إعلام ليس لغمًا

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

أكتب عن المسألة التي تشغل بال الكثيرين ممن يمتهنون مهنة الإعلام أو يهتمون بها الآن، والخاصة بالبروتوكولات والتفاهمات التي تتيح لشركة ما أو مؤسسة ما السيطرة على المنتج الإعلامى المصرى، قديمه وحديثه، بغرض الحفاظ عليه وعلى رسالته.

مفهوم، بل مطلوب للغاية، أن يتم الحفاظ على إعلام الدولة المصرية قويًا مؤثرًا، ليس فقط في مصر، بل في المحيطين العربى والإقليمى، نظرًا للتحديات الكبرى التي تواجهنا الآن، وتتسلل إلى بيوتنا عبر الشاشات.

أكرر، مفهوم ومطلوب هذا الأمر، ولكن لا بد أن يكون الإعلام أيضًا غير خاضع لسيطرة التفكير المادى «قصير النظر»، بل النظر إلى المسألة ككل، في إطار فهم حقيقى وواضح لتحديات المرحلة الحالية والقادمة. لكن الهدف الرئيسى يجب أن يكون دائمًا هو دعم إعلام الدولة الحقيقى بأساليب تضمن له امتلاك عناصر قوته وبقائه في يده وليس بعيدًا عنه.

في الفترة الماضية، سيطرت حالة صخب أشبه بـ«الهوجة»، ممزوجة بالكثير من الشائعات وادعاء المعرفة عن سيطرة أو توجيه الإعلام، لتحتل مساحات واسعة من الحديث في المقاهى والفنادق أوساط الإعلاميين وبعض المسؤولين. لهذا راودنى السؤال الذي لم أتوقف عن طرحه منذ سنوات، وماذا عن إعلام الدولة؟.

أنا ممن لديهم الكثير من الملاحظات على كل ما حدث ويحدث وسيحدث في مسألة إدارة ملف الإعلام داخليًا وخارجيًا، وظللت أحاول طرح الأسئلة الجادة حول هذا الملف. وفى هذا الإطار كان دائمًا السؤال: ماذا تفعل الدولة بما تملك؟ وأيضًا السؤال البسيط المعقد: ماذا تريد الدولة من إعلامها؟.. لم تكن هناك أبدًا إجابة واعية بأهمية ما يملكون، بل كانت الإشارات دائمًا شديدة السلبية تجاه إعلام الدولة.

لم يتعامل أحد مع الإعلام المصرى باعتباره أصلًا من أصول الدولة، يعانى مشكلات يجب حلها، والهدف الرئيسى يكون الحفاظ على هذا الأصل. لم يتعامل أحد مع هذا الملف بشكل عام باعتباره أداة معطلة بسبب مشكلات على مر عقود، ويجب أن يبذل الجهد لإزالة هذه المشكلات لتتحرر الأداة المهمة من معوقاتها. لم يتعامل أحد مع الإعلام باعتباره وسيلة مهمة للنهوض والتنمية التي تنشدها مصر.

أعتقد أن الأزمة الأساسية هنا هي غياب التقدير الصحيح لأهمية الإعلام، واعتباره في حد ذاته عبئًا ومشكلة، وبدا حال المسؤولين الذين تولوا هذا الملف في محاولات لحله وكأنهم يتعاملون مع لغم وجب تفكيكه أو التخلص منه.

أُذكّر القائمين على عملية النقل والسيطرة أن أي إهدار فيما تمتلك الدولة من عناصر قوة، هو تفريط في غير محله سندفع ثمنه غاليًا في المستقبل.

الإعلانات

القمر الغائب

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

«فى الليلة الظلماء يُفتقد القمر»، وأظن أننا نشعر كثيراً بالافتقاد لأسماء متعددة ونحن نتابع الدراما الرمضانية، على رأس هؤلاء الكاتب الكبير الراحل أسامة أنور عكاشة، الذي ترك حزنا في قلب كل من سمع خبر رحيله. وهذه الأيام تمر ذكرى رحيله، ونشعر بحجم الفقدان والخسارة.

الشىء الذي يميز أسامة أنور عكاشة هو أنه مصرى حتى النخاع، حتى في القضايا التي ناقشها في كتاباته والقضايا التي فجرها والتى كان لا يتبنى فيها إلا ما يرى أنه يصب لصالح الوطن، والمواطن، والهوية المصرية، والذى كان يجبرك حتى في اختلافه على احترامه واحترام مصريته.

انشغل أسامة أنور عكاشة في مسلسلاته بهذه القضايا، بالسؤال المصرى، بالتاريخ المصرى، بالهوية المصرية، وسؤال الهوية هو الذي طرحه في مسلسلاته الأخيرة ابتداء من طرحه في مسلسل أرابيسك، ومحاولة الإجابة عليه في مسلسل زيزينيا بجزئيه، ثم في مسلسل المصراوية الذي رحل دون أن يكمله، انشغل بسؤال التاريخ المصرى، في مسلسل ليالى الحلمية بأجزائه الخمسة، ثم في مسلسل المصراوية أيضا، في محاولة لرصد التغيرات في الشخصية المصرية، ولماذا تغير المجتمع المصرى، ما سبب انتشار الرشاوى والفساد، كان هذا هو السؤال الذي طرحه في مسلسلات مثل عصفور النار، وأنا وأنت وبابا في المشمش، وضمير أبلة حكمت، ورحلة أبوالعلا البشرى، والراية البيضا، وكلها أعمال ارتبطت بوجدان الشارعين العربى والمصرى، لم يكن أسامة أنور عكاشة يكتفى بطرح المشكلة بل كان أيضا يسعى إلى إيجاد حلول لها، انشغاله بالهوية المصرية تبدى أيضا في أعماله السينمائية القليلة والمهمة والمؤثرة في تاريخ السينما مثل «كتيبة الإعدام» و«دماء على الأسفلت» و«الهجامة».

بالتأكيد رحيل أسامة أنور عكاشة ترك فراغا كبيرا، كمفكر يشارك في العديد من الصحف بمقالات تتناول الشأن المصرى والعربى، وكعميد لكتاب الدراما، جعل رجل الشارع يسأل من هو كاتب هذا المسلسل؟ فإذا عرف أنه أسامة أنور عكاشة قرر أن يتابعه، وكمثقف حقيقى يعرف هموم رجل الشارع والمواطن ويعبر عنها، الأكيد أن رحيل أسامة أنور عكاشة قد أثر فينا جميعا، لكن لاشك أن أعماله التي أثرت في وجدان المجتمع العربى كله- وليس المصرى فقط- باقية.

نتذكره بقوة هذه الأيام، وندعو له بالرحمة، ولنا أيضاً.

النكتة دليل وعى.. لا تراجع

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

النكتة اختراع مصرى. لا معلومة تاريخية تقول ذلك بالطبع، ولكن تدافع المصريين وهرولتهم نحو ناصية كل ما هو ساخر، حتى فى أحلك الشدائد والمصائب، يدعم ذلك الطرح.

النكتة فى مصر من عمر الفراعنة تقريبًا، فالمصريون القدماء قدّسوها وجعلوها لهم إلهة وزوّجوها لإله الحكمة، بل اعتقدوا أن العالم خُلق من الضحك، فحين أراد الإله الأكبر أن يخلق الدنيا أطلق ضحكة قوية فظهرت السماوات السبع، وضحكة أخرى فكان النور، والثالثة أوجدت الماء، وبالأخيرة خُلقت الروح.

استخدم المصرى القديم الحيوانات للسخرية من خصومه السياسيين، فهناك صورة فيها فئران تهاجم قاعة للقطط، والفئران تمتطى العجلة الحربية وتمسك الحراب والدروع حاملة السهام والأقواس، أما القطط فترفع أيديها مستسلمة. وقصد المصريون أن يمثلوا الهكسوس الغزاة بالفئران، أما القطط فترمز لحضارة شعب مصر.

فى سنوات الاستعمار لم تتراجع النكتة والسخرية من كل شىء، من المستعمر ومن النفس أيضًا. فى سنوات الحروب لم تختفِ النكتة، وكذلك فى سنوات الثورات والاضطرابات.

الآن يهرول المصريون بقوة نحو السخرية من كل شىء أيضًا. يكفى أن تتجول على منصات مواقع التواصل الاجتماعى حتى تدرك أنه لا أمر بعيد عن سهام سخرية المصريين. منظومة «التابلت» الخاصة بالثانوية و«السيستم الواقع»، وارتفاع درجات الحرارة ووصولها إلى معدلات غير طبيعية ولا معتادة فى هذا الوقت من العام، وكذا ارتفاع أسعار الكهرباء، كل هذا وأكثر يسخر منه المصريون، ويطلقون النكات عليه، لا لشىء إلا للتنفيس والتعبير عن مدى وعيهم وإدراكهم لكل ما يحيط بهم.

بنظرة تاريخية بسيطة نرى أن تراجع أو اختفاء النكتة من أبرز الدلائل على أن أمرًا جللًا قد وقع أو سيقع.

ضيق المصريين الحقيقى يبدأ عندما تعجز الفكاهة عن تحمل الواقع، فإذا توقف المصرى عن التنكيت فهذا نذير غضب سوف ينفجر سريعًا، وهذا ما حدث وقت حكم الإخوان، بدا وكأن المصرى يفقد سلاح مقاومته للواقع، وعجزت كل الضحكات عن أن تجعله يصبر على قسوة ومرارة الواقع الذى كان يعيشه فخرج ليطيح بهم ويستعيد مصيره، ويستعيد قدرته على الضحك كسلاح لا يسقط من يد المصرى على مر العصور.

مخطئ مَن يعتقد أن النكتة مظهر من مظاهر التغييب أو التراجع الحضارى، فضحك المصريين دليل على صحة الشعب، وعلى وعيه. وهو أمر لابد أن يدركه الجميع، بل يدرسوه جيدًا.

The key to Sudan’s stability and unity

by DR. ABDELLATIF EL-MENAWY

The military in Sudan is one of the most important elements in the political equation — not only because it now runs the country after the recent revolution, but also because it occupies a large portion of Sudan’s collective memory, whether negatively or positively.
The Sudanese Army has had a decisive part in many of the difficult situations the state has faced in the past. The military has played a patriotic role in protecting Sudan and its unity, and its stance was very clear in achieving the country’s goal of overthrowing former President Omar Al-Bashir.

Sudanese soldiers are known for their ferocity, patience and endurance during battles. This was seen during the war with South Sudan and the Second World War. In addition, about 250 Sudanese troops were sent to fight in the 1948 Palestine war. In the 1973 Arab-Israeli war, Sudan sent an infantry brigade to Egypt’s Sinai Peninsula. Outside the battlefield, the leaders of the Sudanese Army have been wise and diligent, and have always put their country first.

The basis of the modern Sudanese Army was established in 1954, but the country was under British occupation at the time. When Sudan won its independence in 1956, a new national army was formed, starting with the infantry and then the navy and air force.
Since Sudan’s independence, the army has never left the political scene. It came to power four times, firstly on Nov. 17, 1958, led by Gen. Ibrahim Abboud. The second time was on May 25, 1969, led by Jaafar Nimeiri, whose rule continued for 16 years. On April 6, 1985, the then-defense minister, Field Marshal Abdel Rahman Suwar Al-Dahab, was tasked with chairing an interim military council to rule Sudan following an uprising that ousted Nimeiri.

The fourth time was on June 30, 1989, when Al-Bashir led a coup that overthrew the democratic era. He continued to rule until April 11, 2019, when a revolution threw him out with the army’s support. Military leader Abdel Fattah Burhan currently leads the country as head of the transitional military council.

One of the most positive and important episodes in the life of the Sudanese people is the experience of Al-Dahab’s rule. His name not only resonated in protests and sit-ins, but was also mentioned by the leaders of the junta in a letter to reassure opposition forces skeptical of the junta’s intentions to seize power.

Al-Dahab took power after an uprising against Nimeiri. He gave a unique lesson in democracy when he led Sudan for one year as head of the transitional government after Nimeiri was overthrown. He then held a general election in 1986, won by Prime Minister Sadig Al-Mahdi, who was overthrown by Al-Bashir’s military coup in 1989.

The military force faces a future full of major challenges, which the majority of the Sudanese people trust it can overcome.

After that, Al-Dahab announced his retirement from politics and became secretary-general of the board of trustees of the Islamic Call Organization. He died in Riyadh in October 2018 at the age of 83, and the curtain closed on a positive experience that continues to be remembered by the Sudanese people, during which a member of the military led the country to safety and democracy.

Another period that the Sudanese remember is the way Al-Bashir came to power. This period began on June 30, 1989, when national TV announced that a few army officers, led by Al-Bashir, had taken power. The situation was not clear at first, and observers could not confirm the coup.

Al-Bashir’s government carried out a number of largescale arrests. Among those arrested was the leader of the National Islamic Front (NIF) in Sudan, Hassan Al-Turabi, who later said he was the coup’s mastermind.

The experience of Al-Bashir’s rule is rejected by the Sudanese people today because his first government gradually revealed its radical Islamist identity, and its leaders’ statements confirmed this identity and its affiliation with the Muslim Brotherhood in Sudan. Al-Bashir remained in office for 30 years, during which time political life was dramatically altered until the moment came to overthrow him.

The hand that sometimes rules, intervenes wisely and preserves the country’s political unity is matched by another hand that continues to arm itself with all that is modern to defend the homeland’s territory. The Sudanese Army consists of military teams, brigades and departments distributed throughout the country.

The Karary University of Military Technology in Wadi Seidna, north of the city of Omdurman, is responsible for educating and training Sudanese students, and has a good military reputation. The Sudanese Army also includes specialized military colleges and institutes. It produces a number of weapons, including ammunition and cannons, through the Military Industry Corp.

According to the latest figures from the Global Firepower index, which provides data on the world’s military powers, the Sudanese Army ranks 69th, but it is also one of the strongest and largest armies in the Horn of Africa. It has 100,000-150,000 soldiers, supported by the Popular Defense Forces, which includes about 150,000 recruits. The army has a large number and variety of fighter jets, a large number of tanks, and PTR-50 armored vehicles.
This great military force faces a future full of major challenges, which the majority of the Sudanese people trust it can overcome

 

آفتنا «الاستعجال»

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

حسنًا فعلت الدولة المصرية خلال الفترة الأخيرة، عندما أدركت أن إتاحة الخدمات الإلكترونية للمواطنين ضرورة ملحة فى هذا الزمان، وذلك من أجل التحول إلى المجتمع الرقمى، وبالتالى تطبيق الحوكمة فى أحدث صورها، ما يدفعنا خطوات إلى الأمام فى مصاف الدول الحديثة.

حاولت الدولة واجتهدت فى هذا الأمر، وللمجتهد حسنة على الأقل، فإن أصاب تضاعفت، وإن أخطأ فيكفيه «حسنة» شرف المحاولة. والدولة حتى الآن وقفت على حافة شرف المحاولة دون أن تتعداها، بل تحاول تبرير الأخطاء. والسبب بالتأكيد هو المشكلات التى تواجه التطبيق بسبب الاستعجال والرغبة فى تحقيق أرقام قياسية ليست فى محلها، وبالتالى عدم إعطاء الأمور الوقت الكافى لدراستها.

آفة حكومتنا العجلة. والأمثلة على ذلك كثيرة، منها مثلًا الدفع الإلكترونى للتأمين الصحى، وما حدث بسبب عدم دراسة الأمور بشكل متأن، وكذلك امتحانات الصف الأول الثانوى، وقصة تعطل السيستم المتكررة، ما أدى إلى المشكلة الأخيرة.

الأزمة الأخرى أيضًا والتى تعوق تطبيق أى منظومة، هى العلاقة بين الحكومة والناس، والتى تتمثل فى لغة الخطاب من الحكومة إلى شعبها، وتتمثل فى قدرة الحكومة على جذب الانتباه إلى ما تفعل من إيجابيات، وعندما تغرق نفسها فى أخطاء صغيرة تفسد ما تفعله من إنجاز.

ولكن تخيلوا معى لو قررت الحكومة، كخطوة استباقية، أن تبدأ فى الحديث إلى المواطن، أو اعتباره جزءًا لا يتجزأ من المنظومة ككل، أن تبدأ فى خلق جو من الثقة بينها وبينه، أن تبدأ بإصلاح أحوال أماكن الخدمات أولا، ثم تحاول شرح أهمية التحول الرقمى له، واستغراق وقت كاف للدراسة والتفحيص والتمحيص من أجل تدارك الأخطاء، وبالتالى خروج المنظومة بشكل جيد، يفيد المواطنين فعلا، قدر إفادته الدولة.

تخيلوا معى لو قررت الدولة أن تجعل المواطن يشعر بأن الحكومة وضعته نصب عينيها. تخيلوا لو شعر المواطن أنه رقم مهم فى حسابات الدولة، تخيلوا معى ماذا يمكن أن يكون شعور المواطن فى هذه الحالة تجاه حكومته؟. لا أقول إن هذا يحل المشكلة، ولا أقول إن الحكومة بذلك تكون قد حلت مشكلتها مع الناس، ولكنها بالتأكيد خطوة مهمة فى إنشاء جسر الثقة بين الطرفين.

أعود وأؤكد، أن الجودة أهم بكثير من العجلة، وأن الخطأ أثناء التطبيق لا ينتقص من مجهود الحكومة فى شىء، لأن إنكار الخطأ أو تبريره بتبريرات واهية، هو الكارثة. وأؤكد أيضًا أن إشراك المواطنين كأطراف فاعلة فى أى منظومة حديثة هو لصالح الاثنين، المنظومة والمواطن.

معادلة الجيش والسلطة فى السودان

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

منذ الاستقلال وحتى الآن لم يغب الجيش السودانى عن المسرح السياسى، حيث وصل إلى السلطة في السودان أربع مرات، المرة الأولى في 17 نوفمبر 1958، بقيادة الفريق إبراهيم عبود، ثم العقيد جعفر نميرى في 25 مايو 1969، واستمر حكمه للبلاد نحو 16 عاماً، وفى 6 إبريل 1985، كُلف وزير الدفاع حينذاك المشير عبدالرحمن سوار الذهب برئاسة مجلس عسكرى مؤقت لحكم السودان بعد انتفاضة أزاحت النميرى من المشهد.

المرة الرابعة كانت في 30 يونيو 1989، عندما قاد العميد عمر البشير، الرئيس السابق للسودان، انقلاباً أطاح بالعهد الديمقراطى، إذ استمر في الحكم حتى 11 إبريل 2019، عندما أطاحت به الثورة السودانية، وبدعم من المؤسسة العسكرية، التي يتولى أحد قادتها، عبدالفتاح البرهان، الآن، قيادة دفة البلاد على رأس مجلس عسكرى انتقالى.

من التجارب الإيجابية والمهمة في حياة السودانيين تجربة سوار الذهب، هذا الاسم الذي لم يتردد صداه وسط المحتجين والمعتصمين فحسب، بل استشهد به قادة المجلس العسكرى في رسالة تطمين لقوى المعارضة التي كانت تتشكك في نوايا المجلس العسكرى بالسيطرة على الحكم.

تسلم سوار الذهب (المولود عام 1935 في مدينة الأبيض شمال كردفان وسط السودان) السلطة إثر انتفاضة على الرئيس جعفر النميرى، استجابة للتحرك الشعبى والعسكرى في إبريل 1985. قدّم درساً فريداً في الديمقراطيّة، حين قاد البلاد لعامٍ واحد رئيسًا للحكومة الانتقالية بعد الإطاحة بالنميرى، ثم أجرى بعدها انتخابات عامة في العام 1986 فاز بها رئيس الوزراء الصادق المهدى 1986، قبل أن يطيح به الرئيس الحالى عمر البشير بانقلاب عسكرى عام 1989.

وأعلن سوار الذهب بعد ذلك اعتزال العمل السياسى، وأصبح أميناً عاماً لمجلس أمناء منظمة الدعوة الإسلامية، وتوفى في الرياض أكتوبر 2018 عن عمر يناهز 83 عاماً، ليسدل الستار على تجربة طالما يتذكرها السودانيون بكل خير، عندما قاد أحد أفراد المؤسسة العسكرية بلاده إلى بر الأمان والديمقراطية.

لقد كان دور الجيش في السودان حاسماً في كثير من المواقف الصعبة التي واجهت الدولة في الماضى، حيث كانت المؤسسة العسكرية صاحبة الدور الوطنى في الحفاظ على السودان ووحدته، وأيضاً كان وسيلة وقت البشير الذي كان أداته في الانقلاب وحكم البلاد، فيما كان موقف الجيش واضحاً وحاسماً للغاية في تحقيق هدف السودانيين في الإطاحة بمن استغله ثلاثين عاماً.

هل فقدنا الهدف؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

من جديد، لا نتعلم من أخطائنا، ولا نقوم بدراسة ما بدأناه، أو نود أن نبدأه. النهاية السعيدة دائمًا بعيدة، والتعثر في الطريق هو السمة الغالبة لكل محاولات التطوير. نغرق في التفاصيل، بل في تفاصيل التفاصيل. نقرأ الأغلفة جيدًا، لكننا لا ندخل أبدًا إلى سطور الكتاب.

العنوان كان بارزًا.. «تطوير التعليم». هكذا بدأت الحكاية في أهم قطاعات الدولة. استبشرنا خيرًا بالكلمات، وحتى الخطوات الأولى التي طرحتها وزارة التعليم أمام الرأى العام، كانت- ظاهريًا- تشى بأن الطريق صحيح، وتنم عن أنه أخيرًا جاء على رأس هذا الملف من يعمل من أجل التطوير، خصوصًا أنه يمس النشء الذين لطالما طالبنا بتطوير تعليمهم، ليعتمد على التفكير والتنوير لا النقل والتلقين.

تعديل وتغيير المناهج- كما ذكر وزير التعليم مرارًا- كان على رأس الأولويات، وكذلك نظام الثانوية العامة الجديد، إضافة إلى طريقة التدريس والامتحانات «البوكليت». لكن مع مرور الوقت زحف «التابلت» إلى الواجهة، ليتصدر العناوين الرئيسية ليس فقط في منابر التوك شو ومنصات التواصل الاجتماعى وعلى صفحات الجرائد والمجلات، بل داخل كل بيت أصابه «التابلت».

زحف «التابلت» ومشاكله إلى الجميع. دخلت أزماته إلى البيوت لتزيح الأزمات الأخرى من عقول الناس والطلاب. استخدامه في الامتحانات، وفشل الطلاب في التعامل معه، وأزمة انقطاع الإنترنت عنه أثناء الامتحان، صارت أهم من الامتحان نفسه، بل ربما صارت أهم من العملية التعليمية، وتطويرها.

استنفد «التابلت» جهود وزارة التعليم، إذ أصبح الرد على الاتهامات التي يوجهها الكثيرون لها بخصوص «التابلت» هو الشغل الشاغل للمسؤولين الذين أسألهم إن كانوا قد كلفوا أنفسهم عناء دراسة حالة استخدامه في الدول المتقدمة، أو في بعض الدول العربية الأفضل اقتصاديًا من مصر، كـ«الكويت» مثلًا التي ألغت المشروع بعد أن أنفقت عليه ما يعادل حوالى المليار ونصف المليار جنيه.

البعض يرمى بالعيب على الآخر ويتهمه بإثارة الأزمات، والبعض الثانى يهوّن من الأزمة وينفيها من الأساس، والبعض الأخير يطلق تصريحات ما أنزل الله بها من سلطان، ليعاد استخدامها من جديد، لندور في الدائرة وننسى الهدف الرئيسى.

حالة تطوير التعليم، كأى حالة أخرى عشنا معها لفترة، حيث يرفع المسؤولون شعارها، فنصدقها ونحلم بتحقيقها، لنتوه بعد ذلك في دروب وعرة، بل نتعثر في حفر كان من السهل تفاديها إذا درسنا الحالة جيدًا قبل التطبيق. حالة تطوير التعليم توارت هذه الأيام إلى الخلف أمام حالة «التابلت»، التي يبدو أنها صارت عند المسؤولين عن ملف التعليم هدفًا رئيسيًا؛ أن يثبتوا أنهم و«التابلت» على صواب.

الزميل شريف مدكور

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

حرصت وقت أن كنت أعيش في لندن على أن أزور الفريق أول محمد فوزى الذي كان يتلقى العلاج هناك في منتصف التسعينيات. في فندق القوات المسلحة بضاحية بادنجتون زرته أكثر من مرة. كنت أستمتع بالاستماع له وهو يحكى عن مواقف مرت به وقت أن كان وزيرًا للحربية عقب نكسة 67 بأيام، وكيف مات المشير عامر، وكيف أعادت مصر بناء جيشها، وماذا حدث مع السادات. أحداث هي جزء من تاريخ مصر. رغم المرض احتفظ بذاكرة قوية وحضور طاغٍ وكف قوية عند المصافحة.

بعدها بحوالى عشرة أعوام، كنت وقتها مسؤولًا عن الأخبار في التليفزيون المصرى، كان أحد المشروعات المهمة في عملية التطوير وقتها برنامج «صباح الخير يا مصر». كانت الفكرة وقتها أن نطلق برنامجًا مصريًا بروح جديدة وشكل جديد. في هذا الإطار كان البحث عن وجوه جديدة بأداء مختلف وحضور جاذب. كان من بين الأسماء التي سمعت بها مذيع شاب كان يقدم فقرة مطبخ على قناة الأسرة والطفل اسمه شريف مدكور. عندما توقفت فقرته أو برنامجه لأسباب لا أذكرها الآن، كان السؤال عن غيابه من مشاهدات ومشاهدين لافتًا للنظر. شاهدت أجزاء من برنامجه وقررت دون تردد أنه أحد المذيعين الرئيسيين لـ«صباح الخير». ثبت ما توقعته، رغم اعتراض عديدين على ضمه لبرنامج كان يُعد برنامج الدولة وواجهتها. وأثبت شريف حضورًا متميزًا وكسب شعبية كبيرة وأكسب البرنامج شعبية أيضًا. كنت أمزح أن غيرة المذيعات لن تكون من مذيعات أخريات، بل إن غيرة الجميع رجالًا ونساءً من المذيعين والمذيعات هي من شريف الذي كانت تأتيه معظم الاتصالات، لكن حتى هذا المزاح لم يتحقق، لأننى اكتشفت أنه نجح في أن يكون محبوب الجميع.

حضر شريف إلى دائرة الحديث بشدة مؤخرًا مع إعلانه إصابته بالسرطان، مما يستدعى جراحة أجراها، ووجه رسائله إلى متابعيه ليكشف لكل الناس عن حقيقته التي لا يعرفها إلا من اقترب منه فيرى فيه إنسانية ونبل أخلاق غير مفتعل. تابعت وأظن كثيرين تابعوا ذلك رد الفعل الكبير الذي نجم عن إعلانه عن مرضه وكيف استقبله وكيف يتعامل معه. ردود الفعل الجديرة بالتوقف بين رسائل الحب والتشجيع هي تلك الرسائل التي عبر فيها أصحابها عن اكتشافهم لحقيقة شخصية شريف التي لم يعرفوها، بل ظلموه طويلًا بافتراءات واتهامات وتجاوزات. شدته التي مرّ بها كشفت لمن لا يعرفه حقيقته كإنسان.

كان من بين ما حكاه لى شريف من وقت طويل أن جدّه هو الفريق أول محمد فوزى، وأنه كان أول أحفاده التسعة الذين كان الجدّ يعطى كلًا منهم رقمًا. وفهمت من وقتها من أين اكتسب روح الإنسانية والرجولة. وهذا لا يظهر في خشونة المظهر ولكن يتجلى في الروح والمواقف.

أمنياتى للزميل شريف مدكور أن يعود سالمًا معافى.

«التابلت» يدخل مجلس الوزراء

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

توقع المفكر المصرى الراحل سلامة موسى في كتابه «أحلام الفلاسفة» الصادر في عشرينات القرن الماضى أن تدخل الكهرباء القرى المصرية بحلول سنة 2000، إلا أن مصر سبقت نبوءة موسى بسنوات طويلة.

رحل سلامة موسى ورحلت تنبؤاته ليبدأ عصر متسارع من التكنولوجيا والتطور، ربما كانت وتيرته في أوروبا أسرع من نظيرتها في مصر، ولكننا حققنا ما كان يتنبأ به المفكر الراحل.

رحل موسى قبل سنوات طويلة من صور احتفت بها الصحف المصرية تظهر عددًا من وزراء حكومة مدبولى، وهو يحتفلون بدخول «التابلت» إلى مجلس الوزراء.

وأصدرت الحكومة بيانًا قالت فيه إن اجتماعها شهد بدء تطبيق تجربة تقنية جديدة، وهى وجود جهاز «تابلت» أمام كُل وزير، يتضمنُ جدول أعمال الاجتماع، بدلًا من الملفات الورقية، وذلك في خطوة تهدف إلى إيجاد شكل جديد لإدارة جلسات اجتماعات الحكومة، والمناقشات بين رئيس الوزراء والوزراء من جانب، وبين الوزراء وبعضهم البعض، في الجوانب الفنية الخاصة بالموضوعات والملفات التي يتم بحثها خلال الاجتماع.

الصور المحتفى بها والتى تحمل ابتسامة على وجه كل وزير بالاختراع الجديد، والبيان الذي وزعته الحكومة على وسائل الإعلام والصحافة والذى عدد من أهمية استخدام «التابلت» في الاجتماعات، لا شك أشعرانى بخجل كبير ممزوج بحزن وغضب، لا سيما ونحن على مشارف العام 2020، إذ لم أتصور أبدًا أن يتم الاحتفاء بتقنية كتلك في هذا الزمان.

لم أتخيل أبدًا أن «التابلت» الذي تم استخدامه رسميًا مع طلاب الصف الأول الثانوى هذا العام، والذى نراه بشكل كبير في يد أطفال لا يتعدون من العمر 10 سنوات، يُحتفى باستخدامه في الحكومة على المستوى الرسمى.

ليس لدىّ شك في أن الوزراء جميعًا على قدر كبير من الوعى التكنولوجى، والتطور الحادث في هذا العالم، كما أننى لا أشك في أن أغلبهم يستخدمون «التابلت» بالفعل في كافة أنشطتهم، الرسمية وغير الرسمية، ولكن أن يتم تصدير صورة بهجة باستخدامه لأول مرة، فهو العيب عينه.

لست أبدًا ضد استخدام «التابلت» في تنظيم الاجتماعات، لكن غصتى في الإعلان وكأنه حدث. لست أبدًا ضد استخدام التكنولوجيا في أشياء مفيدة لمنظومة العمل داخل مجلس الوزراء، ولكن خجلى في تأخر هذا الاستخدام إلى هذا الوقت.

دخل «التابلت» إلى اجتماعات مجلس الوزراء، الأمر انتهى بالفعل، لننتظر خلال الفترة المقبلة نتيجة هذا الدخول الميمون، وأتمنى أن نلمس نتائجه بالفعل حتى لو كانت على مستوى اجتماعات الوزراء والتنسيق فيما بينهم.

الفتوات

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

«خذ حقك بإيدك»، ربما تكون المقولة الأكثر فوضوية في أدبيات تربية النشء. الغالبية ولا شك سمعوها من الأب أو الأم في مراحل عمرية سابقة، بل وعملوا بها أحياناً مع زملاء الدراسة أو الجيران أو أصدقاء الشارع. لكن مع مرور الزمن فإن الإنسان بالتأكيد قد أدرك أن «أخذ الحق» لابد أن يخضع للقانون وللأعراف المجتمعية والإنسانية، لا لمنطق «الفتوات».

ما فعله أحد المنتجين بمعاونة حراسه الشخصيين وهجومه ضد موقع «صدى البلد» أعاد إلى الأذهان هذه المقولة بحذافيرها. فما فعله الرجل يرسّخ لفكرة «خذ حقك بإيدك»، أو بالأحرى «خذ ما تعتقد أنه حقك بإيدك»، وهى الظاهرة المتنامية بشكل مدهش في المجتمع المصرى، على الرغم من وجود قانون يحكم العلاقة بين الجميع، ويفصل في النزاعات القائمة بينهم، حتى لو كان النزاع قائمًا على عرض مسلسل، وحتى لو كان المنتج الشهير لا يدرك الفارق بين صاحب قناة ورئيس تحرير موقع.

المشهد كان مؤسفاً، والاعتداء على صحفيين في مقار أعمالهم أشد أسفاً، لأنها ليست المرة الأولى التي يحدث فيها ذلك خلال الفترة الأخيرة، إذ لم تجف أحبار الأخبار التي كُتبت عن حادث اعتداء لاعبى وجهاز أحد الفرق المصرية على زميلنا مصور «المصرى اليوم» بعد نهاية إحدى المباريات. هؤلاء اللاعبون المعتدون أيضاً آمنوا بمقولة «خذ ما تعتقد أنه حقك بإيدك»، وانهالوا على زميلنا ضرباً وركلاً، متناسين أمراً اسمه «القانون».

كثرة مشاهد الاعتداء على من ينتمون إلى مهنة الصحافة أخيراً لا تدل إلا على نظرة مجتمعية متراجعة للغاية للصحفيين والإعلاميين بشكل عام، تتناثر مسؤوليتها على أطراف عدة، أولهم بعض المسؤولين الذين عادة ما يوجهون سهام الانتقاد للصحفيين والإعلاميين في حدوث كوارث أو حتى تغطيتها بالشكل المهنى، وثانيهم بعض الصحفيين أنفسهم، وتحديداً من هجروا المهنية والمسؤولية المجتمعية، وآخرين صاروا يهاجمون الصحافة، وكأنها ليست مهنتهم، وثالثهم مسؤولون عن الملف الصحفى والإعلامى، تفرغوا إلى مشهد عرى في مسلسل أو فيلم هنا أو جملة حوار غير لائقة هناك، ورابعهم نقابة لا يصدر عنها إلا بيانات، وقرارات بحجب أسماء وأخبار.

كثيرون في المجتمع الآن يعتبرون أن ضرب الصحفيين حلال، وهو أمر يحتاج إلى وقفة مع النفس أولاً، من أجل دراسة ما يحدث بشكل عقلانى غير انفعالى، إضافة إلى ضرورة العمل لإعادة الاحترام وحماية الصحفيين من الاعتداءات، وأخيراً اهتمام أكثر من الدولة بـ«الصحافة» التي اقتربت من خط النهاية.