الحل الذى تنتظره سيناء

بقلم عبد اللطيف المناوي

عندما نتحدث عن سيناء وعما تحتاجه سيناء، فلابد أن نتحدث أولاً عن الثمن الذى دفعه أهالى سيناء طوال الفترة الماضية.

هذا الثمن لم يدفعوه فقط بعد 1967، أو حرب الاستنزاف، أو نصر أكتوبر 1973، أو حتى السنوات التى تلت ذلك، ولم نر فيها سوى حديث عن تنمية سيناء، دون أن نرى شيئاً يتحقق على أرض الواقع، ودون أن يشعر أهالى سيناء أنهم نالوا بعض التقدير، واستمرت تضحيتهم طوال الفترة الماضية، التى زاد فيها الإرهاب، وعلى الرغم من الدور الذى تلعبه القوات المسلحة فى إعادة الأمور إلى نصابها، وطرد الإرهاب من كامل أرض سيناء ونجاحها فى ذلك إلا أن هذا لا يمنع القول بحقيقة أن أهالى سيناء استمروا فى دفع الثمن جراء ذلك، والاعتراف بذلك هو بداية حل المشكلة.

عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

مشكلة أهالى سيناء هى التنمية، والتنمية هى التى ستقضى على الجهل والإرهاب والفقر، ولكن أى طريق للتنمية يجب على الدولة أن تتبعه. لقد ملّ أهالى سيناء من حديث الحكومات المتعاقبة على مدار أربعين عاماً عن تنمية سيناء، دون أن يروا شيئاً، ولم يعودوا يصدقون مانشيتات الصحف التى تتحدث فى المناسبات الوطنية أو فى الأحداث الجسام عن ضرورة التنمية، وعن المشاريع والمصانع الكبرى التى ستحل مشاكل أهالى سيناء، لأن هذا ليس حلاً مناسباً.

أحد ملامح مشكلة أهالى سيناء فى الصراع بين بعض الأغنياء الذين يسيطرون على كل شىء، ويعملون فى التهريب أو فى الأشياء الممنوعة، وبين الفقراء الذين هم مجرد أرقام فى صفحات الصحف، وفى ملفات الحكومة. والحديث عن مشاريع أو مصانع كبرى لن يحل مشكلة هؤلاء الفقراء الذين يمثلون القطاع الأكبر الذى يحتاج إلى تنمية حقيقية، لأن فى النهاية لن تغطى كل القطاعات، ولن توفر وظائف لجميع الباحثين عن عمل، ولن تغطى المساحة الكبيرة لسيناء.

الحل الأمثل الذى تحتاجه سيناء الآن، والذى سيحقق تنمية حقيقية يشعر بها المواطن فى سيناء، ويلمسها بيده هى المشاريع المتوسطة والصغيرة، والتى لن تكون تكلفتها بنفس التكلفة الكبيرة للمشروعات العملاقة، ولن تتركز فى مساحة محددة، ولن يسيطر عليها عدد محدود من أصحاب المصالح، ولن يعمل فيها عدد قليل من الباحثين عن العمل، بل ستصل إلى المحتاجين إلى العمل فعلاً، وتغطى قطاعات كبيرة.

المشاريع الصغيرة والمتوسطة إذا تم تنفيذها فى سيناء، ستحل مشكلات كثيرة، وسيشعر أهالى سيناء بمردودها الإيجابى عليهم، وعلى عائلاتهم، وعلى المناطق التى يعيشون فيها، كما أنها ستنعش الاقتصاد المحلى فى سيناء، وتنعش فى المقابل الاقتصاد المصرى، وأعتقد أن البنوك المصرية الوطنية سترحب بالدخول كضامن فى هذه المشروعات، وستوفر لطالبى العمل ما يحتاجونه.

إن نجاح هذا المشروع لا يكفيه أن تكون هناك مبادرات فردية، بل يجب أن يكون توجه دولة، تدرك كيف تنعش الاقتصاد، وتعمل على تنمية حقيقية تمس المواطنين، وتصل إليهم فى أماكنهم، وتقوم بتشجيع البنوك على التوسع فى تمويل هذا القطاع الحيوى المحرك للنمو الاقتصادى وبهدف تحقيق التنمية المستدامة وتوفير فرص العمل لمواجهة مشكلة البطالة، وبمثل هذه المشروعات يمكن حل مشكلات أخرى تسببها البطالة أهمها الانخراط فى الإرهاب.

أدرك أن الحل الكامل لمشكلة سيناء ليس فقط فى مشروع واحد، وأن التنمية تحتاج إلى جهد كبير حقيقى مبذول من قبل الدولة، يصل إلى مستحقيه ويحقق الغرض منه.

Advertisements

.. لكن آفة حارتنا النسيان

مَن ينتمون إلى جيلنا يتذكرون أن «مدينة نصر» كان اسمها فى البداية «مدينة ناصر»، وأن استاد القاهرة كان اسمه «استاد ناصر»، لكن تغير الأمر مع الوقت، ولا تعرف الأجيال الجديدة عن الأسماء الأصلية شيئاً.

وبعد أن انتهى عصر عبدالناصر، وبدأ عصر السادات، كانت وسائل الإعلام فى معظمها عندما تتحدث فى ذكرى ثورة يوليو فإن أكثر ما تتوقف أمامه من تاريخ الثورة البيان الذى ألقاه السادات، إعلاناً عن حركة الجيش التى كانت أولى مراحل الثورة، كما أصبحت فيما بعد، وكانت تعتبره أهم ما حدث فى الثورة، متناسية ومتجاهلة ما عدا ذلك، لدرجة يبدو معها أن الثورة لم يحدث فيها سوى هذا البيان.

عبد اللطيف المناوى

عبد اللطيف المناوى

كما كان المشروع الأول فى ذلك الوقت الذى تتركز عليه كل الأضواء، وتهرول وراءه كل الكاميرات، وكل وسائل الإعلام، هو مشروع «جمعية الوفاء والأمل» الذى دشنته السيدة جيهان السادات، والذى خفتت عنه الأضواء بمجرد اغتيال الرئيس الراحل، بل غمره النسيان، وأصبح المشروع مهدداً بالانتهاء، وبأشياء أخرى، ليس إلا لأن صاحبته لم تعد فى السلطة.

وعندما انتهى عصر السادات وبدأ عصر مبارك، مارست وسائل الإعلام معه ما كانت تمارسه مع مَن سبقه، فحولت انتصار أكتوبر بكل ما بُذل فيه، وبكل الدماء الغالية التى سالت على أرض الوطن، وبكل الخطط التى وُضعت ونُفذت لتُخرج واحداً من أعظم الانتصارات والبطولات، تحول كل هذا إلى مجرد ظل للضربة الجوية الأولى التى قادها الرئيس الأسبق حسنى مبارك، ولا أقصد هنا التقليل من دور هذه الضربة، لكنى أتحدث عن تجاهل ما عداها، واختزال واختصار الحرب والنصر كله فى حدث واحد.

ولأنها دائرة تدور على الجميع، ولأنه درس لا يتعلمه أحد، فبمجرد انتهاء نظام مبارك، انتهى الحديث عن كل المشاريع التى كانت تتصدر عناوين الصحف الأولى كمشاريع قومية، مثل مشروع «مكتبة الأسرة» على سبيل المثال، الذى كثر الخلاف حوله بين مَن يريد أن يلغيه أو يقلصه لمجرد أنه كان تحت رعاية السيدة سوزان مبارك، وهو نفس ما حدث مع جمعيات الرعاية المتكاملة، التى كانت تقدم خدمات تعليمية وتثقيفية فى 14 فرعاً، تقلصت إلى 3 فروع، ليس لسبب إلا لأن مَن كان يشرف عليها لم يعد موجوداً فى السلطة.

ويمكننى هنا ذكر عشرات المشاريع المفيدة التى كانت موجودة فى العصور السابقة، والتى انتهت بمجرد خروج صاحبها أو راعيها من دائرة الضوء، ووقتها لا يلتفت أحد إلى دورها، ولا إلى الفائدة المجتمعية لها، فهناك مشاريع جديدة سيروجون لها.

ما ذكَّرنى بكل هذا هو ذكرى حرب أكتوبر التى مرت قبل أيام، والتى تابعت تغطية وسائل الإعلام لها عبر الفضائيات والصحف، ولم أجد أحداً- إلا القليل- يشير إلى أمرين اعتدنا أن نسمع عنهما كلاما كثيرا، حتى من أولئك الذين تناسوا هذه المرة دور سلاح الطيران الذى قام بالضربة الجوية الأولى، وقائده فى ذلك الوقت الرئيس الأسبق حسنى مبارك، والدور الذى لعبه فى الحرب، على الرغم من أن نفس هذه الأقلام ونفس وسائل الإعلام كانت تحصر الحرب كلها فى دوره من قبل.

أما محمد مرسى، صاحب التعبير عن «الستينيات وما أدراك ما الستينيات؟!»، فقد احتفل بالسادس من أكتوبر بطريقة غير الجميع، إذ قرر استبعاد الجيش من الصورة واحتفل باغتيال السادات فى أكتوبر، متجاهلاً الانتصار، وذلك عندما دعا قتلة السادات وحلفاءهم ليحتفلوا فى غياب أهل مصر الحقيقيين وجيشهم.

تاريخ الأمم لا يمحوه تجاهل نظام لنظام أو إسقاط مرحلة فى ظل مرحلة أخرى، ولكن قدر الأمم وتحضرها يرتبط بتلك المعايير التى من بينها إلى أى مدى هى تحترم تاريخها ولا تشوهه، حتى لو كان فيه ما يُعترض عليه.

نماذج عديدة لأمم ودول مرت بمراحل قد يعترض عليها أهل هذه الدول فى مرحلة تالية، ولكنهم أبدا لم يطمسوا التاريخ أو يتجاهلوه أو يهينوه. أريد هنا أن أُذَكِّر- كنموذج- بالإصلاحى الإنجليزى توماس كرومويل، أحد الأشخاص المهمين فى تاريخ إنجلترا، والذى أعدمه الملك هنرى الثامن، وعلق رأسه فى وستمنستر، لكن تمثاله مازال قائما لم يحطمه الملك ولا أعوانه، ومازال اسمه يحمله العديد من الشوارع المهمة والمؤسسات.

هذه مجرد تذكرة فقط بما حدث فى بلادنا فى سنوات قصيرة، لكن يبدو أن «آفة حارتنا النسيان»، كما قال نجيب محفوظ، أو «التناسى».

الظهير السياسى ليس انتقاصاً من الشعبية

بقلم عبد اللطيف المناوي

السؤال المهم الآن هو: هل يمكن أن تصبح الدولة قوية فى ظل عدم وجود ظهير سياسى للمؤسسة أو للشخص الذى يحكم البلد؟ الإجابة هنا مرتبطة بتكوين المجتمع والشعب المصرى على مدار آلاف السنين، نحن المصريين نشأنا على ضفاف نهر، احتاج المجتمع المصرى الأول منذ نشأته إلى وجود قوة تقوم على تقسيم مياه النهر، ومن هنا كانت البدايات الأولى للسلطة التى نشأت بطبعها مركزية قوية. كثيرة هنا التفاصيل فى تطور نشأة السلطة المركزية فى مصر وتطورها، ولكن ما أريد أن أخلص إليه فى هذه النقطة تحديدا أن قوة السلطة المركزية هى عنصر حاسم فى استقرار مصر، وتاريخيا كانت فترات الوهن الشديد للمجتمع المصرى مرتبطة بضعف السلطة المركزية فيها. ومن المناسب هنا الإشارة إلى أن الحديث عن لا مركزية السلطة سيظل محدود الأثر وفى إطار المناقشات، حتى تتغير خريطة مصر سكانيا وإنتاجيا لينتشر المصريون بعيدا عن نهرهم، وهذا فعل يحتاج إلى أجيال.

IMG_0132

بناء عليه، فإن القوة السياسية الحاكمة فى مصر على مر التاريخ اكتسبت قوتها باعتبارها القطب الجاذب سياسيا وثقافيا واقتصاديا، والعلاقة بين الشعب وهذه القوة السياسية الحاكمة ظلت مزيجا من التنافر والارتباط فى ذات الوقت، وأيضاً شكلا من أشكال المنفعة المشتركة. لتوضيح ذلك، فإن القوة الحاكمة- أيا كانت- كانت تبحث وترتبط بأصحاب النفوذ من العائلات والأشخاص فى أنحاء مصر ليمثلوا القوة الداعمة فى أماكنهم وعائلاتهم وقبائلهم. على الطرف الآخر، ظلت هذه القيادات الطبيعية فى مواقعها عائليا وجغرافيا تبحث عن الارتباط بالقوة الحاكمة- أى السلطة- لتدعيم وضعها والاستفادة من هذه العلاقة. إذًا هى علاقة ارتباط يحكمها الدعم المتبادل والمصالح المشتركة.

بعد هذه المقدمة السريعة التى يمكن أن تطول كثيرا، أناقش ما يطرحه البعض من أن الرئيس عبدالفتاح السيسى ليس فى حاجة إلى ظهير سياسى، وأنه يعتمد على الشعب، أو الظهير الشعبى، والذى ثبت ويثبت كل يوم أنه حقيقة راسخة، بعد أن وضع المصريون ثقتهم وأملهم فيه كقائد مُخلِص ومُخَلِّص- بكسر اللام وأيضاً تشديدها- فهذه حقيقة اعترف بها مَن حاول إنكارها فى الماضى داخليا وخارجيا. ولكن ليسمح لى أصحاب هذه الرؤية بأن أختلف معهم فى عدم حاجته لوجود ظهير سياسى، رغم أن للرئيس ظهيرا شعبيا، إلا أنه يجب أن يكون هناك ظهير أو كيان سياسى له يعبر عن رغبة المصريين ورؤية النظام الجديد، أولاً: للحفاظ على الظهير الشعبى وزيادة الارتباط به، وثانياً: أن يكون قادرا على العمل كفريق واحد، من أجل تحقيق أهداف المصريين، خاصة أننا مقبلون على انتخابات برلمانية، وإن لم يكن هناك ظهير سياسى واعتمدنا على الظهير الشعبى، فسيصبح البرلمان القادم مهلهلا، وبدلا من مساعدته فى إنقاذ مصر سيكون معوقا جديدا للمضى فى مشاريع الدولة، خاصة مع الصلاحيات الكبيرة للبرلمان فى مقابل صلاحيات الرئيس.

أعلم أن هناك نصوصا دستورية تمنع أن يكون الرئيس منتميا حزبيا وهو فى موقعه، وأنا هنا لا أتحدث عن حزب ولكنى أتحدث عن كيان سياسى- أيا كان مسماه- يستطيع أن يكون الظهير السياسى القادر على جمع المصريين فى المرحلة المقبلة جانب وخلف الرئيس، وأن يكون هذا الكيان قادرا على التعبير عن آمال المصريين التى وضعوها فى رئيسهم الذى اختاروه، والذى يحتاج إلى تنظيم هذا الدعم الشعبى فى كيان قادر على الحركة سياسيا على الأرض.