مقال «الراشد» الذى يجب أن يُقرأ

بقلم عبد اللطيف المناوى

عرفت منذ سنوات طويلة جداً عبدالرحمن الراشد ، وعملت معه طويلاً منذ أن كان نائبا لرئيس تحرير مجلة «المجلة»، وكنت صحفياً ناشئاً وقتها، ثم أصبح رئيساً لتحرير المجلة، ثم رئيساً لتحرير جريدة «الشرق الأوسط»، وكلتاهما سعودية تصدر فى لندن، وظللت أعمل معه طوال الوقت. ومنذ عرفته وجدت فيه نموذجاً شديد الاحتراف، وأيضاً شديد العقل والسياسة فى التعامل مع الأمور. ما دفعنى للإشارة إلى الصديق الراشد اليوم هو ما قرأته له فى مقاله اليومى بـ«الشرق الأوسط» عن العلاقات المصرية- السعودية . وهو الموضوع الذى تناولته خلال الأسابيع الماضية. وقلت من بين ما قلت إن هناك حاجة إلى أصوات عاقلة فى الطرفين للتعامل مع هذا الوضع القائم، والذى هو أزمة بالفعل. هذه الأصوات العاقلة يجب أن تتواجد على الطرفين وفِى المجالات المختلفة، خاصة الإعلامية منها. ويأتى مقال الراشد ليمثل لى النموذج الذى نحتاجه فى الحوار بين الطرفين. اسمحوا لى، وليسمح لى الأستاذ الراشد أن أنقل عنه جزءًا مما كتب:

IMG_0132

«صورة الوزير السعودى أحمد الخطيب وهو يزور سد النهضة الإثيوبى يبدو أنها كانت العذر للبعض للتراشق الإعلامى الذى نقل العلاقة بين الرياض والقاهرة من الحميمية إلى لغة دورات المياه.

وحتى لو افترضنا أن الصورة والزيارة فى باطنهما معانٍ غير السياحة والاستثمار، فإن إدارة الأزمة باستخدام الإعلام تعتبر وسيلة ضغط قديمة بالية وفاشلة ومضرة».

وأنا أتفق تماما مع الطرح الذى لم يستبعد افتراض أن للزيارة معانى أخرى فى باطنها غير الاستثمار والسياحة، وهو ما أصرح به بشكل مباشر. إن اللغة المتدنية فى الخطاب على الجانبين ينبغى أن تتوقف، وكذلك ينبغى أن يتوقف سلوك «الغيظ والكيد» من أُسلوب الدولتين فى تعاملهما، وسوف أشير هنا إلى أن هذا الأسلوب أعلى مستوىً على الجانب السعودى من خلال بعض ممن يلعبون فى منطقة صناعة القرار هناك.

وأستمر فى نقل جزء آخر من مقال الراشد حول الموضوع:

«نعم، تمر على العلاقات هبة شتاء باردة، لكنها ليست حول قضايا سياسية إقليمية كبرى كما يروج، أو على الأقل ليس بعد. ويفترض من الدبلوماسيين المهرة أن يعزلوا أسباب الخلاف عن مجمل العلاقات، ومن المألوف أنه حيثما توجد علاقات كثيفة ومترابطة عادةً تقع الخلافات، ولهذا فعلاقاتنا مع الدول الاسكندنافية دائمًا مستقرة. الخلافات بين البلدين الشقيقين ليست حول ما يروج، ليست سوريا كما يُشاع، وأستبعد ما زُعم بأن مصر تزود المتمردين فى اليمن بالصواريخ، لأن مصر تدرك أنه عمل خطير، فالصواريخ الحوثية مسؤولة عن قتل مدنيين سعوديين، حيث يستهدفون عمدًا القرى والمدن داخل الحدود السعودية. كلها روايات تروجها أصوات محسوبة على جماعة الإخوان المسلمين».

ويستمر:

«أما موقف مصر حيال سوريا فهو واقعى، لا يختلف عن موقف تركيا فى الآونة الأخيرة. وفى آخر مشروعين قدما للجمعية العمومية صوتت مصر إلى جانب الشعب السورى ضد نظام الأسد، بخلاف بعض الدول العربية الحليفة. كما أن موقفها الأخير فى مجلس الأمن ضد المستوطنات الإسرائيلية مرتبط بظروف القاهرة، ولا نتوقع منها أن تعرّض أمنها ومصالحها الكبرى للخطر، خاصة بوجود دول أخرى قامت (بالواجب) نفسه وأعفت القاهرة من الإحراج والأزمة من أجل قرار رمزى.

الخلافات السعودية- المصرية هى على مسائل ثنائية، ولا أقول ثانوية، وستنتهى بالتفاهم بعد شهر أو سنة، أو قد لا تحل. ولا يفترض أن تترك العلاقات للمساومة لأنها استراتيجية، ومخطئ من يحتسب موقف مصر عندما تساند دول مجلس الخليج ضد إيران على أنه موقف تضامنى، بل يخدم المصالح المصرية العليا بمنع إيران من التمدد والهيمنة، سواء فى سوريا أو العراق أو الخليج».

وينتهى الراشد إلى أن أكبر عيب فى العلاقات الخليجية- المصرية يكمن فى محدودية أفقها، تظل مجرد علاقات بسيطة المضمون. والتوجهات الأخيرة، منذ نحو عامين، ببناء شراكات اقتصادية جيدة، لأنها تضمن ديمومة العلاقات بدلا من سياسة المنح والمساعدات. فالشراكات توسع حجم النشاط بين الجانبين أكبر بمرات من القائم حاليًا، ويمكن أن تغير واقع اقتصاد مصر والخليج. هذا ما طرحته الحكومتان السعودية والإماراتية على القاهرة، والعتب دائمًا على البيروقراطية المصرية، هى عدوة الحكومة المصرية أكثر من كل خصومها الآخرين مجتمعين.

وجدت أن من المهم أن نقرأ هذا الصوت العاقل فى خضم الضجيج الذى لن يؤدى إلا إلى المزيد من التعقيد.

Advertisements

مصر والسعودية.. أين الاتفاق؟ أين الاختلاف (3)

بقلم عبد اللطيف المناوى

استكمالاً لنقاط الاختلاف بين مصر والسعودية، سأذكر اليوم نقطتين للاختلاف، هما موضوع حرب اليمن، ووضع إيران فى المنطقة وما تشكله من خطورة.

ونحن نعلم حتى دون أن يعلن ذلك رسمياً، أنه كانت لمصر وجهة نظر مختلفة فى مسألة حرب اليمن، وكانت هناك حسابات مصرية، جديرة بالاعتبار، فيما يتعلق باليمن تحديداً، لما لها من تاريخ فى الذاكرة المصرية.

والموقف الذى كان قد عبر عنه الرئيس السيسى بأن مصر تقف مع السعودية ضد أى خطر يهددها هو موقف مصرى أصيل، ولكن كانت المشكلة أنه عند طرح المشاركة المصرية فى الحرب ضد الحوثيين، كان هناك موقف شعبى ضاغط ضد المشاركة، خاصة أن اليمن مرتبطة بالذاكرة الشعبية المصرية بحرب اليمن فى ستينيات القرن الماضى، وهى حرب لا تحمل الذاكرة المصرية لها ذكريات إيجابية، بل تمثل لدى كثيرين ذكرى سيئة.

Untitled

أما فيما يتعلق بالموقف من إيران، فهناك حقائق أود الإشارة إليها، هى أن موقف مصر من إيران، منذ ثورة الخمينى، هو موقف ارتبط دائماً بمفهوم التوتر فى العلاقة بين البلدين، وكان ذلك ناتجاً عن موقف إيران المتكرر فى التدخل فى الأوضاع المصرية أو ما تبنته من مفهوم تصدير الثورة، أو الموقف الذى اتخذته مصر باستضافتها الشاه، بعد أن رفضت كل دول العالم استضافته، وكان موقفاً إنسانياً وقتها، حتى لما قررت السعودية وبعض الدول الخليجية قطع علاقاتها مع إيرن بعد حرق السفارة السعودية فى طهران، كان بعض المسؤولين السعوديين، لا يعلمون أن العلاقات بين مصر وإيران مقطوعة من قبل ذلك بكثير.

لكن هناك مجموعة من النقاط المهمة التى أظنها مشروعة، عند الحديث عن العلاقات مع إيران:

ـ حجم التجارة بين إيران ودول الخليج، يقترب من العشرين مليار دولار.

ـ عدد الإيرانيين العاملين فى دول الخليج يتجاوز المليون إيرانى.

ـ أشهر الأسواق وأهمها فى دول الخليج هى الأسواق الإيرانية.

ـ العلاقات بين إيران ودول الخليج لم تتاثر سلباً رغم كل المواقف إلا بعد حرق السفارة السعودية فى طهران.

إذن ما يحكم علاقة الخليج بإيران ـ على الرغم من الاختلاف ـ هو العلاقة الطبيعية مثل أى علاقة بين دولتين، صحيح أن الخلاف يظللها لكن المصالح تحكمها. وبالتالى فإن علاقات مصر الخارجية ينبغى أن تنطلق من المصلحة، مع الحفاظ على العلاقات القوية والمتينة مع الأشقاء والحلفاء، ومع الاحتفاظ بحق الاختلاف ومحاولة معالجته أو إدارته أو مواجهته.

مصر ينبغى أن تبدأ فى إدارة علاقاتها دون أن تلتزم بدفع فواتير أخرى، ليست لها، وهذا الاستقلال فى إدارة العلاقات كما ذكرت ينبغى أن يضع فى الاعتبار دائما علاقات الأشقاء والحلفاء، وأن يكون هناك تنسيق فى هذه المسألة.

أما النقطة الأخيرة والمهمة، فهى الحاجة لإعادة النظر فى مفهوم «الخطر الشيعى» على المنطقة، وأظن أن المفهوم الأكثر تحديدا، هو أن نتحدث عن «الخطر الفارسى»، أو الدولة الفارسية الملتحفة بالغطاء الدينى، فخطر هيمنة الدولة الفارسية ليس مختلفا كثيرا عن خطر هيمنة الدولة العثمانية، فكلاهما خطر، ولكن ينبغى أن ينحى الدين والطائفية جانبا.

هناك العديد من النقاط، التى يمكن ماقشتها فى العلاقات المصرية السعودية، لكنى سأتوقف عند هذا الحد فى هذه المرحلة، راجيا أن يبدأ العقلاء فى إدارة العلاقات، بمفهوم المصلحة والتحالف والأشقاء.

لا خيمة خليجية ستنتفض، ولا خيمة عربية ستواجه التحديات، ما لم يكن هناك استقرار وعلاقات قوية بين مصر والسعودية.

مصر والسعودية.. أين الاتفاق؟ أين الاختلاف؟ (2)

بقلم عبد اللطيف المناوى

الأكيد أن ردود الفعل التى تتسم «بالمكايدة» ليست هى الأسلوب الأمثل للتعبير عن الغضب.

وأنا أبدأ هذا الجزء من توصيف وتفسير العلاقة المصرية السعودية بهذا الوصف، تعليقاً على الزيارة التى قام بها مستشار العاهل السعودى إلى أديس أبابا، العاصمة الإثيوبية، وهى الزيارة الثانية فى أسبوع لمسؤول سعودى كبير.

وهنا لا تعليق على سعى الدول لتحسين علاقاتها، ولكن التعليق هنا على أمرين: الأول هو ذلك الاكتشاف المفاجئ لأهمية إثيوبيا سعودياً، والثانى هو تلك الزيارة التى لم تكن مدرجة على برنامج الزيارة إلى سد النهضة. والأكيد أن من يصنع القرار فى السعودية يعلم تماماً ماذا تعنى هذه الزيارة لهذا المشروع تحديداً. والأكيد أيضاً أن سفارة السعودية فى القاهرة قد رفعت من بين الكثير مما ترفع، تقريراً عن مدى حساسية موضوع سد

15_19_52

النهضة، وكيف يمكن للمصريين العاديين أن يستقبلوا مثل هذه الزيارة.

فى ظل الظروف الطبيعية كان من المفترض استخدام الرغبة السعودية فى الاستثمار فى إثيوبيا وتنسيقها مع دول أخرى فى هذا الشأن، كان المتوقع أن يتم استخدام هذه العلاقة فى إيجاد سبل لإخراج العلاقة المصرية الإثيوبية من المأزق الحالى بسبب سد النهضة، لا أن يستخدم السد الأزمة كوسيلة للمكايدة بزيارة لمسؤول سعودى، هى فى الأساس زيارة غير مدرجة فى البرنامج، ولكن فريق «الكيد» فى إحدى مناطق صناعة القرار السعودى وجدها فرصة لممارسة مهامه «الكيدية». لا أظن، وأعتقد أن كل العقلاء فى المملكة يشاركوننى، أن هذا الأسلوب فى التعبير عن الغضب هو الأسلوب الأمثل، وأثق بأن العقلاء فى المملكة- وأظن أنهم كثر- يتحفظون على هذا الأسلوب فى التصعيد مع دولة «شقيقة»، فَلَو كان هذا هو التعامل مع الأشقاء، إن اختلفوا، فكيف التعامل مع الأعداء؟!.

يعلم صانع القرار فى المملكة أن هناك أزمة حقيقية مع إثيوبيا فى موضوع سد النهضة، ويعلم هؤلاء أن مفاوضات صعبة وضغوطا كبيرة تُمارس على مصر فى هذا الموضوع. وأظنهم يعلمون أيضا أن أحد أهم المتعاونين مع أديس أبابا فى هذا الملف هو دولة ظلت منذ إنشائها العدو رقم واحد لكل الأنظمة العربية، وهى إسرائيل، بل إن إظهار العداء لها وتهديدها بالويل والثبور وعظائم الأمور ظل لعشرات الأعوام لغة خطاب قادة عرب استخدموها، أى اللغة ومحاربة إسرائيل سبب وغطاء لشرعيتهم.

الغريب الآن أن تتوافق مواقف دول «شقيقة» مع موقف دولة عدوة – أو كانت عدوة – الوضع الطبيعى والمتوقع كان أن تحاول مصر أن تجد دعماً من أشقاء لهم علاقات مفهومة وطبيعية للضغط لإيجاد حل للأزمة الحالية، وذلك لرفع هذه الأزمة عن كاهل الدولة عمود الخيمة العربية، وهى مصر، والتى لا ينبغى أن يسمح أحد من «أشقائها» بأن تتعرض لهزة تؤثر فى استقرارها.

الاستثمارات السعودية والخليجية بشكل عام فى أفريقيا معروفة وقديمة، وأيضا متفهمة فى إطار التقييم الاقتصادى بمفاهيم الربح والخسارة، والزيارات المتبادلة بين الدول أيضاً مسألة مفهومة ومقدرة، فالزيارات بين المسؤولين المصريين والإثيوبيين لم تتوقف فى أى مرحلة خلال الفترة الماضية.

والعمل على تطوير المفهوم الاقتصادى فى أفريقيا، بما فيها إثيوبيا، هو مسألة تخص هذه الدول وحدها وليس من حق أحد مراجعة أى دولة فى أسلوب استثمار فائضها أو التمدد فى دول أخرى، لكن مثل هذه الزيارة إلى سد النهضة، والإشارة إلى تقديم المملكة دعماً للحكومة الإثيوبية للاستمرار فى بناء السد، فى ظل إدراك صانع القرار السعودى حساسية هذا السد بالنسبة للمصريين، فإن هذه هى النقطة التى لنا الحق أن نقف أمامها، وأن نضع أمامها ما لا يحصى من علامات التعجب والدهشة والاستنكار، متمنين أن تكون هذه الزيارة وهذا الإعلان عن الزيارة من خلال وكالة الأناضول التركية هو اندفاع وخطأ من إحدى دوائر صنع القرار فى المملكة، وأن يصدر ما يثبت حسن النية السعودى فى هذا الإجراء، بل أن تعمل السعودية على استخدام هذه العلاقة فى دعم الموقف المصرى فى موضوع سد النهضة، هذا ما يتوقعه «الأشقاء» من بعضهم البعض، وإذا ما جنبنا مسألة «الأشقاء»، فهذا ما يتوقعه العقلاء من دولتين، لن يستقيم الوضع فى المنطقة دون أن تحظى هاتان الدولتان بالقدر الأكبر من الاستقرار، والقدر الأكبر من التعاون والتنسيق.

وما زال للموضوع بقية..

مصر والسعودية أين الاتفاق؟ أين الاختلاف؟ (١)

بقلم عبد اللطيف المناوى

لستُ من المتشنجين فى معالجة الأمور، وظللت دوماً من الداعين إلى الحفاظ على قنوات اتصال دائمة حتى مع مَن يناصبنا العداء. ولكن فى الوقت ذاته أؤمن بأن الوضوح والصراحة فى طرح نقاط الخلاف هما الأسلوب الأصح والأكثر تأثيراً فى معالجة العلاقات بشكل عام، الدولية على وجه الخصوص. لأن هذا الوضوح يسمح بمعرفة دقيقة لحدود الاتفاق والاختلاف، وهنا يمكن العمل على تعميق مناطق الاتفاق وتقسيم الأدوار فى مناطق الاختلاف. تقبيل اللحى والإنكار والاحتماء بعبارات عتيقة لم تعد تحمل معناها، كل هذا لا يؤدى إلى نتائج حقيقية.

P1010061

تحدثت، وتحدث غيرى، سابقاً عن العلاقات المصرية- السعودية وما تمر به من فجوة هذه المرحلة، وأحد الدلائل التى سيقت للتدليل على الأزمة مشروع اللقاء الذى لم يتم بين الرئيس والملك، وعلى الرغم من الاتهامات واللمز بأن الإعلام هو من اخترع هذا اللقاء إلا أن ما يمكننى تأكيده أن هذا «الاختراع» امتلك بالفعل عناصر حقيقية.

لستُ مع من يحمل العصا ويضرب «كرسى فى الكلوب» على طريقة فتوات السينما، ولذلك أتحفظ كثيراً على أى تجاوز على الطرفين تجاه الآخر، سواء يمس هذا التجاوز القيادات السياسية أو الشخصيات العامة أو الشعوب وثقافتها أو التاريخ. هذا الأسلوب ليس فيه من الحكمة شىء، وهو يشكل خطرًا حقيقيًا على علاقات هى تاريخية ومستمرة بحكم التاريخ والجغرافيا والمصلحة وطبيعة الشعوب وثقافتها. لذلك أظن، بل أؤمن، بأن السماح بهذا الأسلوب ليس فى مصلحة أى من البلدين، وبالتالى مواجهة مثل هذا الأسلوب هو واجب من الطرفين.

ما أؤمن به هو إدارة الخلاف بين البلدين ويكون الهدف هو تعظيم الاستفادة وتوسيع منطقة الاتفاق، وفى نفس الوقت حصار مناطق الاختلاف وتقليل الأضرار الناجمة عنها.

أولى خطوات إدارة الخلاف هو تحديد نقاط الخلاف بصراحة، وهنا يمكن الإشارة إلى بعض هذه النقاط، وكما ذكرت من قبل يقف على رأسها موضوع الجزيرتين. ودون الخوض فى تفاصيل هذا الموضوع كثيراً، ومع الإشارة إلى أن هذا الموضوع لم يكن ليصبح أزمة لو اختار صانع القرار السعودى توقيتاً مختلفاً يراعى فيه ثقافة الشعوب والوضع العام فى مصر ، خاصة أن الموضوع لم يكن شديد الإلحاح لو أن كل ذلك كان قد حدث ما وصلنا إلى أن تتحول المسألة إلى أزمة بين البلدين. وَلَن أناقش هنا موضوع ملكية الجزيرتين، فهذا ليس هو الموضوع الآن، ولكن على البلدين إيجاد وسيلة للتعاطى مع هذا الموقف يتم فيه التأكيد على قواعد القانون الدولى واحترام ثقافة الشعوب واحترام الالتزامات المتبادلة وأيضاً احترام قواعد كل دولة فى إدارة شؤونها، بما فيها من مسألة النظام القضائى والتشريعى. المطلوب هنا إدارة عاقلة هادئة من كلا الطرفين تترجم بحق ما يتردد كلما حدثت أزمة عن أخوية العلاقة وحتميتها و«تطابق» وجهات النظر.

وفِى إطار الإشارة إلى مسألة تطابق وجهات النظر يأتى الحديث عن موضوع الخلاف الثانى وهو الوضع فى سوريا. وهنا أشير إلى أن موقف مصر من الوضع فى سوريا لم يتغير منذ اليوم الأول لإسقاط الإخوان. يمكننى التأكيد أن تقدير مصر لخطورة سقوط النظام الحالى فى سوريا سوف يفتح الباب واسعًا لسيطرة الجماعات المتطرفة على سوريا، وهذا وضع ضد الأمن العربى بمفهومه العام، وضد الأمن القومى المصرى وضد الأمن القومى الخليجى بمجمله من وجهة النظر المصرية. وبالتالى فإن الموقف المصرى ثابت فى رؤيته منذ اللحظة الأولى، قد تكون التطورات الأخيرة هى من ركزت الضوء عليه بشكل مختلف، وقد يكون أسلوب مصر فى التعبير عن مواقفها وقراراتها لم يكن الأمثل فى الوصول إلى الأطراف الأخرى بوضوح ينفى اللبس، ولكن الأكيد أنه موقف منطلق من قاعدة ثابتة وليس موجهًا ضد دولة أو حلف. وبالتالى فإن اختلاف الرؤى عنا بين البلدين واضح، وكان المفترض أن تبحث الدولتان عن الأسلوب الأمثل لإدارة هذا الاختلاف. هناك اتفاق بين البلدين على أهمية الحفاظ على سوريا موحدة، ولكن الأساليب تختلف، ولا يجب السماح لهذا الاختلاف بأن يتطور ليشكل أزمة. أشير هنا إلى أن روسيا وأمريكا تنظمان حركة الطيران المقاتل فى سماء المنطقة بينهما حتى لا يحدث صدام (!!)

لايزال للموضوع بقية…

هل يكفى الغضب؟

بقلم عبد اللطيف المناوى

كنت أنوى تفسير ما حدث فى العلاقة المصرية السعودية ، لكن ما شهدته مصر فى الأيام الأخيرة- ابتداء من يوم الجمعة، عندما حدث التفجير الذى أودى بجنود الكمين الثابت أمام أحد المساجد بشارع الهرم، وتلت ذلك محاولة اغتيال أحد أفراد الشرطة بكفر الشيخ، ووصل الأمر ذروته بتفجير الكنيسة البطرسية بمحيط الكاتدرائية بالعباسية، والذى أودى بحياة حوالى 25 شخصاً حتى ساعة كتابة هذا المقال وإصابة العشرات- هذه الأحداث المتتالية تفرض أن نتحدث عن هذا الواقع الذى نواجهه الآن، وهو مواجهة تصاعد أعمال العنف والإرهاب ونوعية العمليات.

Abdul-Latif-Al-Minawi

ولكن قبل أن نبدأ ينبغى الإشارة إلى أمرين مهمين للتفسير وليس للتبرير، الأمر الأول أن هناك حالة من تزايد العمليات الإرهابية فى العالم، تستوى فى هذا الدول ذات السيطرة الأمنية أو الدول الكبيرة، والدول التى تعانى من مشكلات، أو من جماعات إرهابية فى داخلها، وأقرب الحوادث هذان التفجيران اللذان عانت منهما تركيا فى إسطنبول، والأمر الثانى أنه بالتأكيد مصر قد تمكنت إلى حد كبير من تجاوز حالة عدم الاستقرار الأمنى، إذا ما قارنَّا ذلك بالوضع فى 2012 أو 2013 أو حتى 2014.

ولكن هاتين النقطتين، كما ذكرت، تصلحان لتفسير تصاعد موجة الإرهاب فى العالم كله، ولكنهما لا تصلحان للتبرير بشكل كامل لما يحدث فى مصر، ففيما يبدو أن هناك حاجة حقيقية إلى إعادة النظر فى استراتيجيات عمليات التأمين، والأساليب المتبعة فى العديد من الأمور.

وإذا توقفنا عند الحادثين الأخيرين، فإن الكمائن الثابتة على سبيل المثال هى أحد الأهداف الدائمة للعمليات الإرهابية، ويظل السؤال: إلى أى مدى حدث تطوير فى عمل وتأمين هذه الكمائن، ولماذا لم يتم اعتماد وسائل تأمينية إضافية مثل كاميرات المراقبة المتحركة أو الثابتة؟، وسؤال آخر: إلى أى مدى يلتزم أفراد هذه الكمائن بالإجراءات والاحتياطات الأمنية، التى تضمن إلى حد ما سلامة الكمين وأفراده؟، كل هذه أسئلة تحتاج إلى توقف ودراسة وتقييم.

أما حادث الكاتدرائية أو الكنيسة البطرسية فهو حادث يُوجع القلب، ويؤلم أى مصرى، بل أى إنسان، فعندما يستهدف الإرهابى أشخاصا بسطاء يتوجهون إلى الله بصلواتهم فإن أوصاف الخسة والدناءة وكافة الأوصاف الأخرى تظل عاجزة عن وصف هؤلاء الذين خططوا والذين نفذوا.

أشعر بحالة الغضب التى أصابت كل مَن لديه حد أدنى من الإحساس، وأشعر بحالة الغضب التى تسود كل المصريين مسيحيين ومسلمين، وسمعت وأحسست بنبرات الغضب فى تصريحات المسؤولين الأمنيين والسياسيين والتنفيذيين، ولكن هل يكفى الغضب وحده؟..

من الواضح أن هناك ارتباطا وتصعيداً ما بين اتخاذ الدولة إجراءات أكثر حزما تجاه المتورطين فى العمليات الإرهابية وبين تصاعد العمل الإرهابى، وأن هناك ارتباطا بين الإحساس بأن هناك حالة استقرار نسبى ومحاولة استعادة عجلة السياحة، وبين ارتفاع عدد العمليات الإرهابية، ويبدو أن هناك رغبة أيضا فى تأليب الحالة بين المسلمين والمسيحيين، وإعطاء الإيحاء للمسيحيين بأنهم مستهدفون. كل هذه الأمور حاضرة وواردة، ولكن أيضاً يظل السؤال: من المفهوم أن تحدث عمليات إرهابية هنا وهناك، ولكن التأثير يكون مضاعفا حينما يكون الإرهاب فى مناطق ذات حساسية خاصة، لأنها مناطق من المفترض فيها أن تحظى بدرجة عالية من الاهتمام، ودرجات التأمين، وبالتالى فإن الأثر الأكبر لهذا الحادث يأتى من استهداف المصلين المسيحيين داخل كنيسة، هى جزء من الكاتدرائية، التى هى المقر الرئيسى البابوى، والتى من المفترض أنها تخضع لإجراءات أمنية عالية، لذلك يظل السؤال مشروعا وبحاجة إلى إجابة وتفسير مقنع: أين الخلل، وهل هو خلل مقبول أم أنه خلل يتجاوز المقبول من الإجراءات الأمنية، وهل هناك حالة استرخاء، أم أن هناك مشكلة فى خطط التأمين لمثل هذه الأماكن الحيوية، وإلى أى مدى نحن نعتمد عمليات تطوير بشكل دائم لأساليبنا الأمنية؟.

رحم الله كل المصريين الذين يذهبون ضحايا لهذه الأعمال الإرهابية.

بالتأكيد هو رهان خاسر

بقلم عبد اللطيف المناوى

«اللى حضّر العفريت يصرفه».. هو مثل مصرى معروف يعلق جرس المسؤولية فى رقبة المسؤول عن الفعل. هذا المثل هو من أكثر الأمثال التى تحضرنى خلال الفترة الأخيرة، وهو يحضرنى كلما بدأ الحديث عن الإسلام السياسى أو خلط الدين بالسياسة، ويحضرنى بشدة مع الدعم اللامحدود الذى تقدمه دول عربية لأطراف فى الصراع الدائر فى سوريا وليبيا. والمشكلة الحقيقية هنا هى ذلك الفشل المتكرر لكل من حضّر العفريت ولم يعرف كيف يصرفه. والنماذج هنا كثيرة لكن يظل أكثرها حضورا نموذج أنور السادات والنموذج الأمريكى.

عبد اللطيف المناوي

الرئيس المصرى الأسبق أراد أن يواجه منافسيه السياسيين فى ذلك الوقت من اليساريين والناصريين فاستحضر قوى الإسلام السياسى المتمثلة وقتها فى جماعة الإخوان المسلمين التى كانت قياداتها وقتها ما بين هاربة ومسجونة فأخرجهم وأعادهم ليستخدمهم، أو هكذا تصور، فى مواجهته السياسية. ولم يقف به الأمر عند هذا الحد بل خلق الجماعة الإسلامية فى الجامعات لنفس الهدف، مواجهة نفوذ وسيطرة اليسار والناصريين على الجامعة، فخرجت الجماعة الإسلامية مدعومة بأمن النظام وحمايته ودعمه السياسى. لم يدرك السادات وقتها خطورة إخراج العفريت من القمقم، أو لعله أدرك ذلك فى لحظاته الأخيرة وهو يعانى آلام الرصاص الذى أطلقه عليه أبناء العفريت الذى أخرجه بنفسه من قمقمه ولم يعرف كيف يصرفه.

النموذج الثانى هنا هو الإدارة الأمريكية التى تشارك فى تحمل مسؤولية الدماء التى تسيل كل يوم بسبب عدم الإدراك المستمر لخطورة اللعب بالدين فى السياسة. ظنوا- أى الأمريكان- أنهم بعيدون عن ساحة الفعل التى يمكن فيها لهذا العفريت الذى يستحضرونه أن يؤثر فيهم، وظلوا فى هذا الوهم إلى أن استيقظوا منه منذ اثنتى عشرة سنة، أى يوم الحادى عشر من سبتمبر الذى مازلنا نعيش آثاره حتى الآن.

القاعدة أو تنظيم القاعدة أو قاعدة الجهاد- منظمة وحركة متعددة الجنسيات، تأسست فى الفترة بين أغسطس 1988 وأواخر 1989، أوائل 1990، تدعو إلى الجهاد كما تعتقده. فى البداية، كان الهدف من تأسيس «القاعدة» التى أسهمت فى إنشائها أمريكا محاربة الشيوعيين فى الحرب السوفيتية فى أفغانستان، دعم الولايات المتحدة وحلفائها كان واضحا، كانت تنظر إلى الصراع الدائر فى أفغانستان بين الشيوعيين والأفغان المتحالفين مع القوات السوفيتية من جهة والأفغان المجاهدين من جهة أخرى، على أنه يمثل حالة صارخة من التوسع والعدوان السوفيتى، أو هكذا سوقت الموقف أمام العالم، وبخاصة أمام حلفائها الذين تولوا عنها عملية التمويل والتجنيد. موّلت الولايات المتحدة، عن طريق المخابرات الباكستانية، المجاهدين الأفغان الذين كانوا يقاتلون الاحتلال السوفيتى فى برنامج لوكالة المخابرات المركزية سُمى بـ«عملية الإعصار». فى الوقت نفسه، تزايدت أعداد العرب المجاهدين المنضمين للقاعدة «الذين أطلق عليهم (الأفغان العرب)» للجهاد- كما يعتقدون- ضد النظام الماركسى الأفغانى، بمساعدة من المنظمات الإسلامية الدولية، خاصة مكتب خدمات المجاهدين العرب، الذى أمدهم بأموال تقارب 600 مليون دولار فى السنة تبرعت بها حكومات ومؤسسات وأشخاص اعتقدوا وقتها أنهم ينصرون الإسلام، ولم يدركوا أنهم لم يكونوا سوى ممولين لصنيعة أمريكية سوف يدفعون هم ثمن مشاركتهم فى صنعها يوما ما، والمشكلة أن بعضهم مازال غير مدرك لذلك.

ودفعت أمريكا نفسها ثمن إخراج العفريت من قمقمه عدة مرات، لكن يظل ما حدث فى الحادى عشر من سبتمبر هو الثمن الأعلى، وإن كانت الإدارات الأمريكية المتعاقبة تتحمل، كما قلت، المسؤولية عن دماء مواطنيها على يد صنيعتهم، ولن يخفف من ذلك ما ادعوه من حرب على الإرهاب راح ضحيتها مئات الآلاف يشاركون فى تحمل مسؤولية دمائهم. ولن يخفف عنهم أيضاً قتلهم لصنيعتهم أسامة بن لادن الذى سيظل حاضرا فى أذهان صانعيه حتى بعد أن ألقوا بجثته فى قاع المحيط.

ما يدفعنى إلى الحديث عن هذا الموضوع اليوم هو ما ألحظه من العناد والإصرار على تكرار الخطأ. ها هم يكررون الخطأ مرة أخرى، ويعتقدون هذه المرة أن شغل جماعات الإسلام السياسى والجماعات الجهادية سوف يصرف عنهم خطورة هذه الجماعات.

حضور العفريت فى سوريا وليبيا، إن حضر، سيجعل من أحضروه ودعموه هم أول من يدفع الثمن.

لماذا لم يلتقِ السيسى وسلمان؟

بقلم عبد اللطيف المناوى

يخطئ مَن يعتقد من المسؤولين السعوديين أياً كان مستواهم أن الوضع العربى العام يمكن أن يستقر دون أن تكون مصر مستقرة، فإذا كانت السعودية كما يصفها أهل الخليج هى عمود الخيمة الخليجية، فإن مصر هى عمود الخيمة العربية. لذلك فإن أى تصورات أو سيناريوهات أو حسابات مستقبل تستبعد مصر المستقرة هى حسابات خاطئة، بل يمكن وصفها بأنها «رهان خاسر»، ليس للسعودية وحدها، بل لمصر أيضاً وللعرب أجمعين.

وحتى يوضع كلامى فى إطاره الصحيح، فإن العلاقات مع السعودية هى أيضا شديدة الأهمية لمصر، الأكيد أن كلا البلدين يحققان مكاسب سياسية أو اقتصادية أو أمنية أو استراتيجية أو كل هذه العناصر معاً من خلال الحفاظ على علاقات قوية متوازنة، فإذا ما قرر بعض المسؤولين السعوديين التقليل من مفهوم وقيم العلاقات بين «الأشقاء»، فإن مفهوم الحسابات السياسية والمصالح المتبادلة يفرض عليهم وعلينا العمل فوراً على إنقاذ هذه العلاقات المهمة للجميع من أن تستمر فى حالة جفاء متزايد، يمكن أن يؤدى إلى ضرر حقيقى، دون أن نُلقى باللوم على أجهزة الإعلام بأنها هى التى روجت لمشروع لقاء بين الرئيس السيسى والملك سلمان، فى أثناء مشاركتهما فى احتفالات الإمارات بذكرى تأسيس الدولة، فإن فقدان هذه الفرصة خسارة، والمتسبب فى فقدانها يُلام على ذلك.

DSC_8195

لقد كان من المعلوم، وفى حكم المؤكد، أن هناك جهودا إماراتية حثيثة يقوم بها الشيخ محمد بن زايد من أجل رأب صدع العلاقة بين البلدين، مصر والسعودية، وكان أيضا معلوما أن احتمالات هذا اللقاء كانت قائمة، خاصة مع متابعة المواعيد المقررة سلفاً للزيارتين، حيث إن زيارة الرئيس السيسى كانت تبدأ الخميس لمدة يومين، وتبدأ زيارة الملك سلمان الجمعة، فبدا الوضع وكأن اللقاء سيتم يوم الجمعة، وهو يوافق اليوم الوطنى للإمارات، ولكن يبدو أن «أمراً مهماً» أو ارتباطاً مهماً حدث يوم «الجمعة» فجأة، ليؤجل الملك سلمان زيارته لتكون بعد ظهر اليوم التالى (!!) وكمتابع للشأن السياسى، لا أظن أن هناك أمرا أو ارتباطا أهم من بذل جهد لتصفية أجواء ملبدة مع بلد حليف بالطبيعة، وتتبدد الفرصة التى كانت مهيأة، إلا لو كان هناك أمر آخر وحسابات أخرى.

ما يتردد فى أوساط سياسية وصحفية أن الرياض لها وجهة نظر، يتبناها الملك سلمان، وولى ولى العهد محمد بن سلمان، وهى أنهما تعرضا لـ«خدعة كبرى» من القاهرة، فبعدما قدما مساعدات عدة لم يحصلا على ما توقعاه من النظام فى مصر سواء سياسيًا فى تأييد التحركات السعودية عربيًا، خاصة فى الملفين السورى واليمنى، أو بتسليم جزيرتى تيران وصنافير للمملكة، بالرغم من توقيع الاتفاقية، وهنا يتجاهل بعض المسؤولين السعوديين حقيقة مهمة، وهى أن النظام فى مصر، أَى نظام، لا يمكنه أن يتحدى النظام القانونى الحاكم للدولة فى مصر، أو أن يتحدى المجلس التشريعى، أو أن يتجاهل التيار الشعبى الراغب فى أن يسمع ويقتنع قبل أن يوافق.

الأمر الآخر هنا- وهو أمر لن أناقشه طويلاً لأنه ليس من الصالح العام فتح نقاش طويل حول هذا الأمر- هو: هل كان هذا هو الوقت المناسب للإصرار والضغط من أجل تسلم الجزيرتين؟ ولن أناقش هنا حقوقا ولكن أناقش الجدوى السياسية.

لو لم يكن الرئيس السيسى هو الذى وافق على توقيع الاتفاقية مع السعودية لكان الموقف الشعبى أكثر تأزماً، ولكن الرئيس حملها على عاتقه، وتحمل تبعاتها ليؤكد للسعودية حسن نيته ورغبته الحقيقية فى تطوير العلاقات بين البلدين، وتحمل هو كل تبعات ذلك الموقف، ولكن يظل فى مصر، مهما كان ضعفها أو قوتها، نظام قانونى وتشريعى، مهما كانت الملاحظات عليه، حاضر ومؤثر وقوى، ولا يملك نظام حاكم أن يتجاوزه. لذلك، فإن الرئاسة المصرية أكدت دوما أنها ملتزمة بموقفها «غير القابل للنقاش» فى بقاء ملف الجزيرتين بانتظار كلمة الفصل القضائية.

وعلى الرغم من أن قائمة الاختلاف فى المواقف والرؤى بين البلدين فيها أمور أخرى، فإنه يبدو أن ملف الجزيرتين هو الأكثر إلحاحا لدى بعض كبار المسؤولين السعوديين، ولكن يظل ملفا سوريا وإيران من الملفات الخلافية الواضحة بين البلدين. يُذكر أن الخلاف السياسى بين مصر والسعودية حول الملفات الإقليمية ظهر للعلن مع إعلان الرياض استياءها من تصويت القاهرة فى مجلس الأمن لصالح مشروع قرار روسى تعترض عليه الرياض، وما تلى ذلك من وقف شركة أرامكو السعودية إمدادات البترول إلى مصر، وهو الموقف الذى أساء نفسياً كثيراً لدى المصريين، الذين مازالوا يتذكرون موقف الدول العربية الداعم لمصر فى حرب أكتوبر عندما فرضت الدول العربية المنتجة للنفط، بما فيها السعودية، حظرا على الدول الغربية المساندة لإسرائيل.

أما الموضوع الآخر الذى يزعج بعض المسؤولين فى السعودية فهو ما تعتبره السعودية غزلا مصريا إيرانيا خلال الأشهر الأخيرة. وهذا الموضوع فى حاجة إلى وقفة أطول للشرح وتوضيح الموقف المصرى من إيران تاريخيا وحالياً. لكن الأكيد أن التزام مصر بدعم دول الخليج والوقوف أمام أى تهديد محتمل لها هو موقف مصرى حاكم، أعلنته مصر مراراً على لسان كل مسؤوليها، حتى مستوى الرئيس نفسه، الذى أكد أكثر من مرة أن أمن الخليج هو خط أحمر بالنسبة لمصر.

الموضوع أكبر كثيراً من أن يتم تناوله فى هذه المساحة المحدودة، ولكن الرسالة الأساسية هنا هى أن مصلحة السعودية ومصلحة مصر ومصلحة المنطقة أن تنجح الدولتان الكبيرتان فى تجاوز الخلافات التى هى صغيرة إذا ما قورنت بحجم التهديد الذى تواجهه المنطقة، وأن نبدأ فى التعامل مع اختلاف المواقف السياسية تجاه قضايا بعينها فى إطار تقسيم الأدوار أو الفهم الصحيح لظروف كل دولة.

رشيد محمد رشيد

بقلم عبد اللطيف المناوى

على بوابة الدخول إلى الطائرة المتجهة إلى الدوحة من دبى استوقفتنى المضيفة، ووجهت كلامها لى قائلة: «أنت آخر من توقعت أن تذهب إلى قطر!». كان ذلك فى نهاية 2012، وكانت الدوحة وقتها قبلة للكثيرين الذين أصابتهم حالة فقدان ذاكرة اختيارى فيما بعد، فتنكروا لتاريخهم ليحتلوا موقعاً فى ظل نظام جديد.

p1010061.jpg

كانت المضيفة مصرية، تابعت واهتمت، ككل المصريين، وقتها، بتفاصيل كل ما حدث ويحدث فى مصر، وكل الأشخاص المرتبطين بهذه الأحداث. استوقفنى تعليقها، فموقفى من النظام هناك وعلمى بحجم تورطه فى زعزعة مصر والتآمر عليها كان معروفا، واستطردت قائلة: «ما تطولش، وخد بالك من نفسك»، أجبتها بأنى ذاهب لألتقى بأخٍ وصديق مضطر للإقامة هناك، ولولاه، ولولا رغبتى الشديدة فى لقائه ما غامرت بذهابى، وما تحملت العبء النفسى لأذهب هناك، فى ظل نظام لا أظنه معبرا بشكل صحيح عن توجهات أهل قطر.

الأخ والصديق الذى كنت ذاهبا للقائه كان المهندس رشيد محمد رشيد، عرفته بعدما تولى وزارة الصناعة بأسابيع قليلة، رتب اللقاء وقتها صديق مشترك عندما سمع منى انتقادات حادة لاختيار رجال أعمال ليتولوا مناصب وزارية، أجابنى وقتها أن رشيد مختلف، وطلب أن ألتقى به قبل أن أحكم عليه. استقبلنى، وقتها، فى مكتبه فى الوزارة، كان مواجها لفندق سميراميس الذى أقام فيه لفترة، لأنه أصلا «إسكندرانى». وجدت رجلاً يعرف كيف يسمع، ويحرص على أن يسأل ليعرف ما لا يعرف، ولا يدعى ما ليس لديه. نموذج مختلف لمسؤول مصرى.

التقيت به بعد ذلك مرات عديدة، سألته فى إحدى المرات: ما حجم أصحاب رؤية التغيير داخل منظومة الدولة، مؤسسات وحزبا، وكان صريحا عندما قال: «لا يزيد على عشرة فى المائة، والهدف أن نبنى تياراً أكبر، قادرا على تحقيق تغيير حقيقى».

آخر لقاء لى معه قبل أحداث يناير كان قبلها بحوالى أسبوع، وكانت رؤيته وشرحه للواقع متسقين، إلى حد بعيد، مع ما حدث بعد ذلك، ليس مع تفاصيل ما حدث، ولكن تفسيره ومقدماته.

ليس الآن مجال الحديث عن رؤيته وجديته فى التعامل مع مسؤولياته التى تحملها بصدق وأمانة. وليس الآن وقت الإشارة إليه باعتباره كان من بين مسؤولين قلائل- لا أدرى إن كانوا يجاوزون أصابع اليد الواحدة- يمتلكون رؤية متكاملة لإدارة مصر، وقدرة على التفكير بشكل متكامل فى أبعاد وزوايا الصورة المختلفة بقطاعاتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية. لذلك عندما صدر قرار النائب العام وقتها بمنعه من السفر ومن التصرف فى أمواله والتحقيق معه فى مخالفات أضرت بالمال العام، وكان ذلك فى إطار محاولة النظام تقديم قرابين للمتظاهرين فى محاولة لاحتوائهم، عندما صدر ذلك القرار لم أكن وحدى الذى فوجئ بهذا القرار مستنكراً إياه، ولكنى أظن أن القطاع الأكبر من المصريين وقتها أصابتهم نفس الدهشة.

فعلى الرغم من انتماء المهندس رشيد إلى رجال الأعمال الكبار، وهو أمر يؤهله لمشاعر سلبية لدى قطاعات كبيرة من الجمهور، خاصة وقتها، فالغريب أنه كان يلقى قبولاً كبيراً لدى القطاع الأكبر من المصريين، فسماحته وتواضعه وانتماؤه إلى الناس، ورغبته الجادة فى العمل من أجلهم انتقلت إلى الناس، وكان ذلك إحدى أهم الوسائل التى يلجأ إليها الرئيس الأسبق مبارك، عندما تكون هناك موضوعات وسياسات اقتصادية مطلوب أن تصل للرأى العام.

كان محظوظاً عندما خرج مصادفة قبل صدور قرار النائب العام، وهذه قصة، حقه وحده أن يحكيها يوما ما إن أراد.

تعرض المهندس رشيد لحملات تشويه، تعرضوا لذمته المالية، وشككوا فى مصدر ثروته هو وأهله، وظلوا يلمحون، خاصة بعد سقوط الإخوان، إلى إقامته فى قطر. لم تنجح هذه الحملات كثيراً، ولم يحاول المهندس رشيد التفاعل معها، ولم يصدق قطاع كبير من المصريين مضمون هذه الحملات، فلقد ظلت صورة الرجل فى أذهانهم كما كانت إلى حد كبير وقت أن كان فى موقع المسؤولية. أما مسألة وجوده فى قطر فأيضا له وحده الحق فى أن يشرح ملابساتها عندما يقرر، وهى مقنعة إلى حد كبير. ويظل تقييم الرجال بمواقفهم وليس أماكن تواجدهم التى قد يضطرون اليها أحياناً. يضاف إلى ذلك أن الرجل لم يتوقف عن أن يقدم ما يستطيع من مجهود أو تواصل أو تفكير، عندما كان يُطلب منه ذلك. بدأ ذلك من اليوم التالى لمغادرته مصر وحتى الآن.

الكلام كثير، ولكنى اليوم أردت فقط تأكيد المعنى الذى هو من حق المهندس رشيد وكل عائلته، وهو أن المهندس رشيد لم يتربح من وراء الوظيفة العامة، حيث إن أموال العائلة واستثماراتها انتقلت إليهم من ميراث أبيه وفترة عمله كرجل أعمال قبل تعيينه بالوزارة، ولم يستغل أى منصب شغله، (حزبيا أو وزيرا للتجارة والصناعة) للحصول على معلومة أو تحقيق ربح أو منفعة شخصية لنفسه أو للغير.

هذا حقه علىّ وعلى كل من يعتقد فى ذلك، وهم كثر.