ما هي الدولة المدنية ؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

من الحين للآخر نحتاج إلى استعادة مفاهيم نروج لها ونتحدث عنها دائما ، فقط نتوقف لنقرأ ونراجع ما قرأناه من قبل كشكل من أشكال تنشيط الذاكرة التي تضعفها الوقائع و الأحداث و الأيام . من المتفق عليه في كتابات المثقفين العرب أن مفهوم الدولة المدنية الحديثة يعني بشكل أساسي دولة تقوم على الانتخابات “الحرة” وعلى فصل السلطات الثلاث مع تعددية سياسية وحزبية. وهو ما يعني بكلمات أخرى أبسط، وأقل زخرفة وأكثر دقة : التحول الديمقراطي . الدولة المدنية – في الأساس- هي عكس الدولة (العشائرية) القبلية ، لكن تطور المفهوم السياسي لها لتكون دولة الحقوق المتساوية لكافة مواطنيها ، عكس الدولتين العسكرية والدينية ، حيث يكون للقادة العسكريين – في الأولى – وضع خاص ، ولرجال الدين – في الثانية – مكانة عليا فوق رجال السياسة. الدولة المدنية، نشأت في أوربا ، وحاول محمد علي تطبيقها في مصر . و في تعريف آخر فإن الدولة المدنية المحايدة قد تكون الصيغة الفضلى للتوفيق بين المساحة الآمنة والمساحة المشتركة، ولصيانة التعدد، ولتثمير مساهمته في تعزيز الكل المشترك، فيخرج الفرد، وقد حماه القانون، من الخوف على الذات إلى مساحة الحرية المشتركة والالتزام المشترك في بناء المدينة . الدولة المدنية هي : دولة القانون وبالتالي فهي ليست دولة رئيس الوزراء ولا دولة رئيس الجمهورية أو الملك أو أية قوة سياسية ، ويجب هنا التأكيد على الطبيعة الموضوعية لتلك الدولة التي تؤسس على قاعدة الفصل بين السلطات الثلاث ، الفصل بمعناه الحقيقي وليس الاعتباري ، والفصل هو المُكون الرئيسي لطبيعتها المادية وثقافتها المجتمعية . الدولة المدنية يجب إن يُحترم فيها عقل الإنسان وتُحترم فيها إرادته وقراره ، والاحترام الذي نقصده متبادل من شقين وجودي وقانوني دستوري : ففي الشق الأول وجود الإنسان محترم ومُصان ولا يجوز سلب ذلك الوجود لأي سبب كان ، والشق الثاني هو حماية هذا الحق قانونياً ودستورياً ، فالدولة يجب أن تجعل القانون والدستور من أجل المواطن الفرد والمواطن المجتمع . الدولة المدنية في ظل المناخ الديمقراطي الحر ، مؤسسة إدارية سياسية كبيرة ذات صبغة مدنية ، تتعدد فيها القوى السياسية الشرعية ، يحكمها القانون والدستور، هي حزب يحكم وأحزاب معارضة مدنية حاضرة تحترم جميعها القانون والدستور .. ومفهوم الدولة المدنية .

شيزوفرينيا التعامل مع أمريكا

بقلم   عبداللطيف المناوى

الخطوة الأولى هي أن نعترف بتلك الحالة من الشيزوفرنيا المرضية التي نعانى منها ، والثانية أن نبدأ في التخلص منها وعلاج أنفسنا من آثارها ، وهذا يؤدى إلى النتيجة التالية التي توصلنا إلى تلك الحالة من السلام مع النفس والقناعة بقيمتنا والثقة في أن هذا البلد أكبر من انتظار شهادة حسن سير وسلوك من أي طرف أيا من كان .

ولأبدأ في الإيضاح ، ما شاهدته في صحف اليوم حول المواقف الأمريكية من مصر في الموضوعات الخاصة بالانتخابات أو تقرير الحالة الدينية ، ما هو إلا نموذج لتلك الحالة من الشيزفرونيا التي أشرت إليها والتي نعانى منها ، في صفحة واحدة في صحيفة واحدة تجد عنواناً يبرز شهادة لجنة الحريات الدينية في إشادتها بالرئيس مبارك ، وأنا أؤكد وعن يقين أن الرئيس مبارك ليس في حاجة إلى هذه الإشادة ، وليس في انتظار شهادة هذه اللجنة بدوره في التصدي لدعاة الفتنة ، فهو عندما يفعل ذلك يفعله من مكانه ومكانته في مصر وبين المصريين ، والإشادة والشهادة تأتى من هؤلاء المصريين وليس من طرف آخر ، لا يقف الأمر عند هذا الحد بل في ذات الصفحة تنشر الصحيفة الرفض المصري القاطع للتدخل الأمريكي السافر في الشأن الداخلي المصري ، إذن ننشر الشهادة الأمريكية بحقنا ونرفض النقد الأمريكي لنا .

الجانب الآخر من الصورة عندما نطالع على الصحف الخاصة والصحف الحزبية والتي تتعامل مع المواقف الأمريكية التي تتناول الشأن المصري بشكل يوحى بالتقارب أو الاتفاق ، هذه المواقف تبرر انتقادات تقرير الحالة الدينية لمصر ، وتشير إلى التأكيد الأمريكي على الإصرار  في  الاستمرار في  التدخل في الشأن المصري الداخلي  .

هذه الصورة هى تعبير عن تلك الحالة من الشيزوفرنيا التى نعانيها ، نبحث عن صكوك اعتراف بحسن سير وسلوك مصر حكومة وشعباً عندما يتعامل الإعلام القومي بل ومسئولين في الحكومة ، فنسارع بإبراز التقارير ـ أي تقارير ـ تتحدث بإيجابية عن مصر حكومة أو شعباً أو أداء ، وننتقد ونرفض ونهاجم إي تقارير تنتقد أو تتدخل في الشأن المصري ، وعلى الطرف الآخر تشكك المعارضة والإعلام الخاص في أى إشادة من أى مؤسسة دولية بالأداء المصري وتتلقف أى انتقاد للدولة في  مصر .

أظن هذا هو أحد أهم ظواهر تلك الحالة من الشيزوفرنيا التى نعانيها وعلينا أن نعترف بها أولا ، والخطوة الثانية هي أنه ينبغي أن نتوقف حكومة ومعارضة شعباً وإعلاما ـ خاصا وقوميا ـ عن انتظار أو تصيد أي شهادة خارجية تتوافق مع توجهاتنا ونضعها في صدر الصورة ، هذا شعب وهذا وطن لا ينتظر شهادة من احد ، ليس تكبرا وليس رفضا للحوار أو التعامل مع الآخر ، ولكن ينبغي أن نبدأ في بناء حالة حقيقية من الثقة في هذا الشعب وهذا الوطن فلا ننتظر صكوكاً بحسن السير والسلوك من أي  من  كان حتى لو كان أقوى دولة في العالم ، لأنني مؤمن وأظنكم كذلك بأن هذا الشعب في نظرنا هو أكبر من أن يخضع لاختبارات حسن السير والسلوك .

عن التحرش والنظافة

 بقلم   عبداللطيف المناوى

هناك بعض الأمور التي أحزن عندما أشاهدها أو أسمع عنها تحدث في مصر . وما أدراكم ماذا تعنى هذه الكلمة الكبيرة التي اسمها مصر ، الوطن ، التاريخ ، الحضارة ، أم الدنيا عن حق ، والتي شارك أهلها وأبناؤها في تعليم البشرية وصناعة الحضارة ، هذا الوطن الذي يحمل اسم مصر يتشرف كل من يعيش فيه من أبنائه وزواره .

ولكن ! وآه من كلمة لكن ، عندما نجد من الظواهر ما يسيء إلى هذه القيمة فإن الحزن هو ما يتملكنا ، الفقر ليس عيباً ، ومحدودية الإمكانيات ليست من الأمور التي نخجل منها ، ولكن عندما نجد انه بات جزء من مشكلاتنا اليومية أمور مثل غياب النظافة ، أو الحديث عن تزايد قضايا التحرش فإن مثل هذه الأمور هى من الأمور التى تصيب كل من يعرف قيمة هذا الوطن بالحزن الشديد ليس مقبولاً أن تكون مسألة مثل النظافة هي إحدى مشكلاتنا ، هذا يتناقض مع ما نملك من قيمة كشعب ومجتمع ، وأظن أن دور تصحيح هذا الوضع هو من أكثر الأدوار أهمية سواء لمنظمات المجتمع المدني أو المؤسسات التعليمية أو الإعلامية ومؤسسات الدولة المختلفة ، قد أصل إلى حد القول أن مثل هذه القضية يمكن أن تكون أهميتها ترقى ان لم تكن تتخطى أهمية قضايا أخرى تبدو وكأنها أكثر أهمية .. لآن مثل هذه الأساسيات هى أحد أهم عناصر تكوين مجتمع قوي ، فلا مجتمع يقدر على مواجهة مصيره وتحدياته وهو يعانى من مشكلات مثل النظافة أو  التكاسل في العمل أو يعانى من تزايد ظواهر لا أخلاقية مثل ظاهرة التحرش الجنسي .

ومسألة التحرش الجنسي هى الأخرى من الموضوعات المخجلة والمحزنة و التي ينبغي مواجهتها بقوة ، ليس فقط على المستوى الأمني ، ولكن على مستوى السلوك العام نفسه ، ذلك السلوك الذي كان فيه أبن البلد ، أو ابن الشارع ، أو ابن الحتة الذى ينظر إلى أى فتاة أو سيدة فى الشارع نظرة الاحترام ، ولديه الإحساس بأنها فى حمايته ، حماية الرجل الشهم ، عندما تسجل أرقام الشرطة 600 حالة تحرش فى القاهرة والإسكندرية وحدهما فى أول يوم العيد فقط فإن هذا أمر محزن .

لا يعقل أن دولة بحجم مصر عمرها يتعدى السبعة آلاف سنة ، غيرت العالم كله ، وحافظت على قيم الحضارة أن تعاني في القرن الواحد  والعشرين من ظواهر مثل التحرش وانعدام النظافة .الأمر يستحق أن نتوقف لنسأل أنفسنا : لماذا ؟

كمال الشاذلي

بقلم   عبداللطيف المناوى

المرة الأولى التي التقيت فيها كمال الشاذلي كانت في أحد فنادق لندن ، عندما كان يزورها للمشاركة في ندوة في أحد قاعات البرلمان البريطاني ، كان ذلك في أواخر التسعينيات وكنت وقتها أعمل صحفيا في صحيفة الشرق الأوسط ، دخلت عليه غرفته ، كان هو من فتح الباب بنفسه ، متخففا من جاكت البدلة التي يلبسها ومن الحذاء ، صافحني بطريقة ذكرني فيها بأخوالي من أهل القرية ، بالطريقة التي تمزج بين الدفء والود والبساطة ، تعامل معي بلا تكلف كأنه يعرفني من سنوات ، وطلب مني أن أفتح الثلاجة التي في الغرفة قائلا ” اعتبر نفسك في بيتك اشرب ما تريد ” ، أجريت معه الحوار ، أجاب بتلقائية وعفوية ورفض الإجابة أيضا بتلقائية وعفوية عن بعض الأسئلة طالبا مني وقتها ” بلاش نتكلم في الموضوع ده دلوقتي ” ، خرجت من اللقاء حاسما موقفي الإنساني تجاه كمال الشاذلي الفلاح ابن القرية الذي يتعامل ببساطة أهل القرية ونبل عمدة القرية ، وبأبوة كل من اعتدنا أن ننادية بخال فلان أو عم فلان ، هذا هو الجانب الإنساني في كمال الشاذلي وهو متفق عليه من كل من خالفه أو اتفق معه .

كمال الشاذلي هو أحد أهم الشخصيات المصرية المثيرة للجدل ، اختلف معه كثيرون ، واتفق معه كثيرون في مواقفه السياسية وفي إدارته للعملية الحزبية والانتخابية و البرلمانية إلا أن الجميع اتفق على كمال الشاذلي الإنسان .

هناك لحظات تتراجع فيها الخلافات والاختلافات في وجهات النظر وفي المواقف السياسية وتتقدم المشاعر المتفق عليها وأظن أنه مع كمال الشاذلي فالمشاعر المتفق عليها هي الحب والتقدير لهذا الرجل و” جدعنته “ومواقفه الريفية لابن البلد .كمال الشاذلي هو أقدم برلماني مصري وفي العالم، وكان هذا أحد الموضوعات التي كان يشعر بالفخر بها ، وله الحق في ذلك ، فهو يشغل مقعده منذ عام 1964، كما كان أمين التنظيم السابق بالحزب الوطنى وأحد أهم أعمدته فى السنوات الماضية، وكان وزير الدولة لمجلس الشعب حتى عام 2004، ثم رئيسا للمجالس القومية المتخصصة ، وظل في كل هذا أحد علامات الحياة السياسية في مصر حزبيا وبرلمانيا ، ترك بصمة يعترف بها الجميع ، وكان له حضور لا يختلف عليه أحد ، وقدرات حاضرة وواضحة للعيان ، الجميع يتفق على ذلك حتى لو اختلف مع بعض التوجهات أو السياسات أو الأساليب لكن هذا  لا ينفي ذلك الحضور الكبير .في  بعض اللحظات تتراجع الاختلافات ، ويتراجع عدم الاتفاق على سياسات أو مواقف ويتصدر الصورة الاتفاق على حضور الإنسان كمال الشاذلي .

مصدر الحياة

بقلم   عبداللطيف المناوى

ينقطع الحبل السري ليبدأ كل منا حياته في رحلة تبدو وكأنها مرحلة من مراحل الاستقلال والعيش المعتمد فيه على النفس ، يقل الاعتماد على مصدر الحياة تدريجيا ـ أو هكذا نظن ـ نبدأ  أولى خطواتنا المتعثرة دون وعي  ـ  أو هو وعي ساكن فينا دون أن ندري ـ تحول بيننا وبين تعثرنا ، أو تساعدنا لننهض ونبدأ رحلتنا مرة أخرى مستقلين معتمدين على أنفسنا ـ أو هكذا نظن ـ وكل مرة في كل أزمة أو كل فرحة نندفع دون أن ندري لنبحث عن مصدر للحياة وكأننا نبحث عن مصدر للطاقة .. بل مصدر للحياة .

ينقطع الحبل السري ـ أو هكذا نظن ـ ونتخطى مرحلة الفطام ـ أو هكذا نظن ـ و نعتمد على أنفسنا في المأكل والحركة ـ أو هكذا نظن ـ ونبدأ علاقاتنا المستقلة التي نريد أن نؤكد بها أننا أصبحنا كبارا ، أصبحنا مستقلين ، ولكن نكتشف دون أن ندري أن كل حياتنا تعود لتدور حول  ذلك المصدر ، مصدر الحياة ، لأننا دون أن ندري فإن حياتنا هي حياة مشتركة  ، بدأت منذ كانت نطفة ، وتظل مشتركة  إلى نهاية المدى الذي لم أعرفه بعد ، الشراكة هنا هي شراكة لا نختارها لأنها حياة ، علاقة أزلية بيننا وبين مصدر هذه الحياة لنا .

ينقطع الحبل السري ـ أو هكذا نظن ـ ولا ينتهي اعتمادنا المادي والنفسي و المعنوي ، نتلمس عناقا بعد غياب ، أو صوتا راض  ، أو دعاء  نظن  أنه سوف يكون المخرج من كل الأزمات ، والدعم لنا في مواجهة الحياة ، نبحث عن الرضا حتى  لو كنا نكابر أنفسنا أحيانا وندعي أننا كبرنا وفطمنا ، وتباعد بيننا الأيام  والمسافات ولكن يظل ذلك الرباط الذي لا نراه دائما ممتدا ، رباطا لا نعرف تحديدا من أية نقطة يمسك بنا ـ أظنها كل نقطة ولكنها تبدأ من أعماقنا ، ليس أعماق الجسد ، لكنها أعماق أخرى لا أدري طبيعتها ، ولكني أظن أنها أعماق روحنا ، والطرف الآخر لهذا الرباط هو الطرف الآخر للحبل السري الذي ربطنا بالحياة وأمدنا الحياة وأعطى معنى لهذه الحياة .

جلست إلى جانب جثمانها ـ مصدر حياتي ـ طويلا ، راقدة في هدوء ، في سلام ، ويمر أمامي شريط حياتي التي منحتني إياها ، أحاول أن أستحضر أول صورة انطبعت في ذهني عنها ، وأذكر فقط نظرتي إلى أعلى كثيرا وهي ممسكة بيدي نسير في الشارع ، لا أذكر كم كان عمري لكني أذكر الحالة ، تفاصيل  كثيرة ، مواقف كثيرة ، أحداث كثيرة ، عثرات ، نجاحات ، إحباطات ، فرح ، حزن ، بعد ، قرب ، ليل ، نهار ، لأكتشف أنها كل تفاصيل الحياة ، كانت فيها ، حضرتها ، عاشتها معي ، دون أن أدري ، أو كنت أدري ،  كانت دائما أينما كنت مهما كان البعد ، ومهما كان الوقت ، كانت هنا ، بل كانت في قلب كل شيء في قلب الحياة .

لم ينقطع الحبل السري ، حتى عندما واراها الثرى ، ظل ذلك الإحساس بأن ذلك الرباط ما زال موجودا ، قويا ، بلا إنكار ولا  ادعاء بأنني كبرت وصرت مستقلا ، الرباط موجود ، وكان موجودا دائما  ، واليوم عرفت أنه سوف يظل إلى الأبد .

أكثر ما سوف أفتقده هو صوتها عندما  كانت ترد على مكالمتي الصباحية لها وهي تقول ” صباح الخير يا روح قلبي ” .

رحمك الله يا أمي .

هل يعود اليسار ؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

هل يعود اليسار ؟ كان هذا هو السؤال الذي طرحته على نفسي إثناء حوار مع الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع  حول مستقبل الحزب بعد الانتخابات البرلمانية القادمة التي نأمل أن تفرز حراكا سياسيا لدولة مدنية تتنافس فيها الأحزاب من أجل مصلحة الشعب ، وتقود معارضة وطنية مبنية على أسس مدنية .

فحزب التجمع الذي بدأ في منتصف السبعينات تقريبا قويا ، وقاد معارضة حقيقية في ذلك الوقت ، وربما كان أبرز معالمها رفض معاهدة السلام إسرائيل ، وتبني قضايا الفقراء ، وكان له وجود كبير في الجامعات  وكوادر تقود المظاهرات ضد الغلاء ، و كان الحزب هو الذي يقف ضد  تسييس الدين الذي تمارسه التيارات الدينية ، وكانت جريدة الأهالي في ذلك الوقت صوت معارض عال أفرزت فيما بعد جيلا من الصحفيين المهمين  ،  واستمر هذا التواجد طويلا ثم خفت شيئا فشيئا .

الأمل في أن يعود حزب التجمع إلى ما كان عليه في الانتخابات القادمة قائم ، بل ومطلوب ، فالحزب الذي تمثل أفكاره وتوجهاته شريحة من المصريين يمثل جزءا مهما في دولة مدنية بها أحزاب متنافسة ، يقول الدكتور رفعت السعيد أنهم حزب البسطاء ، وأنهم لا يملكون الكثير من المال لترشيح  أعضاء الحزب في كل الدوائر ، لكنهم يراهنون على البعد الاجتماعي الذي ينتصر للفقراء والعمال .

عودة اليسار مرة أخرى إلى الصورة ، وإلى صدارة المشهد السياسي وقوى المعارضة من الممكن أن تضبط المعادلة السياسية ، ففي رأي الدكتور رفعت السعيد رئيس حزب التجمع أن هناك  آراء واقتراحات يتفقون فيها مع الحزب الوطني ، لكن الفرق في التنفيذ ، ومن الطريف أن هذا أيضا هو رأي الدكتور السيد البدوي رئيس حزب الوفد ، وربما مع وجود هذه الأحزاب السياسية الثلاثة ، أقصد الوطني ، والتجمع ، والوفد  ، وأي قوى سياسية حقيقية ، تتبنى مطالب الشعب ، يمكن الحديث عن دولة مدنية حقيقية نتمناها جميعا .

ميثاق الشرف الصحفي

بقلم   عبداللطيف المناوى

معظم الذين يقومون بانتقاد نقابة الصحفيين  يتحدثون عن مدى إهمال نطاق الشرف الصحفي ، وإلى أي مدى تقوم النقابة بدورها في ضبط الأداء الصحفي بمفهوم حماية المجتمع ، ولكني اليوم سوف أتحدث عن موضوع آخر يرتبط بالنقابة و بدور النقابة ، وسوف يصب في النهاية فيما نتناوله بالحديث وهو نطاق الشرف الصحفي ، وبحدود الالتزام به .

ما أعتقد أنه يؤرقنا بشكل عام في المجتمع في مهنتنا كصحفيين على وجه التحديد هو التراجع الغير محمود بمفهوم المهنية ، هذه المهنية التي تقود الفريق الصحفي لينشر خبرا غير مكتمل المعلومات والأطراف المختلفة غير حاضرة فيه ، فيبدو الأمر وكأنه  خبرا أو تقريرا غير بريء في وصف ما حدث على أرض الواقع ، وأن الزميل الصحفي لم يقم ببذل الجهد المناسب  لاستكمال بقية أبعاد الصورة المختلفة وزواياها ، ولم يشغل نفسه بالاتصال ببقية أطراف القصة الخبرية ، وفي النهاية خرج خبر غير صحيح أو غير دقيق أو منحاز ، والبداية كانت من عدم حضور عنصر المهنية في أداء الزميل منذ البداية .

وهناك نموذج آخر لهذا الغياب المتمثل في بعض الأحيان عندما بسطو زميل على جهد زميل آخر ويعيد صياغة الموضوع أو المعلومة التي تدور في الصفحات المختلفة على أنها حقائق ممكن أن تكون خاطئة منذ البداية ، لكنها اكتسبت حضورا منذ البداية وتم نقلها ، ولو أن أحدا منا لديه بعض الوقت يمكنه أن يجرب البحث عن موضوع تناولته الصحافة في أي موضوع وسيكتشف عدد مرات تدويره  بصياغات مختلفة و بأسماء مختلفة في صحف مختلفة ، وهذا أيضا سلوك يبتعد عن المهنية .

أظن أن أحد الهموم الأساسية التي يجب أن تنشغل بها النقابة في المرحلة المقبلة هي مساعدة المؤسسات الصحفية المختلفة صغيرها وكبيرها على تكوين فريق من الصحفيين يتم العمل على تطوير قدراتهم المهنية وحرفيتهم بشكل دائم ومستمر ، والمتوقع من الزملاء الذين يشغلون مواقع يقودون فيها مجموعة من الزملاء الصغار أن يساعدوا النقابة وأن يروجوا لتلك الفكرة بالتدريب والارتقاء بالمستوى المهني للزملاء الأصغر سنا ، المهم قبل ذلك ان يكونوا هم ـ أي الزملاء المسئولين ـ نموذجا ومثلا أعلى  للزملاء الأصغر الذين في بداية ، وذلك لن يكون إلا بأن يكونوا مهنيين                                                        6/11/2010

سوشي

بقلم   عبداللطيف المناوى

الطعام هو أحد الملامح الأساسية لثقافات الشعوب ، عرفنا الطليان بالبيتزا والمكرونة ،وعرفنا الأمريكان بالهمبورجر  ، وعرفنا الانجليز بوجبة السمك والبطاطس الشهيرة ، ومؤخرا اجتاح اليابانيون العالم بأكلتهم التي أصبحت شهيرة في مصر هذه الأيام وهي السوشي ، وفي مختلف بلاد العالم نجد مطاعم الأكلات اليابانية أو الأكلات الإيطالية او الأكلات اللبنانية وغيرها .

بالنسبة لنا في مصر ، فأشهر الأكلات شعبية وانتشارا هي الفول ومشتقاته المعروفة  من الطعمية أو الفول المدمس أو الفول النابت أو الفول بالصلصة والبصارة التي يدخل فيها الفول أيضا ، وغيرها ، ومع الأسف فنحن نتعامل مع هذا الجزء المكون من شخصيتنا  بدون قدر من الفخر به أو الاعتزاز  ، ولم ينجح مشروع في أي دولة من دول العالم  لمطاعم مصرية  أو انتشار لأكلات مصرية ، وجزء من عدم النجاح هذا يعود إلى أننا لم نحاول أن نتعامل مع هذا الموضوع بقدر من الجدية ، ولم يتعامل معها المستثمرين ورجال الأعمال من الذين يمكن أن يكون لهم حضور في هذه الموضوع بقدر من الجدية .

اذكر إحدى تجارب المطاعم المصرية في لندن والتي لم تعش طويلا لأنها كانت دائما محل مقارنة  بينها وبين المطاعم الأخرى في أسلوب التقديم والطهي و الالتزام و الارتباط بمعايير البلد التي تكون فيها .

وبداية هذه المعايير تبدأ هنا في مصر عندما نتعامل باحترام  مع هذه الوجبات التي هي جزء من الشخصية المصرية ولكنها تحتاج إلى أن نتعامل معها  بشكل يحاول أن يطور الشكل الذي تقدم به ويراعي متطلبات من يتلقاها .

الثقافة المصرية ليست أقل من أي ثقافة من الثقافات ولا ينبغي أن ننظر باستهتار أو بخفة إلى هذا الموضوع .

طلبة مدارس وليس طلبة جامعات

بقلم   عبداللطيف المناوى

ما لمسته بالأمس في لقاء لي مع عدد من طلاب المدارس الثانوية والصناعية أعطاني أملا جديدا بأن مستقبل مصر بأيدي هؤلاء ، بدأت الحوار بالحديث عن كيف يمكن للوطن أن يكون متقدما وأول علامات هذا التقدم عندما يمكن أن تلتزم أطراف المجتمع المختلفة بأدوارها وواجباتها  ، وطرحت معهم  إحساسي حول ما ارتبط الوطن به ، وحدثتهم عن الإرادة التي يمكن  أن نتجاوز بها الفساد والرشوة ، وأن نؤكد مفهوم تكافؤ الفرص ، وعندما تحدثت في هذه الموضوعات  مع فتيان وفتيات تتراوح أعمارهم بين 14 و20 سنة ، ففوجئت بورقة تمر أمامي من المسئولة الأولى عن هؤلاء الفتيان والفتيات وبرامج تدريبهم تقول فيها أن هؤلاء مدارس وليسوا طلبة جامعات  ، لم أفهم المغزى ففسرت لي قولا بأن هؤلاء مداركهم اقل وقدراتهم على الفهم أقل ، وأنهم لن يستوعبوا ما أقول ، فعدت إلى الفتيان والفتيات لأسألهم هل ما تسمعون بعيد عن فهمكم وإدراككم ، فوجدت استنكارا منهم وتأكيدا على هذا الفهم ،  ثم حين  فتح باب الأسئلة طلبت المسئولة عن الفتيان و الفتيات أن يتم توجيه الأسئلة من خلال أسئلة مكتوبة ، رفضت هذا الأسلوب مرة أخرى فذكرتني مرة أخرى بأنهم طلبة مدرسة  وليسوا طلبة جامعة وأن وعيهم أقل ، أمام إصراري أن يكون الحوار مفتوحا وبدون أوراق مكتوبة بدأ الحوار ، وكانت النتيجة أن هؤلاء الطلبة  تحدثوا بإدراك أعلى من مستويات أخرى مختلفة ، وأعطتني الإشارة أن الأجيال المقبلة أكثر وعيا و إدراكا وفهما  ، فاستمعت إلى أسئلتهم المفتوحة ، وتخوفاتهم من المستقبل ، وانتقاداتهم للواقع ، ورغبتهم الأكيدة في البحث عن الطريق الذي يمكن من خلاله أن يمارسوا حقهم في الحياة ودورهم في تطوير المجتمع .

لكن تظل المشكلة هي تلك النوعية ممن يملكون حق إدارة أو مصادرة حق هؤلاء في التفكير و الممارسة والتعبير ، وينظرون إليهم باعتبارهم أقل في الفهم والإدراك والوعي ، وهنا أدعو كلا من  المجلس الأعلى للشباب أو وزارة التربية والتعليم ـ أن يتم تأهيل  أولئك القائمين على تثقيف هؤلاء الفتيان والفتيات الذين لا يمكن اعتبار المشكلة فيهم ، وإنما المشكلة فيمن وضعوا لتشكيل وعيهم وهم في الواقع أكثر استعدادا ـ أي الشباب ـ لأن يكونوا متفهمين لهذه المسئولية ممن يوجههم .