متى تنضم روسيا وأمريكا إلى القمة العربية؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

انعقدت القمة العربية الدورية فى البحر الميت فى الأردن، ولو لم تكن هذه القمة دورية ما انعقدت. لم يمر العرب منذ إنشاء جامعتهم منذ اثنتين وسبعين عاما بمثل الوضع الذى يمرون به الآن. نتفاجأ نحن العرب بأننا لم نصل بعد إلى أسوأ الأوضاع، فى كل مرة ظننا أننا

15_19_52

عبد اللطيف المناوى

وصلنا إلى قاع الحالة العربية فنكتشف أن هناك مستوى جديدا لم نصل إليه بعد.

مازالت القضية الفلسطينية- كالعادة- أحد أكثر القضايا حضوراً، لكن ليس لأسباب ترتبط بالحل والتحرير، ولكن لأسباب خاصة بالنزاع الفلسطينى- الفلسطينى، ذلك الصراع على سلطة بلا سلطات، وقضية استمرار تعقيدها سبب حياة لكثيرين، والمطلوب هو الحفاظ على «قضية العرب الكبرى» وسبب بقاء ووجود أنظمة وقيادات، على قيد الحياة. ونكتشف أن الرؤية المطروحة هذه المرة هى أنه لدى القيادة الفلسطينية استعداد لإعادة صياغة بعض الأفكار للحل وطرحها على القمة، والأردن راغب جداً فى تحريك الملف الفلسطينى بإيجابية وجاهزية واستباقية وبانفتاح على المبادرات الأمريكية. وهكذا نتعرف على اللاعب الرئيسى الأول على الساحة العربية، وهو لاعب تاريخى منذ الأربعينيات فى اجتماع الباخرة الشهير، أقصد الطرف الأمريكى.

الطرف الأمريكى يشغل موقعه فى قمة البحر الميت من خلال كل مقعد تقريبا، فحتى لو لم يكن حاضرا بنفسه فإن تأثيره فى الأجواء والحضور والقضايا محسوم، فهو حاضر حتى لو بدا غائباً فى قمة البحر الميت. الجديد هذه المرة فى الحضور الأمريكى عدم القدرة على توقع المواقف وردود أفعاله تحت القيادة الجديدة، ترامب «رئيس الصفقات» يمارس السياسة بأسلوب رجل الأعمال صائد الصفقات، يضغط حتى الحافة وهو يساوم. إلى أى مدى سيضغط؟ وإلى أى مدى ستتحمل الأطراف العربية الضغط؟ وهل تمتلك القدرة على المساومة؟.. ما يبدو أن أولوية الطرف الأمريكى الأولى هى تدمير «داعش» و«القاعدة».

الطرف الآخر هو الذى اختارت قناة السى إن إن الأمريكية رئيسه لتقدمه باعتباره أقوى رجل فى العالم وهو الطرف الروسى الذى لو حاولنا تقديمه فى الواقع العربى الْيَوْمَ لقلنا ببساطة وأريحية إنه الطرف الذى أملى أجندته فى الشرق الأوسط عبر علاقات استراتيجية مع الأضداد، فعلاقته مع إيران يدير بها حضوره فى الخليج ويلعب من زاوية ما مع الملف السورى، وفرض على تركيا تغيير سياستها فى المناطق المحيطة والملفات الرئيسيّة وأصبحت سياستها تلبى الأهداف الروسية خاصة فى الملف السورى. وهكذا نجد أن روسيا أصبحت لاعبا رئيسيا فى الملفات العربية كلها، ولذلك عندما تتناول القمة العربية الملفات الساخنة الشائكة: سوريا والعراق واليمن وليبيا، فإن موسكو سيكون لها قول أساسى فى حسم الوضع فى هذه الملفات، ويبدو أنه لن يكون للدول العربية خيار كبير فى هذا، لأن التأثير ناتج واقع معين لا يملكون تغييره، وإن حاولوا الحد من التأثير الروسى فإن الواقع يدلل أنهم يمتلكون وسائلهم التى تضمن لهم النفوذ والمشاركة فى رسم مستقبل هذه البلاد، سواء دول قطعة واحدة أم فسيفساء، أى سواء دول موحدة أو دويلات مجزأة.

ملفات سوريا والعراق وليبيا واليمن وفلسطين ولبنان تبدو وكأنها ملفات عربية، هذا صحيح من ناحية الجغرافية والنشأة، ولكن الأكيد أن الحلول أو الإدارة ليست إدارة إو إرادة عربية، لكنها بيد اثنين من اللاعبين الأساسيين، إن لم يكونا الوحيدين، وهما أمريكا وروسيا. ولأن العلاقة بين الطرفين فى المرحلة الجديدة لم تتبلور بعد فلا ننتظر قرارات حقيقية من قمة العرب التى تفتقد مقعدين ليكتمل العدد، واحد روسى والآخر أمريكى.

الاقتصاد المصرى محاولة لفهم الخلل

  مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

قادنى حظى إلى أن أكون حاضرا فى مناقشات جادة حول وضع الاقتصاد المصرى خلال الأشهر الماضية وعلى مستويات مختلفة، ومن هنا عبد اللطيف المناويتطورت اهتماماتى وفهمى لوضع الاقتصاد المصرى، وقد انعكس هذا بشكل أو بآخر على متابعاتى وكتاباتى فى الفترة الأخيرة.

وصلت إلى فهم وقناعة بأن السبب الأساسى وجوهر المشكلة الاقتصادية فى مصر هو عجز الموازنة العامة، هذا العجز يشير إلى أن الإنفاق القومى يفوق الدخل القومى، وبالتالى يضغط على مستوى الأسعار، ويقلل من القوى الشرائية للطبقة الفقيرة، ويضغط على ميزان المدفوعات بطريقة تؤدى إلى وجود عجز فيه، بالإضافة إلى الضغط على سعر الصرف، بما يترتب على ذلك من ارتفاع مستمر فى الأسعار.

يتضح من ذلك أن هذا هو جوهر المشكلة، وبالتالى إذا استطعنا تحجيم عجز الموازنة العامة وأن المستهدف أن نصل به إلى الأرقام الأكثر ملاءمة للاقتصاد المصرى فى حدود 3%- 4%، لاستطعنا أن نحل مشكلة عجز ميزان المدفوعات، والضغط المستمر على الأسعار، وبالتالى سعر الصرف.

إلا أن هذا الحل لن يؤدى إلى التنمية، بمعنى أنه لن يؤدى إلى رفع مستويات معدلات النمو فى الاقتصاد القومى، حيث إن هذا الهدف يحتاج إلى آليات أخرى، ويحتاج إلى إصلاحات فى مجالات أخرى، تُعتبر إصلاحات مكملة لمعالجة عجز الموازنة العامة، ولكن منفصلة عنه تماماً.

وسأتناول، اليوم، أمرين على درجة عالية من الأهمية، الأول مناخ الاستثمار، والثانى البيروقراطية، وكلاهما مرتبطان.

مناخ الاستثمار فى مصر يحكمه قانون مشوه دخلت فيه تشوهات كثيرة، فتحول إلى عنصر من عناصر عدم الاستقرار فى المناخ الاستثمارى الذى يواجه المستثمر الأجنبى أو المحلى، وبالتالى يكون العلاج إما بإعادة القانون القديم، مع إدخال بعض التعديلات الطفيفة التى كان يحتاجها، أو حسم الأمر بخصوص القانون الجديد، الذى مازال يواجه تعسراً فى الولادة والتنفيذ والصراع بين أطراف الدولة.

إذا أردنا أن نخطو بجدية نحو الإصلاح فإن علينا مواجهة التعقيدات البيروقراطية والأيدى المرتعشة واهتزاز الجهاز الإدارى فى اتخاذ القرارات، وأولها القرارات الخاصة بملكية الأراضى، فإذا اخترنا بديل عدم تمليك الأراضى للمستثمرين، واخترنا بديل حقوق الانتفاع، فيجب أن نُدخل فى قانون ما- سواء كان قانون الاستثمار أو قانونا آخر- حرية تداول حق الانتفاع مثلما يحدث فى «The Leasehold» فى عدد كبير من الدول، فيجب أن يكون حق الانتفاع قابلا للتداول بين المنتفع الأصلى والبنك، الذى سيُقرض المنتفع الأموال اللازمة لتنمية استثماراته.

كذلك يجب التعامل مع اهتزاز وخوف العاملين فى الجهاز الإدارى من اتخاذ القرارات المطلوبة لتشجيع الاستثمار، فعلينا تعديل قانون المال العام، حيث لا يوجد شىء اسمه «إهدار مال عام»، ولا يوجد شىء اسمه «تربيح الغير»، حيث إن إهدار المال العام تقدير شخصى، ومادام الموظف قد قام باتخاذ القرار فى حدود ما يمنحه له القانون من سلطة فلا يُحاسب جنائياً، بل فقط إدارياً، بتوجيه اللوم أو الإنذار.

أما بالنسبة لتربيح الغير، فأى تعاقد ما بين الحكومة والقطاع الخاص سيؤدى إلى تربيح القطاع الخاص، حيث إن القطاع الخاص ليس مؤسسة خيرية، لأن أى تعاقد مع القطاع الخاص من شأنه أن يتضمن عنصر ربح، وبالتالى يجب أن تُحدد جرائم المال العام بأن هناك انتفاعا مباشرا وشخصيا وموثقا لمَن يتخذ القرار، على جميع المستويات الإدارية من أصغرها حتى الوزير، ويجب أيضاً ألا يكون الموظف عُرضة للاتهامات من أى أحد يستطيع أن يوجه بلاغا إلى النائب العام، فيجب- بعد مستوى إدارى معين، وليكن «وكيل وزارة» أو «وكيل أول وزارة»- أن يكون توجيه الاتهامات أو توجيه أى ادّعاءات من خلال آلية خاصة لمثل هؤلاء الموظفين، آلية تستطيع أن تحميهم من الاتهامات والبلاغات الجزافية والكيدية التى يتعرض لها الموظف العام.

إن لم نغير هذه القوانين فسيظل الموظف العام ليس لديه الشجاعة لاتخاذ القرار المناسب فى الوقت والمكان المناسبين، وسيظل الاستثمار فى مصر رهناً لخوف المسؤول- سواء كان وزيراً أو أقل- من أى مطاردة فى المستقبل.

أخيراً، فى مجال التعديلات الهيكلية الخاصة بالاستثمار، يجب إعادة النظر فى الإتاوات والضرائب والرسوم التى تُحصِّلها المحليات من الاستثمارات خارج كردون القاهرة الكبرى والمناطق المحيطة أو المدن الصناعية المحيطة بها، فقد أدت بعض الإتاوات والضرائب والرسوم التى تُفرض على بعض الأنشطة إلى إغلاق هذه الأنشطة تماماً..

الهدف الآن يجب أن يكون استعادة جزء كبير من التوازن إلى الاقتصاد المصرى.

روسيا فى الشرق الأوسط ودور مصر

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

معادلة القوى السياسية فى المنطقة تشغل مصر فيها ركنا مهما، وإذا ما طبقنا ذلك على السياسة الروسية فى المنطقة، فيمكن القول إن مصر أحد العناصر المهمة التى أثرت فى المعادلة فى المنطقة بعد سقوط الإخوان على يد الشعب المصرى وجيشه. يبدو أن الخطة التى وضعها بوتين منذ توليه رئاسة روسيا تعتمد بشكل كبير على إعادة رسم خارطة منطقة الشرق الأوسط، اعتماداً على مزيج من التحالفات شديدة النفعية مع أطراف سياسية فى المنطقة لم يكن يمكن تخيل وجود أى مستوى من التحالف أو التنسيق بينها وبين روسيا، والعنصر الثانى بناء وتعزيز قوة عسكرية قادرة على العودة إلى القيام بأدوار عسكرية خارج حدود الاتحاد الروسى، ففى الوقت الذى كانت فيه الولايات المتحدة تركز على دورها فى أفغانستان والعراق وإدارة الصراع العربى الإسرائيلى والتأثير فى الأوضاع السياسية الداخلية لدول المنطقة، كانت روسيا تعيد بناء جيشها وتعيد النظر فى عقيدة الحرب القتالية، وبدا واضحا سعى بوتين إلى إعادة فرض هيبة روسيا فى العالم وقدرتها على أن تلعب دور البديل، ونجح فى ذلك إلى حد ملحوظ، ساعدته فى ذلك الأخطاء الأمريكية، التى ساهمت فى خلق مساحات يتمدد فيها الدب الروسى العائد ليحتل مناطق نفوذ جديدة. ولقد وصل الأمر فى منطقة الشرق الأوسط إلى حد أن دول الخليج العربى، الحليف الأصيل لأمريكا، بدأت تضع فى حساباتها حتمية وضع المصالح hqdefaultوالأهداف الروسية فى الاعتبار، وهو أمر لم يكن يخطر ببال أحد- منذ أعوام، بل أشهر- أن يكون واقعاً.

التحول الكبير بدأ مع التدخل الروسى فى سوريا، منذ أواخر سبتمبر 2015، الأمر الذى اعتقد كثير من المحللين الغربيين، بل العرب، أنه لن يدوم طويلا، وأنه غير فعال، وسيعود بالضرر على الجيش الروسى، لكن ما حدث أن روسيا- من خلال هذا التدخل- قد حققت عددا لا بأس به من الأهداف المهمة، أولها أنها أكدت صدقها فى مساندة حلفائها، عكس الولايات المتحدة كما فى نظر عدد من دول وقوى المنطقة. ووصل التأثير الروسى إلى أن روسيا أجبرت حلفاء مهمين للولايات المتحدة، كتركيا وإسرائيل، على اللجوء إليها والتنسيق معها فى سعيهما لتحقيق أهدافهما فى سوريا، هذا بالإضافة إلى تحالف بوتين مع إيران، الأمر الذى شكَّل إزعاجا للعديد من دول المنطقة، وأربك حسابات عدة.

وتُعد مصر أحد أهم عناصر التحرك الأمريكى الروسى فى هذا التوقيت. لا يمكن تجاهل أن الإدارة الأمريكية السابقة ساهمت فى سعى القيادة المصرية الجديدة إلى البحث عن تحالفات جديدة فى مكان آخر.

مصر ظلت محط اهتمام وتنافس الولايات المتحدة وروسيا، بهدف بسط نفوذهما طوال 25 عاما، وبتوقيع اتفاقية كامب ديفيد، أصبحت مصر منذ ذلك الحين واحدا من أبرز شركاء الولايات المتحدة فى المنطقة. الفوضى التى حلت بمصر، عقب أحداث يناير 2011، فتحت بابا جديدا أمام روسيا، فى هذا الوقت الذى تراجعت فيه الولايات المتحدة عن دعمها لمصر، بعد فشل محاولات الإدارة الأمريكية السابقة تمكين الإخوان، وعلقت المساعدات العسكرية بشكل مؤقت، عقب ثورة الثلاثين من يونيو عام 2013، وهو الأمر الذى خلق مناخا سلبيا وأهَّل الرأى العام لتقبل التغيير فى توجهات الدولة المصرية. وفى عام 2014، وقّعت مصر مع روسيا أول صفقة أسلحة كبيرة منذ الحرب الباردة، ليمضيا قدما فى إبرام مزيد من الصفقات المتلاحقة، ومن اللافت للنظر تقارب وجهات النظر المصرية والروسية فيما يخص الشأن السورى، إذ أعلن السيسى صراحةً أن استقرار سوريا يرتكز على دعم الأسد، كونه رجلا قويا، كما أن الطرفين يتشاركان دعمهما دور خليفة حفتر البارز فى ليبيا.

اللافت للنظر ذلك التناقض الكبير بين الوضع الحالى، وقبل عامين عندما كان دور روسيا فى المنطقة هامشيا مقارنةً بالتدخل الكبير للولايات المتحدة، وهو أمر جدير بالمراقبة والرصد. أما عن الموقف الروسى من مصر، فلهذا حديث آخر.

هل هناك حل؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لا صوت يعلو على صوت الأزمة الاقتصادية فى مصر، التى تشهر أنيابها من ارتفاع سعر الصرف الذى وصل إلى مستوى فاجأ الجميع عقب قرار تعويم الجنيه فى مواجهة العملات الأخرى، إلى المعوقات التى تتزايد كل يوم أمام عمل المستثمرين الأجانب، رغم الحديث الذى لا يتوقف عبد اللطيف المناويعن إزالة المعوقات، إلى عجز الموازنة، وليس انتهاء بارتفاع الأسعار.

ولن يمكن حل الأزمة الاقتصادية إلا إذا وضعنا أيدينا على جوهر الأزمة، وجوهر أى أزمة اقتصادية وسببها الأساسى دائماً هو «عجز الموازنة»، وإذا استطعنا أن نجد حلاً لهذه المشكلة سنستطيع أن نجد حلاً لجميع المشاكل التالية المترتبة عليها، فتعود الأسعار للانخفاض، ويتخذ سعر الصرف منحاه الطبيعى صعودا أو هبوطا، ويقل العجز فى ميزان المدفوعات، وبالتالى يقل الضغط على سعر الصرف فى السوق، ويعود سعر الجنيه ليحتل مستواه الطبيعى سواء ارتفاعاً او انخفاضاً.

وإذا كانت بداية حل الأزمة الاقتصادية تبدأ من «عجز الموازنة»، فإن القراءة الأولية فى الموازنة المصرية تكشف أن حل العجز فيها ليس سهلاً، لأن الحكومة لا يمكنها الاقتراب من ثلاثة أرباع المصروفات التى تذهب للمرتبات والصحة والتعليم، وهذا يعنى أن العجز مستمر.

ما الحل إذن، إذا كان لا يمكن تخفيض المصروفات بصورة كبيرة، كما لا يمكننا أن نزيد الإيرادات بصورة مؤثرة؟ الحل هو أن نقوم بالخطوتين فى نفس الوقت، أن نحاول تخفيض المصروفات دون أن يؤثر ذلك على المواطن محدود الدخل، ودون أن تزيد الأعباء عليه، مع الاهتمام فى نفس الوقت بزيادة الإيرادات بشكل أكبر، وهو ما يفتح أمامنا باباً لأزمة أخرى، وهو المشكلات التى ستقابلها الاقتراحات بزيادة الإيرادات.

هناك حلول جزئية لكنها غير نهائية، مثل أن ترفع الدولة الدعم جزئياً عن الطاقة، مع ملاحظة ضرورة عدم الاقتراب من دعم السولار والكهرباء، لكن حتى هذا الحل رغم كل المشكلات التى سيتسبب فيها، لن يكون ناجعاً، لأنه سيوفر مبلغاً، لكنه لن يحل المشكلة.

الخطوة التالية فى زيادة الإيرادات، من الممكن أن تكون زيادة الضريبة على الأرباح، ثم فرض ضريبة القيمة المُضافة، ولكن هذا يؤدى إلى ارتفاع الأسعار بشكل كبير.

زيادة الإيرادات تكون أيضاً من خلال زيادة النشاط الاقتصادى الذى يمكن اعتباره المفتاح الرئيسى لحل عجز الموازنة، وحل عجز الموازنة مفتاحا لاستقرار، واللجوء إلى النشاط الاقتصادى هو الحل الأمثل لمصر، فضلاً عن أنه سيكون عكس ما سيطلبه صندوق النقد الدولى، الذى سيطالب بإجراءات ضد المواطنين، إذا طلبنا قروضاً.

وإذا كنا نقول إن الحل هنا هو زيادة النشاط الاقتصادى، فعلى الدولة أولاً أن تعرف ما هى الأسباب التى أدت إلى توقف هذا النشاط، عليها أن تجد حلاً لعدم الاستقرار فى سعر الصرف، لأن القرارات المضطربة التى ترفع سعر الصرف ثم تخفضه، ثم تحرره، لن تدفع المستثمرين فى النهاية إلا إلى الهروب من السوق المصرية، كما على الدولة أن تعيد النظر مرة أخرى فى قانون الاستثمار، خاصة مع الشكاوى المستمرة من المستثمرين، من مواد القانون الجديد.

ولن تتمكن الدولة من جذب مستثمرين جدداً، إلا إذا وفرت الدولة بيئة مناسبة للمستثمر، الذى لن يجازف بأمواله ويدفع بها فى دولاب حكومى، يهتم بالبيروقراطية أكثر من اهتمامه بجذب الاستثمار. الحلول ممكنة، والأزمة الاقتصادية فى مصر من الممكن أن تجد حلاً، لكن المهم أن نبدأ.

حيطة بيتنا

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كنّا ونحن صغار نعتبر أن كل ما يحيط بنا هو جزء من ملكيتنا، فالشارع شارعنا والحارة حارتنا، وكذلك حائط المنزل الذى نعيش فيه هو حائطنا، أو كما كنا نسميها «حيطة بيتنا». بحثت فى الموضوع، وأعجبنى أحد التفسيرات التى قرأتها، ملخصه هو أن جزءاً من ثقافة الشارع فى مصر، Abdul-Latif-Al-Minawiمدنها وقراها فى القرن الماضى، هو إحساس كل فرد بأن حائط بيته يملك أن يفعل عليه ما يريد.

وهكذا كان كل طفل أو صبى يستخدم هذا الحائط فى التعبير عن مكنوناته ومواقفه، فيعلن أنه أشجع ولد فى الحارة، أو أقوى شاب فى الحى، أو أن يهاجم منافساً آخر له يمتلك الحائط المقابل، أو أن يعلن فرحته الكبرى بفوز الأهلى أو نكايته فى هزيمة الزمالك. وكان المنطق الذى يسود ويحكم، إذا ما توجه أحد باللوم أو التساؤل إلى مَن يكتب على الحائط، أنه حر فيما يفعل، قائلاً: «دى حيطة بيتنا».

هذا الشكل من إدارة العلاقات والسلوك العام يبدو وكأنه حاضر بقوة هذه الأيام، فقد تقسم الوطن إلى حوائط كثيرة، امتلك كل فرد جزءاً من هذا الحائط، وأصبح «حيطة بيتهم» يمارس فيها ما يشاء من أداء وتعبير، فيبدو الأمر شاذاً غريباً متناقضاً. وأصبحت المجتمعات مجتمعات كثيرة، وصورة كل منها متناقضة ومغايرة لصورة الآخر.

تقرأ بعض الصحف أو تشاهد بعض الفضائيات، فتعتقد أن المجتمع الذى نعيشه هو مجتمع مشرف على الانهيار، مجتمع ضاعت فيه القيم وسقطت فيه الأخلاق، وبات الوضع فيه وكأنه يُحكم بالحديد والنار، مجتمع غابت منه النخوة، والحرية، والكرامة.

ونلقى أبصارنا حولنا لنشاهد ملامح هذا الواقع الأسود، فنكتشف أن الصورة ليست كما يحاول هؤلاء تصويرها، قد تكون أسوأ، وقد تكون أفضل، وفى المقابل، نجد صحفاً ووسائل إعلام أخرى تقدم المجتمع وكأنه مجتمع جدير بأن يحسد المواطن الإنجليزى نظيره فى هذا المجتمع على تلك الحرية اللا محدودة التى ينعم بها، ويحسد السويسرى نظيره هنا على حجم الهناء والسعادة والرغد الذى يعيش فى كنفه، مجتمع ملائكى لا تُفسده إلا قلة من الشياطين، الذين تخصصوا فى إفساد متعة الحياة وبركتها. وأيضاً ننظر حولنا، فلا نجد أثراً لذلك المجتمع.

ما فات هو صورة تبسيطية- قد تكون مُخِلَّة لو ظلت فى حدودها- لما نحن عليه الآن، حالة الصراخ والتباكى والتطاحن، وادعاء البطولات غير المنظورة إلا لأصحابها، تحول المجتمع إلى خليط متناقض، كلٌّ يكتب ما يشاء، مُدَّعياً أنه يكتب على «حيطة بيتهم». وأن يتحول حائط الوطن الواحد إلى حوائط متنافرة متصارعة فهذه العلامة علامة خطر.

أظن أنه لم تعد الأحزاب والقوى السياسية الفاعلة وحدها قادرة على أن تُلملم شمل هذا الوطن فى هذه المرحلة، ينبغى البحث عمن يستطيع القيام بدور الأرضية المشتركة، أو الحائط الجامع لأهل البيت. هذه الأرضية المشتركة لا تعنى الاتفاق على القضايا، ولكنها تعنى التوافق على أهمية الحوار، وحق الاختلاف والتعبير عن هذا الاختلاف بحرية، تعنى أيضاً التوافق على مصلحة الوطن والمواطن، وأن تكون الأجندة الرئيسية هى الأجندة الوطنية، ومصلحة هذا المواطن الذى لم يعد يجد ما يثق فيه.

أظن أن الخروج من هذا الوضع هو الاتفاق على حائط واحد، هو حائط الوطن، الذى نمتلكه جميعاً ونعبر من خلاله عن اختلافاتنا بحرية، ولكن بتجانس يصل بنا إلى بناء مجتمع يستحقه كل مواطن.

تحدى الإدارة بالقدرة على القفز فى الهواء

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

الفارق ما بين الشخصية الكاريزمية القيادية والشخصية المنفذة العادية هو ذلك الفارق ما بين القادر على القفز من درجة إلى درجة أعلى، وبين الراضى بالبقاء ساكناً أو التحرك الأفقى البطىء، وكلا الأمران يوصل إلى حالة من السكون، قد لا تنتج عنها إلا قرحة الفراش. والتفسير هنا أن الذى يرغب فى القيادة أو القادر على القيادة هو ذلك الشخص الذى يتمكن من تحمل تلك الفترة، التى يبدو فيها محلقاً فى المجهول معلقاً فى الهواء، ما بين درجة ودرجة أعلى، وهو الأمر الذى يعنى القدرة على اتخاذ قرار قد يبدو جنونياً أحياناً لمَن يعتقد فى السكينة ملاذاً. لكن هذا القفز أو التحرك فى الهواء إلى أعلى هو شكل من أشكال التطور والتحرك إلى درجات ومستويات أكثر رقياً وأكثر تحديثاً، ولكن هذه القفزات ينبغى أن

15_19_52

تكون محسوبة ومدروسة، بحيث لا يكون القفز إلى المجهول، وإلا تحولت العملية إلى مغامرة أو مقامرة يدفع ثمنها المرتبطون بالقائم بهذه القفزة.

فى مجتمعاتنا فى هذه المرحلة نحن فى حاجة إلى ذلك النوع من القفزات المحسوبة، أو بمعنى آخر ذلك النوع من القيادات القادرة على اتخاذ قرارات قد تبدو مفاجئة للساكنين القابعين الراضين بمواقعهم، التى يعتقدون أنها آمنة، وهى فى الحقيقة تشكل أكبر المخاطر عليهم، وعلى مَن يرتبطون بهم أو يتأثرون بقراراتهم أو لا قراراتهم.

فى مرحلة من المراحل سادت الدعوة إلى خلق قيادات جديدة، وخلق صفوف ثانية وثالثة داخل المجتمعات والمؤسسات المختلفة، سياسية وثقافية واجتماعية وإعلامية، وكانت هذه الدعوة من أجل صناعة حالة الاستقرار والاستمرار والتطور فى المفاهيم، وبالتالى الإنجازات. لكن هذه الدعوة وجدت قدراً واضحاً من المقاومة من أطراف اعتقدت أنها خالدة فى مواقعها، أو اختارت أن تضمن استمرارها واستمرار الحال على ما هو عليه، خوفاً من المغامرة أو القفز إلى ما يعتقدونه مجهولاً.

أظن أننا فى هذه المرحلة فى أشد الحاجة إلى ذلك النوع من القادة، القادرين على القفز والقدرة النفسية على تحمل البقاء فى الهواء للوصول إلى الدرجة التالية، ارتقاءً بالمجتمع وأهله.

الحاجة إلى قيادات غير تقليدية التفكير، قادرة على اختصار الزمن، مع الحفاظ على البعد العلمى بشكل دائم، هو ما نفتقده فى هذه المرحلة.

الأسلوب الذى يتم حالياً فى عمليات التقييم، سواء قبل اختيار المسؤول أو بعده، هو أسلوب فى حاجة إلى إعادة نظر بشكل كلى، المتأمل لعملية اختيار القيادات يجد أنها تخضع أحياناً للاجتهادات الشخصية للقيادات العليا أو الاعتماد على المعرفة الشخصية، وقد تتم عملية اختيار القيادات بعيداً عن الكفاءة والمهارة.

وقد أشارت إحدى الدراسات إلى وجود عشرة معايير سلبية، هى الأكثر شيوعاً فى اختيار القيادات، هى: (المعرفة الشخصية- الولاء للمسؤول- الاعتماد المذهبى- الطاعة العمياء للمستويات الأعلى- المحسوبية- النفاق والتملق- مساعدة ذوى النفوذ)، ويُلاحظ أن تلك المعايير تفتقد إلى الموضوعية والجدارة والاستحقاق فى الاختيار والتعيين، ويُعد عنصر الشفافية فى تطبيق معايير اختيار القيادات أحد أبرز التحديات فى عملية الاختيار. والأهم التفكير خارج الصندوق، والبحث عن مواصفات قادرة على التعامل مع تحديات المرحلة.

نظرة إلى واقعنا ستشير إلى ملامح الأزمة التى نواجهها فى هذه المرحلة فى أسلوب اختيار مَن يقود، تحكمنا المعايير التقليدية، ونركن إلى مسألة أهل الثقة باعتبارها الطريق الآمن.

إعادة اختراع العجلة وعقدة تحتمس

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

كاد اسم الملكة «حتشبسوت»، التى تعد اليوم من أعظم السيدات فى التاريخ، يضيع ويسقط تماماً من التاريخ، وبالتالى كان الأمر المتوقع أنه عندما نزور البر الغربى فى مدينة الأقصر أن نمر على الدير البحرى، وهو المعبد الذى نحت فى الصخر، دون أن ندرى أن مَن شيد هذا الأثر المهم سيدة مصرية أصبحت ملكة جابت دول العالم وتركت أثراً مهماً فى تاريخ الإنسانية.

ذكرت أن اسم حتشبسوت كاد يضيع دون أن أذكر لماذا، والإجابة أظن أن معظمنا يعرفها، والأكيد أن كل من زار الدير البحرى يعرفها، فقد قرر الفرعون التالى لها ابن زوجها «تحتمس الثالث» أن يمحو أى أثر لها، لذلك جاب هو ورجاله أنحاء مصر القديمة بحثاً عن أى بصمة لها ليمحوها، ولذلك يلاحظ الزائرون للدير البحرى أن اسم ووجه حتشبسوت تم كشطه من جدران المعبد الذى يحمل كل تفاصيل عهدها دون وجود IMG_0132لوجهها أو اسمها، ولولا الصدفة أو السهو الذى حمى بعضاً من أسماء وصور الملكة حتشبسوت لسقط اسمها من التاريخ الإنسانى.

لماذا أذكر هذه القصة القديمة التى تعود إلى أكثر من ثلاثة آلاف سنة؟ الإجابة بسرعة: لأنها قصة قديمة، لكنها فعل وسلوك دائم امتازت به ثقافتنا منذ العهود الغابرة. ومن المناسب التذكير بها دائماً، وبالتالى فإن التذكير بها هذه الأيام مسألة مفهومة، يضاف إلى ذلك أننا نعيش منذ فترة طويلة موسم الحديث عن التغيير والإصلاح والبحث عن وجوه جديدة.

تربينا فى مدارسنا ومجتمعاتنا على أسلوب ابن زوج حتشبسوت، حدثتنا كتب التاريخ ووسائل الإعلام عن العهد الغابر، والعهد الزائل، والعهد البائد، وكأنه بات جزءاً من ثقافتنا أن كل ما فات لا يليق به إلا إهالة التراب عليه، وباتت إحدى العلامات المميزة لثقافتنا فى التعامل مع السابق هى محاولة طمسه، بل هدمه أحياناً، ومحاولة إعادة البناء من جديد، لذلك لا يعلو لنا الكثير من البنيان، لأننا نظل دوماً ندور فى دوامة البداية، بداية البناء. وإن كان أحد فينا مختلفاً، فإنه يتغاضى على البناء الموجود إن وجد صعوبة فى هدمه، وبمرور الزمن يخلق حالة وعى جديدة ومختلفة بأن هذا البناء ينسب له، وهذا الإنجاز محسوب له حتى لو كان عمره- أى الإنجاز أو البناء- أضعاف عمر القادم الجديد. هذه السمة ليست سمة يتمتع بها أو يستحوذ عليها كبار مسؤولين فحسب، بل إنها تتسرب الى المستويات الأدنى، فتشكل جزءاً من نسيج تفكيرنا وأسلوبنا.

أهمية مفهوم البناء على ما سبق أن تم، والاعتراف بأن هناك إنجازاً سابقاً، وأن أى إنجاز آت هو مبنىٌّ على ما سبق ومكملٌ له، والاقتناع بأن الحضارات هى نتاج تراكمى للخبرات، ولو كان السلوك هو هدم ما سبق، والتحقير من شأنه، وادعاء البناء من جديد، فلن تكون هناك حضارة حقيقية.

ومفهوم ما سبق هنا هو مفهوم واسع، لا يقف فقط عند حدود البناء والتشييد، ولكنه يتخطاها ليشمل الأفكار والمشروعات الفكرية، بل الأشخاص الذين تكونت خبراتهم عبر العمل والمشاركة فى عهود سابقة، وأيضا الجدل الذى سبق أن مر به المجتمع. أظن أنه كان بإمكاننا اختصار جزء لا بأس به من الوقت لو أننا فتحنا الملفات السابقة ودرسناها، أظن أن جهداً كان قد بذل وأفكاراً كثيرة تم اختبارها وإقرار إمكانية ما ينفذ منها وتطوير ما احتاج تطويراً واستبعاد ما ثبت عدم صلاحيته. كما يدلنا القول السائد «لا يجب إضاعة الوقت فى إعادة اختراع العجلة». هناك علامات إيجابية أخيراً بدأت فى الظهور بالاستعانة بمن هم أصحاب خبرات فى عهود سابقة، وأظن أن العودة لفتح ملفات الأشخاص أصحاب الخبرات السابقة، واستكمال الجدل والتفكير حول ما سبق إثارته، وأيضاً فتح ملفات مشروعات مهمة مثل الألف قرية الأكثر فقراً، فتح هذه الملفات مع الاحتفاظ بحقوق من بدأها أدبيا سوف يصب فى صالح هذا المجتمع الذى يحتاج إلى اختصار الزمن وليس إضاعة الوقت فى إزالة الأسماء أو إعادة اختراع العجلة.

ليتنا نتخلص من مفهوم العهد البائد والزائل.. ليتنا نتخلص من عقدة تحتمس الثالث.

الاحتياج لإعلام ذكى ومواكب للمتغيرات

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تغير الزمن، وعندما يحدث ذلك فليس أمام الراغب فى الاستمرار إلا التكيف مع قواعد الزمن الجديد وقوانينه. نحن نعيش عالما مختلف القواعد والقوانين والوسائل، ويجب علينا أن ندرك هذا الجديد وندرسه ونتعامل معه وفقا لتلك المتغيرات.

لكل زمن رجاله، ولكل عصر أسلوبه، والجماهير التى كانت تقبل فى مرحلة سابقة ما يقدم لها من سياسات وإعلام، أو إعلان عن هذه السياسات لم تعد نفس الجماهير، قد يكون الأشخاص هم أنفسهم، ولكن قبولهم اختلف، واضطرارهم للقبول بما هو مطروح أو مفروض عليهم لم يعد موجوداً، هذا الاضطرار تراجع أو انهزم أمام تغيرات محلية وإقليمية ودولية أدت جميعها فى النهاية إلى تغير المعادلة، ولا أقصد هنا بتلك التغيرات مجرد IMG_0132الحديث عن التغيرات السياسية فقط، ولكن أضيف إليها أيضاً التغيرات المرتبطة بمجالات التقنية والاقتصاد والمعلومات المتاحة وتدفقها.

مناسبة ما أشير إليه هنا مرتبط بالتغيرات التى تشهدها منطقتنا العربية، وهذه التغيرات وضعت الأنظمة وأجهزتها الإعلامية أمام مأزق واختبار مهم، هو كيف يمكن لها أن تتعايش مع تلك المتغيرات الجديدة، كيف لها أن تستمر فى تواصل مع جمهورها الذى لم يكن أمامه من قبل إلا القبول بما يقدم له من غث أو سمين من خلال شاشات وسماعات وأوراق تسود- بضم التاء وفتح السين- بما يروق للنظام- أى نظام- أن يمرره أو يفرض على شعبه أن يتجرعه. اليوم بات الأمر مختلفاً، وأصبحت قدرة المتلقين على اتخاذ قرارهم بإعدام صحيفة أو محطة تليفزيونية لا تستدعى أكثر من قرار الضغط على زر ليصدر حكمه بالإعدام على تلك المحطة أو ذلك البرنامج.. يضاف إلى ذلك تلك الدرجة الملحوظة من تطور وعى المتلقين الذين باتوا قادرين على كشف أى محاولة للتغرير بهم، ورفض أى محاولة لتغييبهم.

هذه المتغيرات جميعها وضعت أمام القائمين على عملية الاتصال بالجماهير عبئاً جديداً، أنا هنا لا أدعو الأنظمة إلى التخلص من وسائل إعلامها، وأيضاً لا أدعو إلى منع القوى السياسية الأخرى الحاضرة فى المجتمع من الحضور إعلامياً بأشكال مختلفة، ولكننى دوماً كنت أتحدث عن وجود إعلام ذكى يتمكن من أن يكون داعماً وسنداً قوياً وحقيقياً للمجتمع وللنظام فى إرساء قواعد صحية لعلاقة المواطن بالدولة والدولة بالمواطن. هذا الإعلام الذكى الذى يصب فى صالح الوطن كله، نظاماً وشعباً، هو ذلك الإعلام الذى يعكس بحق صورة المجتمع وصورة الوطن، هو ذلك الإعلام الذى يفتح المجال أمام القوى السياسية والمجتمعية لكى تكون حاضرة ومعبرة عن رأيها ومواقفها فى حدود القواعد الأساسية التى يتوافق عليها المجتمع، هو ذلك الإعلام الذى ينجح فى أن يكتشف لغة الخطاب الصحيحة التى يصل بها إلى المواطن فى الشارع، واللغة الصحيحة التى بها يمكن أن يحمل طموحات وآمال هذا المواطن إلى أوسع دائرة ممكنة. هو إعلام يلعب دور التواصل بين أطراف المجتمع كله حكاماً ومحكومين.

هذه الصورة ليست صورة مستحيلة التطبيق، ولكنها ممكنة فى ظل شروط عدة، من بينها صدق الرغبة لدى الأنظمة فى استعادة جماهيرها، وصدق وقدرة القائمين على هذه الأجهزة الإعلامية فى لعب هذا الدور، والتخلص من عوائق وموانع عفا عليها الزمن، ولم تعد صالحة للتطبيق فى زمن جديد، لم يعد أمامنا إلا البحث عن كلام جديد لهذا الزمن الجديد، فلم يعد هناك مجال لنجاح حقيقى باستخدام كلام قديم فى زمن جديد.