هل تسير مصر على طريق إيران؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

فى إحدى القاعات الصغيرة فى مبنى مجلس اللوردات البريطانى جلست مجموعة من المثقفين والسياسيين المصريين والبريطانيين يتناقشون حول الأحداث فى مصر. السمة المشتركة بين المصريين المشاركين أنهم جميعاً تقريباً ينتمون – أو يحسبون أنفسهم – إلى التيار الليبرالى، الجميع قلق على مستقبل الدولة فى مصر بعد أن تمكنت أكبر وأقدمجماعات الإسلام السياسى «الإخوان المسلمين» من اقتناص منصب رئيس الجمهورية.

وانقسم المصريون الحاضرون إلى قسمين، أحدهما يرى أنه ينبغى إعطاء الرئيس الجديد وجماعته فرصة، وأن يبدأ الليبراليون التعاون معه، خاصة أنه لم تتح للجماعة مثل هذه الفرصة من قبل، والقسم الآخر يعتقد أن حكم الإسلام السياسى يعنى نهاية الدولة المدنية، بينما النقاش محتدم طلب أحد الإيرانيين الذين يعيشون فى بريطانيا منذ عمر الثورة الإيرانية ١٩٧٩ الكلمة. وأشار الرجل بيده إلى الغرفة المجاورة قائلاً إنه دار بها نقاش كان هو أحد المشاركين فيه، وكأنه النقاش الدائر اليوم، الفارق الوحيد أنه كان يدور منذ أكثر من ثلاثين سنة بين بعض الإيرانيين وكان «الخمينى» عائداً لتوه إلى إيران، واعتقد كثير من الليبراليين أن التعاون مع قوى رجال الدين ممكن. وأضاف الرجل أن الحوار كان يتطابق مع الحوار الدائر اليوم، وتساءل: «انظروا الآن أين نحن؟ بل أين إيران؟».

يبدو أن الرئيس مرسى بإعلانه الدستورى الجديد، الذى يعطيه سيطرة كاملة على مؤسسات الدولة ويغلق جميع الأبواب فى وجه المعارضة، أعطى نفسه من خلاله سلطة لم يحظ بها حاكم لمصر منذ عهد الفراعنة. تمنى المصريون أن يستخدم الرئيس مرسى سلطاته لرأب الصدع الذى أصاب الأمة بعد أن أدت أحداث ٢٥ يناير إلى تنحى مبارك السنة الماضية. أول تصريحاته أكد أنه رئيس لكل المصريين، كل مواطن، وكل مجموعة، إلا أن ممارساته فى الأشهر الأولى من حكمه، التى تردد كثيراً أنها تنفيذ لقرارات مكتب إرشاد جماعة الإخوان المسلمين، أتت عكس ما كان مأمولاً منه، وبينما هو يعمل لتدعيم سلطاته عمق الانقسام داخل المجتمع، ويظهر ذلك فيما اصطلح على تسميته «أخونة الدولة»، كإجراءات تغيير كل رؤساء تحرير الصحف، الذين استبدل بالعديد منهم أعضاء من الإخوان أو حلفائهم.

أما ما يحدث فى لجنة صياغة الدستور فإن رد الفعل المتمثل فى الانسحابات المتتالية لأعضائها من العلمانيين والليبراليين والمسيحيين تاركين إياها للإسلاميين – هذه اللجنة حظيت الآن بحصانة منحها لها الرئيس بقراراته الأخيرة تضعها فوق المحاكم والقانون، حيث تمنع القضاء من الاقتراب منها، وتشكيلها منذ اللحظة الأولى محل رفض من معظم القوى السياسية غير المنتمية لتيار الإسلام السياسى لأن هذه اللجنة يشكل معظمها أعضاء من تيار الإسلام السياسى الذين يتحكمون فى مسارها وصياغاتها، وإذا كانت قانونية هذه اللجنة محل شك فإن الأكيد أن تمثيلها لأطياف الشعب المصرى هو أكذوبة كبيرة، خاصة مع انسحاب معظم الليبراليين وكل ممثلى المسيحيين المصريين وكنائسهم منها.

استغلال الأزمات لتحقيق الأهداف هو أحد السلوكيات المعروفة عن الإخوان. وفيما يبدو فإن النجاح المصرى فى تحقيق الهدنة فى غزة سطع فيه نجم الرئيس المصرى دولياً، وقد استغل هو هذا الوهج لإصدار قرارات تؤسس ديكتاتورية جديدة لكن أشد وأقوى مما سبقتها، هو يملك الآن سلطات غير محدودة وتحول دون أى طعن قانونى فى قراراته لحين انتخاب برلمان جديد لا يعلم إلا الله متى. كما تجيز التعديلات للرئيس إصدار أى قرارات أو اتخاذ أى إجراءات يراها ضرورية «لمواجهة خطر يهدد الثورة أو سلامة الوطن». وتبع ذلك بإصدار قانون اسمه «قانون حماية الثورة» من شأنه أن يمنح النائب العام الجديد، الذى عينه حديثاً، صلاحية حبس الأشخاص لفترة تصل إلى ستة أشهر بدعوى «حماية الثورة». كذلك تمنع القضاء من حل الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى، وكان من المقرر أن تصدر المحكمة الدستورية العليا فى مصر حكمها بشأن تشكيل الجمعية التأسيسية ومجلس الشورى فى مطلع ديسمبر ٢٠١٢، وكان الكثيرون يتوقعون أن تقضى المحكمة بحلهما كما فعلت مع مجلس الشعب فى يونيو ٢٠١٢.

وصفت منظمة العفو الدولية هذه الإجراءات بأن السلطات الجديدة تقوِّض بها حكم القانون، وتنذر بمرحلة جديدة من القمع، وقد أشارت إلى أنه لابد من احترام المبدأ المتمثل فى أنه لا أحد فوق القانون، بمن فى ذلك الرئيس نفسه، وطالبته بإلغاء التعديلات الأخيرة التى تمنح قراراته حصانةً من الطعن أمام القضاء.

عندما وقف الرئيس مرسى أمام مؤيديه الذين حشدتهم جماعة الإخوان المسلمين أمام قصر الرئاسة ليؤكد لهم فيما يشبه القسم: «أؤكد أننى لا أستخدم التشريع ضد أحد أو لتصفية حسابات ضد أحد، ولكن حينما أرى أن الوطن يتعرض لسوء من خلال النظام السابق فسوف أفعل»، وعندما يقول «اطمئنوا فلن أظلم أحداً»، عندما قال ذلك لم يصدقه كثيرون. فى شوارع القاهرة والإسكندرية وباقى مصر لم يعد الناس يصدقون كلام الإخوان فهم لم يلتزموا بما قالوا منذ انتفاضة ٢٥ يناير وحتى اليوم. التبريرات التى يسوقها أنصار الرئيس مرسى هى ذاتها التبريرات واللغة التى كان يستخدمها النظام السابق، وهى أن الظروف الاستثنائية تتطلب إجراءات استثنائية. أو بمعنى آخر فإنهم يقولون إن مرسى سوف يلعب دور الديكتاتور بشكل مؤقت من أجل «المصلحة العليا للوطن»، ولكن إلى أى مدى يبقى الموقف السياسى مهدداً للمصلحة العليا للوطن.. هذا يتم تحديده كما تراه جماعة الإخوان الحاكمة.

قبل أن يعود الخمينى من باريس إلى طهران مباشرة بعد سقوط الشاه صرح قائلاً: «إن رجال الدين لا يرغبون فى الحكم» حقاً!!

Advertisements

من دروس العدوان على غزة

بقلم   عبداللطيف المناوى

كشف العدوان الإسرائيلى على غزة حدود قدرات النظام فى مصر فى التعامل مع مثل هذه الحالات، وأوضح أن أقصى ما يمكن عمله كرد فعل هو ما حدث بالفعل، وهذا ليس انتقاداً ولكنه إقرار لواقع حاولت أبواق الجماعة الحاكمة قبل وأثناء العدوان أن تبيعه لنا، كأنه يختلف عن الحقيقة. وهذا الموقف نابع من إحساس الجماعة بأنها وقعت بين شقى الرحى- كما سبق أن ذكرت- حلفائها من الإسلاميين داخليا وخارجيا وحلفائها من القوى الغربية التى ساهمت فى تمكينهم من السلطة. لم يجد النظام أقوى من أن يسحب السفير المصرى من تل أبيب، وهو ذات الإجراء الذى سبق أن اتخذه النظام السابق فى موقف مشابه، وأعلن إدانته للعدوان ودعمه للفلسطينيين فى غزة، وهو أيضاً ما كان يحدث دائماً، كذلك فُتحت المعابر والمستشفيات المصرية وزار مسؤولون غزة لساعات، تماماً كما كان يحدث من قبل.

أما الاتصالات التى تلقاها رئيس الدولة من الرئيس الأمريكى وعدد من قيادات الدول الغربية، وهى الاتصالات التى حرص إعلامهم- أى الجماعة- على إبرازها تماماً كما كان يفعل النظام السابق، فقد كانت اتصالات تقريباً ذات اتجاه واحد، مفادها- كما ذكرت وسائل إعلام الغرب- أنه على القيادة المصرية أن تمارس ضغطاً على حماس من أجل وقف إطلاق الصواريخ. هذه كانت الرسالة و«التكليف» من قيادات الدول الغربية الحليفة لقيادة النظام الجديد فى مصر. أنا هنا فقط ألقى الضوء على حقيقة أن حدود التحرك المصرى فى موضوع غزة كان ومازال وسيظل فى ظل المعطيات الحالية، هذا ما حدث بالفعل، وأن أى اتجار ومزايدة من قبل أبواق الجماعة عن قدرات مختلفة هو من قبيل المزايدة وقنابل الضجيج، المقصود منها إخفاء الواقع. أيضا ثبت أن محددات الحركة المصرية تحكمها اعتبارات عديدة لا تملك رغبات أو نزعات عقيدية أن تغيرها على أرض الواقع، وهذا درس أظنه بات واضحاً لهم.

الأمر الآخر المهم والذى كشفت عنه الاعتداءات الإسرائيلية هو التأكيد على أن الأمن القومى المصرى لا ينبغى أن يكون لعبة فى أيدى عابثين، أو أن تتحكم فيها قناعات جماعة أو اعتقادات واعتبارات فوق وطنية، وثبت من توجهات الرأى العام أن التفكير فى المساس بقطعة أرض، ولو صغرت من التراب المصرى، هو «خط أحمر» أيا ما كانت الاعتبارات.

فمن الواضح أن العدوان الإسرائيلى قد كشف على السطح ملامح المخطط أو الفكرة أو الحلم المشترك بين أطراف متعددة بينها إسرائيل، لتنفيذ خطة تبادل الأراضى بامتداد قطاع غزة على جزء من أرض سيناء، وسواء كان هذا حقيقة أو سراباً، فإن العدوان قد وضع هذه المخاطر تحت دائرة الضوء، ووصل الأمر بالبعض الى التخوف بل والتشكك فى أن هذا العدوان ما هو إلا وسيلة لتنفيذ هذا المخطط، وأن الاجتياح والهجوم البرى الإسرائيلى على غزة فى حال ما لو حدث فإنه سيكون من أجل دفع الفلسطينيين إلى سيناء، وهو الأمر الذى واكبته الشائعات عن إقامة معسكرات للاجئين الفلسطينيين فى سيناء، وهو الأمر الذى أثار ضجة حقيقية. سواء كان ما ذكرت فى إطار الشائعات والتخوفات غير المنطقية وغير الحقيقية، أو كان يحمل فى طياته بعض الحقيقة، فإن الأكيد أن هذه الحالة قد كشفت بما لا يجعل مجالاً للشك الموقف الشعبى المصرى الواضح والقوى من رفض هذا المشروع، بل والاستعداد لمقاومته بأى شكل، وبالتالى يجب أن يكون هذا واضحاً فى الحسبان دائما أمام متخذى القرار.

نلاحظ منذ فترة أن العلاقة المصرية بالقضية الفلسطينية وأطرافها قد أصابها الخلل، بعد أن كانت مصر وسيطا بين الطرفين الفلسطينيين حماس وفتح، حتى لو كان الميل أكثر نسبيا لفتح، ولكن الإدارة المصرية لذلك الملف المهم ظلت تحرص على التوازن والدفع للأمام والحفاظ على علاقة متوازنة بين الطرفين، وكان الإطار الحاكم لهذا التحرك هو الأمن القومى المصرى، دون إغفال لمصلحة الفلسطينيين، وأظن أنه لم يكن هناك تناقض فى الرؤية بين الأمن القومى المصرى والمصلحة الفلسطينية وقتها. لاحظنا- كما قلت- أن الموقف المصرى تبدل تماما بعد وصول الجماعة إلى الحكم، وبدا الأمر وكأن مصر باتت امتدادا لغزة، ولم نعد نعلم أين تقيم قيادات حماس، فى غزة أم فى القاهرة؟ أما الرئيس أبومازن فبات كالضيف غير المرغوب فيه يأتى خلسة- إن أتى- ويخرج دون أن نعلم. وفيما يبدو أن رئاسة الجماعة قررت أن تتولى بنفسها الملف الفلسطينى وتسحبه ممن قادوا العمل فى هذا الملف لعقود طويلة، وبدا هذا واضحا فى طبيعة المواقف والتصريحات السياسية لكلا الطرفين المصرى والفلسطينى.

ولكن يبدو أيضا أن العدوان الإسرائيلى هلى غزة قد أثبت أنه ليس هناك طرف قادر على إدارة هذا الملف إلا أولئك الذين أداروه لعقود، وباقتدار فى إطار الظروف، وفى إطار الأمن القومى المصرى، وأن الوصول لحل لهذا الوضع الشائك لن يكون إلا بإعادة إدارة هذا الملف لمن يعرفونه. ليس هناك ما هو فوق الوطن، وليس هناك ما هو أهم من الحفاظ على الأمن القومى المصرى. هذا درس من دروس العدوان على غزة.

التجارة بالدماء ما بين غزة ومنفلوط

بقلم   عبداللطيف المناوى

الحزن والغضب يسيطران علىَّ فلا أدرى كيف أعبر

لن أكتب عن العدوان الإسرائيلى على غزة، ولن أتحدث عن التخوف من استغلال التطورات لتمرير مواقف سياسية أو حلول فى الأدراج كامنة لعقود تنتظر الوقت والجماعة المناسبة لتحقيقها على حساب الوطن، ولن أعلق على مراهقى السياسة الجدد من بعض المسؤولين وأشباههم، الذين يستغلون التعاطف الشعبى مع أهالى غزة ليحققوا مكاسب سياسية بتصريحات عن قوة النظام «الرهيبة»، التى تمكنت من اتخاذ إجراءات لم تخرج عن حدود الممكن سياسيا منذ عقود، وهم بتصريحاتهم يطلقون قنابل دخان صوتية تصرف النظر بدخانها وضجيجها الأجوف عن أزمتهم الحقيقية بوضعهم بين شقى الرحى، بين حلفاء العقيدة من جماعات الإسلام السياسى والجماعات الجهادية وبين حلفاء الخارج من قوى الغرب التى مكنتهم من السيطرة.

لن أتحدث عن كل ذلك الآن رغم أهميته، ولكنى سوف أتحدث عن أطفالنا ضحايا الإهمال طويل الزمن والانشغال الغارق فيه مسؤولونا عن مصالح الوطن واحتياجات مواطنيه

مزيج من الغضب الشديد والحزن المرّ هو ما انتابنى عندما صدمنى خبر قتل أطفالنا على شريط السكة الحديد فى منفلوط، الدموع وحدها لن تكون كافية للتعبير عن الألم الذى يعتصر الروح والنفس لتخيل أو مشاهدة أشلاء هؤلاء الأطفال الذين كانوا ينتظرون مستقبلا أفضل ظل يردده من يديرون البلاد، وبدلا من استقبال هذ المستقبل القادم استقبلوا بأجسادهم الصغيرة القطار القادم يقوده العمى والعنف، فتسيل الدماء على القضبان وتتلون كراساتهم بلون الدم القانى بدلا من علامات الإجادة.

لا مجال هنا للحديث عن حزن الرجال والنساء، فأمام دماء الأطفال ينهار الفارق ويبقى الحزن إنسانيا. لم أتمالك نفسى عندما قرأت عن تلك الأم التى فقدت أبناءها الثلاثة وكان عويلها وصراخها أنها لم تطعمهم إفطارهم قبل أن يرحلوا دون عودة، أسر فقدت كل أحلامها فى المستقبل عندما فقدوا أطفالهم فى حادث قتل لأحلامهم ومستقبل أطفالهم.

أتعاطف مع ما يحدث فى غزة، ولكنى أفهم أغراض النظام الحاكم فى دعم حماس وأزمته الراهنة، وأتابع ذلك الصوت الجهورى الذى اعتادوه فى التأكيد على دعمهم اللامحدود لإخوانهم وأهلهم وعشيرتهم، فقط أشير هنا إلى أن ضحايا العدوان الإسرائيلى على غزة – الذى أدينه بلا تحفظ – وصل حتى كتابة هذا المقال إلى أربعين فلسطينيا، بينهم أطفال، ونحن فقدنا أكثر من خمسين طفلا فى حادث واحد فقط، ولم يكن الصوت جهوريا فى التعامل مع ما حدث كما هو جهورى فيما يتعلق بحماس، بل الأكثر من ذلك وما يزيد من حجم الغضب أن يخرج بعض مراهقى السياسة ليتاجروا بدماء الأطفال، ليروجوا لديمقراطيتهم التى دفعت وزيراً للاستقالة بدلا من الإقالة، فكما يقولون أثبت حادث القطار كيف هم ديمقراطيون فوزيرهم استقال إثباتاً لسلوكهم الديمقراطى، وكأننا كنا فى حاجة إلى دماء خمسين طفلاً ليؤكدوا لنا ديمقراطيتهم التى فشلوا فى إثباتها فى أى مجال آخر إلا على جثث الأطفال.

وهذا إن عبر عن شىء فإنما يعبر عن جَليطة سياسية وفقدان للحس الإنسانى الطبيعى. وبالطبع فإن شماعة الفشل الثابت فى الإدارة هى إلقاء المسؤولية على النظام السابق «المجرم»، كما يحب مرشحهم الذى أصبح رئيسا أن يطلق على النظام السابق، ولا أدرى ماذا نطلق نحن على المتنصلين من مسؤوليتهم ومن يثبتون فشلا يوميا فى الإدارة.

أعلم أن العديد منا يعتقد أن مصر تمر بمرحلة من أسوأ مراحلها، والبعض الآخر يعتقد أن نحساً قد سيطر وسكن الأجواء، يدفع الوطن والمواطنين تبعة العيش فى ظله، ولكننى أعتقد أننا نعيش مرحلة فشل واضحة، لا فى إدارة الدولة فحسب بل فى القدرة على جمع شتاتها وتوحيدها للحركة، نحن فى ظل نظام اختار وحدد من البداية من هم أهله وعشيرته الذين يعمل من أجلهم ويؤكد يومياً فى سلوك واضح، اتجاهه نحو تطهير عرقى سياسى يحكمه مبدأ «من ليس معنا فهو علينا»، ولأنهم منشغلون فى تطبيق مخططهم فى التمكين فإن أحوال الناس هى الشاغل الأخير، ولا بأس من استغلال الدماء البريئة من أجل تحقيق انتصارات محدودة الأفق قليلة الإحساس.

عاد رئيس الحكومة من غزة يحمل على يديه آثار دماء طفل فلسطينى قُتل أثناء العدوان الإسرائيلى، وحرص على أن تظهر صورته وهو يحمل الجثة المخضبة بالدماء فى كل وسائل الإعلام، أسأله هو ومن أتوا به: ومن يحمل فى يديه ورقبته دماء الأطفال الخمسين؟

رحمهم الله

القوى المدنية والإصرار على الخطأ

بقلم عبداللطيف المناوى
لم يكن بإمكان جماعة «الإخوان المسلمون» أن تصل إلى السلطة إلا بمساعدة القوى المدنية، لا أقصد مساعدتها المباشرة، والتصويت لها فقط، كما فعلت بعض القوى، وإنما أيضا حالة التفرق والتشرذم، حتى فى حالة الاتفاق على أخطاء الجماعة، فإن حالة التشرذم مستمرة.

لم يكن هذا هو الخطأ الوحيد، فالقوى المدنية أهدرت الفرصة التى منحها المجلس العسكرى للأطراف المتصارعة لإدارة البلاد، عندما أعلن رغبته فى الخروج من اللعبة السياسية إبان الفترة الانتقالية، وفرطت فى الجيش، الذى دخل الساحة السياسية مرغما، عندما انحاز للشرعية الشعبية، وأعلن رفضه إطلاق الرصاص على المتظاهرين حتى لو دخلوا قصر الرئاسة، وكان يبحث عمن يقف إلى جانبه، ويمكن أن نصفه بأنه كان يعانى من «رومانسية سياسية»، وكان يتوقع أن كل القوى المدنية ستلتف حوله،

لكنه فوجئ بعشرات الأحزاب، وأكثر من ٣٠٠ ائتلاف شبابى، كل منها يبحث عن الزعامة، ويقول إن الثورة تخصه وحده، ولا يريد أن يستمع إلى الآخر، وفى ظل هذا التفتت والتشرذم والاقتتال، كان الإخوان ببراجماتيتهم جاهزين للقفز، وركوب الثورة، وإقناع المجلس العسكرى بأنهم سيدعمونه إذا احتاج إلى دعم شعبى أو مظاهرات مؤيدة، وأنهم الأكثر تنظيما والأجدر بإدارة البلاد.

القوى المدنية التى تجمعت فى ميدان التحرير من بعد يوم ٢٨ يناير، استمرت حتى يوم ١١ فبراير ٢٠١١، دون أن تتفق على قائد واحد، واعتبروا أن هذا شىء جيد حتى لا يخطف أحد انتفاضة الشعب، لكن الأيام كشفت أن الإخوان كانوا جاهزين بالتنظيم وبكوادرهم، وهو ما حدث بالفعل.

خطأ القوى المدنية فى عدم التوحد خلف فصيل واحد أو قائد واحد، أضر بالمكتسبات التى خرجت بها هذه القوى بعد ١١ فبراير، فحتى الثورات التى تحولت إلى دموية، مثل الثورة الفرنسية، انطلقت من مبادئ واضحة وأهداف تسعى إلى تحقيقها، وتوحدت خلف قادة محددين، كما أنها سبقتها حركة تنوير كبيرة، أما فى مصر فكانت هناك رغبة فى التغيير، دون صياغة ذلك بشكل واضح، وكنت قد كتبت عن ذلك عقب الانتخابات البرلمانية ٢٠١٠، وتحدثت عن ضرورة التغيير، وقلت إن التغيير هو فعل إما أن تقوده أو يقودك، هو كالحصان الجامح إما أن يجرك أو تروضه،

وإن قيادة الواقع مرتبطة بطرح مفهوم التغيير على أرض الواقع، وبالتالى استمرار الاستقرار فى المجتمعات الكبيرة، الاستقرار بمفهومه الأشمل، ونبهت إلى أن «استمرار التقدم إلى الأمام هو أن نقود نحن التغيير، ونروض هذا المفهوم بدلا من أن نجد أنفسنا مجرورين خلف مفهوم التغيير الذى إذا تحسسنا منه فإنه سيكون هو من يقود وليس نحن من يقوده».

لكن المشكلة الحقيقية أن من توقف عن السمع هذه المرة ليس الجماعة الحاكمة فحسب، بل القوى المدنية، التى يمكن أن نطلق عليها القوى المعارضة، فهى ما زالت تصر على نفس الخطأ الذى ارتكبته يوم ١١ فبراير ٢٠١١، والخطأ الذى ارتكبته فيما بعد فى الانتخابات البرلمانية التى جرت أواخر عام ٢٠١١، ثم الخطأ الأكبر الذى ارتكبته فى الانتخابات الرئاسية التى جرت منتصف العام الجارى، حيث تفتتت وتشرذمت وتفرقت، ويبدو أنها ما زالت مصرة على هذا التفتت والتشرذم والتفرق، دون أن تتعلم الدرس، ودون أن تعى أن ذلك يعطى الفرصة الأكبر للجماعة الحاكمة لتثبيت أقدامها أكثر فى حكم البلاد.

مصر مقبلة على حدث كبير، إذا أصر الإخوان والسلفيون على تمرير الدستور بشكله الحالى المعادى للحريات، والمنحاز لدولة دينية على حساب المدنية، فإن الاستفتاء القادم هو التحدى الحقيقى أمام القوى المدنية فى حشد كل طاقاتها وتوحيد صفوفها من أجل رفض هذا الدستور، ورفض تمريره.

النقاش المجتمعى، ومحاولات عقد لقاءات مع بعض قادة الأحزاب المعارضة، ليس إلا صيغة أخرى لإقناع المواطنين بأن هناك موافقة عامة على هذا الدستور، رغم أن هذا يخالف الحقيقة، وعلى القوى المدنية إدراك أن مصير دستور مصر القادم، ليس فى يد الحزب الحاكم، بل فى يدها هى، فقط إذا توحدت.

الأنبا تواضروس والدولة المدنية

بقلم   عبداللطيف المناوى

كنت من المنادين دائما بفصل الدين عن ممارسة الفعل السياسى، ومن هذا المنطلق رأيت دائما أن أحد دلائل ضعف الدولة فيما مضى هو ذلك الفعل الذى تقوم به المؤسسات الدينية بأشكالها المختلفة من تدخل سياسى، ومحاولة لملء الفراغ السياسى الذى كان ينبغى ملؤه، لأنه لا توجد قوى سياسية حقيقية على الأرض تقوم بذلك الدور.

تخلت الدولة فيما مضى لعشرات السنين عن الادوار الأساسية لها ، فتركت الفرصة لتضخم القوى الدينية ومؤسساتها، وهذا يفسر القوة التى اكتسبتها جماعات الإسلام السياسى والجماعات الدينية، وكذلك التزايد الواضح فى دور الكنيسة فى الحياة المصرية.

كان أحد ملامح الصورة فيما مضى هو ذلك التراجع لحضور من اصطلح على تسميتهم بالعلمانيين الأقباط أو من يجب أن يطلق عليهم «الداعون للدولة المدنية من المصريين الأقباط»، فانزوى بعضهم، وانضم البعض الآخر تحت لواء الكنيسة، وظلت الكنيسة هى لسان حال الأقباط المصريين ودخلت فى مساجلات على حساب ضعف الدولة وتراجع دور المدنيين من الأقباط، ومما لاشك فيه أن حضور شخصية البابا شنودة كان له تأثيره الكبير بما له من ملامح شخصية مؤثرة.

الآن تولى الأنبا تواضروس الثانى لواء الكنيسة، وسوف يكون من الصعب دعوته إلى الانسحاب من الحياة العامة بعد أن تغيرت ملامح الدولة فى مصر، وبعد أن أصبحت قوى الإسلام السياسى، أو القوى الدينية السياسية هى المسيطرة على الساحة ولن أفعل كما فعل أحد أعضاء الإخوان بدعوة الأنبا تواضروس لتأييد ودعم تطبيق الشريعة الإسلامية، ولكنى سأطلب منه – ليس انسحابا من الحياة السياسية – ولكن دعما للإخوة المصريين الأقباط للمشاركة بفاعلية فى الحياة السياسية والحياة العامة وسيكون الفعل فعلاً مصرياً مدنياً من أجل تأصيل دعائم الدولة المدنية.

نحن الآن أمام دور جديد للكنيسة مع اعتلاء الأنبا تواضروس إلى سدة الكرسى البابوى من جهة، وصعود التيارات الإسلامية إلى سدة الحكم فى البلد من جهة أخرى، ودخول البلاد إلى ما يشبه المواجهة الدينية، لذا بإمكان الأنبا تواضروس أن ينحاز إلى مدنية الدولة أو أن يحول الأمر إلى صراع بين مؤسستى الكنيسة من جهة والسلفيين والقوى المتشددة من جهة أخرى.

أدرك أن المشكلة هنا ليست فى الأنبا تواضروس، لكنه يبدو فى نفس الوقت فى مهمة وطنية، وهى حماية مدنية هذه الدولة، وحماية الدولة من الدخول فى صراع دينى، لا يعرف أحد إلى أين سيقودنا لو اشتعل، لذا فعليه أن يحذر من الانجرار إلى معارك جانبية مع بعض القوى التى تريد إشعال النار ليس أكثر، وإدراك أن الكنيسة جزء من جسد الدولة، وظلت هذه العلاقة بين الكنيسة والدولة قائمة على التوازن منذ بداية عمر الكنيسة المصرية من نحو ٢٠٠٠ عام، وكانت هذه العلاقة مستقرة فى معظم العصور، ولم تكن يوما الكنيسة، ولا يجب أن تساق إلى ذلك، جزءا فى صراع مع جزء آخر من هذه الدولة.

أقباط مصر ليسوا فى حاجة إلى زعيم سياسى يأتى من الكنيسة، لكنهم فى حاجة إلى أب روحانى، للكنيسة دور أكبر من الدور السياسى، وهو الدور الروحانى، والمجتمعى للكنيسة، كما أن على البابا دوراً فى إصلاح الشأن الكنسى الداخلى، فهناك ملف زواج الأقباط الثانى، وهناك لائحة ٥٧ لاختيار البابا التى يجب تغييرها تماماً بما يتوافق مع المتغيرات التى حدثت داخل الكنيسة وخارجها، وهناك ملف ٣٨، فضلا عن أهمية إعادة دور العلمانيين فى الكنيسة بتطوير المجالس المسماة خطأ بالملية، ودورها الكنسى.

من جهة أخرى على الأحزاب المدنية أن تقوم بدورها الحقيقى، وعدم الانزواء وترك المواطنين يعودون للاحتماء بكنائسهم ومساجدهم لأنهم لم يجدوا مكانا آخر يفعلون فيه هذا.

الرسالة السابقة يمكن توجيهها أيضا إلى المؤسسة الإسلامية الرسمية فى مصر أيضا، وأعنى بها الأزهر، فبعيدا عن اللقاءات الرسمية فى بيت العائلة، وفى المنتديات العامة، فإن على هاتين المؤسستين، الكنيسة والأزهر، دوراً كبيراً فى الحفاظ على مدنية الدولة، من محاولة مستمرة ولا تتوقف لاختطاف الدولة وجرها إلى صراع دينى، لم يشهده المصريون من قبل، ولا يريدونه.

فإذا كانت هناك مؤسسات دينية تعبر عن الدولة فليكن الأزهر والكنيسة، وليس أحد آخر، لكن فى حدود دورهما الدينى فقط، دورهما التنويرى، ولتترك الأحزاب المدنية، والعلمانية لتلعب الدور السياسى، الذى كاد يختفى الآن خلف الرايات السوداء، التى ترفع باسم الدين، والدين منها برىء.

التحرش السياسى والمستقبل المجهول

بقلم عبداللطيف المناوى
فى مقال سابق تحدثت عن الأساليب المختلفة التى تتمكن بها الأنظمة التى اتخذت من الإسلام السياسى غطاء للسيطرة والحكم، ومن بين هذه الأساليب ما يوصف بأنه خلق لمناخ أزمة مستمر، للتمكن من الاستمرار فى القبض على مقاليد الحكم، وبالتالى فإن اعتماد أسلوب التحرش السياسى كأحد الأساليب المتبعة لتغطية العجز أو الفشل فى إدارة الدولة هو أحد أكثر الأساليب اتباعا فى مثل هذه الأحوال، وللأسف يبدو أن اللجوء إلى هذا الأسلوب قد بدأ مبكرا فى حالتنا، وأقول للأسف، لأن هذا الوضع هو آخر ما كنا نحتاجه فى ظل الوضع الاقتصادى الخطير الذى تعانى منه مصر، وتبعاته الاجتماعية والسياسية.

أى نظام كان سيتولى أمور مصر الفترة الماضية كان سيواجه حقيقة كبيرة ماثلة أمام من يفهم فى السياسة وإدارة البلاد أو لا يفهم، هذه الحقيقة تتكون من شقين: الأول أزمة اقتصادية كبيرة بدت ملامحها الأولى منذ البداية وتوقعات تأزمها وتعقدها بشكل أكبر واضحة، والشق الثانى هو ما بدا واضحا من حالة الانقسام والتمزق التى يعانى منها الوطن فى أعقاب الانتخابات. العقل والحكمة والوطنية تقول إن أى نظام كان سيتولى فى ظل هذه الظروف سيلجأ فورا إلى التعامل مع هاتين المشكلتين إذا أراد أن يحقق نجاحاً يصب فى صالح الوطن، لكن ما حدث كان عكس ذلك تماما، وللأسف – مرة أخرى – كان هذا هو المتوقع من قوى الإسلام السياسى عندما تتحكم، فهذا بالضبط ما حدث من قبل من أمثالهم فى بلاد أخرى.

بدلاً من مواجهة المشكلة الكبرى المتمثلة فى الأزمة الاقتصادية بالتعامل المباشر معها وفتح الباب أمام عقول الأمة وإمكانياتها للتعاون ومواجهة الخطر المقبل، انشغل أتباع وأعضاء القوة الحاكمة فى السعى نحو تحقيق الغنائم السريعة وخلق جماعة مصالح جديدة، وفقاً لأسلوبهم وفهمهم لمعنى الاقتصاد، وهو المعنى الذى اختصروه فى مفهوم التجارة وكيفية تحقيق الربح الشخصى السريع، ووجد هذا صدى واضحاً عند العديد من المنتفعين بأى نظام على مر العصور.

ولم يقف الأمر عند هذا الحد، بل إن تنظيمهم السياسى استغل الأزمة لتحقيق مكاسب حزبية ضيقة، مستفيداً من إمكانيات الدولة، وليست أزمة أنابيب البوتاجاز بعيدة عن الذاكرة عندما اشتكت قيادات وزارة البترول من أن أعضاء الحزب الحاكم يستولون على جهد العاملين بالدولة فى حل الأزمة، كى يظهروا هم بمظهر من يحل الأزمة. وبدلاً من أن يواجه النظام الجديد، الذى تمكن من تلابيب البلاد، الأزمة بالدراسة والبحث عن طرق للحل، تصرف كما يتصرف التلميذ «الخايب» الذى يتشاغل بصغائر الأمور بدلا من مواجهة الحقيقة بأنه يواجه امتحاناً، فيبحث عن أسباب واهية لتشغله ومعارك وهمية وأسباب يعلق عليها فشله، ويفعل أى شىء إلا مواجهة الاختبار والتحدى.

وبدلاً من خلق حالة من الاستقرار والثقة فى العلاقة مع المستثمرين المصريين والعرب والأجانب، بدأوا حرباً تخويفية لا تصب إلا فى مصلحة أتباعهم الذين أشرت إليهم فى البداية من أولئك الذين يستغلون الوضع القلق والمتوتر، لاصطياد وقنص الممكن من الأعمال والاستثمارات التى يسعى أصحابها إلى التخلص منها، فى ظل تلك الأجواء المتوترة.

وبدلا من خلق حالة ثقة مع دول الجوار والمجتمع الدولى دخلنا فى مناطق من عدم الثقة والتوتر، مما دفع تلك الدول إلى التحفظ فى القيام بأى دور يدفع الاقتصاد المنهار. وفى أسلوب وخطوة غير مفهومة وغير منطقية يخرج رئيس النظام ليتحدث عن فتح حساب «التطهر»، وهذه الفكرة رغم ما تحمله من ملامح كوميدية إلا أنها تحمل فى طياتها بذور الكراهية والصدام الاجتماعى بين أبناء الوطن دون أسباب حقيقية، وكأنه يرجع سبب الفشل الكبير فى إدارة الشأن الاقتصادى إلى من يطالبهم بالتطهر دون أن يضع ملامح واضحة لحل أزمة العلاقة بين كل الأطراف المتورطة برغبتها أو دون رغبتها فى هذه العملية «التطهرية».

أما الشق الآخر، الشق السياسى، فقد دخل النظام الجديد على أمة منقسمة، وبدلاً من أن يعمل على سد الفجوة، استغل الوضع لتأكيد حالة الانقسام، لينفرد بالسلطة ورأسها مقصياً ومعادياً كل الجماعات السياسية.

هذه الأجواء هى أجواء أزمة قد تساعد التيار الحاكم على الاستمرار فى مقاليد الحكم، حيث إن خلق الأزمات هو إكسير الحياة والاستمرار لمثل هذه الأنظمة، لكن الأكيد أن الوطن – كل الوطن – يتجه بهذه الإدارة الفاشلة إلى مستقبل مجهول.

المصاب متعدد الاتجاهات

بقلم   عبداللطيف المناوى

مصاب الوطن ليس فى جماعته الحاكمة فقط وأتباعها وممثليها فى المؤسسات المختلفة، وفى سياساتها الإقصائية الاستحواذية التى سوف تدفعنا إلى مناطق تاريخية مجهولة، بل إن المصاب أيضا فى نخبتها الثقافية والسياسية والاقتصادية. وسوف أبدأ مع النخبة الاقتصادية المتمثلة فى رجال الأعمال «أو معظمهم» الذين أثبتوا بالفعل مقولة إن «رأس المال جبان»، وهذه النخبة «الرأسمالية» غيرت دفة سفينتها بشكل كامل، وبعد أن كانوا منذ أعوام يُسبّحون بحمد النظام القائم ورموزه تحولوا خلال العامين الماضيين إلى ثوريين ومحاربين ضد الفساد، حتى كاد المرء وقتها يخلط بينهم وبين «جيفارا»، وما إن سيطرت الجماعة حتى انقلب أولئك إلى مؤسسين ومنظرين للاقتصاد الإسلامى، ووصل الأمر ببعضهم إلى حد اكتشاف جذور الانتماء العميقة داخله وداخل عائلته إلى الإخوان دون أن يدرى، واكتشاف آخر أنه عاش حياته وهو يخفى أن اسمه هو اسم قائد الجماعة، أو كما ادعى ظل يخفى هذه الحقيقة حتى لا يتعرض للاضطهاد من النظام السابق الذى كان هو أحد أكبر داعميه، ونسوا اصطفافهم من قبل لجمعية «المستقبل» وجمعيات رجال الأعمال التى كان يترأسها رموز النظام السابق من قبل. هذه التقلبات البهلوانية الساعية للمكسب الشخصى الضيق فقط على حساب المصلحة العامة، هى نموذج يدعو للإحباط ويدفع للمقاومة بين هذا السلوك والدور الحقيقى الذى قامت به الرأسمالية «الحقيقية» فى تشكيل وعى أمم ودفع مجتمعات إلى النهوض.

أما النخبة الثقافية والسياسية والإعلامية فحدّث عن بعض أفرادها ولا حرج، فقد شهدنا جميعاً على تلك الحالة من التحول والتقلب «والشقلبظات» البهلوانية، فقد شهدناها وكشفناهم طوال العامين الماضيين، ولن أقف أمام ذلك طويلا فقد قيل فيه ما لم يقله مالك فى الخمر، ولكنى هنا سأتوقف أمام الاكتشاف المتأخر جدا لبعض هؤلاء الذين وقفوا داعمين لتيار الإسلام السياسى للسيطرة والتحكم فى مقاليد البلاد، وعندما خرجوا من المولد «بلا حمص» اكتشفوا أن فصل الدين عن السياسة يمنع المتاجرة بالدين، وأنه من الخطأ إقحام الدين فى السياسة، ويعتذر آخر عن تأييده للجماعة ومرشحها وكأنه يكتشف بعد هذا العمر أنه من الخطأ وضع البلاد تحت سطوة جماعات الإسلام السياسى.. هذه الاكتشافات المتأخرة والمرتبطة بفقدانهم الشخصى لمكاسب شخصية هى جريمة فى حق هذا المجتمع مهما حاولوا تجميل أنفسهم.

أما الطامة الكبرى التى يعانيها هذا الوطن فهى فى ذلك التمزق والإضعاف المتبادل لقوى كان مفروضاً أن يجمعها هدف الحفاظ على مدنية الدولة، ففرقها التنازع على زعامة وهمية أو تصفية حسابات لثأر قديم.