التحرش السياسى

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

هل تذكر عزيزى القارئ فضيحة «ووتر جيت» التى انتهت بعزل الرئيس الأمريكى نيكسون؟

طيب، هل تتذكر أزمة تحرش كلينتون بموظفة البيت الأبيض، مونيكا لوينسكى، وما أضفته تلك الجريمة على شعبية واحد من أكثر الرؤساء الأمريكيين المحبوبين لدى شعبهم؟

الذكرى حاضرة، لكن ما يبدو أن الرئيس الأمريكى الحالى دونالد ترامب لا يذكرهما، أو لا يأبه. فهو يتذكرهما، ولكن كأفعال سياسيين سابقين حكموا بلاده، وليس كواحد من هؤلاء السياسيين، الذين لا تُغتفر أخطاؤهم، فتصير خطايا. فالخطأ فى عالم المال والأعمال الذى ينتمى إليه ترامب قد يكون مقبولًا، ويمكن تداركه، أما فى عالم السياسة، فكما يقولون «الغلطة بفورة».

ارتكب ترامب الخطأ الذى أعلنت بعده رئيسة مجلس النواب الأمريكى، الديمقراطية نانسى بيلوسى، فتح تحقيق رسمى بهدف عزل الرئيس الأمريكى دونالد ترامب المشتبه بانتهاكه الدستور عبر السعى للحصول على مساعدة دولة أجنبية (هى أوكرانيا) لإلحاق الضرر بخصمه الديمقراطى جو بايدن.

واعتبرت بيلوسى أن «تصرفات رئاسة ترامب كشفت عن الحقائق المشينة لخيانة الرئيس لقسمه وخيانته لأمننا القومى وخيانته لنزاهة انتخاباتنا». وأعلنت «أن مجلس النواب يفتح تحقيقًا رسميًا لعزل الرئيس».

وبما أن الديمقراطيين يتمتعون بالأغلبية فى مجلس النواب، فإن توجيه اتهام إلى ترامب بهدف عزله هو خطر يحدق بقوة بالرئيس الجمهورى.

ولا بد لأى تصويت على عزل الرئيس أن يحصل على أغلبية الثلثين فى مجلس الشيوخ كى يتم بالفعل عزل الرئيس، وهو أمر لم يسبق حصوله فى تاريخ الولايات المتحدة. فإذا كان مجلس النواب هو الذى يوجه الاتهام للرئيس بهدف عزله، فإن مجلس الشيوخ هو الذى «يحاكمه».

هى بالفعل إجراءات معقدة نسبيًا، ولكن تعامل ترامب معها بشكل يؤكد عدم انتمائه أصلًا لعالم السياسة أمر كارثى، فقد وصف ترامب الإجراءات التى أطلقها خصومه الديمقراطيون خلال أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة فى نيويورك بأنها «حملة مطاردة نتنة»، كما أعاد وصفها بشكل آخر فى تغريدة على تويتر بأنه «تحرش بالرئاسة!».

ترامب بهذه الأوصاف ظهر أنه لا يعرف لغة الساسة، لا يفرق بين كلامه السابق أثناء الحملة الرئاسية، وبين كلامه وهو مقبل على الانتخابات الرئاسية، التى تعد اختبارًا حقيقيًا له.

ترامب بخطأ الاستعانة بالأوكرانيين، وبخطأ أوصافه لتحرك الكونجرس ما زال يرتكب خطايا يهدم بها الديمقراطية فى بلاده، بل الأدهى أنه يضر حزبه فى أى استحقاقات انتخابية مقبلة.

كما يقول عديد من المراقبين إن زعيم أقوى دولة فى العالم يتصرف مثل ديكتاتور مستبد يهدد الديمقراطية فى بلاده وما عداها.

ومثال آخر على ما يفعله الديكتاتوريون هو شيطنة مجموعة، وفى هذه الحالة هم المهاجرون، بأنهم تهديد خارجى وجيش من الغزاة بشكل مكثف ولزمن طويل، بحيث يبدو أنهم يستحقون أى مصير فى النهاية بغض النظر عن مدى وحشية أو لا إنسانية ذلك، حتى عندما يصاب به أصغر أعضاء المجموعة وأضعفهم.

زمن صعب.

تحت مظلة واحدة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

أن نختلف فهذا جيد، أن يتعدد المجتمع إلى فئات ووجهات نظر متباينة ففى هذا رحمة وفضل على المجتمع، وليس كما يتصور الكثيرون.

إن اختلاف عناصر ومكونات المجتمع يمكن أن يكون مصدر قوة بنفس القدر الذى يمكن أن يتحول فيه إلى مصدر تفجير. ليس هناك تناقض بين كون جسد المجتمع نسيجًا واحدًا متجانسًا وبين أن تكون عناصره ليست متماثلة أو متشابهة. فأنا لست أنت، وأنت لست هو، وما تحاول أن تنقله كقناعة لديك ليس بالضرورة أن يؤمن به الآخر، كما أنه ليس بالضرورة الصواب.

جسد أى مجتمع هو جسد متكامل بكل فئاته، فلا أتصور أن يقرر هذا المجتمع أن يحول أحد عناصر القوة إلى عنصر ضعف، وذلك عندما يتكون المجتمع من أكثر من عرق أو أكثر من ديانة، أو أكثر من مذهب أو ملة، أو حتى أكثر من مذهب سياسى أو إعلامى، إذ يمكن لتنوع المصادر الحضارية والثقافية فى بنية هذا المجتمع أن يكون دافعًا له إلى الأمام.

ببساطة يمكن لنا فى مصر أن نكون كذلك، ويمكن لنا أن نكون عكس ذلك، والشواهد فى هذا الأمر كثيرة.

كثيرة هى نقاط القوة المفترضة فى جسدنا المصرى، ولكنها جميعاً أو فى معظمها غير مستغلة، حيث أفردنا، كل فى طريقه لينقذ نفسه، واهماً بالاختلاف مع الآخر، ظناً منه بأنه سوف يكون ذا مكانة أكثر خصوصية ونفوذا ومصلحة، كما هى لغة الاقتصاد والسياسة، ولكنه لا يعلم أنه بذلك أضعف الآخرين، بل وأضعف نفسه. فالبعض يتوهم أنه حقق هدفه بالاختلاف والتناحر، بالفعل قصيرة هى وجهات نظرهم.

لا أملك كمواطن فى المجتمع أن يقول ما يراه، ويحاول أن يعبر عن مخاوف حقيقية يستشعرها، إلا أن أشير إلى ما أستشعره ويستشعره غيرى من الخطر الذى ندفع أنفسنا إليه.

لا أملك أيضا إلا أن أؤكد على المعنى، لابد أن ننبذ خلافاتنا، ولابد أن ندعم اختلافاتنا، ولابد أن يستوعب كلنا الآخر تحت مظلة واحدة، هى مظلة الوطن، الوطن مصر الذى يستحق الكثير من الجميع. دعونا نختلف ورغبتنا الأكيدة هى تقدم الدولة إلى المستقبل.

المكتوب فى السطور الأخيرة ليس كلامًا محفوظًا، وليس «إكليشيهات»، ولكنه تعبير عما يدور فى نفوس الكثيرين هذه الأيام.

شعبوية «جونسون»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تحديات كبيرة تواجه رئيس الوزراء البريطانى «بوريس جونسون»، خصوصًا بعد تعهده بالخروج من الاتحاد الأوروبى فى 31 أكتوبر المقبل، مهما كان الثمن.

الرجل يسعى لتنفيذ استراتيجيته المتعلقة بـ«البريكست»، فهو يحاول الضغط لإعادة التفاوض من جديد مع الاتحاد الأوروبى، وبالتالى تغيير بعض النقاط الواردة فى الاتفاق السابق، الذى توصلت إليه رئيسة الوزراء السابقة «تيريزا ماى»، ومن بينها نقطة «شبكة الأمان» بين الأيرلندتين، والتى يحاول «جونسون» أن يمحوها، فيما يعارض الاتحاد الأوروبى أى خطوة قد تعزز عودة الحدود البرية الجامدة بين مقاطعة أيرلندا الشمالية، وجمهورية أيرلندا العضو فى الاتحاد الأوروبى.

من بين تلك التهديدات التى تقف حجر عثرة أمام «جونسون» تداول تسريبات من داخل حزب المحافظين، فى مطلع الشهر الحالى، بأن رئيس الحكومة أطلق تهديدات بحرمان النواب المحافظين الذين يصوتون ضد خيارات حكومته من الترشح ضمن لوائح الحزب فى أى انتخابات مقبلة، وتنفيذًا لهذه التهديدات، قام بالفعل بفصل 21 نائبًا محافظًا من الكتلة البرلمانية لحزبه التى يترأسها.

قراره بتعليق عمل البرلمان من 14 سبتمبر إلى 14 أكتوبر، أيضًا من الأمور اللافتة التى اعتبرها خصومه إهانة للديمقراطية، ولاسيما بعد فقدانه الأغلبية البرلمانية، التى على الرغم من ذلك لا تعنى إقالته.

أصبح «جونسون» بلا حلفاء نظريًا، بعد تقدم عدة وزراء من حكومته باستقالاتهم احتجاجًا على طريقة تعامله مع ملف «البريكست»، ومن بينهم شقيقه المُعيَّن وزير دولة، مُعلِّلًا ذلك بفصل قناعاته عن صلة القرابة!.

وقد يكون «جونسون» مجبرًا على طلب تمديد موعد البريكست فى قمة 17 أكتوبر، حال لم يتم التوصل إلى اتفاق فى حدود 14 أكتوبر، وسوف يمثل ذلك ضربة قوية لـ«جونسون»، الذى بنى تسويقه سياسيًا على الخروج من الاتحاد الأوروبى فى 31 أكتوبر مهما كانت التبعات.

بريطانيا تحت حكم «جونسون» قد تكون مقبلة على أزمة كبيرة، أولها خروج بدون اتفاق فى 31 أكتوبر، لكنه سيكون فى تلك الحالة مُعرَّضًا للمساءلة، وثانيها تأجيل لموعد الخروج، وهنا سيكون على الرجل أن يستقيل، وعلى هذا قد تحدث انتخابات مبكرة، وهنا فإن فوز المعارضة قد يكون متوقَّعًا للغاية، وهو من شأنه تعزيز احتمالات إجراء استفتاء آخر حول خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبى، وهو ما ينذر بأزمة لم تشهدها بريطانيا من قبل.

«جونسون» «الشعبوى» شأنه شأن كثير من قادة الدول الغربية حاليًا، حيث أجبرتهم الظروف على التواجد فى موقع المسؤولية، دون أن يكونوا مؤهَّلين لذلك.

Egypt and Sudan should close border loophole

by DR. ABDELLATIF EL-MENAWY

A woman called Nadira Nassif, speaking Levantine Arabic, this month appeared on a social media video to announce the creation of a new Arab nation, the “Kingdom of the Yellow Mountain,” between Egypt and Sudan. Nassif, the self-proclaimed prime minister of the new kingdom, said the announcement came after a meeting of ministers and the king of their state in Odessa, Ukraine. She said that the alleged kingdom would put an end to the crisis of Arab and Muslim immigrants and provide them with a decent living in an area of about 2,060 square kilometers.

The announcement of the creation of this kingdom and, before that, the claims of an American named Jeremy Heaton, who planted the flag of his own so-called kingdom in the same area and proclaimed his daughter as its princess, and Indian adventurer Suyash Dixit, who also declared himself king of the area, necessitates discussion of the issue with great interest. It may even require the intervention of decision-makers in both Egypt and Sudan to close a loophole that could grow one day, even if the form of the declaration of a new kingdom is funny.

The supposed Kingdom of the Yellow Mountain has benefited principally from the dispute between Egypt and Sudan, because each country has its own maps of its borders with the other. The result is that the area of Bir Tawil, also known as the “Bartazuga Triangle,” is located outside the maps adopted by each country because of a dispute over the sovereignty of the straight line 22 degrees north of the equator, which Egypt claims, and the winding administrative line that Sudan considers a sovereign line.

I believe that the biggest point of contention between Cairo and Khartoum is the Halayeb and Shalateen crisis. Egypt claims that the Halayeb Triangle is Egyptian and it possesses the documents and historical facts to support this, while in Sudan there is a conviction — turned for various reasons into a cause of national dignity — that Halayeb is Sudanese. This issue has been exploited by internal and external forces in order to ignite the fire of difference between the two countries and has become a permanent strain on their relationship. It has also become an excuse to circumvent internal crises.

The two countries must work together to stop this dispute from escalating into a crisis, which means they have to find a way to stop the exploitation of loopholes such as Bir Tawil emanating from the continuing problem of Halayeb and Shalateen. The issue of the Kingdom of the Yellow Mountain may be a “sign” for the need to engage these outstanding issues.

It is known that the main Sudanese demand is arbitration. What if the Egyptian side seriously thinks about accepting this demand in an attempt to close this file and end the current ambiguity in relations between the two countries? There is a great irony in the fact that there have been great efforts made — like building roads, border crossings, electricity linkages, railway projects and mutual economic interests — to link Egypt and Sudan, but these efforts have not been matched in the two countries’ diplomatic relations. Both Cairo and Khartoum face threats in a region ravaged by danger from all sides, and any harm to either country will have an impact on the other.

The peoples of the Nile Valley share a real bond, so why are the politicians of the two countries not taking advantage of these close relations?

The situation in Sudan changed after the December 2018 revolution and the overthrow of the Omar Al-Bashir regime. A new path should be opened in Egyptian-Sudanese relations by taking a strong initiative to put an end to the crisis of Halayeb and Shalateen. This should become the starting point for a new strategy and an integrated vision with clear goals.

The suggestion by the self-proclaimed prime minister of the Kingdom of the Yellow Mountain that it would be willing to accept large numbers of refugees may indicate the influence of international forces, whose aim is to solve the Palestinian problem and the problem of Muslim refugees in the region generally.

What I really do not understand is the silence of the two countries regarding this situation, both officially and in the media. It is as if what is happening on the borders of these two countries is taking place on a distant continent. Here, of course, I do not demand an official position or a response, but it is the right of the peoples of Egypt and Sudan to understand what is happening from reliable sources from within the state.

If Egypt really wants to establish strong relations with the rest of Africa, Sudan should be the gateway. The peoples of the Nile Valley share a real bond, so why are the politicians of the two countries not taking advantage of these close relations? Can we think outside the traditional framework, which can no longer cope with the tremendous changes sweeping the region as a whole, and the growing regional and international threats and interventions that have devastated Iraq, Syria, Libya and Yemen? Can we put an end to all these bilateral problems so that we can devote ourselves to facing external threats? That is, indeed, much more important and I hope it happens.

وماذا عن الأزمة المقبلة؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

مع كل أزمة تتعرض لها الدولة المصرية أتذكر ما ناديت به منذ زمن، وسأظل أنادى به ما حييت، بضرورة وجود مجموعة لإدارة الأزمات على كل مستويات الدولة من أدناها إلى أعلاها. المطلوب ببساطة نشر مفهوم علمية التفكير والاقتناع بأن إدارة الأزمة علم وليست فهلوة.

لا فائدة من إعادة اجترار الأحداث التى وقفت الدولة فيها بحاجة إلى اتباع ذلك الأسلوب العلمى فى التعامل مع أى مما تواجه. لا فائدة أيضاً من ذكر أحداث جديدة أو أخطار على الأبواب تتطلب حكمة فى التعامل معها. أعتقد أن الفائدة الحقيقية هى أن يحاول المسؤولون ولو لمرة واحدة أن ينتهجوا الأسلوب العلمى فى التعامل مع الأزمات، لا الاجتهادات الشخصية التى ترهق صاحبها، وترهق الدولة فى آن واحد.

أعرف أن المؤسسات تمتلك ما يمكن أن نطلق عليه مجموعة لإدارة الأزمة، بل أعتقد أن هناك مجموعة تابعة لمجلس الوزراء تحمل هذا الاسم، وقد تكون لها إدارة، وقد يكون لها مدير عام، ونائب مدير، أو رئيس إدارة مركزية، لكن الأمر الأكيد أن هناك ملحوظة سمعتها من أطراف متعددة أن لدينا مشكلة فى أسلوب إدارة الأزمات.

المسألة ليست مجرد مجموعة تجلس لتتحدث، ولكن المسألة لها أسلوب عملى. ربما من المفيد تكرار ما قلته فى السابق حول علم إدارة الأزمات، الذى يُعرف بأنه علم المحافظة على أصول وممتلكات الدولة، وعلى قدرتها على تحقيق الإيرادات، كذلك المحافظة على مواطنيها من المخاطر المختلفة، والعمل على تجنب المخاطر المحتملة أو تخفيف أثرها، حال عدم التمكن من تجنبها بالكامل.

مشكلتنا الحقيقية هى غياب التخطيط للمستقبل الذى هو جوهر فن إدارة الأزمات. مشكلتنا أننا نرى تحت أقدامنا، نرى اللحظة الآنية فقط، لا التالية. يظهر ذلك فى كل المشكلات تقريبا. يظهر ذلك عند اقتراب الأخطار. بالأمس اجتمع رئيس الوزراء ليناقش كيفية مواجهة مخاطر السيول، وهى نفس الاجتماعات التى يعقدها رئيس الوزراء (بصفته) كل سنة تقريباً، والأدهى أن المخاطر وتأثيرها هى نفسها لا تتغير. لم ينظر رئيس الوزراء إلى ما هو أبعد، لم ينظر إلى اليوم الذى يتمنى فيه هو ذاته ألا يجتمع للمتابعة، بل تكون المسألة آلية طبيعية. لا أقصد هذا الموضوع بعينه، ولكنه كان النموذج الأحدث والأقرب، وما أكثرها الاجتماعات والمؤتمرات واللقاءات التى تتكرر لتناقش نفس المشكلات والأزمات.

أتمنى أن نتلمس بداية طريق الابتعاد عن المشكلات، أتمنى أن نبدأ فى حلها بشكل علمى وآلى عن طريق اعتماد ثقافة إدارة الأزمات كأسلوب علمى، أتمنى ألا يجد المسؤولون أنفسهم مرة أخرى يكتشفون الأزمة وكأنها المرة الأولى التى يواجهونها. ماذا جهزنا لأزمتنا المقبلة؟ أتمنى أن تستمع الدولة المصرية وتقتنع أن الحل هو اعتماد الأسلوب العلمى فى التفكير والتصرف، ولنا فيمن فعل ذلك من قبل أسوة حسنة.

مصر والسودان ومملكة الجبل الأصفر

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كما ذكرت بالأمس فإن إعلان هذه المملكة استفاد بشكل أساسى من الخلاف بين مصر والسودان، فكل طرف يمتلك خرائطه الخاصة وفقاً لقناعته بحدوده مع الطرف الآخر، والنتيجة أن منطقة «بئر طويل» تقع خارج الخرائط التى تتبناها كلتا الدولتين، وذلك بسبب الخلاف حول خط السيادة ٢٢ درجة شمال الاستواء على استقامته، الذى تتمسك به مصر، والخط الإدارى المتعرج الذى يتمسك به السودان ويعتبره خطًا سياديًا. إذن الخلاف بين البلدين هو الأب الشرعى لهذه الحالة، التى لا نعرف تماما منطلقاتها ودوافعها ومَنْ وراءها وحدود تطورها. لكن ما يمكن قوله هنا هو التالى، إذا ما كان الخلاف بين البلدين هو السبب فى صعود هذه الأزمة فإن الحل يمكن أن يكون هو إزالة أسباب هذا الخلاف. من يملك أن يوقف هذا الوضع، الذى يمكن أن يتطور إلى أزمة، هو أن يعمل البلدان معاً للحيلولة دون قيامها، والوسائل المتاحة لذلك تتطلب أن تجد الدولتان سبيلًا لوقف استغلال مثل هذه الثغرات الناتجة عن استمرار مشكلة حلايب.

مصر تتمسك بمصرية حلايب وتمتلك من الوثائق والوقائع التاريخية ما يؤيد ذلك، والسودان لديها ذات القناعة، بل تحولت هذه القضية لأسباب مختلفة إلى قضية كرامة وطنية، واستغلت ذلك قوى داخلية وخارجية من أجل إشعال نار الاختلاف بين البلدين، وسبب دائم يُستدعى إما لتوتير العلاقة أو للتحايل على أزمات داخلية.

أرى ما يحدث دافعًا للدخول فى الملفات العالقة وإنهاء أسباب الخلاف المحتملة، قد تكون مسألة مملكة الجبل الأصفر دافعًا أو «إشارة» إلى ضرورة الدخول فى هذه الموضوعات العالقة.

تواجه مصر والسودان معاً تهديدات، أى ضرر لأى من البلدين سوف يكون له صدى وتأثير لدى الآخر. كل هذا فى منطقة تعصف بها المخاطر من كل جانب.

تغيرت الأوضاع فى السودان بعد ثورة ديسمبر، والإطاحة بنظام الجبهة الإسلامية الذى كان سببًا فى إلحاق أعلى مستوى من الضرر فى العلاقات مع مصر. وأساء كثيرا للسودان وأهله.

أعتقد أن التحدى الأهم الأول الآن هو اعتماد أسلوب جديد فى إدارة العلاقات بين البلدين. لا أعلم إن كنت أغالى فى الخيال لو توقعت أن يتوجه مسؤولو البلدين لوضع حد لأزمة حلايب لتكون نقطة انطلاق جديدة لاستراتيجية جديدة بين البلدين.

لعقود عشنا فى منطقة رد الفعل والاستجابة البطيئة والمترددة والجزئية، أظن أن لدينا فرصة للانتقال إلى منطقة الفعل والمبادرة والتحرك لندير نحن أمرنا لا أن نترك أنفسنا فى اطار رد الفعل.

حل المشاكل بين مصر والسودان يحب أن يبدأ بحلايب وشلاتين التى يُساء استخدامها من كل من يريد أن يفسد العلاقة بين البلدين.

لو حدث ذلك لتوجهنا بالشكر لمن أثار مسألة مملكة الجبل الأصفر.

نكتة قد لا تكون مضحكة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

فى خطوة وصفها كثيرون بـ«النكتة»، أطَلّت سيدة تُدعى نادرة ناصيف، عبر مقطع فيديو على مواقع التواصل الاجتماعى، لتعلن قيام مملكة عربية جديدة، سَمّتها «مملكة الجبل الأصفر»، تقع بين مصر والسودان.

وأشارت «ناصيف»، التى نصّبت نفسها رئيسة وزراء تلك المملكة، إلى أن الإعلان جاء عقب اجتماع عقده وزراء وملك دولتهم فى مدينة أوديسا فى أوكرانيا.

وقالت السيدة إن المملكة المزعومة سوف تضع حدًا لأزمة المهاجرين العرب والمسلمين وتوفير العيش الكريم لهم، محددة مساحتها بنحو 2060 كيلومترًا مربعًا.

إلى هنا تنتهى «النكتة»، ليحل محلها الكلام «اللى بجد»، فإعلان هذه المملكة يستند على أن منطقة «بئر طويل»، المعروفة باسم «مثلث بارتازوجا»- التى تقع فى حدودها المملكة المزعومة- فى الأساس خارج الخرائط التى تتبناها كل من مصر والسودان، وذلك بسبب الخلاف حول خط السيادة 22 درجة شمال الاستواء على استقامته، الذى تتمسك به مصر، والخط الإدارى المتعرج الذى يتمسك به السودان، بل يعتبره خطًا سياديًا.

وقد لا تكون هناك أى فرصة لهذه المملكة إذا حالت مصر أو السودان دون قيامها، والوسائل المتاحة لذلك عديدة، غير أن إعلان هذه المملكة- وما سبقها من قيام شخص أمريكى، اسمه جيرمى هيتون، برفع عَلَم فى هذه المنطقة ليعلنها مملكة، مُتوِّجا ابنته أميرة عليها، وكذلك تنصيب المغامر الهندى، سوياش ديكسيت، نفسه حاكمًا عليها- يقتضى سد مثل هذه الثغرات، التى نشأت على هامش استمرارية مشكلة حلايب وشلاتين.

موضوع مملكة الجبل الأصفر وما اقترحته رئيسة وزراء المملكة باستعدادهم لقبول أعداد ضخمة من اللاجئين قد يشير إلى وجود قوى دولية وراء هذا الموضوع، يكون هدفها حل المشكلة الفلسطينية ومشكلة اللاجئين المسلمين فى هذه المنطقة. لهذا يُعتبر الأمر خطيرًا، خصوصًا أن القانون الدولى لا يعاقب أى شخص يعلن إقامة دولة مادامت توفرت فيها أركان الدولة الأربعة: الإقليم، وشعب يسكنه، وحكومة ذات سيادة، واعتراف دولى فى مرحلة لاحقة، وفق خبراء قانونيين.

المدهش، الذى قد يحول الأمر من مجرد «نكتة» إلى «نكتة سخيفة»، هو الصمت الغريب الذى ينتاب الجانب المصرى- الذى يخصنا- سواء على المستوى الرسمى أو الإعلامى، لا أطالب بموقف رسمى ولا رد على مستوى عالٍ أو منخفض، ولكن من حق الناس أن تفهم ما يحدث من مصادر موثوقة من داخل الدولة. و«داخل» الدولة هذا إذا اتسع فإن هناك أدوارًا لأطراف عديدة يمكن أن تقوم بها، أما إذا ضاق هذا «الداخل» فسيحدث مثلما نرى الآن.

بالعودة إلى موضوع المملكة، فإنها قد تكون نكتة كما قلت، ولكنها قد تكون بذرة لأزمة لا تبدو حدودها الآن.

مرثية لغياب الأصول

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لم تكن لى علاقة شخصية مع دكتور أحمد نظيف، رئيس وزراء مصر لمدة سبع سنوات تقريبًا. وكان الرجل واسع الصدر ويتحمل انتقادات، كان لى بعضها، ولم يمارس نفوذًا يعاقب به، رغم أننى عمليًا كنت فى منصب تنفيذى فى مجالى يقع تحت سلطته. ورغم أى ملاحظات على فترة إدارته للبلاد إلا أنه ثبت أنه قاد مجموعة متميزة من الوزراء وحققوا إنجازًا اقتصاديًا وخدميًا لم يستطع الأداء السياسى للجميع، بمن فيهم نظيف نفسه، أن يستغله ويطوره ويحافظ عليه فكان ما كان.

لم يكن للرجل أعداء وأظن أنه اعتقد أن له أصداقاء ومريدين. لكن الأكيد أن الموقف الأخير بعد وفاة والدته، تغمدها الله برحمته، قد صدمه بالواقع. واقع ليس هو المتسبب فيه، ولكنه تعبير عن تلك الأزمة المجتمعية التى نمر بها.

لقد كان العنوان المشترك بين مختلف الصحف والمواقع، دون اتفاق، «لم يحضر أحد»، وذلك تعليقًا على حجم الحضور المتدنى للجنازة. أحد المواقع نشر صورتين معبرتين إحداهما دكتور نظيف وهو يقف خارج المسجد بعد صلاة الجنازة تقريبًا وحيدًا إلا من قليل من أفراد العائلة، وصورة أخرى وهو فى إحدى المناسبات وهو رئيس للوزراء يتحلق حوله المسؤولون والسياسيون والإعلاميون ورجال الأعمال والعامة. هو واقع قاس ومؤلم. ويمكننى هنا أيضا أن أستحضر، وأنتم أيضًا، تلك الصور لزحام الجنازات والعزاءات لأقارب مسؤولين حاليين، حتى إن أحد هذه العزاءات كان طابور المعزين أشبه بطابور الدخول إلى المباريات الجماهيرية، وقت كان هناك جمهور، واستغرق الدخول للتعزية مدة تجاوزت العشرين دقيقة. وبعد الوصول إلى الداخل لا يستغرق الجلوس أكثر من دقيقة، لأن الشيخ قارئ القرآن كان يقول «صدق الله العظيم» أكثر من قراءة الآيات القرآنية ليخلى المكان لطابور المعزين المنتظرين الدخول ليحظوا بتعزية المسؤول أو المسؤولة أو صاحب السطوة الذى يتلقى العزاء فى قريب أو قريبة له قد تكون صلة القرابة من الدرجة الثالثة أو أبعد.

ليس للدكتور نظيف ذنب فى ذلك، لكنه المجتمع والزمن الذى خلق واقعًا، ليس جديدًا، يذكرنا بالمقولة الشهيرة «كلب الباشا مات مشى فى جنازته كل أهل البلد، ولما مات الباشا ما مشى وراه ولا كلب». كما ذكرت، كان الرجل دائما دمث الخلق مع الجميع، ودودا فى تعامله، لم يخلق عداءات، ولم يتعسف فى استخدام سلطاته. هذه حقيقة يعترف بها كل من تعاملوا معه، حتى لو اختلفوا.

أنا شخصيا أعتذر للرجل لعدم تعزيته لوجودى خارج البلاد، رحم الله الفقيدة، وخلصنا الله من ثقافة أرض النفاق.

وظائف تختفي في المستقبل

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تؤكد العديد من الدراسات العلمية الجادة أن كثيراً من الوظائف القائمة حالياً ستختفى فى المستقبل، فى ظل تغول صناعة الإلكترونيات والروبوتات.

ولكن سيظل التساؤل المهم وهو: هل بالإمكان توفير بدائل لملايين البشر الذين ستحل محلهم الروبوتات؟

الإجابة نُوقشت فى دراسة بعنوان «وظائف المستقبل 2040» الصادر عن دار استشراف المستقبل فى أبوظبى، والتى أكدت أن التكنولوجيا ستوجد وظائف أكثر من تلك التى ستقضى عليها، فكما سيتلاشى كثير من الوظائف الحالية ستسهم التكنولوجيا بشكل مباشر فى إيجاد وظائف جديدة.

ووفقا لتقارير شركة ماكنزى، فإن ثلث الوظائف الجديدة التى نشأت فى الولايات المتحدة خلال الـ25 سنة الماضية لم تكن موجودة من قبل فى مجالات تتضمن: تطوير تكنولوجيا المعلومات، وتصنيع الأجهزة، وإنشاء التطبيقات، وإدارة نظم تكنولوجيا المعلومات.

وعلى ذلك فإن الادعاءات بأن الروبوتات ستسيطر تماما على المشهد المستقبلى هى محض أوهام لا أساس لها من الصحة، إذ لا يمكننا أن نتخيل عالما تسيطر فيه التكنولوجيا على كل شىء، وتلغى فيه الحاجة للعنصر البشرى.

ولعل هذه الفرضيات والمخاوف التى تسيطر على النقاشات العلمية كافة، هى التى دفعت القائمين على الدراسة للمشاركة فى هذه التجربة الافتراضية التى يتنبأ من خلالها بأهم الوظائف المستقبلية التى سيعمل بها أبناؤنا وأحفادنا فى 2040.

تذكر الدراسة مثلا أنه فى عام 2040 يصبح بمقدور المعلم ترك التلميذ بمفرده، وذلك لأن الروبوتات صارت تُستخدم كوسيلة فعالة للتعليم فى مدارسنا الذكية، خاصة تلك المهارات المتعلقة بالتكنولوجيا الحديثة.

قد تصل الروبوتات أيضا إلى المناصب الإدارية العليا، وقد تقود السيارات والطائرات، وتشغل مكان الصانع والزارع وغيرهما، ولكننا عادة ما نغفل حقيقة مفادها أن الإنسان هو المحرك دومًا لكافة عمليات التطوير التكنولوجى، فبإمكاننا تسخير التكنولوجيا لخدمة هذا العالم بحيث نستخدمها ولا تستخدمنا. وليس علينا إلا أن ندرك الأخطار ونحددها ونوظف أفضل إدارة ممكنة لها.

ينبغى التأكيد على ضرورة التحرك جديًا نحو المستقبل، وفى هذه الأثناء علينا عمل تقييم جيد لمدى استعدادنا للمستقبل، وأن نطلق العنان لخيالنا الإبداعى كى نحدد أهدافنا المستقبلية، كما ينبغى أن نكون منصفين فى تحديد موضعنا الحالى.

أعلم أن الموضوع صعب وشاق، ولذلك أدعو مراكز البحث والدراسة فى مصر أن تناقش هذا الموضوع بجدية، كما أدعو حكومتنا أن تدرك مدى أهمية الفكرة، لأننا مقبلون على مستقبل لا مجال فيه للوقوع فى فخ ثنائية التكنولوجيا والعنصر البشرى.

The absent Egyptian role in Sudan

by DR. ABDELLATIF EL-MENAWY

Egypt and Sudan have been one country since ancient times; both peoples are bonded by brotherhood, love and cordiality. But, on the political level, we often find what disturbs this good relationship.

These disturbances increased almost a quarter of a century ago for many reasons, but what was most important was the frequent changes in the Sudanese political scene and the rise of strict movements to the highest levels, which made agreements among politicians of the two countries a difficult matter.

Egypt is extremely important for Sudan and, similarly, Khartoum is important for Cairo, with Egypt being the most important and biggest country in the region (it is the heart of developments and the main driving force for all policies and orientations) and given Sudan’s strategic importance. Egypt’s southern neighbor has, however, also been a cause of concern with regard to terrorism.

Egypt was not influential — either by action or by opinion — in relation to what has happened in the Sudanese political scene this year. In the wake of protests all over Sudan, there were visits and statements by Egyptian Foreign Minister Sameh Shoukry and public support was offered to former President Omar Al-Bashir and his regime.

After the Sudanese people insisted on completing their journey, Bashir was overthrown and Egypt disappeared from Sudan’s political scene. It then called for neighboring countries to extend the time given to the transitional military council to hand over power to civilians from two weeks to two months. As a result, protests twice headed to the Egyptian Embassy in Khartoum to condemn that move and state that Egypt was standing against the revolution.

After the political equation in Sudan saw an agreement between the military and the forces of change, Egyptian Prime Minister Mostafa Madbouly appeared at the “Joy of Sudan” celebrations, where the political and constitutional declaration was signed by the two sides. He also gave a speech clarifying Egypt’s support for what had happened.

The Sudanese reception for Madbouly’s speech was not on a level befitting a country as big and important on the international and regional level as Egypt, and was not in line with Egypt being the head of the African Union this year. The reasons for the half-hearted reception were understandable, but what was most incredible was how Egypt completely cleared the scene for the Ethiopian presence. Addis Ababa had presented a mediation that met with the acceptance of the Sudanese people, and this was clear in the warm reception granted to Ethiopian Prime Minister Abiy Ahmed’s speech during the signing of the agreement.

On the other hand, some Sudanese brothers acted inappropriately by protesting in front of Egyptian embassies in many cities around the world. Similarly, it was not appropriate for Sudan — or some of its forces more precisely — to attempt to transfer the tension and terrorism to Egypt, as well as side with Ethiopia in the negotiations over the Grand Ethiopian Renaissance Dam.

The media should take a significant amount of the blame on both sides. The Egyptian media completely ignored what was happening in Sudan, as if it was a country in the Arctic or Latin America. As for the Sudanese media, it also contributed to spreading unfounded rumors, with some members of anti-Egypt Islamist movements trying to exaggerate the disagreements, which contributed to broadening the gap between the two sides.

Egypt was not influential — either by action or by opinion — in relation to what has happened in the Sudanese political scene this year.

There are also historical mistakes on the Egyptian side that could have easily been avoided, such as the treatment of former Sudanese Prime Minister Sadiq Al-Mahdi last year. He was detained for many hours at Cairo’s international airport and refused entry to the country as a result of the Bashir regime’s demands. There was also the case of Mohammed Hasan Al-Boshi, a prominent opposition figure who faced up to the leaders of the former Sudanese regime for their corruption and the devastation they caused, who was reportedly arrested in Egypt and handed over to the Khartoum authorities.

On the other hand, Sudan always falls prey to external stoking regarding protests over the Halayeb Triangle dispute. This file was again reopened in 2017 after an agreement between Egypt and Saudi Arabia about the maritime border demarcation between the two countries in the Red Sea. Sudan has claimed sovereignty over the Halayeb Triangle since its independence in 1956, but Cairo says it belongs to Egypt. In 2016, Egypt denied Khartoum’s request to start negotiations or resort to international arbitration.

I understand that the positions of Egypt’s leadership and people have sometimes contradicted those of Sudan, but it would have been more useful if Cairo were an effective factor in the equation. The Sudanese brothers should have listened to the Egyptian voice, especially when it came to drawing up the road map for the future.

I had imagined that, due to Egypt’s significant presence in the region, its presidency of the African Union, and the power, decisiveness, depth and experience it has in complex files, it would play many roles in the rapprochement between the conflicting currents in Sudan, especially during the revolution and in the understandings relating to a road map for the future, but that did not happen.

But it is not too late. The issue has to be raised in discussions among the decision-makers of both countries, which are joined by one Nile, one fate and one Arab and African blood.