نظرية البهجة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

«نظرية البهجة» هو الاسم القديم لفيلم «الساحر» للراحل محمود عبدالعزيز، حيث كان مخرجه رضوان الكاشف ينوى طرحه بهذا الاسم، إلا أن أبطال الفيلم والنقاد وأصدقاء الكاشف طلبوا تغييره، فتحوّل إلى «الساحر».

و«نظرية البهجة» التى قصدها الكاشف فى فيلمه هى تلك الرغبة التى بداخل الإنسان للبحث عن مصدر سعادته وبهجته، وأعتقد أن النجم محمد صلاح، لاعب المنتخب القومى وليفربول الإنجليزى، صار مصدر السعادة والفرحة للمصريين الباحثين عن البهجة خلال الفترة الماضية.

فى الأزمة الأخيرة، انتصر المصريون لمن حمل لهم البهجة، انتصروا لمصدر السعادة، انتصروا له حتى إذا أخطأ، فما بالك لو كان مُصيباً. فى الأزمة الأخيرة، ظهر واضحاً أن صلاح هو نجم الشباك الأول فى منظومة الكرة المصرية، بل منظومة الرياضة بشكل عام. المشوار والبطولات والأرقام القياسية التى حققها صلاح خلال مسيرته الأوروبية مع ناديه الإنجليزى ومن قبلها فى إيطاليا وسويسرا، صارت بمثابة حائط الصد الكبير الذى يستند إليه صلاح وجمهوره، خصوصاً مع أى أزمة جديدة.

الناس فى مصر تثق فى صلاح، وتثق فى قدراته، وتثق فى تصرفاته. الناس هنا ساندته وقت إصابته التى مُنى بها فى نهائى دورى الأبطال الأوروبى العام الماضى، إلى حد تهديد اللاعب الإسبانى راموس صاحب التدخل الذى أدى إلى الإصابة. الناس هنا مهووسون باللاعب الذى سجل هدفين فى مباراة الوصول إلى كأس العالم بعد 28 سنة من الغياب. الناس هنا معجبون حد الانبهار باللاعب الذى سجل هدفى مصر فى مباريات كأس العالم، رغم أنه كان يلعب مُصاباً.

الناس هنا انتصروا له عندما تم توريطه فى أزمة الشيشان أثناء المونديال، وفى أزمة الإعلانات، وفى الأزمة الأخيرة. الثقة فى عقل صلاح وضميره بلا حدود، فهو اللاعب الذى لم يفتعل أى مشكلة طوال مسيرته الاحترافية، صاحب السيرة الحسنة فى الملاعب المصرية والأوروبية على السواء، المشهود له بالتواضع والهدوء والانتماء.

أظن أن طلبات صلاح احترافية، ربما خان محاميه التعبير، وربما خانه هو الظرف العام والعقلية العامة، إلا أن الوقائع التى حدثت فى روسيا ومرت من دون تحقيق حقيقى وجاد، تؤكد أنه على حق، وتؤكد أنه يريد أن يتفادى حدوثها مرة أخرى.

الأزمة بين اللاعب واتحاد الكرة هى أزمة بين عقلية احترافية حقيقية وعقلية تسيّر أمورها بـ«البركة» أو حسب مقتضيات الحال والأيام والظروف. الأزمة بين صلاح واتحاد الكرة ربما تشهد حلاً خلال الأيام القليلة المقبلة، وربما تتعقد أكثر، لكن أغلبية الجمهور المصرى حسم أمره، هو مع صلاح، صاحب نظرية بهجته وسعادته.

Advertisements

من يجرؤ على توحيد التعليم

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

ظهرت المدارس العادية جنباً إلى جنب مع المعاهد والمؤسسات الأزهرية، فانخرط فيهما أبناء وبنات سكان المدن الصغيرة والقرى والكفور النجوع، إلا أن المدهش أن شبكة التعليم الدينى كانت حلاً لمشكلات الطبقات الفقيرة فى المجتمع والطوائف الأقل نجاحا فى التحصيل والتعليم، إذا فالأقرب للاستنتاج أن المجتمع (بقصد أو من دون قصد‏)‏ يضخ أعداداً كبيرة من الفئات الأكثر احتياجاً وفقراً، بل والأقل تحصيلاً، فى منظومة تعليمية دينية كبيرة‏، بما يحمله من تبعات خطيرة فى المستقبل.

وعلى الجانب الآخر فإن تقرير صادر عن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء خلال شهر مارس الماضى، أظهر أن إجمالى عدد مدارس مصر بلغ 52 ألفا و664 مدرسة، منها 45 ألفا و279 مدرسة حكومية، و7 آلاف و385 مدرسة خاصة، فيما يظهر التباين الواضح فى العملية التعليمية والمصروفات الدراسية وطرق التعليم وأساليبه، بشكل لا يمكن إنكاره.

ونستطيع هنا القول بأن التفرقة بين أبناء الوطن الواحد حسب إمكانات كل منهم أمر يهدم لدى الطلاب قيم الانتماء الوطنى،‏ فالتعليم الوطنى بالمدارس الحكومية حالياً لا يحقق الهدف منه، إذ إن التعليم الخاص والأجنبى بصفة خاصة هو التعليم الحقيقى، والذى يحرص عليه كبار مسؤولى الدولة ليكشف فى النهاية أن المسؤولين ليسوا مقتنعين بالتعليم العام، وبالتالى لا تتوقع أن يدعموه أو يحرصوا عليه.

فى منتصف العام الجارى ضجت أركان مؤسسة الأزهر برفض دعوات دمج التعليم العام بالأزهرى، وذلك بعد تصريحات للدكتور طارق شوقى وزير التربية والتعليم المصرى فُهم منها أنها نية لـ«الدمج» (لكنه كان يتحدث عن تنسيق ما فى مرحلة رياض الأطفال ومؤسسة الأزهر). يبدو أن الرجل لم يتوقع رد الفعل على هذا المستوى فقرر أن يراجع نفسه.

وقتها رفض مجلس جامعة الأزهر تلك الدعوات موضحاً أن التعليم الأزهرى على مر تاريخه يرسخ المواطنة وحبّ الوطن، وكان لأبناء الأزهر على مر تاريخه دور لا ينكره إلا من لا يعرف تاريخ وطنه، فلا ينكر أحد أن البعثات العلمية فى عصر النهضة ارتكزت على الأزهريين فى البعثات التسع.

وعلى النقيض رحب الخبراء التربويون بالأمر، مشددين على ضرورة توحيد التعليم الأساسى وترسيخ مبدأ المواطنة والقضاء على ازدواجية الشخصية التى تستغلها الجماعات الإرهابية.

تبنى البعض رأياً وسطياً اقترح تشكيل لجنة تقريب لبحث دمج التعليمين، مؤكدًا على أهمية توحيد التعليم فى مصر، دون النظر إلى الدين أو العرق، لترسيخ مبدأ المواطنة، مشدداً على أن فكرة «دمج التعليمين» ليست جديدة، بل مطروحة منذ سنوات عديدة.

المدهش أن هذه العاصفة انتهت إلى لا شىء، فلا لجنة شكلت، ولا فكرة نوقشت، سواء على المستوى الاجتماعى أو التعليمى.

الأمر جدير بفتح حوار جدى حول قضية مصيرية.

الازدواجية فى التعليم

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تُعتبر قضية ازدواجية التعليم المدنى والدينى إحدى أهم القضايا المطروحة فى المجتمعات العربية منذ عقود.

فى أوائل القرن الماضى كان التعليم الدينى فى مصر بلا منافس، فحينها كان المتعلم لا يزيد على قراءة وكتابة القرآن والفقه إلا ما ندر، حتى برز لقب العالِم مختصاً برجال الدين، غير أن الأمر اختلف مع التعليم الحديث برعاية الدولة، سواء فى المدارس العامة الرسمية أو الخاصة الأهلية.

ولا نستطيع مناقشة ازدواجية التعليم المدنى والدينى إلا بمدخل تاريخى يظهر خلاله وجود ازدواجيات عدة وليس ازدواجاً واحداً، أولاها هى ما نحن بصدده، حيث بدأ التعليم الأزهرى قبل الغزو العثمانى بتدريس مواد الرياضيات والعلوم‏،‏ إلا أن العثمانيين جمّدوه فى قالب دينى واحد‏،‏ فى الوقت الذى تطور فيه التعليم العام مع بدء عهد الخديو إسماعيل‏.

فيما تظهر ازدواجية أخرى مع مطلع القرن العشرين بعد إقامة التعليم الأهلى والمدارس الأهلية فى مقابل الحكومية العامة، ثم جاءت ازدواجية بين المعلمين، فظهر تخصيص بين معلمى التعليم الثانوى والابتدائى لأول مرة فى عام ‏1947‏، بعد أن كان المدرس يرقى من الابتدائى إلى الثانوى‏،‏ ثم ظهرت المدارس الخاصة مع السبعينيات مع سياسة الانفتاح التى انتهجها الرئيس السادات‏،‏ وظهرت مدارس اللغات الخاصة.

وفى الثمانينيات ظهرت مدارس اللغات الحكومية «التجريبية‏»‏، ومع كل ذلك ظل التعليم الثانوى الفنى فى مقابل التعليم العام.

أما الآن، فآخر إحصائيات مركز التعبئة والإحصاء تشير إلى أن 25 فى المائة من المنخرطين فى العملية التعليمية فى مصر اليوم من تلاميذ وطلاب يدرسون فى مؤسسات تعليمية دينية ‏«مدارس ومعاهد وكليات أزهرية».

وهذا يعنى أن هناك أكثر من أربعة ملايين تلميذ وطالب يتلقون تعليمهم من البداية إلى النهاية فى مؤسسات تعليمية دينية، ولهذا‏ تبرز أهمية مناقشة تلك الازدواجية، وكذلك أبعادها وانعكاساتها ونتائجها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية.

الأرجح أنه لم تكن فى مصر سياسة استراتيجية تعليمية واضحة لما ستؤول إليه العملية التعليمية بعد انتشار مدارس التعليم العام بشقيها الحكومى والخاص.

لقد وصلنا إلى ما نحن فيه بفعل تداعيات الأمر الواقع والبيروقراطية والتطور الطبيعى للحركة العمرانية والسكنية والاجتماعية.

جيل قادم من الأقزام

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

ربما يكون من المستحيل أن تتراجع مصر عن سياسة الإصلاح الاقتصادى الآن، لكنها مطالبة بأن تبحث عن بدائل للمشكلات التى قد تحدث جراء هذا الارتفاع.

على السلطة فى مصر أن تبدأ فوراً فى اتخاذ خطوات جادة ومنهجية لمواجهة تداعيات «الجوع» المتوقع، بتوفير وجبات متكاملة القيمة الغذائية لأولادنا فى المدارس، والتوسع فى بيع السلع الغذائية بأسعار مخفضة على بطاقات التموين.

السنة الدراسية على الأبواب، والوضع أشبه بكارثة بسبب الهزال ونقص الوزن والأمراض المميتة التى تضرب الأجيال الجديدة، ما يؤدى إلى فشلهم فى الدراسة وانخفاض مستوى إنتاجيتهم، ومن ثم ضعف عقليات الأجيال القادمة.

الجوع وسوء التغذية مسؤولان عن نسب تتراوح بين 35% و55% من وفيات الأطفال فى مصر، حسب بعض التقديرات، حيث إن ارتفاع الأسعار يحول دون توفير الأسر الفقيرة الغذاء لأطفالهم الذين يعانون من مشاكل صحية. والمدهش أيضاً أن 40% من البالغين فى مصر يعانون من التقزم بسبب سوء التغذية، ومنهم 2.7 مليون طفل دون سن الخامسة، و6.3 مليون آخرين فى الفئة العمرية ما بين 6 و18 سنة.

إلى هذا الحد وصلنا بالفعل. الأمر خطير لدرجة ربما لا يدركها المسؤولون فى مصر، الذين يشاهدون أبناءنا فى هذا الحال، ولا يتحركون من أجل إنقاذ الموقف، سواء الصحى أو الدراسى.

المثير فى الأمر أن الجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء أصدر بيانا يؤكد أن مصر فى المرتبة الـ59 عالمياً والثالثة عربياً فى مؤشر الجوع العالمى خلال العام قبل الماضى، والذى يرصد أحوال الغذاء فى 118 دولة. ويصدر مؤشر الجوع عن المعهد الدولى لبحوث سياسات الغذاء، والذى يقيس مدى التقدم أو التأخر فى كل عام فى مكافحة الجوع. ويهدف لتحفيز الدول على تحقيق أهداف منظمة الأمم المتحدة من التنمية المستدامة بالقضاء على الجوع فى 2030.

ويبنى المؤشر تقديراته للجوع على أساس نسبة الأفراد الذين يعانون من نقص التغذية ونسبة الأطفال الذين يعانون من نقص الوزن والتقزم بسبب نقص التغذية ومعدلات وفيات الأطفال. وجاءت مصر فى المرتبة 112 من بين 138 دولة فى مؤشر كفاءة سوق السلع عن عام (2016-2017)، والـ89 فى مؤشر «تحقيق المتطلبات الأساسية من الصحة والتعليم الأساسى».

القضية بالفعل خطيرة للغاية، وأهم من أن تكون ميداناً للنزاعات السياسية، أو إدانة طرف دون طرف آخر، أو حتى الالتفاف حولها بذرائع وهمية حول نقص الإمكانيات. القضية أهم بكثير من أى رغبات فى الانتقام أو الحقد أو المعايرة أو حتى الانتقاد. القضية هى قضية الأجيال القادمة التى من المفترض أن تكون نواة لمستقبل هذا الوطن، وأن تكون قاطرة التنمية فى المستقبل.

الفتنة تقترب من الاشتعال

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

قلتها من قبل، وأقولها مرة ثانية. الحريق آت. أشتم رائحته بكل وضوح، فالفتنة النائمة هناك من يوقظها، بجهل أو بدون، لكنها باتت قريبة من الإيقاظ. لأن من ستصيبهم اللعنة كثر، ويمارسون أدوارهم بكل همة، يمارسون إشعال الحرائق بكل جهد، فى مجال كان يفترض أن يكون أساساً للتنافس الشريف، وعنصرا للتقارب.

كتبت مرتين وسأكتب المزيد عن الحريق الذى أراه فى الأفق. ذلك الحريق الذى يتأجج يومياً عبر ساحات الفضائيات وعلى مواقع التواصل الاجتماعى، وتحديداً «الفيس بوك» الذى بات يتنفسه المصريون مثل غيرهم فى المنطقة العربية. حالة الاستقطاب مستمرة بين من هم يناصرون تجربة نادٍ جديد فى الدورى المصرى ومحطته الفضائية وكل ما تقدمه، ويكتبه القائمون على صفحته فى «فيس بوك»، وبين من يرفضون.

ساحة الرياضة صارت كالحرب. يقذف كل فريق فيها بحمم النار على الفريق الآخر، لكن الجمهور هنا سيكون أول الضحايا، وأندهش فعلاً ممن يواصلون إعجابهم بنبرة التعالى التى يتحدث بها القادمون الجدد، وأندهش من قبول البعض بموقع المتلقى بدونية غريبة. لكن ما لا يعلمه هؤلاء، المعطى والمتلقى بدونية، أنهم بذلك يؤججون نارا لا نعرف حدودها.

تماماً مثلما أندهش من حالة الصمت التى تنتاب من فى يدهم أمر إطفاء نار هذه المباراة الملتهبة وغير المتكافئة، أتحدث هنا عن عقلاء وعن مسؤولين عليهم أن يمارسوا دورهم الرئيسى المنوط بهم فى الأساس، حتى لا يتحول الأمر إلى أزمة لا يُحمد عقباها.

نعم، قد يشتعل الحريق فى مباراة واحدة. هندوراس والسلفادور، مثلا، اندلعت بينهما حرب سميت «حرب الأربعة أيام» بسبب مباراة كرة قدم جمعت بينهما.

إنجلترا وألمانيا كادت أجواء مباراتهما معاً فى نصف نهائى كأس الأمم الأوروبية فى العام ١٩٩٦ أن تشعل حريقاً قديماً كانت آثاره قد زالت بمرور الزمن، وهى الأجواء التى استخدمت فيها سيرة الحروب العالمية السابقة إلى حد نشر الصحافة العالمية صورا للاعبين قبل المباراة وهم يرتدون خوذات الحرب.

الجماهير المصرية أخذت عهدا من الدولة بحضور مباريات فرقها، للمؤازرة والمساندة، بعد سنوات من المنع والحظر، لذا لابد من نهاية قريبة لمسلسل الإشعال الذى يزداد إثارة فى كل يوم.

هنا أدعو المسؤولين على طرفى البحر الأحمر ليتحملوا مسؤوليتهم لنزع فتيل الاشتعال قبل أن يتأخر الوقت.

لا تستهينوا بمستصغر الشرر

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لم تسلم العلاقات المصرية السعودية مما يوترها، بعض هذه الأزمات وصل إلى مرحلة متقدمة لو بحثنا فيها لوجدنا أن السبب الرئيسى كان دائماً النفخ فى نيران الأزمة، والمعالجة الخاطئة أحيانا، والمتعجلة أحيانا أخرى، وعدم إدراك خطورة استثارة الرأى العام فى كل الأحوال. عاصرت شخصياً أزمتين من الأزمات «العلامة» فى العلاقات بين البلدين، ولذلك تحذيرى ينطلق من إدراك ومعايشة نيران شهدتها ولمستها من قبل.

إحدى هذه الأزمات حدثت منذ أكثر من عشرين عاماً، حينما نفذت السلطات السعودية حكماً بجلد طبيب مصرى، لأنه حرر محضراً ضد مدرس سعودى يتهمه باغتصاب ابنه، فارتأت المحكمة أن الرجل لا يملك الحجة والدليل، ومن ثم نفذت عليه الحكم. وتكرر أمر جلد الأطباء بعدها أكثر من مرة. وقتها نشرت مجلة روزاليوسف على غلافها عنوان «جلد المصريين فى السعودية»، فغضب الشارع المصرى، وبدأ الحريق. كنت وقتها أعمل فى جريدة الشرق الأوسط السعودية اليومية، التى تصدر فى لندن، وشهدت بعينى كيف كانت تتطور الأزمة وتكاد تخرج عن السيطرة. حتى إن مسؤولاً سعودياً كبيراً قال وقتها إن أرادوا قطع العلاقات، يقصد المصريين، فلنفعل ذلك. حاول العقلاء على الطرفين حتى تمكنوا من تجاوز الأزمة ولكن بعد وقت طويل. الأزمة الثانية التى حضرتها كانت بسبب الموضوع الذى نُشر عام 1996 حول دور أبناء الرئيس فى البيزنس، وهو الأمر الذى سبب توتراً شديداً فى العلاقات أيضاً، احتاج الأمر الكثير من الجهد والوقت لتجاوزها.

ما أذكره من أزمات شهدتها وعايشتها لا أذكره من منطلق الذكريات، ولكنى أستحضرها فى ذهنى وأنا أرى ما يحدث من تصرفات تسخين وإشعال لنار الفتنة بين الشعبين لأسباب أصغر كثيرا من أن تكون سببا فى حريق يشتعل. ولكنى هنا أحذر وأذكّر بمشكلات حدثت من قبل لأسباب أقل، ولَم يكن هناك وقتها ذلك التفاعل الكبير والانخراط الهائل للمواطنين فى وسائل التواصل الاجتماعى، لم تكن موجودة أصلا، وعلى الرغم من ذلك فإن وسائل الإعلام التقليدية على محدودية انتشارها وقتها مقارنة بوسائل التواصل الاجتماعى كانت سببا فى إشعال الموقف. فما بالنا بالوقت الواهن. وكما يقال معظم النار من مستصغر الشرر.

لم أتناول أسماء لأنها ليست قضيتى، ولكنى هنا أحذر العقلاء على الطرفين من محاصرة أزمة قد تنفجر فى وجوهنا بلا داعى لها. وأنا هنا لا أتحدث عن أزمة فى الوسط الرياضى أو الإعلامى، ولكنى أتخوف من اشتعال نيران أزمة بين بلدين لا يتحملان فى الوقت الراهن مثل هذه الأزمات، البلدان بحاجة إلى تدعيم وتقوية ما بينهما، وليس هدر الجهد لإطفاء نيران أزمة، كان من الممكن تجنبها.

أشم رائحة الحريق

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

يظل اللعب بالنار هو أخطر أنواع المغامرات غير المحسوبة. رغم التقدم الهائل الذى يشهده العالم فإن كل احتياطات التأمين ووسائل مقاومة النيران تقف فى كثير من الأحيان عاجزة عن تلافى آثارها المدمرة.

مواصفات النيران الطبيعية وضررها مثلها مثل العبث فى أمور أشبه بإثارة اللهيب فى نفوس البشر، عندها فإن العقول والحكمة تنهزم أمام جنون النيران وقدرتها التدميرية.

بشكل مباشر أنا أتحدث هنا محذراً من نيران ينفخون فيها يمكن أن تؤثر بحق فى علاقات دولتين قدرهما أن يرتبطا بأواصر تاريخية وعلاقات إنسانية، بل وعائلية، ومصالح مشتركة ومخاطر لا تملك الدولتان إلا أن تتحالفا من أجل مواجهتها. أتحدث عن مصر والسعودية.

أما عن النيران التى أشم رائحتها فهى فى ذلك «النفخ» فى نيران التعصب واستفزاز مشاعر جماهير تحكمها العاطفة العمياء فى التعصب الكروى، وتجد فى هذا التعصب مخرجاً ومتنفساً لها للتعبير والإحساس بالمشاركة وبأهمية دورها. كان الأمر كذلك وسيظل لفترة طويلة.

لست من المتابعين بحرص لأمور الرياضة فى بلدنا إلا فى إطار الاهتمام بالشأن العام. ولكن منذ فترة وأنا أتابع بدقة تطورات ذلك «التفجير» الذى حدث لواحد من أهم الرموز الرياضية والاجتماعية المصرية وهو النادى الأهلى. منذ أن أطلق رئيسه الفخرى السابق معركته ضد قيادات النادى الحالية، وهو الأمر الذى يحتاج أن يغلق بحقائق وإجراءات تضمن الحفاظ على قوة واستمرارية هذا الأساس المهم من أسس القوة الناعمة المصرية.

بعد هذه البداية المتفجرة للأحداث استمرت الأمور فى اتجاهات متعددة، وإن كانت تصب فى نتيجة واحدة هى تسخين أو «إشعال» الأجواء باستثمار فى ناد أو تمويله بسخاء يتجاوز التعبير بالمعايير المصرية، وكان يمكن أن تقف الأمور عند هذا الحد ويمكن التعامل معها. لكن عملية «الإلهاب»، إن صح التعبير، استمرت بشكل لا يدرك معها من يقوم بها خطورة إشعال نيران التعصب التى تصيب السلوك بالعمى. وتنوعت عملية التسخين بأساليب مختلفة عبر وسائل التواصل الاجتماعى أو التصريحات الصحفية أو التفاخر بالقدرات المالية لشراء الإعلام، وسائل وأشخاصا. الخطورة أن الأمر لا يقف عند حدود التعبير عن رأى فى مواقع التواصل وفقط ولكن الاشتباك مع المتفاعلين.

لا أصادر حقوق المستثمرين أو الإعلاميين أو غيرهم ممن دخل الدائرة، ولكنى أحذر من أن ما يحدث الآن هو إضرام لنيران يظن من يشعلها أنه يمارس حقه وأنه قادر على التحكم فيها، وهذا أمر غير حقيقى، عندما تشتعل النيران لا يقود ألسنتها أحد، بل إنها تطال من بدأ بإشعالها فى أحيان كثيرة. وعندما تشتعل فى مساحات التعصب فإن المسؤولية تكون مسؤولية من نفترض أنه يدرك ومسؤول، ولهذا حديث آخر.

نار الشائعات.. وشرر الحكومة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

معظم النار من مستصغر الشرر، هذه هى الحقيقة التى رسختها الحكومة بعادة إعلانها الزيادة فى أسعار السلع والخدمات يوم الخميس من كل أسبوع، حيث جعلت المواطن مستعداً لتلقى خبر سيئ فى هذا التوقيت، حتى إن البعض كان يطلق على هذا اليوم مصطلح «خميس الزيادات».

كانت هذه فرصة مناسبة جداً للراغبين فى إثارة الشائعات أو الباحثين عن آلاف المعجبين والمتابعين فى مواقع التواصل الاجتماعى، فيطلقون شائعاتهم بزيادة الأسعار أواخر كل أسبوع فى الغالب، لتلقى رواجاً كبيراً، ثم تضطر للنفى، وهكذا.

وتكشف هذه الحالة أن مصادر الشائعة أربعة، الأول هو العدو الواعى الذى يدرس الظرف جيداً ويحلل نقاط الضعف، ثم فى وقت الأزمة ينشر الشائعة المناسبة التى يحقق منها منفعته الخاصة.

المصدر الثانى هو الصديق الجاهل، الذى يحاول- «وبحسن نية»- أن يدافع عنك فى موقف ما أو يُظهرك بمظهر جيد أمام الناس، فيخبر آخرين عنك بأشياء ليست فيك وبأفعال لم تأتِ بها. أما المصدر الثالث فهو صاحب المصلحة الذى يستفيد من انتشار الشائعة، فيما يبقى المصدر الأخير هو الشخص الجبان الذى ينشر الشائعة لتبرير جبنه، والغريب أن أول مَن يصدق شائعته هم أناس جبناء مثله، ثم تنتقل بعد ذلك إلى الأسوياء.

بالفعل، يمكن للشائعة أن تهدم بلداً أو تنصر طرفاً فى معركة كانت خاسرة، كما يمكن أن تقضى على سمعة شخص وجهة ما. ومع التطور السريع لوسائل الاتصالات، توقع الجميع تراجع تأثير الشائعة وانتشارها ودفنها فى مهدها، إلا أن ما يحدث فى مصر كان العكس تماماً، حيث أسهمت وسائل الاتصال فى تأجيج الشائعات وانتشارها على نحو واسع.

صارت حرب الشائعات بين مجموعات «أهل الشر» «والحقد والعداوة» من جانب، وبين الدولة من جانب آخر، قوية شرسة، فلم تتوانَ المجموعة الأولى عن نشر الشائعات كل أسبوع، فى حين تحاول المجموعة الثانية توضيح وتفنيد كل شائعة على حدة، وذلك عن طريق مركز معلومات مجلس الوزراء، الذى يقدم للشعب نشرة تفصيلية بشكل «شبه يومى» عن الشائعات ونفيها.

ورغم عدم معقولية الشائعات وتهاويها أمام أبسط محاولة للتفنيد، فإنها عادة ما تحظى بآلاف الإعجابات والمشاركات على مواقع التواصل الاجتماعى، والسبب حالة الاستقطاب السياسى الحاد فى الشارع المصرى، والتى تدفع كل فريق إلى اختلاق الشائعات التى تتناسب مع جمهوره لتأكيد خطأ الفريق الآخر.

ما يهمنا الآن هو تعاطى الحكومة مع الأمر. ما يهمنا فى هذه المرحلة أن يكف المسؤولون عن صنع «مستصغر الشرر»، الذى يصير ناراً، ثم يبذلون قصارى الجهد لإطفائها، فتعود كرّة التفنيد والنفى من جديد، وهكذا تدور الدائرة دون نهاية.

هل نكتفى بلعن الشائعات؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لا يكفى أن نشكو من انتشار الشائعات فى المجتمع، ولا أن نظهر حجمها الكبير الذى وصل إلى واحد وعشرين ألف شائعة خلال ثلاثة أشهر، كما قال مجلس الوزراء. لكن الصحيح أن نتوقف أمام الظاهرة لدراستها بجدية ولمعرفة أسبابها، وعدم الاكتفاء بتوجيه أصابع الاتهام إلى جهة أو مجموعة باعتبارها المسؤول الوحيد عن تلك الظاهرة.

من المريح الاعتماد على فكرة أن أعداء الوطن هم من ينشرون الشائعات، ولكن هذا خطأ لو تعلمون عظيم، ذلك أن لهذه الظاهرة مصادر متعددة، بعضها من داخلنا ولها أسباب عدة تسمح بانتشارها، معظم هذه الأسباب نحن مسؤولون عنها.

«الشائعة هى خبر أو مجموعة أخبار زائفة تنتشر فى المجتمع بشكل سريع وتُتداول بين العامة ظناً منهم بصحتها. دائماً ما تكون هذه الأخبار شيقة ومثيرة لفضول المجتمع والباحثين، وتفتقر هذه الشائعات عادةً إلى المصدر الموثوق الذى يحمل أدلة على صحة الأخبار».. هذا أحد تعريفات الشائعات.

ويتسبب ضعف التواصل الحكومى مع المواطنين، وعدم ثقة بعض المواطنين فى رشادة بعض المسؤولين بسبب قراراتهم وتصريحاتهم «المفاجئة» فى مضمونها، والتخوف من استقاء المعلومات من وسائل الإعلام المحلية بسبب تشكك المتلقى فى تسييسها، بجانب جهل شرائح مؤثرة من الجمهور بأساليب الفبركة والتحقق من صحة المعلومات- فى جعل مهمة مروجى الشائعات سهلة. ويزيد على ذلك تلك الطفرة الهائلة فى تطور وسائل التواصل الاجتماعى وفِى حجم مستخدميه فى البلد والعالم.

ووفقا لعلماء الاجتماع، فإنه إذا كان الجهل أحد أسباب نشر الشائعة فى المجتمع، فإن نهج التعتيم وعدم وجود مناخ تسوده الثقة بين الناس وأجهزة الإعلام هو السبب الأكبر فى اختراع الشائعات ورواجها بين الناس.

تحلى وسائل المعلومات بالمصداقية هو السبيل الوحيد لقطع الطريق أمام أى شائعة. لكن إذا كانت هذه المصداقية مهزوزة، ومادامت وسائل الإعلام نفسها تفتقر إلى المعلومات الحيوية التى يتطلع المواطن إلى معرفتها، فإن تدفق الشائعات يستمر ويتعاظم حتى تنتهى حالة الفقر المعلوماتى.

تظهر الشائعة كبديل طبيعى للمعلومة المحجوبة، وتصبح لها وظيفة تتمثل فى ملء الفراغ المعلوماتى. وهكذا يصبح ظهور الشائعة وانتشارها ورواجها هو الأمر الطبيعى، حرية توافر وتداول المعلومة هى الدواء الوحيد لداء انتشار الشائعات. أذكر أننى حضرت لقاء مع منير فخرى عبدالنور وقت أن كان وزيرا للصناعة والتجارة مع مجموعة من الخبراء لمناقشة قانون كان يزمع إصداره حول حرية تداول المعلومات، لا أعرف ماذا حدث بشأنه حتى الآن.

جدية التعامل مع الظاهرة تبدأ بدراستها علميا ومعرفة أسبابها، وأن المصدر ليس فقط الأعداء ولكننا نتحمّل جزءاً مهماً من السبب.. ولهذا حديث آخر.