سؤال بلا إجابة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

السؤال المهم الآن: هل هناك حل؟ كيف يجب أن يتعامل الفلسطينيون والعرب مع ما تسمى «صفقة القرن»؟

لا أملك إجابة مقنعة ومرضية وواقعية في نفس الوقت. كذلك لا أظن أن غيرى يمتلك مثل هذه الإجابة. لكن هل هذا كافٍ للتخلص من عبء مسؤولية البحث عن إجابة، أو أن البديل هو اكتفاء كل طرف بالاعتصام بإجابة يرى فيها «مصلحته»؟ أعتقد أن التحدى الرئيسى الذي يواجهنا الآن هو النجاح في التوصل إلى إجابة صحيحة على أسلوب التعامل مع الصفقة.

البعض يقترح أن ينتظر الفلسطينيون والعرب خمسة أعوام أخرى إلى أن يخرج ترامب. والبعض الآخر يعتقد أن الحل هو التعامل بواقعية والقبول بالمطروح في صفقة ترامب حتى لا يضيع المزيد من الفرص كما ضاعت من قبل. والبعض الثالث يرى أن الأكرم لنا كعرب وفلسطينيين أن نرفض الصفقة، لأنها في الواقع «نصب» وليست صفقة.

ويرى آخرون أنه لابد من انطلاق مسار تفاوضى فورى في الأمم المتحدة ليتحمل المجتمع الدولى مسؤولياته. وتكون المبادرة العربية وما تم التوصل إليه من أطر اتفاق سابقة بشأن القضية الفلسطينية حاضرة جنبًا إلى جنب مع الصفقة الأمريكية. ويعتقد البعض أن الأمور ستؤدى إلى أن الحل الوحيد القابل للبقاء كخيار أخير هو العودة إلى حل الدولة الواحدة.

نتفق على أن الصفقة تُعد انتهاكًا لكل مبادئ وأعراف قواعد القانون الدولى ولقرارات الشرعية الدولية الخاصة بالقضية الفلسطينية، ولكن، هل كان لنا الحق أن نتوقع غير ما حدث؟ على مدى السنوات الماضية وما شاهدناه وتابعناه من الموقف الأمريكى تجاه قضية فلسطين بدءا من اعتراف الولايات المتحدة بالقدس عاصمة لإسرائيل، وسيادة إسرائيل على هضبة الجولان. ونقل السفارة الأمريكية من تل أبيب إلى القدس، فإن أي توقع مغاير للصفقة هو أمر غير منطقى. الغريب الملحوظ هو حالة المفاجأة التي انتابت البعض، وكأنهم كانوا يتوقعون أمرا مختلفا من خطة السلام الصفقة، والتى يبدو من الواضح جداً أنها استكمال لما سبق، وأنها تتم بين الحكومة الإسرائيلية والأمريكية دون مشاركة أو حوار مع الجانب الفلسطينى.

فماذا سيفعل العرب والفلسطينيون للتصدى لهذه الكارثة التي أضيفت إلى سجل الكوارث التي يزداد عددها باطراد؟

الأمر يتطلب اتخاذ إجراءات لا أعلم مدى واقعيتها. قد يكون أولها مصالحة وتوحد بين جميع القوى والفصائل الفلسطينية. ومع سهولة الكلام فإن الأمر يبدو واقعيا من المستحيلات مع الأسف. المستحيل الآخر هو إعلان موقف عربى موحد على المستويين الرسمى والشعبى من خلال جامعة الدول العربية ومنظمة التعاون الإسلامى ومجلس التعاون الخليجى.

ويظل السؤال «ماذا نفعل؟» عصياً على الإجابة في ظل واقع عربى ضعيف منقسم وتراجع للصراع العربى الإسرائيلى في أولويات الدول العربية أو معظمها، وانقسام فلسطينى وقوة إسرائيلية ورئيس أمريكى يتاجر.

انهيار حلم تحقيق العدالة

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

أخيرًا أعلنها، بعد أعوام من الترقب والتوقع والتسريب وبالونات الاختبار، «تمخض» الرئيس الأمريكى ترامب «فوَلَد» ما أحب أن يسميه «صفقة القرن». وهى تبدو صفقة مجهضة قبل أن تبدأ. من الواضح أن هناك صدمة عربية وفلسطينية، وهى صدمة مُستغربة، وأيضًا رفض لدى القطاع الأكبر عربيًا لما احتوته الوثيقة، التي وصل عدد صفحاتها إلى 181 صفحة، من إضاعة لحقوق اعتبرناها غير قابلة للمساس، فأطاحت بها الصفقة الجديدة القديمة. أما دوليًا فتراوح الاستقبال بين الترحيب القلق والتحفظ على عديد من النقاط، واحتياطيًا وصف الأوروبيون الأمر بأنه مجرد اقتراح للتفاوض حوله. وكما ذكر أحد المعلقين أن ما يحدث الآن هو فرض حل لا يمكن القبول به، ولن يكون ذا أثر إيجابى على الصراع وعلى المنطقة.

أيضًا المناخ العام السائد أنه بعد 70 عامًا من الصراع ينهار أمام أعيننا أي حلم كان في تحقيق العدالة. ما لم يستطع كثيرون استيعابه أنه ليس من صفات الصفقات العدالة، ولكن تحكمها علاقات السوق، بمعنى آخر علاقات القوة.

يرى ترامب أن الخطة فرصة تاريخية للفلسطينيين لإنشاء دولتهم بعد هذه السنوات من المعاناة. ويرى الفلسطينيون ومعظم العرب عكس ذلك. يعتقد ترامب أن خطته للسلام في الشرق الأوسط تقدم حلولًا دقيقة لجعل المنطقة أكثر أمنًا. ويبدو رد الفعل الأولى عكس ما يراه صاحب الصفقة.

الإشكالية الحقيقية التي نواجهها الآن هي في كيفية التعامل مع الصفقة التي أصبحت أمرًا واقعًا، فكافة ما تم رفضه من مبادرات أو محاولات سابقة انتهت إلى تراجع في المطالب، ونذكر منها مثلًا اتفاقية كامب ديفيد، التي رفضها الراحل ياسر عرفات، حيث كانت تقر برجوع نحو 98% من الأراضى الفلسطينية التي تم احتلالها، والآن نتحدث عن حوالى 15% من الأراضى.

بالتأكيد، ما هو مطروح مرفوض، ولكن السؤال هو: أين البديل؟ أين المبادرة أو الحل البديل؟ فرفض صفقة ترامب معناه باختصار رفض جديد بخسارة جديدة.

أقولها من جديد: الصفقة- كما يود الجميع أن يسموها- تعبير عن قوة، وقد تم طرحها في وقت تغيب فيه القوة العربية، فهذه هي قدراتنا في الوقت الحالى، نعم هناك انقسام عربى، ونعم هناك انقسام فلسطينى، فما إمكانية اعتبار ما هو مطروح كقاعدة للحوار، هل سيقبل العرب الرافضون ذلك، بل هل سيقبله الأمريكان والإسرائيليون، أم صارت الصفقة أمرًا واقعًا، تستحيل معه العدالة؟ وهل الحديث عن مسار مختلف أمر ممكن الحدوث؟ هذا تحدٍّ الإجابة عنه مقلقة.

مؤشر الفساد وبناء الدول

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

الفساد هو العدو الأول لأى تقدم، هو المقاوِم الرئيسى لأى محاولة لبناء مؤسسات قوية، هو آفة أى طريق للبناء والتنمية، لذا فإن الدول القوية تُبنى أولاً بمواجهة الفساد.

وتهتم المؤسسات الدولية كثيراً بمكافحة الفساد ومسبباته، لذا تكترث الدول الكبرى بالمؤشر الذى تصدره منظمة الشفافية الدولية، والذى كشف تقدماً ملحوظاً لجهود مكافحة الفساد فى منطقة الشرق الأوسط، حيث حلت الإمارات فى المركز الأول عربياً، والـ21 عالمياً، وتشاركت مصر والجزائر فى المركز العاشر عربيا (106 عالميًا)، ثم جاءت بعدهما جيبوتى فى المركز 11. وتشارك كل من لبنان وموريتانيا فى المركز الـ12 عربيا، وحلت بعدهما جزر القمر.

وجاء العراق فى المركز 16 عربيًا (162 عالميًا)، وجاءت بعده ليبيا ثم السودان واليمن وتذيل كل من سوريا والصومال القائمة.

سوريا واليمن سجلا هبوطًا كبيرًا فى مؤشر الفساد العالمى لعام 2019، حيث تراجع اليمن ثمانى نقاط منذ عام 2012، بينما تراجعت سوريا 13 درجة خلال نفس الفترة.

وحسب تقرير منظمة الشفافية العالمية لعام 2019، فإن المنطقة العربية تواجه تحديات فساد ضخمة، على رأسها غياب النزاهة السياسية. وأشار التقرير إلى أن شخصا واحدا من بين كل اثنين فى لبنان، على سبيل المثال، يتعرض للرشوة مقابل الحصول على صوته. بينما يتلقى واحد من كل أربعة تهديدات، إذا لم يصوت بطريقة معينة.

فى تونس يرى التقرير أن الدولة الشمال إفريقية مازالت تراوح مكانها فى المؤشر العالمى للفساد.

على الرغم من التقدم فى تشريعات مكافحة الفساد على مدى السنوات الخمس الماضية فى العديد من الدول، مصر من بينها، إلا أن ضعف إنفاذ القانون مازال يمثل تحديا كبيرا. وبدون آليات التنفيذ والمراسيم الإدارية ستبقى القوانين غير فاعلة، حسب التقرير.

بشكل عام ولتحسين ثقة المواطنين فى حكوماتهم، يوصى التقرير دول المنطقة ببناء مؤسسات شفافة وخاضعة للمساءلة ومحاسبة المخالفين ومنعهم من الإفلات من العقاب، فضلا عن إجراء انتخابات حرة ونزيهة.

أما على مستوى العالم، فقد تصدرت الدنمارك قائمة الدول الأكثر محاربة للفساد، تلتها نيوزيلندا ثم فنلندا. وتعتبر القارة العجوز هى أعلى المناطق محاربة للفساد، فى حين كانت أدناها هى دول جنوب الصحراء بإفريقيا، فى حين كانت دول الشرق الأوسط وشمال إفريقيا فى المنتصف.

وأظهر التقرير أن الفساد أكثر انتشارا فى البلدان التى تتدفق فيها الأموال الضخمة بحرية، وتحديداً خلال الحملات الانتخابية، حيث تستمع الحكومات فقط إلى أصوات الأثرياء أو الأفراد الذين يحظون باتصال جيد بها.

إرهاب ٢٠٢٠

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تقلص نفوذ تنظيم القاعدة بعد سنوات من محاصرته فظهر تنظيم داعش. اليوم وقد صار تنظيم داعش يواجه النهاية، نتساءل عن «جراب الإرهابيين» باعتبارهم حواة في صناعة العنف وإراقة الدماء.

التقارير الدولية التي ترصد تطور الظاهرة الإرهابية عالميًّا تشير إلى أن هناك تراجعًا ملحوظًا في عدد الهجمات الإرهابية عالميًّا، وتقلص نفوذ التنظيمات الإرهابية في منطقة الشرق الأوسط، ولكن هذا لا يعنى اختفاءها خلال (٢٠٢٠)، بل خفوت نفوذها وسيطرتها المكانية في مناطق معينة.

نفوذ تنظيم «داعش» الإرهابى كان كبيرا في دولتى العراق وسوريا، إلا أن الحملات التي شنتها الولايات المتحدة وروسيا وشركاؤهما ساهمت في هزيمة التنظيم، ونجحت تقريبًا في تدمير خلافته المزعومة، مع زيادة الضغوط على شبكاته الدولية، حيث حررت خلال العامين الماضيين ١١٠ آلاف كلم مربع من الأراضى التي كان يسيطر عليها تنظيم «داعش»، وحوالى ٧.٧ مليون شخص من رجال ونساء وأطفال كانوا تحت حكمه الوحشى. وقد كللت تلك النجاحات بمقتل زعيم التنظيم «أبوبكر البغدادى».

أزمات قد تواجه العالم في الوقت القريب، ربما في ٢٠٢٠، الأولى هي إمكانية تصاعد نفوذ داعش في أماكن أخرى غير سوريا والعراق، إذ إن إفريقيا مرشحة فوق العادة لاستقطاب عدد كبير من فلول التنظيم، أو المؤمنين بأفكاره ومعتقداته وعنفه.

حيث يتوقع تقرير مؤشر الإرهاب العالمى السابق الإشارة إليه أن إفريقيا ستمثل بؤرة الإرهاب الملتهبة في العالم خلال المستقبل القريب، إذ سجلت إفريقيا جنوب الصحراء الكبرى ثانى أكبر ‏عدد من الوفيات الناجمة عن الإرهاب بعد منطقة جنوب آسيا، متجاوزةً منطقة الشرق الأوسط وشمال إفريقيا.

أما الأزمة الثانية فهى في إمكانية استغلال تنظيم «القاعدة» النكسات التي يتعرض لها تنظيم «داعش» لإعادة تأسيسه كقيادة للحركة الجهادية العالمية، إذ لا يزال يسعى إلى توسيع صفوفه، والتخطيط لتنفيذ هجمات إرهابية جديدة، والحفاظ على ملاذات آمنة وسط مناخات سياسية وأمنية هشة، ولا سيما في ليبيا وسوريا واليمن.

الأزمة الثالثة تكمن في خطر عودة المقاتلين الأجانب إلى بلدانهم، أو السفر إلى دول ثالثة للانضمام إلى تنظيمات صغيرة هناك، وبالتالى تنفيذ هجمات إرهابية جديدة.

وتبقى أزمة تطل برأسها تتمثل في عودة «الإرهاب الفردى» الذي تقوم به «الذئاب المنفردة» التي كانت موالية لتنظيم «داعش».

٢٠٢٠ ولا شك سيحمل الجديد بخصوص الإرهاب والتنظيمات، فعلى العالم أن يكون مستعدا لمواجهة جديدة تحتمل كل الأفكار.

لا يستوعب الدروس

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

يبدو أن لا أحد يستوعب دروس التاريخ. يقرأونه وكأنه كتاب مدرسى ينتهى أثره بعد امتحان نهاية العام. ثم يتكلمون عنه باعتباره أمراً مقدساً غير قابل للمراجعة.

أردوغان أحد هؤلاء الذين لا يستوعبون دروس الماضى، يتحدث عن زمن آبائه وأجداده وكأنهم منزلون منزهون. كأنهم الحقيقة والباقى أوهام. منذ أيام توعد أردوغان قائد الجيش الليبى، المشير خليفة حفتر، بـ«تلقينه الدرس اللازم» حال شن هجمات على القوات التابعة لرئيس حكومة الوفاق، فايز السراج، وأشار إلى أن ليبيا كانت لعصور طويلة جزءاً مهماً من الدولة العثمانية، لذلك لا يمكن لتركيا أن تقف مكتوفة الأيدى أمام ما يجرى هناك، وفق تصريحاته.

الرئيس التركى أضاف أن نصرة أحفاد أجداده فى شمال إفريقيا تأتى على رأس مهامه، وتابع: «إن أبناء كور أوغلو (أتراك ليبيا)، سواء عندنا مع تركمان سوريا والعراق وأتراك البلقان وأتراك الأهسكا فى القوقاز، نحن على وعى بمسؤوليتنا التاريخية تجاه إخوتنا العرب والأمازيغ والطوارق فى ليبيا»!.

لقد بدأ حلم عودة الخلافة العثمانية يصعد، مع صعود أردوغان من جهة، وحلم «أستاذية العالم»، يصعد مع مقدمات ما سُمى بفترة «الربيع العربى»، حيث تماهت أحلامه مع أحلام الإخوان فى مصر وسوريا وتونس وليبيا وغيرها من الدول التى ضربتها رياح التغيير، ربما شارك أردوغان الحكم فى تلك الدول.

ربما يكون هذا انتقاماً من تهديد العرب لدولة «الخلافة» فى ثلاثينيات القرن التاسع عشر، وتحديداً مصر، عندما وصل إبراهيم باشا، نجل محمد على، إلى مدينة كوتاهيه على بعد 200 ميل فقط من العاصمة العثمانية اسطنبول، حيث لم ينقذ الدولة العثمانية سوى تدخل بريطانيا وفرنسا لتقليص نُفوذ محمد على.

حلم الخلافة ظل فى عقل السلطان التركى، حتى فى التعامل مع شعبه، حيث جعل أردوغان تعليم اللغة العثمانية إجبارياً فى المراحل الثانوية، وقال عن تلك اللغة إنها ليست لغة أجنبية، وإنما شكل من أشكال التركية، وضغط فى مسألة تدريسها حتى إنه قال تصريحاً ديكتاتورياً كان نصه: «رضيتم أم أبيتم سيتم تدريسها».

انتهى حلم أجداد أردوغان بالخلافة مع سقوط الدولة العثمانية، كما انتهى حلم أردوغان نفسه بعد ثورة 30 يونيو، وتوالى الرفض العربى لحلفائه.

ربما لم يبق من المشروع الأردوغانى لإحياء الدولة العثمانية إلا مجرد كلمات «فارغة» يلوكها أردوغان فى كل محفل. تلك الكلمات التى لا تشى إلا بجهل الرجل بالتاريخ.

المأزق

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

أعلنت مصر وإثيوبيا تعثر جولات التفاوض الأربع التى عُقدت فى القاهرة والخرطوم وأديس أبابا، برعاية أمريكا والبنك الدولى، ومن ثم بدأت جولة مفاوضات أخرى فى واشنطن، الإثنين، ومن المنتظر أن تنتهى خلال الساعات المقبلة، إن لم تكن قد انتهت وقت كتابة هذه السطور.

وبغض النظر عن نتيجة الجولة، وبغض النظر كذلك عن الصورة المتداولة التى تجمع الرئيس الأمريكى دونالد ترامب بوزراء خارجية الدول الأطراف، ومن بينهم وزير خارجيتنا سامح شكرى، إلا أن المتوقع بعد اللجوء إلى الوسيط، وفقاً لمسار المفاوضات، وكذا الاتفاق الإطارى الموقع فى الخرطوم فى 2015، هو الذهاب إلى الهيئات الدولية للتحكيم.

إلا أن هذه الخطوة لم تكن واضحة منذ البداية، رغم مطالبات كثير من الدوائر باللجوء إليها فى السابق. تلك الخطوة ربما لم تناقش فى الأساس مع أى اجتماعات سابقة للدول الثلاث الأطراف، سواء مع رعاية الوسطاء أو فى اجتماعاتهم بشكل منفرد على مستوى الوزراء أو القادة، وحتى الاتفاق الإطارى لم ينص على هذه الخطوة.

الأزمة التى يخشى منها بعض المراقبين المصريين هى عدم وجود اتفاق مسبق بين الأطراف الثلاثة حول «آلية» التحكيم الدولى، ومتى يتم اللجوء إليها، إذ ربما يتم اللجوء إلى محكمة العدل الدولية فى الوقت القريب.

المعضلة أن القانون الدولى، وفقاً لبعض القانونيين الذين تحدثوا حول الأمر، يحتم الاتفاق مع إثيوبيا والسودان أولاً قبل اللجوء إلى أى هيئات دولية للتحكيم، وهو الأمر الصعب، حيث أبدت أديس أبابا تزمتها فى مسار المفاوضات، فإذا كان ذلك هو موقفها فى المفاوضات، فكيف سيكون موقفها فى اتفاق ينص على اللجوء إلى التحكيم!

تبقى معضلة أخرى حول مدى اتساق الموقفين المصرى والسودانى إزاء هذا القرار، وذلك على ضوء التقارب الشديد بين السودان وإثيوبيا تجاه مسألة بناء السد، والفوائد التى سيحصل عليها السودان عن طريق إمداده باحتياجاته من الطاقة المولدة من توربينات سد النهضة، وهو أمر قد يصعب الخطوة.

من الوارد أن تستخدم واشنطن أوراق الضغط التى تمتلكها بهدف دفع الأطراف الثلاثة لتقديم تنازلات مقبولة من أجل التوصل لاتفاق يُرضى الجميع، بهدف الإبقاء على مسار التفاوض السلمى وعدم اللجوء إلى التحكيم، وهذا أمر قد يوفر الكثير من الوقت.

أتمنى أن نصل إلى اتفاق بدلاً من الوقت المهدر، الذى هو بالفعل فى صالح إثيوبيا، حيث تشير التقارير الأخيرة إلى أنها بنت بالفعل 80% من إنشاءات السد.

Egypt needs to agree Renaissance Dam deal

by DR. ABDELLATIF EL-MENAWY

There are just hours left until the results of the latest crucial round of negotiations on the Grand Ethiopian Renaissance Dam (GERD) project, which are taking place between Ethiopia, Egypt and Sudan in Washington, are announced. The round kicked off on Monday, at the invitation of the US, to discuss what was reached in the four previous rounds of negotiations, which lasted for more than a month and had the participation of representatives of the World Bank and the US, as well as the foreign and water resources ministers of the three countries concerned.

The earlier rounds of talks, despite many statements of thanks and appreciation for hospitality, failed to reach a solution. The Egyptian irrigation ministry issued a statement after the end of the last round, in which it said the three countries could not reach an agreement due to the lack of clear measures from the Ethiopian side to preserve the capacity of Egypt’s Aswan High Dam while the GERD reservoir is filled, especially in periods of drought. It also said that the negotiations showed Ethiopia is not really seeking to reach an agreement and has always threatened to unilaterally fill the reservoir — a violation of international law and something Egypt will not allow to happen in order to preserve its share of the Nile’s waters, as stipulated in previous agreements.

Meanwhile, Ethiopian Water Minister Seleshi Bekele said there wasn’t an agreement because Egypt had suggested extending the period of filling the GERD’s reservoir to 21 years, when it prefers six. In a press conference after the last round, Bekele said that the Egyptian delegation attended the talks without the intention of reaching an agreement and that Ethiopia would start filling the dam in July. Bekele’s statement provoked the Egyptian Foreign Ministry, which issued a strong statement accusing the Ethiopian side of falsifying facts.

The Washington meetings might bring good news or create a new disagreement. But the scenario that is most likely to happen is to commit to article 10 of the Declaration of Principles signed in 2015 between the three countries, which gives the concerned parties the right to ask for mediation or refer the matter to their heads of states to discuss any disagreement.

Observers have previously determined the legal steps required to clinch an agreement on the GERD issue. The first step was holding talks and the second was resorting to mediators. The third step was to involve international entities, which happened recently with the US and the World Bank. The last option would be resorting to the International Court of Justice. However, some consider that a prior agreement should have been made between the three countries regarding the mechanism of the international arbitration and when it should be adopted, but these items were not included in the Declaration of Principles.

Looking to Washington might be the solution, since the US has ways of pressuring countries that can be utilized to push the three sides toward making concessions and reaching an agreement that satisfies everyone. America is expected to continue its pressure on the concerned parties to maintain peaceful negotiations and avoid further options.

The truth is that the US’ involvement in the dam issue is not new. When Ethiopia began its planning stage in 1958 — right after Egypt’s decision to establish the Aswan High Dam — the US sent a delegation from the Bureau of Reclamation to study the establishment of dams on the Blue Nile. After six whole years of study, the bureau finally published its first report. It made plans for 33 projects on the Blue Nile and its tributaries, including four big dams that would impound more than 70 billion cubic meters of water and generate 5,500 megawatts of electricity. In 1998, Ethiopia updated these projects to double the storage capacity of the dams, with its stated goal being to produce clean hydropower to be used locally and exported to neighboring countries. Will the US favor its initial studies or will it respect its very good relations with the current administration in Egypt?

In 2009, Egypt was delivered the feasibility studies of the Ethiopian dams. The plans included four dams with big reservoirs — Karadobi, Beko-Abo, Mandaya and Border— impounding more than 140 billion cubic meters and generating 7,100 megawatts of electricity. An Egyptian team reviewed the studies on these dams and found that they disregarded the dams’ potential negative impacts on Egypt. According to Cairo, if these dams were used for agriculture and power-generating purposes, its water shortage would reach 15 billion cubic meters per year and the electricity generation from the Aswan High Dam would fall by more than 50 percent. If the dams were used only to generate electricity, the water shortage would be 9 billion cubic meters yearly. Thus, Egypt managed in 2010 to prevent the implementation of the planned schemes.

The US has ways of pressuring countries that can be utilized to push the three sides toward making concessions.

However, only a few months later and just after the January 2011 revolution took place in Egypt, Ethiopia announced it would begin the implementation of its plans to establish the GERD. Since that date, the course of negotiations has been clear and public. Successive administrations have exerted a lot of efforts, but some of them dealt with the situation with more goodwill than others, leading us to the current situation.

Anybody who thinks that the GERD issue has nothing to do with the other challenges facing Egypt — notably the crisis in Libya, the Arab-Israeli conflict and many other national issues related to its economic reforms — is wrong. For Egypt, the Nile’s water is an existential issue. Therefore, it is no longer useful to recall the previous mistakes made in managing this file. What matters now is saving what can still be saved and for Egypt to wage a true battle in policy and strategy.

مصر جميلة خليك فاكر لكن ماذا عن المصريين؟

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

لم أعلم تمامًا متى غنى الفنان الشعبى الراحل محمد طه مواله الشهير مصر جميلة، هو تعبير أستحضره كلما اصطدمت بواقع يحاول أن يهز من رسوخ هذه الحقيقة، وأنا مؤمن بأنها حقيقة. يمتزج صوت محمد طه وتذكيره المستمر «خليك فاكر» بأن مصر جميلة بالفعل، بالحقائق التى تؤكد هذه الحقيقة فى كل ما فى هذا البلد.

بلد يمتلك ثلث آثار العالم، كما يقولون، جو مناسب بدرجات متفاوتة على مدار العام، مواقع جذب سياحى حصرها صعب، كل موقع من هذه المواقع كافٍ وحده ليكون العمود الفقرى لصناعة سياحة متكاملة فى أى دولة. ولا أبالغ إذا قلت إن بعضها كفيل بحمل مسؤولية اقتصاد دولة. مصر بها بحران وبحيرات والنيل وجزر ومحميات وواحات وجبال. ليس سهلًا أن تمتلك دولة كل هذه المقومات مجتمعة. أيضًا ليس سهلا أن تعجز دولة تمتلك هذه المقومات جميعها ولا تنجح فى أن تكون واحدة من بين أهم دول العالم فى السياحة. وهنا أعنى دول المقدمة وليس مجرد «التمثيل المشرف».

الأمر جدير بدراسة الأسباب، فيما شعرت من ردود الفعل على ما كتبت خلال الأسبوعين الماضيين حول تحدى السياحة فى مصر، أن المشكلة الأساسية التى نعانى منها هى المصريون أنفسهم.. هى «نحن». وهنا لا أرجع الاتهام فقط إلى المواطنين، ولكنى أقصد المصريين فى كل مكان، العنصر البشرى فى الإدارة المصرية.. البشر فى الحكومة المصرية.. البشر فى الشوارع والمتاجر والأماكن التى تفسد جمال مصر الجميلة.

رغم أن المدخل للموضوع هو صناعة السياحة، إلا أن الموضوع أكبر من ذلك كثيرًا. فالموضوع هو ماذا حدث للمصريين؟، لنا؟.. ذلك السؤال الذى يتردد منذ فترة طويلة وازداد معدل تكراره خلال الفترة الأخيرة كثيرًا.. يجب أن نتوقف ونعترف بأن خللا كبيرًا أصاب الشخصية المصرية، ولا نقف عند حدود الاعتراف فقط، بل يجب أن نطرح هذه الأزمة الحياتية الحاسمة للدراسة والتحليل «العلمى» الجاد من متخصصين فى مختلف المجالات المرتبطة بهذا التطور السلبى المتنامى على الشخصية المصرية.. علينا نحن المصريين.

مرة أخرى وقبل أن أثير الغضب أقول إنى هنا لا أستسهل اتهام الشعب بأنه هو المشكلة، ولكنى هنا أتحدث- كما ذكرت- عن العنصر البشرى المصرى فى الإدارة حتى أعلى مستوياتها وفى الشوارع حتى أصغر حاراتها.

الموضوع ليس فقط سياحة، لكنه أكبر كثيرًا جدًا ويحتاج شجاعة مواجهة الحقيقة.

ويصدح محمد طه بصوته:

«موصينى أبويا بكل فَـلاح، وقالى: مصر جميلة، مصر جميلة، خليك فاكر، مصر جميلة».. وأتساءل: وماذا عنا؟ ماذا عن المصريين؟.

 

عن مبادرة «المركزي» والعنصر المهمل

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

في أثناء حديثى عن مشكلات السياحة، أعلن البنك المركزى عن مبادرة لدعم القطاع بقيمة 50 مليار جنيه، وهى تُعتبر استكمالًا لمبادرات البنك الخاصة بالقطاع السياحى ودعم الشركات والمنشآت السياحية، الراغبة في إحلال وتجديد الفنادق وأساطيل النقل السياحى.

وسيستفيد من المبادرة العملاء غير المنتظمين، على أن يموّل كل بنك- يرغب في الاشتراك بالمبادرة- 75% بحد أقصى من إجمالى تكلفة الإحلال والتجديد، في حين يتحمل العميل النسبة المتبقية مع السداد، ثم يقوم البنك بدراسة التدفقات النقدية المقدمة من العميل ومطابقة عملية الإحلال والتجديد للمعايير والمواصفات الصادرة عن وزارة السياحة.

وهو أمر ضرورى وحيوى، وذلك لمتابعة عمليات الإنجاز الخاصة بمشروعات التجديد لتلافى الخطأ التاريخى لفكرة القروض في مصر، وهى عدم متابعة المشروعات التي يطلب المستثمر بسببها التمويل. وسوف تستعين البنوك بجهة استشارية متخصصة للتأكد من جدوى المشروع ومتابعة التنفيذ واعتماد نسب الإنجاز، بحيث يكون السحب من التمويل مقابل مستخلصات تتماشى مع هذه النسب.

الخطوة التي اتخذها البنك المركزى مجرد خطوة على المسار الصحيح، ولكن سوف أستمر في مطالبتى بالاهتمام بالعنصر البشرى المرتبط بقطاع السياحة- عاملًا أو متبرعًا أو مجرد مواطن يتعامل مع سائحين- على أن تكون مبادرة حكومية عامة تشترك فيها كافة الأجهزة والمؤسسات في الدولة.

وأُدلِّل على ذلك برسالة جديدة وصلتنى تعليقًا من مصرى مغترب يعيش في الخارج، حيث يقول إنه كان ينتهز فرصة وجوده خارج مصر للحديث عن مصر وجمالها وروعتها، ما كان يسهم في تشجيع بعض زملائه على زيارة مصر.

ولكن- والكلام للدكتور عادل إبراهيم، الذي يُعرف اختصاصه بـ«استشارى الصحة العامة»- للأسف الشديد عند عودتهم من مصر غالبًا ما يسمع ما لا يسره.

باختصار شديد، فإن مصدر الشكوى الرئيسى هو التعامل البشرى، يقول: «يبدأ ذلك من المطار مرورًا بسائقى التاكسى أو الليموزين والفوضى في المرور نتيجة السلوكيات اللامسؤولة والابتزاز المكشوف والمفضوح من أي مقدم خدمة في أي مكان ترفيهى أو مطعم، ناهيك عن المتسولين والنشالين في الأماكن المزدحمة».

قارئنا العزيز يُجْمِل الأزمة بأنها ثقافة سائدة في المجتمع، وأن الحل هو العمل بجدية وحزم، بمشاركة المختصين المخلصين في علم الاجتماع والإعلام والتعليم والثقافة والأمن، وأخيرًا السياحة.

الملف لا يزال مفتوحًا، والمبادرات مستمرة للبحث عن العنصر المهمَل في المنظومة، ولكن الأهم هو النظر إلى الثقافة العامة للتعامل مع السائحين، والتى لو تغيرت، لصارت مصر في مكانة سياحية أهم وأقوى.

لن نمل من الكلام، ولن نمل من النصيحة.

آراء فى الإصلاح السياحى

مقال بقلم عبد اللطيف المناوي

تلقيت عددًا من التعليقات حول مقترحات كنت قد وضعتها أمام المسؤولين عن الملف السياحى على هيئة مقالين هنا على صفحات «المصرى اليوم»، وتراوحت التعليقات بين موافق على ما وضعته، وبين مضيف لمقترحات أخرى.

وأستعرض هنا بعض هذه التعليقات، وأولها كان من محمود عبدالمنعم القيسونى، مستشار وزير السياحة ووزيرة البيئة السابق، حيث قال إن مصر بها كامل عناصر الجذب السياحى، وهى حالة لا وجود لمثلها في العالم أجمع. وبعد سنين من خدمة هذا النشاط بإخلاص وتفانٍ، اضطررت لتقديم استقالتى بسبب كم إحباطات وقيود وتعقيدات وتدخلات لا مثيل لها، لدرجة أننى آمنت بأنه لو كلفنا «أينشتاين» بعلاج الملف السياحى سيفشل وسيحقق إنجازات محدودة للغاية، لتبقى السياحة المصرية مُكبَّلة بقيود لا حصر لها.

أما القارئ حجاج عبدالدايم فلمس بكلماته إحدى الأزمات، وهى ما سميته مشكلة تعامل العنصر البشرى مع السائحين، فقال: «لو تكرمتَ ومشيتَ في الشارع ولاحظتَ مدى مضايقة السائح في الشارع من أصحاب التاكسيات وسائقى عربات الحنطور وأصحاب وسائل النقل النهرى ومتابعة حديث السائحين عن افتقادهم النظام لعلمتَ مدى المضايقات التي يتعرض لها السائحون للأسف». وتمنى القارئ أن يكون هناك اهتمام حقيقى بتطوير الملف السياحى حتى ينعم السائحون بقضاء وقت ممتع في زيارة آثارنا الخالدة.

في حين أن القارئ الذي عرّف نفسه باسم فريد هاشم أبوزيد، 63 سنة، مدرس للغة الإنجليزية سابقًا، وعمل في المجال السياحى بأماكن مختلفة، ذكر أن العائق والمشكلة الرئيسية في الملف السياحى هي للأسف العاملون في المجال السياحى بمختلف درجاتهم وأماكنهم، وقال إن الغالبية العظمى تتعامل مع السائح بمنطق «اخطف واجرى»، حيث إنه عانى من ذلك حين فرض أسعارًا معقولة وغير مُبالَغ فيها على بضائعه في دكان كان قد استأجره، ولكنه وجد كل زملائه من البائعين يهاجمونه في رزقه، ويطلبون منه صراحة عدم وضع أسعار على السلع التي يبيعها.

واقترح القارئ فرض قانون للأسعار على كل السلع بما لا يتجاوز أرباحها بـ50 أو 60%، وكذلك الشركات ووسائل المواصلات، على أن يوضح كل مَن يتعامل مع السائح السعر مقابل الخدمة أو السلعة التي يقدمها، إضافة إلى تنظيم سيارات الأجرة والحنطور السياحى في المطارات والمحطات والمواقف الداخلية بالمحافظات.

واختتم رسالته بالقول: «غير كده يبقى إحنا بنضحك على نفسنا وبنضيّع وقت».

لهذا أود أيضًا أن أختتم استعراضى للتعليقات بأنه بغير إصلاح للقطاع من أجل زيادة تدفق الحركة السياحية، خصوصًا فيما يتعلق بـ«العنصر البشرى»، يبقى «إحنا بنضيّع وقت».