فيتحول هذا المال إلى أهداف أخرى».

وعن ليبيا.. قال مبارك إنه يقطع بأن العقيد الليبى معمر القذافى يرى مثلما يرى هو شخصياً فى تطرف الأصوليين تهديداً بالغ الخطورة،

ورداً على سؤال حول حق اللجوء السياسى، قال: «إن حق اللجوء تكفله المبادئ الديمقراطية.. لكن من غير المقبول أن تمنح دولة ديمقراطية حق اللجوء السياسى لمجرمين، ضاربة بذلك عرض الحائط بمعاناة ضحاياهم!، إن القاتل لا تحق له المطالبة بحقوق الإنسان، ومنح اللجوء لأناس قتلوا النساء والأطفال- بهدف واحد هو زعزعة استقرار بلد- هو انتهاك لحقوق الضحايا، وإذا ارتكب شخص جريمة فى فرنسا، فلا تظن أنه سيتمكن من اللجوء إلى مصر، فسوف أسلمه إلى فرنسا على الفور».

وقتها أيضا صنف لندن على أنها تحولت إلى أكبر قاعدة خلفية للإرهاب فى أوروبا، واعتبر أن بعض العواصم الأوروبية تحولت فى المقابل إلى مراكز تجمع حقيقية للإرهابيين، وعلى الحكومات التى قبلت استضافتهم ألا تتباكى أو تذرف الدمع عندما تتحول إلى أهداف لهم.

منذ وقت طويل كانت الرؤية المصرية لخطر الإرهاب وأسلوب محاربته شديدة الوضوح، لكن كثيرا من دول العالم، خاصة الغربية، لم تستطع أن تستوعب ذلك إلى أن طالتها نيران الإرهاب، ساعتها بدأت الحديث عن الحرب على الإرهاب. ومفهوم الحرب هذا أيضا مصطلح يحتاج تحديدا. وهنا أعود مرة أخرى إلى تحديد مصر لهذا المفهوم منذ سنوات طويلة. الحرب بمفهومها التقليدى أصبحت مفهوما بالياً، والإرهاب يتجاوزها خطورة، وعلى العالم أن يعى أنه مقبل على معركة طويلة على عدة جبهات، لذا يتوجب اختراق عدة شبكات قبل أن تتمكن دول العالم من وقف جميع الإرهابيين. مبارك علق على ذلك من زمن، قائلاً: «علينا أن نستغل الاستخبارات قبل أن نضع أيدينا على المنظمين، وأن نراقب التحويلات المالية عبر العالم، وأن نتابع الاتصالات عبر الإنترنت (..)، لكن كل ذلك يتطلب منا الصبر والاستعانة برجال الشرطة والمخابرات. إن قائد قاذفة تطلق الصواريخ على جبل فى أفغانستان لن يفيدنا فى شىء، فهو لن يفلح- مهما كان- فى تدمير جبل يحوى كهفا يخفى زعيم الإرهاب!».

وأنا أقرأ فى أرشيف الإرهاب، اطّلعت على هذا اللقاء المهم، ورأيت أنه من المهم أن نقرأه مرة أخرى. لو اقتنع مسؤولو الغرب منذ زمن بأن الخطر لن يظل بعيداً عن أبوابهم لكان الحال غير الحال. وكما ذكرت، فإن الرؤية المصرية للإرهاب وأسلوب مكافحته عبر تعاون دولى هى رؤية قديمة وواضحة.

أسئلة صعبة للإجابة عليها إن كنّا جادين

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

عقب الحادث الإرهابى الذى أدى إلى استشهاد أكثر من ثلاثمائة مصرى على أيدى الإرهابيين أطفأ برج إيفل أضواءه وشاركه إطفاء الأنوار معالم عالمية أخرى، وندد الرئيس الأمريكى ترامب وندد معه عديد من زعماء العالم، بمن فيهم التركى والقطرى، وأصدر أمين عام الأمم المتحدة بيان إدانة، وكذلك فعل رؤساء المنظمات الدولية والإقليمية. وعلى الطرف الآخر يقف الرئيس المصرى عبدالفتاح السيسى معزياً شعبه، مضيفاً فى غضب أن مصر تقف وحدها لتحارب الإرهاب نيابة عن العالم. وهو هنا يعبر عما يشعر به المصريون من غضب ومرارة وأيضاً إحباط بسبب الموقف العالمى الذى لم يترجم تعاطفه وبياناته إلى شكل عملى ملموس لدعم مصر فى حربها ضد الإرهاب. أظن أننا بحاجة ماسة إلى إيجاد طرق مختلفة لترجمة التعاطف الدولى اللفظى إلى دعم فى حربنا ضد الإرهاب التى نخوضها نيابة عن العالم، ولَم يترجم هذا العالم اقتناعه، إن كان قد حدث بعد، إلى إجراءات عملية.

لنصل إلى هذه النتيجة علينا البحث عن مكمن الخلل فى تقديم واقعنا إلى عيون وآذان العالم. وهنا أعنى العالم سياسياً وإعلامياً، أعنى مؤسسات الحكم والقرار وأقصد الرأى العام الذى يحصل على معلوماته من وسائل إعلامه التقليدية أو من خلال وسائل التواصل الاجتماعى. إذا كان الخلل فى رؤية العالم الخارجى لموقفنا يتواجد فقط فى بلد هنا أو هناك فهمنا بسيط، لأن هذا يعنى أن معظم العالم يعلم بموقفنا إلا أجزاء لأسباب يمكن حصرها والتعامل معها، لكن المهم أن صورتنا وقصتنا صحيحة ومعروفة لمعظم دول العالم. أما إذا كان الوضع هو فهم مختل لموقفنا فى معظم دول العالم، فهنا تكمن المشكلة. وقتها يجب أن نكون أكثر صراحة ووضوحا فى مواجهة الواقع والاعتراف بأن لدينا خللا فى أساليب تواصلنا مع الآخر.

كنت فى لندن وقت وقوع الحادث الإرهابى الأخير فى مسجد الروضة، واحتل الخبر مقدمة النشرات الإخبارية الإنجليزية، وكذلك صحف الأيام التالية، ولاحظت حجم الغياب الكبير للرؤية المصرية للحادث والواقع المصرى، واحتل مقاعد التحليل، إلا قليلا، أشخاص معروفون بمواقفهم السياسية المسبقة من مصر ونظامها الحالى، سواء من الإنجليز أو العرب أو المصريين، وكانت مناسبة للترويج لمواقفهم السياسية المناوئة. وغاب أى صوت معلوماتى مرتبط بالواقع المصرى، كما غابت الأصوات من داخل مصر بلد الحدث، واختفى المسؤولون خلف أبواب لا يعلمها الإعلام.

وعندما تابعت بعض وسائل الإعلام الدولية الأخرى لم يختلف الوضع كثيرا. معظم وسائل الإعلام غاب عنها الصوت المصرى، فيما عدا مقاطع من كلمة الرئيس السيسى التى وجهها إلى المصريين فى أعقاب الحادث. والملاحظ أن معظم- إن لم يكن كل- وسائل الإعلام الغربية قد استخدمت تعبير «مسلحين» militants أو «جهاديين» jihadists فى وصفهم للإرهابيين الذين قاموا بتلك الجريمة.

لاحظت أن لوما وجهته عديد من الأقلام والمسؤولين إلى الإعلام الغربى فى تغطيته للحادث، وأنا بدورى أسجل لومى واستنكارى لهذه التغطية والتناول الذى لا يعكس الواقع الحقيقى. ولكنى هنا أتوقف لأتساءل: هل هم وحدهم الملومون؟ إذا كان الخلل من جهة واحدة فقط لكان اللوم وحده على الجهة، لكن إذا كان الخلل متعدد الاتجاهات، فنلوم الـ«بى. بى سى» البريطانية وأيضا نلوم الـ«سى. إن. إن» الأمريكية فى ذات الوقت، ولا بأس بلوم الألمان والإسبان والطليان. هنا يكمن الخطأ والخطر.

هنا دلالة واضحة على أننا نعانى من قنوات منسدة بيننا وبين الآخر، أو أن ضبابا كثيفا يحيط بمواقفنا. إن اكتفينا هنا بلوم الآخرين «المتآمرين»، وهم هنا أصبحوا معظم العالم، فإن هذا موقف مريح يمكننا بعده أن نذهب مرتاحى البال وننام بعمق لأن المؤامرة كبيرة علينا.

ولكن إن أردنا أن نتجاوز هذه الحالة ونصدق أنفسنا فى التعامل مع صورتنا فى العالم وأسلوب حديثنا إليه واهتمامنا بنقل صورة حقيقية وفتح قنوات متعددة متوازية ومتعاونة، فإن هذا موضوع آخر، إن قررنا سلوك هذا الطريق فسوف يكون هذا إحدى علامات الجدية والفهم للتعامل مع مشكلاتنا.

أذكر عندما كان الإخوان فى الحكم، ذلك العام الذى عانت منه كل مصر، كان بادياً مستوى إدراكهم وفهمهم لأهمية الإعلام والتواصل. يوم أعلن مرسى الإعلان الدستورى الذى قلب مصر وقتها، حكى لى أحد المسؤولين عن القسم الخارجى فى إحدى الصحف البريطانية الكبيرة كيف أن وفوداً متعددة من أعضاء الإخوان المدربين على الحديث والمصحوبين ببعض إخصائيى الاتصال والعلاقات العامة البريطانيين قد ذهبت كل مجموعة منهم إلى إحدى الصحف أو وسائل الإعلام الكبرى أو مراكز البحث وبعض اللجان البرلمانية ليشرحوا وجهة نظرهم فى الإعلان وأهميته ولماذا صدر. كانوا يحملون الباطل وقتها ولكنهم استخدموا الوسائل الصحيحة للترويج فنجحوا فى بيع الباطل. وكانوا يفعلون ذلك فى كل مناسبة لضمان أكبر قدر من الفهم لموقفهم، وبالتالى النقل للرأى العام المواقف من زاويتهم. نحن نمتلك الحق والحقيقة ولا ندرك كيف نروى قصتنا.

أما موضوع السوشيال ميديا، فهذا موضوع آخر كبير. لن أناقش الآن حدود تأثيره وكيفية إدارته فى مناطق الدولة المختلفة، وما إذا كانت هذه الإدارة علمية وصحيحة وتحقق الهدف الحقيقى منها أم أنها مجرد منصات للاشتباك قصير النظر.

ولن أناقش إذا كانت هناك استراتيجية تجمع كل هذه المجموعات، أم أنها تتنافر وتتنافس أكثر مما تتعاون، وإن كانت هناك استراتيجية من الأساس.

ولكنى اليوم سأكتفى بطرح سؤال واحد أتمنى أن تكون الإجابة عليه إيجابية، لأنى لا أعرف الإجابة بدقة، وإن كنت أخمنها: هل لدينا حضور منظم واستراتيجية واضحة للتواجد على منصات التواصل الاجتماعى إقليميا وخارجيا؟

Sinai mosque attack — it was a massacre in every sense of the word

by Abdellatif El-Menawy

In response to Friday’s senseless slaughter of at least 235 Egyptians at the hands of terrorists, the Eiffel Tower has extinguished its lights. US President Donald Trump denounced the terrorist actions and UN Secretary-General Antonio Guterres issued a statement of condemnation. As the world leaders rushed to issue statements of condemnation and messages of condolence to the Egyptian people, President Abdel Fattah El-Sisi shared the grief and shock of his people. “Egypt is standing alone to fight terrorism on behalf of the world,” he said.
The Egyptians feel angry, bitter and frustrated because the statements of sympathy have not translated into concrete support for Cairo in its war against terrorism.
Yesterday afternoon, before Friday prayers were over, the worshippers at the Al-Rawdah mosque were surprised by a loud explosion. They ran out of the mosque to receive a barrage of bullets from dozens of masked men. According to preliminary estimates, approximately 235 people were killed and another 109 injured. It was a massacre in every sense of the word. The attackers in their savagery reportedly targeted ambulances that arrived on the scene to help the injured and dying.
The Al-Rawdah mosque is in the town of Bir Al-Abed, some 40 km west of Al-Arish city in North Sinai. Most of the mosque’s congregation are from the Sawarka tribe which is open in its support of the army and the police against the militants. It belongs to one of the Sufi orders called Jaririyeh. The mosque is frequented by Sufi Muslims who have long angered the terrorist groups by insisting on performing their rituals which Daesh considers un-Islamic. This has prompted terrorist organizations to issue severe warnings to the Sufis to stop their rituals. The most prominent of the Sufi leaders, Sheikh Sulaiman Abu Haraz, was martyred on Nov. 19, 2016. He was 98.
Sheikh Abu Haraz was one of the most important religious figures in North Sinai and had a great influence among the nomadic tribes who listened regularly to his sermons. He had also been threatened several times by Daesh.
“We say to all the Sufi followers and sheikhs in Egypt and abroad, that we will not allow the existence of Sufis in Egypt in general and in Sinai in particular,” Daesh said in an article published in one of its publications last year.

“Egyptians feel angry, bitter and frustrated because the statements of sympathy have not translated into concrete support for Cairo in its war against terrorism.”

The Egyptian president condemned the massacre in the strongest terms and described it as “a sinful terrorist act.” He said the strong hand of justice would reach all those who participated in, contributed to, supported, financed or incited anyone to commit this cowardly attack on worshippers who should have been safe and secure inside the house of God.
El-Sisi said that Egypt was leading a war against terrorism with full force, and that terrorism would be defeated in the country. “The armed forces and the civilian police will avenge the martyrs and restore security and stability in the next few days,” he said. “We will respond to this act with brute force,” he said. Warning that the incident “aims to destroy the morale of Egyptians,” El-Sisi said: “This criminal sinful act increases our strength in the fight against terrorism.”
No group has so far claimed responsibility for the attack, but the evidence is that they belong to a group of religious extremists.
Hardly a week passes without an attack in the Sinai Peninsula or without Egyptian authorities announcing raids and security operations targeting a terrorist group. The heaviest attacks, however, are aimed at security forces and the army in Sinai which is the stronghold of Daesh.
The Egyptian government launched a military campaign in September 2015, but the terror group’s bloody attacks have continued.
The organization was formerly known as the “Ansar Bayt Al-Maqdis” (Supporters of Jerusalem) before announcing its allegiance to Daesh in November 2014.
The “Ansar Bayt Al-Maqdis” emerged after the events of January 2011 when Palestinian militants joined the Egyptian “Tawhid Wal Jihad” terror group, which was active in Sinai, and together formed “Wilayat Sinai” — which is a Daesh arm in Sinai. The group was first active in the Sinai Peninsula since its members were living in central Sinai.
The group became very active after the overthrow of former President Hosni Mubarak and targeted the Egyptian gas pipeline that passes through Sinai to Israel.
After the removal of the Muslim Brotherhood from power in Egypt, the group expanded its activities and began to focus on the Egyptian security forces and the army in Sinai and then expanded its operations to include Cairo and other towns and cities.
The group continued its operations until it reached the vast Western Sahara, whose oases were a tourist attraction. The topography of the Jubaila area provided ideal hiding places for the terrorists. It is also near the border of Libya which is suffering from chaos. It is estimated that the number of members of the group ranges from 1,000 to 1,500 armed men in the Sinai Peninsula which covers an area of 60,000 sq km. It has been under martial law since October 2014.
Tomorrow, the Eiffel tower will be lit agaiin. Life will resume as normal. But nobody will send help to Egypt which greatly increases the chances of nothing really changing.

المشاركة المصرية فى رأب صدع الجنوب

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

الحضور المصرى فى أزمة جنوب السودان يبعث على الارتياح، لأنه يعنى ببساطة تحركاً صحيحاً فى ملف شديد الأهمية بالنسبة لمصر، ليس فقط فى إطار معالجة مصر لموضوع الأزمة المائية المتوقعة بسبب سد النهضة، ولكن أيضا فى إطار تأكيد وترسيخ دور مصر المهم فى محيطها. وجنوب السودان إحدى المناطق المهمة لمصر لأسباب عديدة، وانفصالها عن شمال السودان كان نتيجة الإدارة الخاطئة لملف الجنوب فى تلك الفترة من قِبَل النظام فى الشمال، بل أعتقد أنه أمر تجاوز الخطأ بكثير.

المشاركة المصرية فى رأب صدع الجنوب

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

الحضور المصرى فى أزمة جنوب السودان يبعث على الارتياح، لأنه يعنى ببساطة تحركاً صحيحاً فى ملف شديد الأهمية بالنسبة لمصر، ليس فقط فى إطار معالجة مصر لموضوع الأزمة المائية المتوقعة بسبب سد النهضة، ولكن أيضا فى إطار تأكيد وترسيخ دور مصر المهم فى محيطها. وجنوب السودان إحدى المناطق المهمة لمصر لأسباب عديدة، وانفصالها عن شمال السودان كان نتيجة الإدارة الخاطئة لملف الجنوب فى تلك الفترة من قِبَل النظام فى الشمال، بل أعتقد أنه أمر تجاوز الخطأ بكثير.

عندما التقيت بالسيد سيلفا كير منذ عدة سنوات، كان ذلك عقب الانتخابات البرلمانية فى جنوب السودان، وقبيل الاستفتاء الذى نتج عنه انفصال دولة الجنوب. دار بينى وبينه حوار طويل باللغة العربية، قدرة سيلفا كير على التحدث باللغة العربية لا تختلف عن قدرة أى سودانى آخر على التعبير عن نفسه بالعربية، حوار طويل بيننا تحدث فيه عن ترحيبه بأى عربى أو مسلم فى جنوب السودان، لكنه تحدث أيضا عن الإحساس بالظلم والإهمال، الذى يشعر به أهل الجنوب من جانب أهل الشمال، وعندما بدأت فى إجراء الحوار التليفزيونى المسجل معه طلب «كير» أن يكون الحوار باللغة الإنجليزية، فطلبت منه أن يتحدث بالعربية، التى يجيدها تماما، لأنه سيخاطب عن طريق التليفزيون المصرى الجمهور المصرى، الذى يتحدث العربية، لكنه أصر أن يتحدث بالإنجليزية، لكنى طلبت منه بإلحاح أن يتحدث بالعربية، وإذا تعذر عليه إيصال معنى باللغة العربية يمكن فى هذه الحالة أن يجيب عن السؤال بالإنجليزية، فأبدى موافقته، ولكن ما إن بدأ الحوار حتى أجاب عن كل الأسئلة بالإنجليزية، ودار الأمر هكذا: أسأل باللغة العربية، ويجيب هو باللغة الإنجليزية، وعندما أنهى الحوار قال لى: عندما أحضر إلى القاهرة سوف أتحدث بالعربية.

دلالة ما حدث هى تلك الرغبة فى التأكيد على فصل هوية الجنوب عن الشمال، وفى إشارة مبكرة فى ذلك الوقت إلى الاتجاه الغالب للاستفتاء- الذى جرى بعد حوارنا بأسابيع- بأن الانفصال يبدو وكأنه النتيجة المتوقعة.

وقع الانفصال، وليس هناك مَن نلومه سوى كل الأطراف العربية، ومسؤولى حكومة الشمال على وجه الخصوص، الذين أهملوا الجنوب طوال الفترة الماضية، فلم يقوموا بما ينبغى أن يقوموا به من أجل الحفاظ على الجنوب.

ذهبت وقتها إلى جوبا، عاصمة جنوب السودان، بحثا عن عناصر تصب فى مصلحة وحدة السودان، ولكن خرجت منها مكتشفا أن عناصر الانفصال الحاضرة أكبر كثيرا من عناصر الوحدة.

الوصول إلى جوبا ليس بالأمر السهل من الخرطوم، المسافة برا حوالى 1600 كيلومتر، معظمها غير ممهد، تستغرق الرحلة- إذا قرر أحد المغامرة- حوالى أيام، قدرها البعض بتسعة، الطيران من عاصمة السودان إلى عاصمة جنوبه، وقتها، عبارة عن رحلة واحدة منتظمة، ولكن غير منضبطة فى مواعيدها، واثنتين فى مهب الريح، فى مقابل ثلاث رحلات يوميا من نيروبى، وثلاث رحلات من كينشاسا، وثلاث أسبوعيا من أديس أبابا.

الدلالات الانفصالية لم تقتصر على اللغة الإنجليزية، التى أصر السيد سيلفا كير على الإجابة بها، رغم إجادته التامة للعربية، ولكنها كانت ساطعة كشمس الجنوب الحارقة، واضحة وجلية مثل النيل، الذى يمر من هناك فى طريقه إلى مصر.

جوبا، عاصمة جنوب السودان، وعاصمة منطقة بحر الجبل، يتحدث سكانها العربية والإنجليزية واللهجات المحلية، لكن العربية هى اللغة الطاغية، على الرغم من دخول بعض قواعد الإنجليزية عليها، تعتمد على النقل النهرى، حيث نهر النيل يشكل خزانا مائيا، عانت طويلا من الحرب الأهلية والتهميش الذى يتهمون به الشمال.

رأيت هناك الكثير من عناصر الانفصال، وسمعت الكثير من السيد سيلفا كير، أثناء رحلتى إلى جوبا اكتشفت أن الأمر تخطى مرحلة الخلاف العرقى بين شمال السودان وجنوبه، بات خلافا بين رؤيتين لهوية دولة، دولة مدنية متعددة الثقافات والديانات، علمانية العاصمة، وهوية لدولة دينية.

الحضور المصرى فى الجنوب بات حضورا مميزا خلال الفترة الأخيرة، وأسهم هذا الحضور من خلال المستشفيات المصرية والمدارس المنشأة من قِبَل الحكومة المصرية، وكذلك محطات الطاقة، التى أضاءت العديد من مدن الجنوب، التى لم ترَ الكهرباء من قبل. كثير من أبناء جنوب السودان تخرجوا فى الجامعات المصرية، ولهم أصدقاء بالقاهرة، وصلة المودة والتزاور قائمة، حسبما قال لى السيد سيلفا كير، بل إن معظم خريجى الجامعات المصرية من أبناء الجنوب على سدة الحكم الآن فى وزارات جنوب السودان. ويأتى الاهتمام المصرى الأخير بالإسهام فى حل النزاع القائم فى الجنوب، ليؤكد صحة التوجه المصرى فى هذا الملف المهم.

لماذا «الأقباط» فى البرلمان البريطانى؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

مساء اليوم أُصدر كتابى الجديد «الأقباط، دراسة فى أسباب الصدع فى العلاقة بين المسلمين والمسيحيين فى مصر»، سيكون إطلاق الكتاب فى إحدى قاعات مجلس العموم البريطانى، وذلك بدعوة من النائب المحافظ دانييل كوتشينسكى. اخترت أن يكون حفل التوقيع داخل البرلمان البريطانى لسبب مهم. هذا الكتاب الصادر بالإنجليزية يتوجه إلى جمهور بعينه، وإلى الجزء الفاعل من هذا الجمهور، وهو ممثلوه فى البرلمان. الأمر الآخر أن هذا العمل لا ينتمى لا إلى الدولة بمفهومها الرسمى ولا إلى الكنيسة، باعتبارها معنية بالموضوع. لقد تعاملت مع القضية باعتبارها مسألة مصرية أصابها قدر كبير من التشويه وعدم اكتمال الصورة فى نقلها إلى الآخر، الذى أصر على أهمية التواصل معه، فقدمت هذا العمل ملتزما بأكبر قدر ممكن من الأمانة والموضوعية والرغبة فى تقديم مفاهيم وحدود صحيحة لمشكلة موجودة، سواء اقتنع بعضنا بوجودها أو أنكرها البعض الآخر.

هذا الكتاب يتناول بإيجاز، غير مخل كما أرجو، دخول المسيحية إلى مصر ثم الإسلام، وتطور العلاقة بين المسلمين والمسيحيين، وأيضا بين المصريين والنظم السياسية المتعاقبة، وكيف أثر التطور الاقتصادى والسياسى والاجتماعى على هذه العلاقات المتشابكة، وأيضا كيف انعكس تطور بناء الكنيسة داخليا على إدارة العلاقة مع «شعبها» ومع الدولة.

من بين النتائج، التى خرجت بها من هذا العمل أن العلاقة بين الدولة والمجتمع تمثل أحد المفاتيح الرئيسية فى فهم أوضاع أى نظام سياسى، هناك اتفاق أن المجتمع هو السابق على الدولة. ويمكن القول إن مصر شهدت حالة عدم التوازن بين الدولة والمجتمع فى مراحل متعددة، وهو الأمر، الذى مثل إحدى المشكلات الأساسية للتطور السياسى والاجتماعى فى مصر. وأمام عدم التوازن هذا اتجهت بعض قوى المجتمع إلى تعزيز أدوارها وتأمين مصالحها بعيدا عن الدولة، الأمر الذى أدى إلى تنامى الانتماءات الضيقة، خصوصا أن الدين فى مصر يؤدى دورا لا يستهان به فى كافة مناحى الحياة.

وقد بدا تأثير هذا عندما اتخذت المسألة القبطية أبعادًا جديدة فى العقود الخمسة الأخيرة، حيث اتسمت تلك المرحلة بعديد من التعقيدات التى ألقت بظلها على العلاقة بين المسلمين والأقباط وأوصلتنا إلى حالة ملحوظة من الاحتقان. ففى تلك الفترة، اتخذت الدولة خطوات حاسمة على صعيد تحرير الاقتصاد، والتخلى عن لعب دور اجتماعى. وفى مقابل تخلى الدولة عن هذا الدور، ظهرت المؤسسات الخيرية على الجانبين الإسلامى والمسيحى لتقدم خدماتها، كل لأبناء طائفته، ومن ثم مزيد من الارتباط بين هذه المؤسسات والأفراد. فالمسلم الذى لا تعالجه الدولة يذهب إلى مستوصفات الجمعيات الخيرية الإسلامية أو الإخوان المسلمين، بينما يذهب المسيحى إلى المستوصفات المرتبطة بالكنيسة. وإذا كانت الدولة قد تخلت عن تعيين الخريجين بدرجة ملحوظة، فقد ظهرت الشركات والبنوك الإسلامية التى لا تعين أقباطًا، وحذت حذوهم مؤسسات يملكها مسيحيون. وأدى ذلك إلى نوع من العزلة والانكفاء كل على طائفته. من ناحية أخرى، فقد خلقت تلك المرحلة بتوجهاتها أزمة اجتماعية حادة بسبب البطالة وارتفاع الأسعار وسوء علاقات العمل نتيجة الحرية المطلقة لرأس المال. وأدى هذا الوضع إلى تصاعد الفقر والمعاناة والشعور بالقهر والغضب. ولعل تصاعد دور المؤسسات الدينية فى مصر وقدرتها على تعبئة موارد مالية متعددة زاد من قدرتها على القيام بوظائف اجتماعية ورعائية، ما أدى إلى تديين الحياة الاجتماعية، وظهور ما يسمى السلطة الدينية البطريركية، إسلاميا أو مسيحيا، فى ظل غياب مفهوم الدولة التى تجعل القانون والمواطنة أساسا. إن استبعاد الفئات الوسطى وعدم مشاركتها فى الحياة السياسية والحزبية من جهة، وقدرة الكنيسة على تلبية متطلبات اقتصادية وصحية وتعليمية من جهة ثانية، جعل القبطى ينظر إلى الكنيسة، ليس كمخلص روحى فحسب، بل كمخلص معيشى أيضا. وكذلك الحال مع الجماعات الإسلامية التى ظلت تحقق مكاسب مستمرة على حساب تآكل دور الدولة وحضورها.

وفى ظل هذا الوضع ليس هناك أسهل من أن ينفث المقهورون من الشرائح الدنيا من الطبقة الوسطى والمهمشين، الذين تطحنهم كل يوم ظروف حياتهم، غضبهم فى جيرانهم الأضعف، الذين هم من نفس الطبقة ويتعرضون لنفس الأزمات، لكنهم يختلفون فى الدين. وتلك الحالة ليست مقصورة على مصر. فإذا نظرنا إلى الوضع فى الهند، استطاع حزب بهاراتيا جاناتا الهندوسى المتطرف تأليب طائفة الهندوس على المسلمين- الذين يعيشون نفس البؤس والشقاء- ما أدى إلى قيامهم بالعديد من أعمال القتل والتدمير ضدهم خلال السنوات الأخيرة.

من ناحية ثالثة، برز الإسلام السياسى، متمثلاً فى جماعات الإسلام الراديكالى فى منتصف الثمانينيات، عندما تعاملت الدولة معه بمزيج من الحذر والنفاق، وتركت مساحات واسعة لتتمدد فيها هذه الحركات ويكون لها حضورها المؤثر فى المجتمع.

وعلى صعيد أداء أجهزة الدولة فى تلك الفترة، فقد اتسمت بطائفية كامنة فى أعماق مؤسسات الدولة وأجهزتها كانت نتاجا لتلك الحالة من الاستقطاب الذى عانت منه مصر خلال تلك الفترة، لم يكن ذلك بتوجيهات فوقية ولكنه كان تعبيرا عن توجهات اجتماعية مازالت موجودة فى التكوين القيمى للمجتمع. ومن الخطأ الكبير تحميل المسؤولية للنظام وحده، فقد كان كل ما يحدث تعبيرا عن حالة الخلل التى أصابت المجتمع وتسربت بالطبيعة إلى داخل مؤسسات الدولة التى لم تقم بالدور المناسب لتصحيح هذا الخلل، بل استسلمت له واكتفت بالتعامل أمنيا مع مشكلة هى بالأساس مجتمعية.

هذا بعض مما توصلت إليه فى هذا الكتاب الذى أهدف منه إلى وضع صورة حقيقية لمشكلة يتم تصديرها إلى الخارج بشكل ومستوى وأبعاد تختلف كثيرا عن الحقيقة. أردت أن أقول إن هناك مشكلة، نعلمها ونفكر فيها باعتبارها مشكلة مصرية. ونعلم أننا عندما نصل إلى تطبيق حقيقى لمفهوم دولة القانون وإعلاء شأن المواطنة بحق فإن ذلك يعنى حلاً حقيقياً لهذه المشكلة وغيرها من مشكلات كل المصريين.

ليس حديثاً عن رسوم الطرق!

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لن أملَّ من الحديث عن أهمية التواصل وإيجاد لغة مشتركة للحوار والتفاهم، وأيضاً لغة فى حال الاختلاف، بل وقواعد للاختلاف فى حال حدوثه. واليوم ألتقط حالة لشرح جزء مما أقصد، وسأعتبرها «بياناً على المُعلم»، كما أتذكَّرها من أيَّام المدرسة العسكرية وخدمتى فى الجيش.

ثار جدل متعدد الأطراف حول مسألة رسوم الطرق، ولأن هذا الجدل بدأ فى هذه الجريدة التى أشرف بتولى مسؤولية العضو المنتدب بالمصرى اليوم، فإننى أجد لزاماً علىَّ أن أناقش ما دار فيها كبيان عملى. بدأ الجدل من خلال العمود اليومى فى الصحيفة الذى يُوقَّع باسم «نيوتن»، واعتاد صاحبه أن يلقى الكثير من الأحجار فى مياه تبدو راكدة، وأحياناً تتسبب فى عواصف. تحدَّث الرجل (نيوتن) عن مسألة رسوم الطرق بعد تطويرها الذى أشاد به، وقد يكون قد أغضب بعض مستخدمى الطرق عندما اعتبر الرسوم منخفضة وطالب ضمناً بزيادتها (وهذا أمر ممكن تفسيره بتفصيل فى مقال أخر)، لكنه أشار إلى ظاهرة عدم وجود قواعد واضحة و«مرتجلة»، كما وصفها، على سيارات النقل مما قد يفتح باباً لفساد الدولة تحاربه بجدية واضحة. بعدها بأيام تناول الموضوع الدكتور أسامة الغزالى حرب فى عموده اليومى بـ«الأهرام»، وقال المعنى ذاته، مستشهداً بما قاله «نيوتن» فى مقاله: «إن أبسط الأمور المفترضة هنا هو وجود قوائم محدَّدة ومُعدَّة سلفاً ومعروفة.. وفقاً لمعايير واضحة، مثل حجم السيارة ووزنها… إلخ». وكما نرى فإن ما يدور هو حوارٌ يبتغى المصلحة العامة. بعدها ينشر الدكتور الغزالى رداً منسوباً إلى الشركة الوطنية للطرق، كما بدا من العرض أنه بدون اسم مسؤول بعينه فى الشركة، وهنا تبدأ الملاحظات على أسلوب التعامل الذى بدا فى جزء منه فوقياً؛ فهو يرد على مقال «الأهرام» ويشير إلى مقال «المصرى اليوم» كما يلى: «ما ذكره (نيوتن) بخصوص طريقة تقدير الرسوم على الطرق من معلومات غير دقيقة، وتجاوزه فى أسلوب عرض الموضوع، والذى لم نُعِرْه الاهتمام..»، وهنا التجاوز الأول يكمن فى تجاهل «الشركة الوطنية» الرد عندما نُشِرَ فى وسيلة بعينها وكأنها غير جديرة بالرد، بل استخدم تعبيراً يحمل فى طيَّاته استهانة وعدائية للوسيلة عندما قالت «الشركة الوطنية»: «لم نُعِرْه الاهتمام» (!!!)، وهذه مشكلة أخرى فى أسلوب تعامل بعض مؤسسات الدولة مع الإعلام. وهنا فى الحقيقة تناقضٌ كبيرٌ، أحياناً تبالغ بعض المؤسسات فى الاهتمام إلى درجة «الرعب» وأحياناً أخرى «لا تعيرها اهتماماً»، والصحيح الذى دائماً نقوله وعلم الاتصال يؤكده هو أن يكون هناك أسلوب علمى وقياس معروف للتعامل مع وسائل الإعلام وليس اعتماد المزاجية والحكم المسبق.

زاوية أخرى فى إطار تحليل الموقف: عندما اتفق الكاتبان نيوتن والغزالى على أن المطلوب هو وضع قواعد- وفقاً للقانون- واضحة ومحددة سلفاً، وهو كما نرى مطلب شرعى ومقبول، فإن «الشركة الوطنية» لم «تُعِر اهتماماً» للرد على هذه المطالبة المشروعة والمقبولة، بل انصبَّ الرد على تأكيدات لا تحمل معلومات: «كل ما يُحصَّل يؤول مباشرة إلى خزينة الدولة، ولا مجال مطلقاً للمبالغة أو العشوائية فى التقدير، فكلها أمور محسومة بالقانون»؛ فلم يذكر قانوناً ولم يُحدِّد لوائح. وعندما حاولت البحث فى حدود المتاح على الإنترنت عن هذه اللوائح أو القواعد لم أنجح فى أن أجدها. وفيما أظن أن الطبيعى أن تكون هذه اللوائح والقواعد موجودة فى كل نقطة تحصيل رسوم. وكان يمكن أن ينتهى الموضوع كله لو احترمنا الحق فى المعرفة، ولو تواضعنا فى الرد حتى على من قد يخطئ؛ لأن الصورة ليست واضحة بالكامل.

لا أريد أن أنجرَّ إلى منطقة مناقشة رسوم الطرق؛ لأنها ليست الموضوع، لكن الموضوع هو أهمية إيجاد قواعد مشتركة للحوار والحديث والاختلاف بين الدولة بمؤسساتها المختلفة وبين الوسائل الإعلامية دون مواقف مسبقة، ودون تجريح، ودون تعالٍ، ودون نوازع ترتبط بالتفضيلات الشخصية، ودون تجاهل أو إهمال، وأيضاً دون تزيُّد فى الاهتمام يصل أحياناً- كما قلت- إلى حد الرعب.

من بين أزماتنا الأساسية افتقاد مثل هذه القواعد على الطرفين.

لمن يريد بناء مسجد.. ساهم فى بناء مدرسة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

يوجد لدينا فى مصر عدد كبير من المدارس، تقريبا 38 ألف مدرسة حكومية، لكننا فى حاجة إلى الكثير حتى نقدم لأولادنا تعليما أفضل، نجعلهم به مستعدين لمستقبل ملىء بالتحديات، ولعل أهم تلك التحديات هو المنافسة الشرسة مع بلدان قطعت شوطا كبيرًا فى التقدم العلمى والتعليمى والتكنولوجى.

نعم، لدى الحكومة خطط لبناء المزيد من المدارس، بل إن هناك بالفعل مدارس جديدة تبنى كل عام، لكن بناء مدرسة يجب أن يتجاوز دور الحكومة لكى يصبح دور المجتمع كله، لأنه دور مجتمعى بالأساس، ولأن النهضة الحقيقية فى قطاع التعليم لا تتأتى سوى بدور يتكاتف فيه الجميع، للوصول إلى أفضل نتيجة ممكنة.

بناء مدرسة أفضل من بناء مسجد، هذه هى الحقيقة الصادمة التى تفرضها تحديات زمننا هذا ومجتمعنا هذا، لقد أفتى علماء الإسلام بجواز توجيه الزكاة لبناء المدارس، لأن فى بنائها نهضة بالمجتمع كله، وبحسب الدكتور على جمعة، مفتى الجمهورية السابق، إن «الزكاة إحدى الأدوات التى علمنا إياها ربنا فى الإسلام من أجل إحداث التغيير والتنمية التى نسميها فى عصرنا التنمية الشاملة»، وأفتى جمعة أيضا بجواز توجيه جزء من أموال الزكاة للمؤسسات الخيرية ومصالح المسلمين العامة كبناء مدرسة أو مستشفى لأن هناك مسؤولية اجتماعية لرجال الأعمال.

توجيه أموال الجمعيات الخيرية لبناء المدارس لا شك أفضل عند الله من توجيهها لبناء المساجد التى تمتلئ بها ميادين وشوارع المدن الكبرى، بل تمتلئ بها جميع قرى ونجوع وكفور مصر.

المبادرات التى تقف خلفها جمعيات الخير عديدة، وجهدهم مشكور عليها، إلا أنها إلى الآن لم تصبح منهجا عاما تسير عليه أغلب الجمعيات، فلدينا فى مصر ما يقرب من 20 ألف جمعية خيرية عاملة، الكثير منها يحتاج إلى تطوير وتدريب فى توجيه مواردها لما فيه صلاح المجتمع، وصلاح المجتمع – كما أود أن أكرر – بصلاح التعليم وآلياته ومناهجه وطرق تدريسها.

نحن فى مصر نحتاج إلى تكاتف جميع القوى الشعبية والمجتمع المدنى من أجل تطوير التعليم، ومن أجل بناء مدارس أفضل، ومن أجل تحسين مستوى خريجى المدارس والجامعات، حتى يكونوا مؤهلين لمواكبة التقدم الذى تتطلبه سوق العمل، ومن ثم مواكبة ما هو أهم وأكبر وأعظم، وهو تحدى بناء مصر ودفعها لأن تكون على خارطة الدول المتقدمة سياسيا واقتصاديا ومجتمعيا.

النهضة فى أى أمة لا تبدأ إلا بالتعليم، والنهضة بالتعليم ليست مجرد مخطط حكومى، بل هى نتاج لتكاتف الأسر وأولياء الأمور والمدارس والحكومة، لأن فى النهوض بالتعليم نهوضا بمستقبل وطن بأكمله، فمن المستحيل أن نرى دولة متقدمة دون تعليم قوى يلبى رغباتها فى التقدم، ولعل من أبرز أسباب تراجعنا عن باقى الأمم إغفالنا أو – غض بصرنا – عن التعليم، حتى وصل التعليم فى مصر إلى درجة غير مسبوقة من التراجع.

لقد أدركت المجتمعات أن أفضل استثمار يكون فى المراحل الأولى من حياة الإنسان، أى مرحلة التعليم، خاصة فى المجتمعات التى يشكل الشباب فيها الأغلبية، لذا فإن الأمر ليس رفاهية، تُصرف من أجلها الأموال للمتعة «لزوم الشكل»، والتفاخر بأرقام قياسية للاستهلاك الصحفى والإعلامى.

إصلاح التعليم لن يتم مصادفة، ولا بالنوايا الحسنة. إصلاح التعليم يحتاج إلى قرارات جمعية من عقل جمعى آمن ويؤمن بأن مستقبل مصر فى عقول أبنائها، علينا أن نبدأ من حيث انتهى الآخرون، مستفيدين بمشروعات علمية وتعليمية سبق أن وصل إليها قبلنا صانعو النهضة.

الأمر ليس معجزة فى زمن قلت فيه المعجزات، لكنه ليس سهلا، ولن ينتهى فى يوم وليلة، بل يحتاج إلى مثابرة واتفاق على هدف واحد.

Egypt beware: Daesh militants who survive will have to go somewhere

by Abdellatif El-Menawy

Daesh seems to be shaking before finally falling down. It started a few months ago when different parties felt that Daesh had served its intended purpose and it was time for it to vanish geographically. With the decline of its financial resources, its media operations reaching a pathetic state, and the loss of more land with each battle, the end of the so-called caliphate is imminent. But what we should always remember, as I have written before, is that achieving a decisive battle against Daesh remains elusive.
We have seen many times before that when a conflict is over, whether by force, negotiated settlement or a conspiracy, transnational terrorists move in different directions. This was the case with militants who returned from Afghanistan, Albania and Chechnya, and we can expect the same with Daesh.
Where will the Egyptians who joined this terrorist adventure go? And where will the mercenaries, unable to return to their home countries, go?
We can expect them to form a new wave of returning terrorists, as happened before. In Egypt, it will be difficult to accurately identify all of them because they are a new generation who grew up away from the watch of the security authorities, who suffered from the destruction of their intelligence structure in the years after what is known as the “January events.” They are now trying to restore their capabilities and build a new intelligence database, but it will take a long time.
The other difficulty is that most of these young men were just children a few years ago, and there is little information about them. The level of communication, cooperation and transparency between the intelligence services in different countries will have to increase to obtain a more precise picture.

“International intelligence sharing must improve if we are to avoid the mistakes that followed Afghanistan, Albania and Chechnya.”

As for mercenaries, they will travel abroad looking for the next militant theater — Yemen, Libya, West Africa or Afghanistan. Some of them are actually the children of extremists who joined Al-Qaeda and fought in Afghanistan against the Soviet Union, as well as in Chechnya and the Balkans, and hundreds more are hiding in Turkey — on Europe’s doorstep. Organizations loyal to Daesh and local militants in these areas would welcome extra support from “comrades” with experience of war.
This should all be kept in mind when the Egyptian administration formulates its plans and expectations for dealing with the incoming danger, especially since leaked information points to a concentration of terrorist groups and their supporters on the Egyptian front. The operators of these groups believe that their next battle with Egypt should be decisive and effective, so we should expect more infiltration through Egyptian land borders. Egypt did well in its pragmatic dealing with Hamas on the eastern border. Moreover, maintaining a quiet and friendly atmosphere is essential with Sudan in the south, and expanding the protective umbrella with Egypt’s allies in Libya is vital. But all this will not be enough without continuous measures for the development of the border protection system. Internally, the decisive solution is to win the support of the whole society in the war against terrorism, which is a whole other issue.

العائش فى الحقيقة

مقال بقلمعبد اللطيف المناوي

تمر فى حياتنا- أفراداً وشعوباً- شخصيات تترك فينا ولنا آثاراً تعيش فينا، وتُشكِّل حاضرنا ومستقبلنا، وقد يستمر هذا التأثير إلى نهاية حياة الأفراد، ونهاية تاريخ الشعوب.

ليس مهماً كم يطول عمر من يمر فى حياتنا ليؤثر فينا- أفراداً وشعوباً- وليس مهماً كم بقى معنا وبقينا معه، فالتأثير بالتكوين والتشكيل هو فعل لا يرتبط كثيراً بحدود زمنية. وهكذا يمر علينا كثيرون- أفراداً وشعوباً- تطول فترة البقاء أو تقصر، ولكن لا يبقى معنا إلا من شكّل حياتنا.

فى الحضارة المصرية القديمة، دائماً استوقفنى ذلك الجمال، وتلك المثالية القصوى فى التعبير عن فراعنة مصر وحكامها، سواء فى النقوش أو التماثيل، نرى أشخاصاً مثاليى التكوين والأبعاد بدرجة يكون مبالغاً فيها فى الرغبة فى تقديمهم فى صور أقرب إلى المقاييس المكتملة لصورة الرجل أو المرأة، فمن منا رأى تمثالاً أو نقشاً لفرعون بدا فيه فى غير تلك الصورة المثالية؟ أظن لا أحد منا يمكن أن يدَّعى ذلك، إلا فى حالة واحدة: حالة أخناتون. ذلك الفرعون الذى حكم مصر 17 عاماً فى الفترة ما بين 1353/1336 قبل الميلاد، حكم منها خمسة أعوام باسم أمنحتب الرابع، قبل أن يعلن التوحيد فى مصر وكل البلاد التابعة لها، ويغير اسمه إلى أخناتون. هذا الفرعون الذى حكم تلك الفترة البسيطة، اختار أن يواجه شعبه وإلهه، وأن يقف أمام التاريخ بصورته الحقيقية دون تجميل أو تزييف، اختار أن يظهر فى لوحاته وتماثيله برأسه المستطيل، ورقبته الطويلة وشفاهه الغليظة، اختار أن يواجه الحقيقة مدركاً أن الحقيقة هى جوهر ما يعرف، ويمكن أن يُعْلِم به الآخرين، حتى إنه عندما كان يناجى إلهه كان يصف نفسه بأنه «العائش فى الحقيقة»، ثم اتخذ ذلك وصفاً له.

اعْتُبر أخناتون هو مؤسس الوحدانية فى مصر القديمة، ومنع تقديم القرابين البشرية التى كانت تقدم إلى الآلهة فى المعتقدات المصرية القديمة، ومنع صيد الحيوانات لمجرد المتعة، وغيَّر عاصمة البلاد طيبة إلى مدينة «أخيت- أتون» بتل العمارنة، ووصفها فى نصوصه بـ«المدينة الطاهرة». بعد موته عادت العاصمة إلى طيبة، وأهمل اسم أخناتون فى القوائم الرسمية التاريخية، وسموه «المهرطق»، وعادت نقوش وتماثيل الفراعنة كما كانت مثالية وجميلة، يبدو فيها الفراعنة فى أجمل صورة وأقوى حالة، لا يظهرون كبشر عاديين يمكن أن تكون أنوفهم طويلة أو رؤوسهم غير متناسقة، وأيضاً لا يظهرون كبشر يخطئون ويصيبون، وبشر يشعرون بالضعف، ويعترفون بكونهم ليسوا كاملين.

قد يكون أخناتون الأقل صوتاً بين كل هؤلاء الفراعنة، قد يكون المُهْمَل فى مراحل تاريخية عديدة، قد يكون أقل جمالاً فى شكله وصوره وتماثيله التى اختار أن تكون كذلك، ولكن المؤكد أنه الأكثر إنسانية، والأكثر حضوراً بين الناس. قد يهاب البشر تمثال رمسيس الثانى القوى المحارب، ولكنهم بالتأكيد يشعرون بالحب والألفة والإنسانية عندما يرون تمثالاً لأخناتون الذى يشبههم. ما يوازى أهمية أخناتون الحاكم والموحد الأول فى نظرى هو أخناتون الإنسان، البشر، المعلم.

ليس درساً فى التاريخ، ولكن لا أدرى لماذا احتلت ذهنى صورة أخناتون وسيرته، كلما مرت مرحلة صعبة أعتقد فى استحضاره، وكأنى أريد أن أتذكر أثر البشر فى تاريخنا- أفراداً وشعوباً- وكيف يمكن لهم أن يحفروا فينا ويشكِّلوا حياتنا ومستقبلنا دون ضجيج، وأن يعلمونا أن نعيش الحقيقة، حتى بعدما يغيب «العائش فى الحقيقة».