الاستقالة سياسية لكن المشكلة أكبر

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

استقال وزير النقل هشام عرفات، ووافق عليها رئيس الوزراء مصطفى مدبولى سريعاً، وبعد ساعات قليلة من حادث محطة مصر. استقال الرجل قبل ظهور نتائج التحقيقات، وحتى قبل صدور حصيلة نهائية لأعداد الضحايا. استقال قبل أن يعود إلى مكتبه ويلملم أغراضه، وينصح خلفه بحلول لمعالجة المشكلات، إن كانت لديه حلول، وإن كان يعلم بالمشكلات!.

استقال عرفات استقالة سياسية تهدئ الجميع، تهدئ من هم فى السلطة، ومن هم فى الوزارة، ومن هم فى الشوارع وأمام شاشات الفضائيات، ومواقع التواصل الاجتماعى. استقال ليكف الكثيرون عن تحميله سبب الكارثة. استقال والمشكلات مازالت مستمرة وسارية.

دخل جرار القطار إلى المحطة، وانشغل سائقه بعراك مع أحدهم- هكذا قالوا- فانفجر خزان الوقود، ليخلف قتلى ومصابين فى كل مكان. الصورة بشعة، والأبشع أننا ننتظر كارثة كل فترة تدمينا وتجعلنا نرفع الرايات السوداء ونعلن الحداد، لننتظر كارثة أخرى، فنرفع من جديد رايات الحداد، وهكذا نعيش فى ظل عدم الاقتراب من المشكلات الرئيسية.

ألم يعرف المسؤولون أن سكك حديد مصر تتصدر ترتيب حوادث القطارات فى العالم؟، ألا يعرفون أن الحوادث متكررة إلى حد التطابق؟، هل يدركون أن إجاباتهم عن سؤال «من المتسبب» واحدة؟. إن المسؤولين عن قطاع النقل بشكل عام، وقطاع هيئة السكة الحديد بشكل خاص، يهملون ملف إصلاح السكة الحديد لعدم الاستطاعة، ويغضون الطرف عن عدم تطبيق اشتراطات الأمن والسلامة بكل القطاعات بحكم العادة.

كل المشكلات تتعلق بإحلال وتجديد عناصر البنية التحتية فى القطاع الحيوى الذى ينقل ملايين المصريين داخل الجمهورية سنويا. من بين المشكلات مثلا ضرورة استبدال جرارات جديدة بالجرارات التى انتهى عمرها الافتراضى، وتفعيل نظام الأمان بجهاز وتحديث أجهزة الإشارة، وتطبيق اشتراطات السلامة فى صيانة القضبان، ومراعاة تدبيش السكك بأحجار صغيرة ولحام القضبان بمواد مطابقة للمواصفات وتوفير قطع الغيار، وتنفيذ الصيانة وفقاً للمواصفات القياسية، بالإضافة إلى حل مشكلة الرواتب التى يعانى منها الجميع.

من بين المشكلات أيضا العنصر البشرى وضرورة تطويره فنيا وفكريا، وفق أساليب علمية متقدمة حديثة. فالعنصر البشرى هو أخطر العناصر فى المنظومة، فهو السائق وهو المحول وهو المدير وهو المشغل، وبين يديه أرواح الملايين.

المشكلات فى قطاع السكك الحديدية مثال للمشكلات الموجودة فى قطاعات كثيرة فى مصر، تحتاج كلها لحلول، ولإرادة سياسية من أجل التغيير. ولكن للأسف الحلول غائبة ومصائر المواطنين صارت أسيرة للصدفة، فعديد من المصريين يحيون بالصدفة ويموتون بالصدفة، وبين صدفة وصدفة قصص طويلة من الإهمال.

الإعلانات

قادة مغامرون

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

القادة مغامرون بطبعهم. من لا يصدق فليسأل التاريخ. بونابرت غامر فكوّن إمبراطورية فرنسية كبرى، كذلك ديجول وغاندى ومانديلا وغيرهم، على اختلاف درجات المغامرة وأهدافها، وكونها أدت إلى قفزات للأمام أو إلى الخلف.

ما فعله الرئيس السيسى فى 30 يونيو 2013 مغامرة بالتأكيد، وما شرع فى فعله من إصلاحات اقتصادية أيضاً مغامرة لم يستطع رئيس سبقه أن يقدم عليها. ما يفعله هو قفزة من درجة إلى درجة أعلى بالتأكيد، فهو لم يرض بالبقاء، ساكناً إزاء أزمات اتسعت رقعتها وتأثيرها.

ولكن ماذا عن قادة المجتمع؟. للأسف، المجتمع المصرى الآن يمر بفترة تقلبات مزعجة، تتعلق خصوصاً بهؤلاء القافزين فى الهواء، أو بمعنى أدق المغامرين الذين يسعون للقيادة، فنكاد لا نرى أحداً منهم فى هذا الوقت.

نحن فى مرحلة من المراحل تدعو إلى خلق قيادات جديدة، وخلق صفوف ثانية وثالثة داخل المجتمعات والمؤسسات المختلفة، سياسية وثقافية واجتماعية وإعلامية، لكن هذه الدعوة وجدت قدراً واضحاً من المقاومة من أطراف اعتقدت أنها خالدة فى مواقعها، أو اختارت أن تضمن استمرارها واستمرار الحال على ما هو عليه، خوفاً من المغامرة.

نحن فى حاجة إلى الشخص الذى يستطيع أن يتحمل فترة يبدو فيها مغامراً ومحلقاً فى المجهول معلقاً فى الهواء، ما بين درجة ودرجة أعلى، وهو الأمر الذى يعنى القدرة على اتخاذ قرار قد يبدو جنونياً أحياناً لمن يعتقد فى السكينة ملاذاً. لكن هذا القفز أو التحرك فى الهواء إلى أعلى هو شكل من أشكال التطور والتحرك إلى درجات ومستويات أكثر رقياً وأكثر تحديثاً، ولكن هذه القفزات ينبغى أن تكون محسوبة ومدروسة، بحيث لا يكون القفز إلى المجهول، وإلا تحولت العملية إلى مغامرة أو مقامرة.

نحن فى حاجة إلى ذلك النوع من القفزات المحسوبة، أو بمعنى آخر ذلك النوع من القيادات القادرة على اتخاذ قرارات قد تبدو مفاجئة للساكنين القابعين الراضين بمواقعهم التى يعتقدون أنها آمنة، وهى فى الحقيقة تشكل أكبر المخاطر عليهم، وعلى من يرتبطون بهم أو يتأثرون بقراراتهم أو لا قراراتهم.

أظن أننا فى هذه المرحلة فى أشد الحاجة إلى ذلك النوع من القادة، القادرين على القفز والقدرة النفسية على تحمل البقاء فى الهواء، للوصول إلى الدرجة التالية، ارتقاءً بالمجتمع وأهله. أظن أننا فى مرحلة تتطلب نوعاً من القادة يؤمنون بالمغامرة وبأهميتها فى خلق مجتمع حديث ومتقدم.

الديناصور العربى

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

«وانتصاراته ماليه حياته.. وطنى بيكبر وبيتحرر»، هى كلمات من أوبريت «الوطن الأكبر» الذى كتبه أحمد شفيق كامل، ولحّنه الموسيقار محمد عبدالوهاب، وغناه مجموعة كبيرة من نجوم الغناء فى العام 1960.

ولأن لكل مقام مقالا، أو بمعنى أدق، لكل أغنية وطنية سبب فى الظهور، كان الأوبريت ممجداً فوق العادة فى فوائد الوحدة العربية، وما لها من مفعول سحر لتحرر الأوطان واستقلال الإرادة، وإلى آخره من معان إيجابية كانت صادقة وحقيقية وقتها.

ولكن فات على كتّاب الأوبريتات- من هذا النوع- أن التحرر والاستقلال ما هو إلى بداية لعمل كبير وشاق لبناء الأمم، هو الحجر الأول فى بناية شاهقة أساسها العلم والوعى والصدق. الحجر الأول تم، ولكن الأساس لم ينشغل أحد به، فصارت مجتمعاتنا العربية أسيرة لخواء سياسى واجتماعى وفكرى كانت نتيجته ما نشاهده الآن فى عدد من البلدان العربية.

الصرخة كانت مدوية أثناء انعقاد القمة العالمية للحكومات فى دبى منذ عامين، وقتها أظهرت البيانات والإحصاءات أن 57 مليون عربى لا يعرفون القراءة والكتابة، وأن 13.5 مليون طفل عربى لم يلتحقوا بالمدارس فى عام انعقاد القمة، وأن 30 مليون عربى يعيشون تحت خط الفقر، وأن معدلات الفقر زادت بين عامى 2015 و2016 إلى نحو 8%، وأن كلفة الفساد فى المنطقة العربية وصلت إلى تريليون دولار، وأن من بين قائمة العشر دول الأكثر فساداً فى العالم 5 دول عربية.

البيانات أظهرت كذلك أنه رغم أن العالم العربى يمثل 5% من سكان العالم، إلا أن 45% من الهجمات الإرهابية عالمياً استهدفته، وأن 75% من لاجئى العالم عرب، وأن 68% من وفيات الحروب عالمياً عرب، وأن 20 ألف كتاب فقط ينتجها العالم العربى سنوياً، أى أقل من دولة مثل رومانيا، وأن 410 ملايين عربى لديهم 2900 براءة اختراع فقط، بينما 50 مليون كورى لديهم 20201 براءة اختراع.

الأرقام وقتها كانت كبيرة وصادمة. وكتبت عنها الصحف العربية الكثير، ولكنها كانت كتابات متوقفة عند حد الحسرة على الواقع الأليم، والبكاء الذى وصل إلى حد جلد الذات، بينما غابت رؤية منهجية شاملة لكيفية الخروج من المأزق، وشرح أسباب الوصول إليه.

ببساطة، تقترب من بساطة وسهولة كلمات ولحن أوبريت «الوطن الأكبر»، نقول إن الحل فى التعليم، الحل يكمن فى البدايات لا فى النتائج. إصلاح التعليم- وأتحدث ببعد عربى بالتأكيد- هو الشفاء لكل أزماتنا، فهو الذى يقينا شرور الإرهاب والحروب والنزاعات، وهو الذى يقينا من الأزمات الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. أرقام مخيفة لو لم نتوقف أمامها ونتحرك بجدية ومخططات علمية فمصيرنا مع الديناصورات المنقرضة.

إرادة صنع النظام

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

بكل هدوء، انتهى الممثل الشاب النحيف فى «فيلم ثقافى» من فحص أزمة عدم ظهور صورة على التليفزيون، بعد أن توافرت أركان المشاهدة «شريط وفيديو وتليفزيون ومكان». بكل هدوء قال إن العيب فى النظام.

درامياً قصد المؤلف محمد أمين أن المشكلة فى نظام التشغيل، لكن المقصود الأكبر من الجملة أن العيب فى النظام المجتمعى ككل.

أقول هذا لأن الحراك الحادث حالياً فى المجتمع مازال حتى الآن انفعاليا غير منضبط، فما نشهده الآن من حالة فوران وحركة دؤوب بين المسؤولين، أو معظمهم، هو رد فعل مع رئيس جاد وحاسم، وهم هنا يتفاعلون مع هذه الحالة، ولكنه يظل تفاعلا لا يحكمه نظام واضح ومعين، وأقرب إلى أن يكون عشوائياً. ببساطة لم يوضع بعد فى إطار نظام متماسك أو «سيستم» عام محدد الرؤية والأهداف، ويعتمد فى الأساس على المنهج العلمى فى التطبيق.

لسنوات طويلة، ظللت أختصر مشكلة مصر الأساسية فى غياب هذا «السيستم»، الذى أعتبره كلمة السر فى تقدم الأمم والشعوب. من الضرورة أن يوجد نظام علمى يدير شؤون الوطن بكل تفاصيله، نظام واضح يتم فرضه على أسلوب العمل وعلاقات أطرافه، نظام يحدد الأدوار ويقسمها، ويحاسب على مدى الالتزام بالمسؤوليات، وفوق كل هذا «رؤية» تحمل عنوان هذا النظام.

لابد أن تقوم المؤسسات فى مصر على أسس العمل الجماعى، القائم على النظام. فلماذا لا تعكف كل جهة أو مؤسسة على دراسة تشكيل فريق عمل فى المجالات المختلفة متخصص فى بناء النظم، ولا بأس أن يكون هذا الفريق مزيجا من خبراء مصريين وأجانب. فريق لديه رؤية ينبغى أن تكون الإطار لهذا النظام، الذى بالضرورة أن يجمع ما بين حداثة الحضارات والمجتمعات التى تقدمت علينا وبين طبيعة المجتمع المصرى وظروفه ومشكلاته.

لن يتمكن أحد مهما كانت قدراته أن يعمل خلال وسائل قديمة وأساليب تقليدية، أو عبر «سيستم» بالٍ قديم تغيب فيه الرؤية المتكاملة التى تعتمد المعايير العلمية أسلوبا أساسيا فى التنفيذ والقياس وبناء علاقات العمل.

فى مجتمعاتنا يتعامل البعض مع «النظام» وكأنه رجس من عمل الشيطان فيجتنبونه. أما المجتمعات المتقدمة فقامت بالنظام، وقامت بالتفكير والعلم. قامت لأن لديها رؤية ومنهجا، قامت لأن لديها إرادة صُنع النظام، وهذا هو لب المشكلة.

زراعة الأمل.. ولكن بشروط

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

أيام وستحل علينا الذكرى المئوية لثورة 19، تلك الثورة التى كانت نتائجها فى مسيرة هذا الشعب مبهرة وعظيمة، إلا أنه وللأسف تسلل تعبير «مفيش فايدة» منسوباً لسعد زغلول إلى الأجيال اللاحقة، وكأنه هو الثورة ونتائجها.

لا حياة بدون أمل. ولا أمل بدون أسس واقعية ومنطقية تدعم الإيمان بذلك. من هذا المنطلق لابد من فهم طبيعة الأشياء والأحداث.

الكلام عن الأمل الآن لا يقل أهمية عن الحديث عن أهمية العمل والاستقرار، فبالعمل وحده لا يمكننا أن نتقدم، سنظل كالتروس دون أفق ورؤية. وبالاستقرار وحده سنعجز عن تحقيق ما نصبو إليه، فالمستقبل وقتها سيظل بعيداً وسراباً، وسيكون المجتمع- رغم استقراره- ساكناً جامداً متيبساً.

الأمل هو ما يربط ذلك بذاك. هو الضامن لتحقيق الأحلام، رغم بعدها. هو الضرورة وليس الرفاهية، والذى من خلاله سنحقق هدفنا فى أن نصل إلى المستقبل الذى نحلم به ونريده.

أعود للأسس الواقعية والمنطقية الضامنة لأن نتمسك بالأمل. فالأساس الأول هو إبعاد اليأس عن الطريق. فاليأس هو عدونا الأول، والغريب أن هناك من يدعو له، ولو بدون عمد. البعض يقاتل من أجل أن يقضى على المستقبل، يروج للوهن والضعف، ويصرخ فى وسائل الإعلام، قديمها وحديثها، أن لا فائدة وأن لا أمل وأن لا رؤية وأن لا مستقبل. قد لا يدركون أن بأفعالهم تلك يجروننا إلى الماضى، وقد لا يعرفون- بحسن النوايا- أنهم يقتلون أى تحرك إلى الأمام.

أما المتعمدون فسيواصلون النفخ فى رماد اليأس، حتى لا يقوم هذا البلد من غفوته، فكلما طال الرقاد طال وجودهم، وهؤلاء لا يمكن محاربتهم إلا بالأمل.

الأساس الثانى هو العلم. فالعلم كما قالوا قديماً نور، ينير الطريق ويدلنا على الهدف. يرسم بأحرفه المستقبل، يعيد الوعى ويشكل الوجدان. والعلم يبدأ من الأسفل، إذ لابد أن نعتمد على تطوير المنظومة التعليمية، فإذا كان الأمل هو المستقبل، فإن هذا المستقبل فى الأجيال التى تتعلم الآن فى مدارس تحتاج إلى كثير من الجهد لكى تقدم ما هو مطلوب منها. أما الأساس الثالث فهو العمل، العمل من أجل البناء، لا من أجل الهدم.

الأسس كثيرة، والطموحات كبيرة، ولكن فى النهاية نستطيع أن نؤكد أن الأمل هو كل ذلك. هو الاستقرار والأمن والأمان والعمل والعلم وغيره، الأمل هو اقتصاد حقيقى، وعودة إلى دور إقليمى وعالمى حقيقى. الأمل هو امتلاك القدرة والرغبة فى أن نحلم.

عبداللطيف المناوى يكتب: تستحق ذلك

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

النقاش الذى دار فى البرلمان أمس بخصوص التعديلات الدستورية يمكن أن يكون صيغة يتوافق عليها الجميع فى النقاش حول التعديلات الدستورية فى إطار الحوار المجتمعى الذى دعا إليه البرلمان. استعرض الموافقون والرافضون أسباب وحيثيات ومبررات الموافقة أو الرفض، وهو أمر صحى، وفى صالح المناخ العام وداعم للدولة.

ومن هذا المنطلق فإننا ندعو لأن تتكرر تجربة النقاش البرلمانى فى المجتمع ككل. دعا البرلمان إلى حوار مجتمعى حول التعديلات الدستورية، نرى أنه يجب أن يكون هادئا وعاقلا. حيث تدلى الأطراف برأيها دون الخروج عن الأخلاق والتقاليد المجتمعية والسياسية. وأيضاً دون أن يكون الرأى الملتزم سبباً فى عقاب صاحبه على أى مستوى.

لماذا لا نستثمر تلك الحالة البرلمانية من نقاش للرأى والرأى الآخر فى خارج أسوار مجلس النواب؟

لماذا لا ننفتح على حوار مستنير مع الحفاظ على استقرار وأخلاقيات المجتمع؟ لماذا لا نتحاور جميعاً دون استخدام أساليب غير مقبولة سواء إنسانياً أو أخلاقياً؟ لن يكسب أحد إذا ما أصر البعض على إثبات خطأ وجهات النظر الأخرى، بالتشويه أو بالصوت العالى أو بالإهمال المتعمد، وكأن الأمر حياة أو موت. اتفقنا جميعاً فى السابق أن النص الدستورى ليس نصاً إلهياً مقدساً، وبالتالى فإن التعديلات المقترحة ليست هى الأخرى نصوصا مقدسة، يؤخذ ويرد عليها، من الممكن أن نقيم حواراً ونقاشاً إيجابياً حولها. نسوق الأسباب ونستمع إلى المبررات. نرى كل أطياف المجتمع ونشاهد من هم على اليمين وعلى اليسار، وذلك حتى يقرر الشعب ما يراه فى صالحه، وصالح الوطن.

أظن أننا نتفق جميعاً أننا فى مجتمع يموج بالتغيرات الجذرية، بسبب مرحلة سياسية خاصة، واقتصادية حساسة. اتفقنا جميعاً أننا فى مرحلة بناء مستقبل يحتم علينا أن نعمل وأن نتواصل وأن يسمع كلنا بعضنا، وبعضنا كلنا. اتفقنا أن المصلحة هى مصر الحديثة المتطورة التى لكل المصريين حق فيها. الفترة القادمة تحتاج الصوت العاقل الناضج، الذى يتحدث وفق رؤية سياسية وطنية واضحة لا لبس فيها، مع التذكير مرة أخرى بأن الوطنية ليست صكوكاً تحتكرها مجموعة أو فئة. ما نحتاجه هو تواصل حقيقى، وأن تصبح المنابر الإعلامية ملكاً للجميع، لكى نسمع فيها الرأى والرأى الآخر.

مصر تستحق ذلك وأكثر.

الصدام لا يأتى بالإصلاح عادةً

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

إذا أردت نجاحاً فى تغيير أمر ما فلا تصطدم بما يعتبره الناس ثوابت، حتى لو كان لك تقييم مختلف.

وهناك دائماً طريق وسط يجمع بين التحديث والحفاظ على ما تعتبره الجموع ثوابت ثقافية أو عقيدية.

أيضاً تعظيم المؤسسات، الذى يشكل عناصر قوة للمجتمع، لا يتناقض مع طرح الأفكار التى تتبناها هذه المؤسسات للنقاش، بل للتغيير، إن كان ذلك فى الصالح. لكن المهم هو الحفاظ على قيمة ما يمتلك المجتمع من مكونات قوة، بل دعمها وتعظيمها.

أقول ما سبق امتداداً لما تحدثت عنه بالأمس عن أهمية تقوية وتدعيم مؤسسة الأزهر- وشيخه- باعتبارها بحق أحد أهم عناصر القوة الناعمة المصرية. وأزيد على ذلك بأن الشيخ الطيب- وأدّعِى معرفته إلى حد يُمكِّننى من قول ذلك- هو أكثر القادرين على قيادة حركة إصلاحية حقيقية وعميقة داخل المؤسسة الدينية الأهم فى العالم الإسلامى، أو هكذا يجب أن تكون، وهو ابن لثقافة مصرية وسطية أصيلة، وهناك دائماً إمكانية ومفاتيح للحوار معه فى إطار الحفاظ على قيمة وقامة المؤسسة وشيخها.

لكن من المهم هنا أن نفهم طبيعة الإصلاح المطلوب وحدوده. كما تقول القواعد العلمية، من المهم الاتفاق على تعريف دقيق للمصطلحات قبل بدء الفعل. عندما يذهب البعض إلى تعليق جرس الإرهاب بكل موبقاته فى رقبة الأزهر وحده فهذا تعسف لن يوصل لشىء، وعندما نلوم الأزهر وحده لأنه لم يكفر «داعش» وأشباهه فهذا أيضاً هو لومٌ من غير فهم. وعندما يتزيّد البعض، فيعتبر أن الحل هو القضاء على الأزهر أو تقزيمه ليكون مجرد إدارة تابعة، فهنا يحدث ما أشرت إلى أنه يكون اصطداماً مع ما اعتقد قطاع كبير من المجتمع أنه من الثوابت.

تحدى الثقافة العامة أو الثقافة الشعبية لن يكون إلا سبباً فى خسارة أى معركة، حتى لو كانت الأهداف صحيحة.

أعتبر نفسى من المنادين بأهمية تنقية التراث مع الحفاظ عليه، مع التقييم والإشارة إلى الغث والسمين فيه، فهو تاريخ إنكاره لا يلغيه. لكن يجب أن ننظر إليه نظرة نقدية. أيضاً أنا ممن يؤمنون بأهمية تجديد الخطاب الدينى، لكن من الضرورى فى البداية أن نصل إلى تحديد لملامح المفهوم قبل الدعوة إليه. أتفق تماماً مع أهمية ضبط العلاقات الإنسانية التى تنظمها الشريعة، أى شريعة، بضوابط مدنية وإدارية تتوافق مع طبيعة الدولة الحديثة، لكن مع الحرص على عدم الاصطدام بما يعتبره علماء الدين والعامة من الثوابت. هناك دائماً طريق.

الأكيد أننى ضد أى تغول لأى مؤسسة على حرية الإبداع والتعبير، بما فيها المؤسسات الدينية، لكن هذا لا يتناقض مع احترام ووجود هذه المؤسسات.

كل ما ذكرت يصب فى قناعة أساسية أعتقد فيها، وتصلح للإجابة عن السؤال الذى طرحته بالأمس: هل هذا يتعارض مع الحوار والاختلاف حول قضايا ثقافية واجتماعية وسياسية مهمة بين أطراف المجتمع، بما فيها الأزهر، مع الحفاظ عليه كأحد أهم عناصر القوة الناعمة المصرية؟ إجابتى الشخصية واضحة، وأظنها منطقية.

الدولة والطيب

        مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

سادت حالة من الجدل فى مصر حول مادة فى الدستور المصرى، قيل إنها ستعدل وفقاً للتعديلات المطروحة حاليا أمام البرلمان المصرى.

ودفعت هذه الحالة إلى رد سريع من نواب البرلمان المصرى، وعلى رأسهم النائب سليمان وهدان، وكيل مجلس النواب، الذى أكد أن المادة الخاصة باستقلال الأزهر، وطرق اختيار شيخه غير معروضة بالمرة ضمن التعديلات الدستورية المقترحة، مشيراً إلى أن هناك حملات مغرضة تحاول تشويه التعديلات الدستورية من خلال إثارة البلبلة حول مادة شيخ الأزهر.

وأوضح وهدان، فى بيان صحفى له، أن المادة 7 من الدستور والخاصة بتحصين شيخ الأزهر من العزل لم ترد ضمن التعديلات التى تقدم بها ائتلاف دعم مصر، مشيرا إلى حوار مجتمعى غير مقتصر على البرلمان أو الأحزاب فقط، بينما يضم كافة طوائف المجتمع والمفكرين ومن يرغب فى إدلاء رأيه بشأن التعديلات.

حسناً صدر مثل هذا التصريح من شخصية مسؤولة فى مجلس النواب مثل وهدان، وذلك لإنهاء حالة الجدل التى سادت خلال الفترة الماضية حول خلاف بين الإمام الأكبر شيخ الأزهر أحمد الطيب، وأطراف فى السلطة، حول بعض القضايا.

قطع وهدان حديث بعض من تشككوا فى نوايا التعديلات لتحجيم دور شيخ الأزهر مستقبلاً، وهو أمر كان يستحق أن تحسمه أطراف عدة فى المؤسستين، بدلاً من ترك كرة الثلج تكبر شيئاً فشيئاً.

من الجيد أن يفهم القارئ طبيعة العلاقة بين الأزهر والدولة، فهى علاقة متداخلة ودستورية، حيث تنص المادة السابعة من الدستور على أن الأزهر هيئة إسلامية علمية مستقلة، يختص دون غيره بالقيام على كافة شؤونه، وهو المرجع الأساسى فى العلوم الدينية والشؤون الإسلامية، ويتولى مسؤولية الدعوة ونشر علوم الدين واللغة العربية فى مصر والعالم. وتلتزم الدولة بتوفير الاعتمادات المالية الكافية لتحقيق أغراضه، وشيخ الأزهر مستقل غير قابل للعزل، وينظم القانون طريقة اختياره من بين أعضاء هيئة كبار العلماء.

من الضرورى المحافظة على العلاقة طيبة بين شيخ الأزهر أحمد الطيب وبين مؤسسات الدولة، لابد من استثمارها فى مسألة الإصلاح والتحديث داخل المؤسسة الدينية الأهم. ولابد أن يكون الطيب هو محركها الأساسى، أو راعيها، وذلك بفضل علاقته الجيدة بينه وبين المنتمين إلى الأزهر، وعلاقته الجيدة أيضاً مع أطراف مجتمعية وسياسية محلية وعالمية.

من المهم استغلال دلالة الحفاوة، التى استقبل بها الطيب فى الإمارات، من المهم استثمار الحالة الطيبة بين الشيخ الطيب وبابا الفاتيكان والتى ظهرت فى أبوظبى، ويمكن أن تكون خطوة مهمة فى جعل العالم أكثر سلاماً وأمناً.

لكن هل هذا يتعارض مع أهمية الحوار والاختلاف حول قضايا ثقافية واجتماعية وسياسية مهمة بين أطراف المجتمع، بما فيها الأزهر، الذى يجب الحفاظ عليه كأحد أهم عناصر القوة الناعمة المصرية؟ هذا موضوع آخر.

عندما ترى الخطأ صواباً

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

دُعيت لإلقاء محاضرة عن الإعلام والأمن القومى، عندما وصلت إلى قاعة المحاضرة فوجئت بالجمهور الحاضر. ظننت أن الحاضرين من المتخصصين أو الدارسين، ولكنى وجدتهم شبابا صغيرا كلهم من ذوى القدرات الخاصة.

قبل البدء، أوضحت لى إحدى المشرفات عليهم أنهم لا يعترفون من الأصل بوجود إعلام، لا أحد يحدثهم أو يسمع منهم.

بدأت الحديث معهم بسؤال لهم ماذا يفضلون أن يطلق عليهم، ففى بعض القوانين واللوائح يطلق عليهم «ذوو الإعاقة»، وفى مواضع أخرى «ذوو الاحتياجات الخاصة»، وفى بعض التناول «ذوو القدرات الخاصة». ساعدتنى إحدى مترجمات الإشارة فى التواصل معهم، وكتبت أمامهم الخيارات الثلاثة، حيث رفضوا بغضب الاسم الأول منها تماما، ورفضوا أيضا الثانى دون غضب، وتحمسوا للثالث. يريدون أن يطلق عليهم ذوو قدرات أو مهارات خاصة.

واحدة منهم بدأت التعبير بغضب عن حالة العزلة التى يعيشونها مع المحيطين بهم، جميعهم يتحدث عن عائلاتهم والمحيطين بهم باعتبارهم منفصلين عنهم.. «هم» يشاهدون ويسمعون ويتفاعلون مع ما يشاهدون على التليفزيون، «ونحن» لا نفهم ما يدور ويُطلب منا الهدوء، فننزوى.

شكواهم أن لا أحد يحترم وجودهم من محطات التليفزيون، لا توجد ترجمة إشارة للأفلام والمسلسلات. لذلك يفضلون المسلسلات التركية، لسبب أساسى هو وجود ترجمة.

بعض نشرات الأخبار تقدَّم بلغة الإشارة، فى ركن صغير من الشاشة، لكنهم لا يفهمون الترجمة لأن المترجم أو المترجمة ليسوا من بين ذوى القدرات الخاصة، ويحركون أيديهم بسرعة ويترجمون كل الكلام فلا يفهمون. اقترحوا أن من يقوم بترجمة لغة الإشارة أن يكون من بينهم، فهناك البعض منهم لديه إعاقة جزئية تمكنه من السمع والقدرة على الترجمة، ويحتاجون فقط بعض التدريب ليتمكنوا من القيام بذلك. ويتمنون لو أنهم تمكنوا من التواصل مع القنوات المختلفة لتنفيذ هذا المقترح الذى تحمسوا له.

سألتهم: هل تقرأون الصحف؟ قالوا جميعا: لا، سألتهم: هل تعرفون أن الرئيس الفرنسى ماكرون يزور مصر اليوم؟ أجابوا بالنفى، وقبل أن أسألهم أسئلة أخرى تقاطعت الأصوات والكلمات والإشارات والهمهمات لتؤكد أنهم لا يعرفون شيئا ولا يتابعون، لأن لا أحد يتحدث إليهم. قطعوا علىّ الطريق للاستمرار فى سؤالهم عما يعرفون.

ولأن المحاضرة عن الإعلام والأمن القومى فكان لابد أن أتحدث فى الموضوع، فقلت لهم: «إن أهم عناصر الأمن القومى أن تقوم الدولة بمؤسساتها بالتواصل مع كل المواطنين باختلاف أجناسهم وأعمارهم وقدراتهم، وإذا ما عجزت الدولة عن ذلك من خلال إعلامها فإنها بذلك تهز مفهوم الأمن القومى. لذلك إذا ما تنبهت الدولة مؤخرا لكم وبدأت بعض الخطوات فإن ذلك ليس تفضلاً، ولكنه حق لهؤلاء وتصحيح لخطأ وفهم صحيح لمفهوم الإعلام والأمن القومى».

ذوو القدرات الخاصة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

دُعيت لإلقاء محاضرة عن الإعلام والأمن القومى، عندما وصلت إلى قاعة المحاضرة فوجئت بالجمهور الحاضر. ظننت أن الحاضرين من المتخصصين أو الدارسين، ولكنى وجدتهم شبابا صغيرا كلهم من ذوى القدرات الخاصة.

قبل البدء، أوضحت لى إحدى المشرفات عليهم أنهم لا يعترفون من الأصل بوجود إعلام، لا أحد يحدثهم أو يسمع منهم.

بدأت الحديث معهم بسؤال لهم ماذا يفضلون أن يطلق عليهم، ففى بعض القوانين واللوائح يطلق عليهم «ذوو الإعاقة»، وفى مواضع أخرى «ذوو الاحتياجات الخاصة»، وفى بعض التناول «ذوو القدرات الخاصة». ساعدتنى إحدى مترجمات الإشارة فى التواصل معهم، وكتبت أمامهم الخيارات الثلاثة، حيث رفضوا بغضب الاسم الأول منها تماما، ورفضوا أيضا الثانى دون غضب، وتحمسوا للثالث. يريدون أن يطلق عليهم ذوو قدرات أو مهارات خاصة.

واحدة منهم بدأت التعبير بغضب عن حالة العزلة التى يعيشونها مع المحيطين بهم، جميعهم يتحدث عن عائلاتهم والمحيطين بهم باعتبارهم منفصلين عنهم.. «هم» يشاهدون ويسمعون ويتفاعلون مع ما يشاهدون على التليفزيون، «ونحن» لا نفهم ما يدور ويُطلب منا الهدوء، فننزوى.

شكواهم أن لا أحد يحترم وجودهم من محطات التليفزيون، لا توجد ترجمة إشارة للأفلام والمسلسلات. لذلك يفضلون المسلسلات التركية، لسبب أساسى هو وجود ترجمة.

بعض نشرات الأخبار تقدَّم بلغة الإشارة، فى ركن صغير من الشاشة، لكنهم لا يفهمون الترجمة لأن المترجم أو المترجمة ليسوا من بين ذوى القدرات الخاصة، ويحركون أيديهم بسرعة ويترجمون كل الكلام فلا يفهمون. اقترحوا أن من يقوم بترجمة لغة الإشارة أن يكون من بينهم، فهناك البعض منهم لديه إعاقة جزئية تمكنه من السمع والقدرة على الترجمة، ويحتاجون فقط بعض التدريب ليتمكنوا من القيام بذلك. ويتمنون لو أنهم تمكنوا من التواصل مع القنوات المختلفة لتنفيذ هذا المقترح الذى تحمسوا له.

سألتهم: هل تقرأون الصحف؟ قالوا جميعا: لا، سألتهم: هل تعرفون أن الرئيس الفرنسى ماكرون يزور مصر اليوم؟ أجابوا بالنفى، وقبل أن أسألهم أسئلة أخرى تقاطعت الأصوات والكلمات والإشارات والهمهمات لتؤكد أنهم لا يعرفون شيئا ولا يتابعون، لأن لا أحد يتحدث إليهم. قطعوا علىّ الطريق للاستمرار فى سؤالهم عما يعرفون.

ولأن المحاضرة عن الإعلام والأمن القومى فكان لابد أن أتحدث فى الموضوع، فقلت لهم: «إن أهم عناصر الأمن القومى أن تقوم الدولة بمؤسساتها بالتواصل مع كل المواطنين باختلاف أجناسهم وأعمارهم وقدراتهم، وإذا ما عجزت الدولة عن ذلك من خلال إعلامها فإنها بذلك تهز مفهوم الأمن القومى. لذلك إذا ما تنبهت الدولة مؤخرا لكم وبدأت بعض الخطوات فإن ذلك ليس تفضلاً، ولكنه حق لهؤلاء وتصحيح لخطأ وفهم صحيح لمفهوم الإعلام والأمن القومى».