حكايات من سيناء

“المسافة بين الكذب والصدق أربعة أصابع، ووضع يده بين أذنه وعينه الصدق أن تقول رأيت، والكذب أن تقول سمعت”، هكذا قال الإمام علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، وهكذا آثر الشيخ حسن خلف، أحد مجاهدي سيناء، أن يستعيد مقولة عليّ وهو يتحدث عما رآه من بطولات في حرب أكتوبر وبعد نكسة 1967، حكى لي عن جندي كان يعمل على مدفع هاون، ولما انسحب الجنود كان ينزل إلى الملاجئ ويحمل الدانات على كتفه حتى استشهد فوق كرسي المدفع، ودفن بعد 15 يوماً.download

بعد حرب أكتوبر هرع أبناء سيناء إلى مكاتب المخابرات الحربية من بورسعيد مروراً بالإسماعيلية وليس انتهاءً بالسويس، حيث شكلوا مجموعات عمل تحفظ ذكراها ملفات المخابرات، فمنهم من تدرب على أجهزة اللاسلكي وذهب خلف خطوط العدو، ومنهم من عمل “بوسطجياً” يحمل المعلومات إلى الغرب، ومنهم من تدرب على الصواريخ، وتم التدريب في فترة قياسية جداً، وقام بعمليات اعتراضية خلف خطوط العدو بدون أي مقابل.

سقط منهم الشهداء وسقط منهم الأسرى، واستدل الشيخ حسن خلف بجملة أحد القيادات السياسية “لم تكن لدينا أقمار اصطناعية، ولكن كانت لدينا هذه العيون الصادقة”، وأشار إلى أبناء سيناء، وقال آخر “إن أبناء سيناء جعلوا مواقع العدو كتاباً مفتوحاً أمام القوات المسلحة، ولولا صدق المعلومة ما نجحت المعركة”.

الشيخ سليمان المغنم، شيخ المجاهدين في سيناء، حكى لي عن إحدى سيدات البدو التي خبأت أحد الجنود من طائرات العدو، وعن نفسه عندما كان يرصد تحركات العدو، وتحركات معداته، والدبابات العائدة، والحافلات التي تحمل الجنود بأن يجمع أنواع الحطب، ورمز لكل مُعدة بنوع من الحطب.

من ضمن الحكايات التي حكاها لي الشيخ المغنم حكاية لواء مدرع عساف ياجوري، فبعد أن بدأت الحرب، كان دور الشيخ سليمان هو رصد المدرعات والآلات العسكرية الإسرائيلية التي تمر وإحصاؤها وإرسالها إلى المخابرات الحربية، وفي يوم 7 أكتوبر تحرك لواء مدرع من معسكر الأمن المركزي في رفح، والذي كان يعمل فيه أحد البدو الوطنيين.

أخبر الشيخ سليمان بتحرك المدرع بنوع الآلات العسكرية وعددها واتجاهها، وتوقيت التحرك، الذي أرسل برقية إلى القيادة بأن اللواء المدرع في المنطقة الفلانية على الطريق الشمالي بعدده ونوعه وتوقيته، وأخذ يتابعها من مكان إلى آخر، ولما وصلت العريش ومرت على قرية الميدان أرسل برقية أخرى بالتفاصيل، ولما مرت على قرية الروضة أرسل برقية أخرى، ولما مرت على قرية الخربة، وهي منطقة ممنوعة للمدنيين أرسل برقية أخرى، ولم يعرف الشيخ سليمان أن هذا هو اللواء مدرع عساف ياجوري الذي ألقي القبض عليه إلا عند تكريمه سنة 1979.

هذه الحكايات التي سمعتها من مجاهدي سيناء، وحكايات أخرى كثيرة من دفتر بطولات أبناء سيناء، هي دافع لنا للتوقف، ليس لاستعادة ذكرى انتصارات، بل للاستبصار بها في ظل الوضع القائم في سيناء، فقد قدموا الكثير لوطنهم، ومستعدون أن يقدموا أكثر من أجل رفعته وعلو شأنه، واليوم عندما يقف أهل سيناء مرة أخرى بجانب جيشهم في الحرب على الإرهاب الجاثم هناك فهو موقف بطولي جديد ينبغي أن نضيفه إلى حكايات بطولاتهم التي لا تنتهي.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في الجريدة

المصلحة المشتركة

إذا ما سألت مسؤولاً- أى مسؤول- عن ملف العلاقات الأفريقية، هل قصرت مصر فى تعاملها مع أفريقيا خلال العقود الأخيرة؟ فإن الإجابة الدبلوماسية سوف تكون بالنفى القاطع، وأن علاقات مصر الأفريقية فى أحسن مستوياتها، ويعيد التذكير بالمجالات السياسية الحيوية لمصر: العربية والأفريقية والإسلامية ودول عدم الانحياز، لكن الحقيقة هى أن هذه الإجابة مجرد إجابة دبلوماسية لا تعكس الحقيقة التى تقول إننا بالفعل أهملنا الملف الأفريقى لفترة طويلة، وجزء من الثمن الذى ندفعه الآن لإهمال هذا الملف هو ذلك الجدل والشد والجذب الحادث بين مصر ودول حوض النيل.Abdul-Latif-Al-Minawi

بدأت مصر منذ فترة الاهتمام الإيجابى بملف دول حوض النيل، وتبدّى هذا واضحا من خلال اهتمام مستويات عليا من المسؤولين بالعلاقات بين مصر وهذه الدول، وبدأنا نرى لأول مرة منذ فترة طويلة زيارات لمسؤولين مصريين على مستوى رئيس الوزراء لهذه الدول، وهو أمر إيجابى بالـتأكيد حتى لو كان متأخرا.

دول حوض النيل تمثل أهمية استراتيجية قصوى لمصر، وهذا يضع على عاتق مصر أهمية التعامل مع هذه الدول بمنظور استراتيجى شامل، وليس مجرد علاقات ثنائية، وأن يكون أساس هذه العلاقات ربط المصالح المشتركة لدول حوض النيل العشر بمعنى تعظيم الاستفادة لكل الدول من مياه النيل، وإقامة المشروعات التى تحقق هذه الاستفادة.

هذا يعنى أن تخرج مصر من مجرد علاقات ثنائية كما ذكرت، ومشاركة فى مياه النيل واتفاقيات تنظمها، إلى مفهوم أكثر شمولا، يتضمن المجالات المختلفة وإيجاد آليات تعاون مع كل دولة على حدة، وآليات تعاون بين دول الحوض مجتمعة.

المعوقات كثيرة فى العلاقات المصرية مع دول حوض النيل: انخفاض التبادل التجارى، عدم وجود خطوط ملاحية بحرية أو جوية منتظمة، إلغاء بعض رحلات مصر للطيران إلى عدد من هذه الدول، عدم وجود سكك حديد، ارتفاع أسعار الشحن، الأهم من ذلك عدم وجود إعلام كاف عن الحضور المصرى فى هذه الدول.

صحيح أن مياه النيل وحقوق مصر هى أمر غير قابل للنقاش، لكن تأكيده يتأتى عبر سياسة واعية، تُمكن من احتواء أى مشكلات وتُبنى بشكل استراتيجى، ولن يكون الحل بالشعارات الصارخة.

لذا فإن المدخل الصحيح هو المدخل الذى اختارته مصر- حتى كان اختيارا متأخرا- وهو مدخل التعاون فى نطاق التنمية المشتركة، موقف يصحح الأوضاع الحالية لدول تعانى من ضعف فى التنمية، ممزوج بإحساس بعدم الاهتمام والاستغلال، حتى لو لم يكن إحساساً صحيحاً، ولكن موجود، وبالتالى ينبغى التعامل معه.

فى إطار ما تقدم، من المتوقع أن تكون هناك حركة مصرية تضع فى اعتبارها المدخل الذى أشرنا إليه، والذى يعتمد على الترويج لمفهوم التعاون فى مواجهة الاختلاف، والشراكة فى مشروعات مختلفة، وأن تتحرك الدبلوماسية المصرية فى اتجاه بناء علاقات متوازنة وقوية مع الأطراف الأخرى، ودفع حركة الاستثمار، وتغليب المصلحة المشتركة بين الأطراف المختلفة.

وكما سبق أن ذكرت فى مقال سابق، فإن المداخل الخاطئة تؤدى إلى نتائج بالتأكيد خاطئة، هذا المنطق صالح للتطبيق على أى قضية خاصة، أو عامة، اجتماعية أو سياسية أو اقتصادية، والقصور هنا بالداخل هو السياق الذى نقرر من البداية التعامل به، فإذا كان المدخل للتعاطى صدامياً كانت النتيجة بالتأكيد ابنة شرعية لهذا المدخل الصدامى، والأمر كذلك لأى مدخل مغاير. وأظن أن مصر فى هذه المرحلة قد تبنت مدخلا صحيحا فى التعامل مع بعض القضايا الأفريقية، أتمنى أن يكون تعبيرا عن توجه مستمر فى المرحلة المقبلة.

إلى وزير التربية والتعليم: حكاية مستر «تاج»

لا أستسيغ استخدام مساحات الكتابة المتاحة لأغراض ضيقة، أو أمور قد تبدو شخصية، أو تهم حالة أو حالات فردية، لكن فى بعض الأحيان، فإن مواقف قد تبدو للوهلة الأولى أنها فردية، إلا أن التوقف أمامها، وإمعان النظر فيها، يكشف دلالتها التى تتجاوز تصور كونها تمس مجرد شخص، أو أشخاص إلى حدود أوسع ودلالات أكثر شمولاً، لذلك فإننى عندما أكتب اليوم عن “الحكاية” التالية فأنا هنا أشير إلى حالة نعيشها فى مصر، وتخوفات مشروعة، بدأت تسكن نفوس العديد من المصريين، والأهم أنها فى هذه الحالة تتسرب هذه المخاوف، بل تدفع لتسكن عقول أطفال بدأوا مرحلة الحلم فى مستقبل مختلف.hqdefault

منذ أشهر، وخلال العام الأخير، كنت كلما زرت أهلى فى دمياط، أستمع إلى حكايات تتردد عن مدرسة حكومية تجريبية جديدة، قرر عديد من الأهالى هناك أن ينقلوا أولادهم إليها، كلمة السر كانت فى مدير المدرسة الجديدة الذى تمكن من زرع الثقة فى نفوس الأهالى أولاً، أن المستقبل أفضل فى هذه المدرسة الحكومية الوليدة، حتى استطاع إقناع عديد من الأهالى بنقل أولادهم من مدارس خاصة، عندما شعروا أن هناك صوتاً مختلفاً، ورؤية مشبعة بالأمل.

لم ألحظ هذا كثيراً فى المرحلة الأولى، ولكن ما استوقفنى عندما بدأت أسمع من ابنة أختى عما يفعلونه فى المدرسة الجديدة، حيث استطاع مديرها الجديد أن يجعل هؤلاء الأطفال شركاء له فى بناء الحلم المقبل، حكت لى صفا بسعادة، وحماسة، كيف شاركوا فى نقل الأثاث إلى الفصول، وكيف شاركوا فى تنظيف المبنى، والفصول، والملاعب، كل هذا، كان يتقدمهم فيه المدير الجديد الذى أكسب هذه المدرسة، وهؤلاء التلاميذ، روحاً جديدة.

لأول مرة، منذ فترة طويلة، أسمع أن مدرسة حكومية لديها فريق مسرح، وموسيقى، وتهتم بالملاعب، وكل ذلك بمشاركة هؤلاء الأطفال الذين تحولوا من تلاميذ يستيقظون مبكراً “بالعافية”، ليذهبوا مجبرين إلى المدرسة، إلى شركاء فى مدرسة يتطلعون إلى كل يوم جديد، يذهبوا فيه إليها، يستقبلهم “مستر تاج” كما يسمونه على باب المدرسة، بابتسامة عريضة، وترحاب كبير بهم، مؤكداً كل لحظة لهؤلاء التلاميذ، أن جميع من فى المدرسة موجودون لخدمتهم فى كل وقت.

ذكرتنى أختى بأن مستر تاج، هو أخو عماد، رحمه الله، وحسام، وعاش معهم فترة الطفولة والصبا، وكانوا عائلة مختلفة فى التكوين والتفكير دائماً، وذكرتهم بان لديهم أمراً إيجابياً يميزهم عن كل أصدقائنا فى تلك المرحلة، ساعتها أدركت لماذا كان تاج، الذى لم أره منذ أن كان طفلاً، مختلفاً فى أسلوبه فى الإدارة.

منذ عدة أسابيع بدأت أسمع عن أن هناك مشكلة كبيرة، المسؤول الأول عن التربية والتعليم فى المحافظة، دخل فى خلاف مع مدير المدرسة، فقرر نقله منها، وهنا كانت حالة الإحباط العام الذى بدا صغيراً، ولاحظت تصخمه يوماً بعد يوم، ليس لدى الأهالى فحسب، وإنما لدى الأطفال أنفسهم الذين صدمهم الواقع بهدم حلمهم الذى بدأوا يصنعونه.

حاول الأطفال والتلاميذ أن يوصلوا وجهة نظرهم إلى المسؤولين، لكنهم لم يستطعوا ذلك، وبدأوا ينظمون، كما يَرَوْن حولهم، وقفات ومظاهرات، وهو أمر أرفضه شخصياً ما لم يكن فى إطار منظم وشرعى، ولكن على الرغم من ذلك، فإن هذا ما حدث، وكان رد الفعل الرسمى من إدارة التعليم فى المحافظة، كما تردد هو التهديد لهؤلاء الأطفال، بعواقب ما يفعلون، كلام قديم فى زمن جديد، والأكثر من ذلك، بدأ الحديث عن أن المسؤول الأول عن التعليم فى المحافظة “مسنود” من الوزارة فى مصر، المشكلة فى مثل هذا الكلام حتى لو كان غير صحيح، أنه شديد الإحباط للتلاميذ الذين بدأوا يعيشون أجواءً معاكسة، لما عاشوه لأشهر، خاصة مع التراجع عما تم حدوثه من قبل، كفِرَق المسرح، والموسيقى باعتبارها “كلام فارغ”، وبدا لأهاليهم الذين تصوروا أن الأمور تغيرت، أنهم مخطئون، وأنه لا أمل فى القادم.

أنا هنا لا يهمني تفاصيل الخلاف الإدارى أو المخالفة الإدارية التي تقرر على أساسها نقل مستر تاج، بشكل بدا تعسفياً أمام تلاميذه، ولكن ما أقف أمامه هنا هو مسألة إجهاض الحلم عند جيل المستقبل ودفعهم للعودة إلى حظيرة الاعتياد واليأس من المستقبل، وهو ذات التخوف لدى أهاليهم، لا يهم أن يبقى مستر تاج أو أن ينقل، ولكن المهم هو عدم إجهاض الحلم، والبحث عن طريقة يتواصل فيها المسؤولون مع المواطنين، تزرع فيها الأمل فى نفوس الناس سواء أكانوا أهالىأو أطفالاً، وأن القادم أفضل، لا أن يعملوا على هدم القادم، والبقاء “محلك سر”، إن لم يكن تراجعاً حتى عما تحقق.

بواسطة عبد اللطيف المناوي نشرت في مبتدا

الاختيار الموفق: فايزة أبوالنجا

تابعت فايزة أبوالنجا منذ فترة طويلة، عندما كانت تشغل منصب وزيرة التعاون الدولى فى مرحلة مبارك، بدت السيدة ذات الملامح الهادئة و«الشياكة» الملحوظة والابتسامة الوقورة التى لا تفارق وجهها مشروع مسؤول قابل للترقى لتحمل مسؤوليات أكبر. كنت ألتقيها صدفة فى بعض حفلات الأوبرا بالقاهرة، عرفت عنها قبل أن أعرفها، وذلك عندما زرت عدداً من الدول الأفريقية والعربية، وسمعت عما لها من مكانة فى نفوس المسؤولين هناك. تمكنت السيدة ذات المزيج من الملامح المصرية والثقافة الأوروبية أن تكسب قلوب وعقول هؤلاء الذين التقتهم فى جولاتها وزياراتها واجتماعاتها مع هؤلاء المسؤولين. أجمع من تحدث عنها على امتلاكها مزيجاً من قوة الشخصية والحسم مع القدر الكبير من الفهم والتفاهم والقدرة على الاحتواء والجدل الإيجابى.faiza

عرفتها بعد ذلك عن قرب وقت المجلس العسكرى، وفى هذه المرحلة سمحت الظروف والتحديات أن تظهر السيدة إمكاناتها وقدرتها على التعامل مع المواقف المختلفة. سمعت أكثر من مرة على لسان عدد من أعضاء المجلس العسكرى،عندما كانت تشغل منصبها الوزارى الذى حافظت عليه بعد نهاية حكم مبارك، أنها «أرجل» وزير فى الوزارة، ولو أن الظروف كانت مختلفة لكانت الأصلح لتولى رئاسة الحكومة. فى هذه المرحلة عرفتها عن قرب وتابعتها من زاوية مختلفة، وأثبتت بالفعل ما يقال عنها وما كنت ألمحه عن بعد. حرصها على حل الأمور العالقة كان كبيراً، ووضعت نصب عينيها دائماً المصلحة الوطنية مع عدم التعدى على مصالح الآخرين. ردود الفعل على اختيار فايزة أبوالنجا مستشارا لشؤون الأمن القومى للرئيس السيسى تعددت، منها ما اعتبر هذا الموقف تحديا للولايات المتحدة الأمريكية، وذلك بسبب موقف أبوالنجا من مسألة منظمات المجتمع المدنى التى تسببت وقتها فى أزمة بين مصر وأمريكا وقت المجلس العسكرى، كانت أبوالنجا واضحة فى انتقاد السلوك الأمريكى والغربى فى تخطى هذه الدول للدولة المصرية وتقديم الدعم المادى غير المحدود لهذه المنظمات بهدف تقويض الدولة المصرية، هذا الموقف لم يعجب الأمريكيين، وأذكر وقت تشكيل الحكومة الأخيرة عندما قال لى مسؤول أمريكى مداعبا: «أى تشكيل للحكومة سيكون مرضيا لنا طالما أن فايزة أبوالنجا ليست فيه»، إلى هذا الحد كان موقفهم منها. هذا الاختيار من الرئيس السيسى اعتبره البعض تحديا للأمريكان، ولكن الرد هنا بسيط، فعلاقات الدول أكثر نضجا من التوقف عند هذه الملاحظات، وإلا كان لمصر أن تسأل فى المقابل: ولماذا لا تغير الإدارة الأمريكية سوزان رايس صاحبة المواقف المتشددة تجاه مصر؟

كذلك فإن من يتوقع أن وجود أبوالنجا يعنى عصرا سيئا لمنظمات المجتمع المدنى هو أيضا مخطئ، لأن ما يحكم علاقة الدول بالمنظمات العاملة فيها هو القانون، وطالما احترمت هذه المنظمات القواعد القانونية للدولة فلن تكون هناك مشكلة. وبالتالى فإن هذه المنظمات القلقة لا ينبغى لها أن تقلق طالما احترمت سيادة البلد وقانونه، فالعمل الأهلى هو قاطرة تطوير المجتمع مع عدم السماح بالاختراقات التى تهدد الأمن القومى.

فى تقديرى الشخصى فإن اختيار الرئيس السيسى لأبوالنجا فى موقع مستشار الأمن القومى هو أفضل اختياراته حتى الآن، وأتمنى أن يستكمل فريقه الفاعل- الذى هو فى حاجة حقيقية له- على نفس المستوى فى مختلف التخصصات. أيضا هذا الاختيار يوسع مفهوم الأمن القومى لدى القيادة والناس، فالأمن القومى ليس مجرد أمن الحدود لكنه يبدأ من طابور الخبز. هذا الفهم المتطور والاختيار الموفق يزيد من مساحة الأمل.

قدم الشهداء درساً.. فهل يفهم اللاهثون من أجل الغنيمة؟!

قدم أبناء الوطن حياتهم دون أن يسألوا عن المقابل، الأكيد أنهم لم يختاروا أن يذهبوا لتأدية خدمتهم العسكرية ليستشهدوا، لكن الأكيد أيضا أنهم عرفوا دائماً أن الاحتمال قائم، ولم يُثْنِهم هذا عن عزمهم. لم يكن شهداء سيناء أول الشهداء، ولن يكونوا آخرهم، وهذا ما أكد عليه الرئيس السيسى، وهو محق، المعركة مع الإرهاب لن تنتهى سريعا، ومقاومة مصر مستمرة لمحاولات دفعها لتنتظم فى الصف ويتم وضعها فى مكانها المرسوم كدولة ضعيفة لا حول لها ولا قوة، أدركت القيادة فى مصر هذه المخاطر مبكرا، ووقف معظم المصريين خلف قيادتهم، إيمانا منهم بقيادتهم، وبأنها تعمل من أجلهم، فلم يتذمروا حتى لو كان هناك سبب لذلك.President Abdel Fatah Elsisi

هذه المعركة مع الإرهاب وهذا الموقف الصامد الرافض لتقزيم مصر له ثمن كبير، وليس هؤلاء الشباب الذين سقطوا شهداء إلا جزءاً من هذا الثمن. ويبقى السؤال: دفع هؤلاء أرواحهم من أجل الوطن راضين مطمئنين بأنهم يفعلون الصواب، ولكن هل الآخرون يفعلون الصواب؟ هل اللاهثون الآن على المناصب أو بقعة ضوء يلمعون تحتها يتذكرون هؤلاء الشباب الذين لم يسألوا ثمناً قبل أن يستشهدوا؟

الملاحظ الآن أن التغير الإيجابى الكبير الرئيسى الذى شهدته مصر هو وجود الرئيس السيسى، يعمل الرجل بجَلَد غريب، ولم يخذل شعبه الذى وقف خلفه حتى الآن. تقدير الناس له كان فى محله، ومن يعرف الرجل يعرف أنه يتعامل مع هذا الموقف بقدر لا نهائى من الإحساس بالمسؤولية أمام الله وأمام شعبه، ولكن، وآه دائماً من لكن، هل دوائر الفعل المحيطة به على ذات المستوى؟ هنا لابد أن نضع مجموعة من المشاهدات والملاحظات. هناك مجموعة بالفعل ممن يتولون ملفات تنفيذية يتمتعون بقدر كبير من الإخلاص ولا يبخلون بجهد، مازال هؤلاء يمثلون الأقلية، وسيأتى الوقت المناسب لنتحدث عن هؤلاء المسؤولين والمتطوعين الذين يعملون بصمت ولا ينتظرون غنيمة أو بقعة ضوء. ولكن، مرة أخرى ولكن، نلاحظ أن مجموعة تعددت مواقعها قرباً وبعداً داخل الدوائر المحيطة بالرئيس تحاول أن تحصد غنائم، هذه الغنائم قد تكون منصبا أو درجة وظيفية، وقد تكون لقطة فى صورة تضم الرئيس، هؤلاء اللاهثون يفسدون الصورة ويضيعون الجهد ويصيبون الناس بالإحباط، والمشكلة هنا أن بعض هؤلاء من الآكلين على كل الموائد.

أحدهم يقاتل من أجل الوصول لمنصب، ولو شرفياً، قريب من الرئيس، والآخر يطمع فى الحضور فى المناسبات التى يحضرها الرئيس ويفعل من أجل ذلك كل شىء ممكن، طمعا فى أن يدخل دائرة الضوء أو يظهر فى صورة، وثالث يحلم بتحسين وضعه داخل مؤسسات الدولة، والجميع يقدمون من أجل ذلك ما يعتقدون هم أنه غال ونفيس من أجل تحقيق هدفهم. ولكنهم لا يعرفون الرجل ولم يصدقوه حتى الآن عندما قال إنه ليس مدينا لأحد، هو لم يدعهم ليفعلوا ما يفعلون، فليس عليهم أن يتوقعوا مقابلا. الرجل صادق تماماً فيما قال ويؤكد، ويعنى تماماً ما يقول. هذه هى الحقيقة الغائبة عن هؤلاء اللاهثين، وستصدمهم الحقيقة يوما ما. أيضا سيأتى اليوم المناسب لرفع الغطاء عن هؤلاء ليعرفهم من لا يعرفهم على حقيقتهم. ولكن حتى يحدث ذلك فإنهم يعكرون الصورة.

تذكرت هؤلاء عندما علمت بخبر الشهداء الذين ذهبوا دون مطامع من أجل الوطن، هل يفهم هؤلاء هذه المعانى؟ هل نظر أحدهم إلى المرآة وواجه نفسه بالسؤال: هل يمكن أن أكون محل هؤلاء الشباب إذا دعت الحاجة دون أن أطلب الثمن؟

هل هناك بنود سرية مع إسرائيل تمنعنا من تعمير سيناء؟

يبدأ هذه الأيام الحديث عن سيناء، وذلك لسبب واضح تماماً وهو ما تشهده سيناء من أعمال إرهابية تستهدف فى الأساس إسقاط هيبة الدولة وجيش الوطن. السبب الثانى هو أن شهر أكتوبر هو موسم الحديث عن سيناء فى ذكرى انتصارات أكتوبر. وأنا سأتحدث اليوم عن سيناء مشاركة منى فى الاحتفالات، ولكن بشكل مختلف، وأعتبر أن الحديث عن سيناء بشكل مختلف هو شكل من أشكال التقدير للشهداء الذين دفعوا حياتهم دفاعا عن هذا الوطن، والحديث بشكل مختلف بهدف حدوث تغيير حقيقى فى مصر وفى سيناء كجزء أصيل من جسد الوطن هو شكل من أشكال التعزية.عبد اللطيف المناوي

أذكر أن أحد الأصدقاء سألنى منذ فترة قصيرة «هل هناك بنود سرية التزمت بها مصر فى معاهدة كامب ديفيد تحد من حريتها فى الاستثمار والتنمية فى سيناء؟»، كانت إجابتى وفق ما أعلم بالنفى القاطع، ولكن استدرك الصديق متسائلا: «لماذا لم يتم التعامل مع سيناء كما أكدت الحكومات المتعاقبة منذ تحريرها باستهداف تحقيق التنمية الحقيقية فيها، وجعلها امتدادا للوادى، ومعالجة الخلل السكانى الواضح فيها بتسكين جزء من أهل الوادى فيها؟ ولماذا لا يتم الاعتناء بتطويرها سياحيا عدا شرم الشيخ؟ ولماذا لم يتم تنفيذ إقامة القرى فيها، ولماذا لم يستكمل خط السكة الحديد بها؟ ولماذا لم يتم وضع خطة واضحة لزراعة كل الممكن زراعته فيها؟ ولماذا لم تصل المياه إليها بشكل كامل رغم الخطط السابقة الخاصة بترعة الإسماعيلية وتعديل مسارها أو إقامة ترعة السلام؟».

هذه التساؤلات خلقت الشك مرة أخرى فى نفسى ودفعتنى للتساؤل حول مدى وجود بنود سرية تمنع مصر من ذلك ودفعنى هذا الشك لأن أسأل أصدقاء أثق فى علمهم وقدرتهم على حسم الشك حول ما إذا كان هناك ما يمنع مصر من ذلك فأكدوا لى بشكل قاطع حرية مصر الكاملة فى التعامل مع سيناء، فهى أرض مصرية ملك للمصريين وليس لأحد شبر فيها إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، وهذه الإجابة تتفق مع ما أنا مقتنع به قبل أن تثير تساؤلات صديقى الشكوك، وبالفعل زالت الشكوك وتأكدت قناعتى، ولكن ثارت التساؤلات محلها: لماذا لم نفعل ما كان ينبغى أن نفعل؟ لماذا توفقنا عند حدود الغناء لعودة سيناء ولم نكمل ما بدأناه من خطوات سابقة؟ لماذا لا تكتمل الجمل التى نبدأها بشكل رائع ونقف فى وسط الجملة، ولا نكملها لنبدأ جملة جديدة.

هنا لا أنكر ما حدث على أرض سيناء من مشروعات مهمة ومحاولات جادة، ولكن ينبغى هنا أن نسأل: هل هذا يكفى؟ بدأنا فى مشروعات لتأكيد اتصال الأرض المصرية جميعها: سيناء بالوادى، ولكن هل هذا يفى بالغرض؟ من المسؤول عن عدم استكمال خط السكك الحديدية الذى سرقت قضبان الجزء الذى بدأنا به ثم توقفنا، من المسؤول عن عدم استكمال البنية الأساسية بالمناطق السياحية الأخرى فى سيناء غير شرم الشيخ؟ لماذا لم يتم تنفيذ مشروعات المطارات التى سبق الإشارة إليها؟ من المسؤول عن عدم تنفيذ مشروع استصلاح 400 ألف فدان وضعت هدفا منذ المرحلة الأولى من تحرير سيناء، وفى أى درج من الأدراج يرقد مشروع إنشاء 400 قرية فى سيناء؟

إذا أردنا محاربة الإرهاب من جذوره فالحل هو تغيير المناخ الذى يترعرع فيه ويجد مؤيدين من بين أبناء المنطقة بسبب الحاجة أو اتقاء شر هذه الجماعات الإرهابية. تغيير المناخ المحيط يبدأ بالاعتراف بأن لدينا مشكلة وأننا لم نعمل على حلها وأن نبدأ باتباع الأساليب العلمية.