لا تحرقوا البلد

بقلم   عبداللطيف المناوى

سواء أسلمت كامليا شحاتة أو لم تسلم ما الفارق ؟ تنصر محمد وأصبح جورج أو لم يتنصر أيضاً ما الفارق ؟ ما هذا الذي نفعله بأنفسنا ، لماذا نحرق وطننا بأيدينا ، لماذا نطلق الرصاص على أقدامنا ؟

تخرج علينا الصحف التى لا أريد أن أشكك فى نواياها ، ولكنها تهم فى إشعال الفتنة فى البلاد ، تخرج هذه الصحف لتتحدث عن اختطاف زوجة كاهن ، لإجبارها على الإسلام ، تخرج المظاهرات الغاضبة التى تندد بالإضطهاد وتطالب الدولة بالتدخل لإنقاذها زوجة الكاهن . وفجأة تعود زوجة الكاهن وتتحدث ذات الصحف عن تحرير زوجة الكاهن من خاطفيها ، والمؤامرة على المسيحية . وعلى الطرف الآخر تخرج صحف أخرى فى اتجاه آخر ولكنها ليست أقل إضراراً من الصحف التى ذكرتها أولاً ، تتحدث عن الوثائق الأمنية التى تؤكد إسلام زوجة الكاهن ، وتشير الى تورط الأجهزة الأمنية فى جريمة اختطاف زوجة الكاهن ” المسلمة ” من مخبأها وأعادتها إلى الكنيسة ، ويخرج علينا أحد الأشخاص يطلق على نفسه صفة ” الشيخ ” ليبشرنا بأنها أسلمت على يديه ، وانها أخفت إسلامها منذ أكثر من عام ، ويخرج علينا كاتب لبنانى قائلاً ” الله معك يا كامليا ،  فلا تحزنى ” وتبدو الساحة وكأنها ساحة قتال بين أبناء الوطن مسيحيين ومسلمين ، معركة كبيرة ، جنازة كبيرة ، على ماذا ؟

فليسلم من يريد وليتنصر من يريد . ماذا يضير الإسلام أن يتنصر منه عشرات ـ حسب معظم الاحصائيات العاقلة سنوياً ـ لأسباب مختلفة ما بين مصلحة ومادة وعقيدة ، فليس هذا انحسار للإسلام ولا حرب عليه ، وليس دليلاً على أى شئ .

وإذا أشهر عدة مئات من المسيحين إسلامهم ـ حسب الإحصائيات العاقلة أيضاً سنوياً ـ لأسباب مرتبطة بأسباب عاطفية أو مادية أو عقائدية فلن يؤثر ذلك فى المسيحية وقوتها ، ماذا  يضير الإسلام أو المسيحية انضمام نفر من هنا إلى هناك أو العكس ، لكن الأكيد أن استخدام مثل هذه الحالات لاشعالها فتنة لا يتفق لا مع الإسلام ولا مع المسيحية .

فلتصبح جورجيت فاطمة ، أو يغير محمد اسمه الى جورج ، هم أحرار ولكن لا تحرقوا البلد بسببهم .

 

 

سرقوا اللوحة وحطمنا التمثال

بقلم   عبداللطيف المناوى

“سرقة لوحة الخشخاش ” ، ” وجدنا اللوحة ” ، ” لم نجد اللوحة ” ، ” اللوحة ما زالت مسروقة ” هذه هى الأجواء التى كتبت فيها مقال الأمس عن اللوحة عندما سرقت ، ثم عدلت المقال عندما قالوا أنهم وجدوها ، ثم أنقذنى الصديق طارق حسن عندما نبهنى أنهم لم يجدوها وبالتالى غيرت صيغة المقال مرة أخرى بأن اللوحة ما زالت مسروقة .

للأسف ، لا زالت اللوحة مختفية ، والأمل هذه المرة يتضاءل فى عودتها ، ولكن ما حدث ، ليس فقط ما حدث ولكن ما كشفت عنه زيارة النائب العام عبد المجيد محمود إلى متحف محمد محمود خليل بالأمس من حالة الإهمال الإجرامى التى يعانى منها المتحف هو ما يتوجب التوقف عنده ، و محاسبة المسئولين عنه . ما حدث وما كشف عنه يلقى بنقاط سوداء على الإنجاز المهم الذى قامت به وزارة الثقافة طوال الفترة الماصية فى مجال المتاحف عندما انشأت وطورت 44 متحفاً ويأتى مثل هذا الإهمال الاجرامى ليضيع احساساً بما تم انجازه .

النائب العام كشف الحقائق ، المتحف به 43 كاميرا ، سبع منها فقط تعمل ، وتعمل بكفاءة منخفضة ، جميع أجهزة الانذار المرتبطة باللوحات لا تعمل ، المراقبة والأمن على المتحف وداخله مراقبة شكلية روتينية ــ أتذكر ما يحدث فى كل فنادق والمؤسسات التجارية والرسمية ــ المحضر الصباحى لجرد المحتويات والمحضر المسائى هى محاضر شكلية ” المهم الورق سليم ” .

الأكثر إيلاما أن نفس الملاحظات ” بالكربون ” كانت قد رصدت وقت اختفاء تسع لوحات من قصر محمد على بشبرا  عثر عليهم فيما بعد فى أركان القصر ، ذات الملاحظات و نفس السلبيات مرة أخرى تتكرر فى متحف آخر .

السيد المسئول الأول عن متاحف ومعارض الفن التشكيلى بالوزارة لم يخف عدم علمه بذلك بل اشتكى بعد سرقة اللوحة بأن كل شئ فى المتحف لا يعمل ، وأن الكاميرات لا تعمل وكذلك أجهزة الانذار لأن المتحف تم تجديده عام 1995 ولم يتم اصلاحه أو صيانته كما قال المسؤول الأول ولا أدرى إذا كان هو الذى يشكو بعد السرقة . فمن الذى عليه ان يفعل إذ لم يفعل هو .

قيمة اللوحة ليست فقط فى الـ 55 مليون دولار التى تقدر بها ، ولكنها جزء من التراث الانسانى لم نستطع أن نحافظ عليه ، ليس لأن عصابة عالمية مدربة هى التى قامت بالسرقة ، لكنه لأن الاهمال الاجرامى هو الذى سمح للص أن يجر ثلاثة مقاعد معدنية متصلة ، وأن يقطع اللوحة من داخل بروازها ، ولا تصوره كاميرا ، ولا ينطلق جهاز انذار ، ولا يسمع حارس صوت الضجيج ليتحرك ليرى ماذا يحدث .

في مدخل المتحف تمثال قديم لكيوبيد يبدو هو الاخر تحفة فنية اثرية ، شاهدته فى بداية جولة النائب العام ، وبعد مغادرته شاهدت آثار التمثال المهشم ، تدافع الصحفيون والمصورون خلف النائب العام وحطموا التمثال .

فأضعنا اللوحة وحطمنا التمثال ، بيدى لا بيد عمرو .

هل هي مقدمات لانهيار الخدمات ؟

بقلم   عبداللطيف المناوى

ما شهدته مصر خلال الأيام الأخيرة ، أو فلنقل الأسبوع الأخير يحتاج إلى وقفة متأنية لدراسة ما حدث ولماذا حدث ؟ ومن المسئول ؟ وما هي الخطوة التالية في التعامل مع كل ما يحدث ؟ شهدت مناطق كبيرة من العاصمة المصرية خلال الأيام الماضية انقطاعا للمياه , مناطق مثل مدينة السادس من أكتوبر , التجمع الخامس , القطامية , بعض مناطق مدينة نصر , ووصل الآن في بعض هذه المناطق أن بعضا من سكانها مارسوا حياه اللاجئين عند أقاربهم , والقليل منهم ذهب إلى فنادق يقضي فيها أيامه , أما من لم يتمكن أو تمكنه ظروفه من ذلك فقد مارس حياه مناطق الإيواء في أماكنهم حيث تأتيهم عربات المياه , ويصطف السكان أو ومن يمثلونهم أمام هذه العربات ليملئوا أوانيهم الفارغة بالمياه .

أجزاء أخرى من القاهرة – العاصمة المصرية – عاشت حالات إظلام بالتبادل بين مناطقها , انقطاع الكهرباء في هذه المناطق لم يقف عند حد وقت الذروة الذي حددته وزارة الكهرباء المصرية ما بين الثامنة والعاشرة مساء , بل امتد إلى أوقات أخرى , وبطريقة عشوائية , وأوقات غير معروفة متى يبدأ فيها انقطاع الكهرباء ومتى ينتهي ؟

ولأسباب غير مقنعة أيضا بدأت بعض المناطق في المدن المصرية تعاني مما يبدو وكأنه أزمة خبز جديدة , ورغم كل التأكيدات بسلامة الوضع المصري في مواجهة أزمة ارتفاع أسعار القمح العالمية , إلا أن دورة إنتاج الخبز يبدو أن خللا ما أصابها , أو بدأ يصيبها .

ما ذكرته سابقا ليس أمرا انفردت به العاصمة المصرية , ولكنه أمر يعاني منه عدد من المدن والقرى المصرية , ولكن توقفنا أمامه هذه المرة يأتي بسبب أن ما حدث مؤخرا بات يلقي بظلال من التساؤل حول مدي قدرة الخدمات المقدمة علي الاستمرار , ويلقي أيضا بظلاله من المخاوف حول ما إذا كان هذا مؤشرا علي انهيار الخدمات المقدمة .

قد تكون لدي إجابات مختلفة عن المخاوف وقد تكون هناك تفسيرات لكل حالة مما سبق علي حدة , كسبب إحدى الشركات مثلا في كسر ماسورة المياه الرئيسية المغذية لمناطق بأكملها , أو ازدياد الاستهلاك من الكهرباء في ساعات معينة . ولكن هذا الأمر يتطلب توضيحا وتفسيرا للرأي العام حول هذه الأحداث , وتحديد المتسبب فيها , وتحديد السبل المقرر اتخاذها لتلافي حدوث ما حدث مرة أخرى , لا يكفي أن نقف عند حدود “ما فات مات ” , “والحمد لله أزمة وعدت ” ، نريد أن نعرف من المتسبب وماذا حدث مع المتسبب وما هي الاحتياطات التي كانت متخذة , وما هي الإجراءات التي اتخذت بعد هذه الأحداث , وما هي الضمانات حتى لا يحدث ما حدث مرة أخري , نريد أن نتأكد أن ما حدث ليس مقدمة لانهيار الخدمات .

القمح المهدر

بقلم   عبداللطيف المناوى

في خمسينات القرن الماضي كان الاستهلاك الفردي للمصريين 69 كيلو من القمح سنويا ، وصل هذا الاستهلاك الفردي في هذه المرحلة إلى 170 كيلو من القمح ، في الوقت الذي يبلغ فيه الاستهلاك العالمي من القمح في بلاد مختلفة مثل الهند والصين إلى حوالي 70 كيلو من القمح ، وبالتالي فنحن نتعدى هذا الاستهلاك العالمي بحوالي 100 كيلو من القمح ، هذه النسبة لا تعني أن المصريين يأكلون أو يستهلكون القمح في أكلهم أكثر من غيرهم من شعوب العالم ، و لكنه يعني أن هناك شكلا من أشكال الإهدار في  استخدام القمح نتيجة لعدم وجود الرقابة الكافية على استخدامات القمح المدعم ، خاصة إذا نظرنا إلى الفارق بين أسعار القمح المدعم ، وأسعار البيع واكتشفنا المغريات التي تجعل أي شخص لديه أمانة يعيد التفكير عدة مرات .

فإذا كان المخبز يأخذ عشر  شكائر من الدقيق بسعر مدعم والتزم بخبزها جميعا  لكان متوسط مكسبه الشهري 3500 جنيها ، وإذا قام نفس الشخص بعدم خبز شكارتين فقط من الدقيق ، وقام ببيعهما في السوق السوداء على مدار شهر ، لكان مكسبه الشهري خمسة وثلاثون ألف جنيه .

هذا هو الفارق الذي يدفع إلى الإهدار ، بالإضافة إلى استخدامات الخبز المدعوم كعلف للدواجن ، وعلف للمواشي ، وعلف للأسماك ،  لأن بعض أصحاب المزارع السمكية يفضلون استخدام الخبز المدعوم كأعلاف والذي يباع بخمسة قروش وتكلفته 23 قرشا بسبب أنه يطفو على سطح الماء ولا يغوص كباقي الأعلاف الأخرى .

مرة أخرى استهلاك المصريين الفردي الذي يزيد 100 كيلو من القمح عن نظرائهم في العالم لا يعني أنهم يستهلكون أكثر من غيرهم ، ولكنه يعني سوء استخدام القمح  في غير موضعه ، ولو تم ضبط هذا الاستهلاك ، ليس بتقليل الأكل ، ولكن بوقف التسريب ، لكان الأمر مختلفا ، فمتوسط سكان مصر 80 مليونا ، ولو تم توفير المائة كيلو ـ نسبة الفارق العالمية المهدرة ـ لأمكن توفير 8 مليون طن ، ولو حدث هذا لكان الخطوة الأولى نحو الاكتفاء الذاتي بالإضافة إلى الخطوات الأخرى مثل تطوير السلالات المزروعة وإضافة مساحات زراعية جديدة تتم زراعتها بالقمح .

حقائق عن القمح

بقلم   عبداللطيف المناوى

تقول الإحصائيات أن مصر تنتج 40 في المائة من غذائها من القمح ، وتستورد 60 في المائية ، وربما تكون هذه الحقيقة لا تمثل مشكلة ما دامت الأسواق العالمية مفتوحة لاستيراد احتياجاتنا من القمح  في ظل أسعار  تنافسية ، غير أن الأزمة التي واجها القمح الروسي مؤخرا ، حتى ولو لم تؤثر علىينا في مصر بشكل مباشر ، إلا أنها  أعادت طرح سؤال كان يراود الدولة المصرية منذ سنوات طويلة ، وهو لماذا لا نحقق الاكتفاء الذاتي من القمح ، وهو السؤال الذي جاءت إجابته في الإستراتيجية التي أعلن عنها خلال الأيام الماضية .

إستراتيجية الاكتفاء الذاتي من القمح والتي أعلن عنها السيد أمين أباظة منذ أيام تستحق التوقف أمامها  والالتفاف والتناقش حولها ، فالإستراتيجية  التي تسعى لسد الفجوة الغذائية في مصر ، تقول أن مصر لديها خطط وبرامج واضحة فيما يتعلق بتحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح ، لمواجهة تداعيات ارتفاع أسعار القمح في السوق الدولية ، وأهم ملامح هذه الإستراتيجية هو الوصول بنسبة الاكتفاء الذاتي من القمح بحلول عام 2020 إلى نحو 75 في المائة  ، هذه النسبة إن تحققت خلال السنوات المحددة تكون مصر قد قطعت شوطا ناحية حلم الاكتفاء الذاتي ، غير أنه قبل الوصول إليه تجب الإجابة على الأسئلة المتعلقة بنسبة الأراضي المنزرعة من القمح ، وما يجب استصلاحه من الأراضي حتى تصل مصر إلى النسبة المحددة من زراعة القمح ، يجب أيضا حساب ما تحتاجه سلة الغذاء في مصر ، وهل سيؤثر ذلك على باقي المزروعات في السلة الغذائية المصرية ، وهل سيخصم ذلك من نسبة زراعة باقي الخضروات فنضطر إلى استيرادها بدلا من القمح ، أيضا يجب إعادة النظر في طرق الري المتبعة ، و اتباع الطرق الأكثر توفيرا حتى يمكن ري المساحات التي سيتم زراعتها في ظل ندرة المياه ، أيضا يجب على المراكز البحثية أن تعمل على استنباط سلالات جديدة من القمح تعطي نسبة أعلى من المحصول ، وأعتقد أن ما قرأناه مؤخرا عن تصدير مصر لأفغانستان سلالات جديدة ممتازة من القمح دليل على أن مراكز البحوث الزراعية تعمل في هذا الاتجاه .ما أتمناه أن تكون هذه الاستراتيجية  استراتيجية مستمرة لا تتعلق باستمرار وزير أو وجود أزمة ، لا تنتهي  ولا ينتهي الكلام عنها بمجرد انتهاء أزمة القمح الروسي ، وعودة الأمور إلى طبيعتها مرة أخرى  ، أتمنى أن يتم البدء في تنفيذ الاستراتيجية ويتم وضع جدول زمني لتنفيذها ، فالأمر يتعلق بمستقبل هذا الوطن ، وحق الأجيال القادمة .

أراضي للسرقة

بقلم   عبداللطيف المناوى

أحد العيوب الرئيسية التي نعاني منها في مجتمعنا أننا لا نستكمل أبدا ما نبدأ ، تبدأ معنا الأمور كالنار الثائرة ، تبدو وكأنها لن تهدأ ، ثم تخبو وتتحول إلى رماد ، وفي أحيان عديدة رماد لا يحمل تحته جمرات ، بل تنتهي الأمور تماما .

مثل هذه الحالة نعاني منها أيضا في إعلامنا ، نبدأ مع قضية ما ، يبدو  معها الأمر  وكأنها قضية ساخنة تحمل داخلها العديد من التفاصيل و التطورات  ثم سرعان ما تهدأ خلال يومين أو ثلاثة ، وننسى ما فات حتى تنطلق أو تنفجر  مرة أخرى من جديد ، وهذا جزء مما يراهن عليه الآخرون معنا عندما يكون لسان حالهم ” دعوهم في انفعالهم فإنه إلى هدوء أكيد ” .

أحد الموضوعات التي ثارت في الفترة الأخيرة كانت القضايا المثارة حول أراضي الدولة ، وبدأت العديد من وسائل الإعلام المختلفة في تناول هذه القضية من زوايا مختلفة ، وأيضا قصص متعددة من يرصد هذه المعالجات في الفترة الأخيرة ـ ولا يعلم هذا الجزء من ثقافتنا ـ يعتقد أن الحملة مستمرة ، ولن تقف إلا عند الوصول إلى نتيجة ، ولكن ما حدث ويحدث وسوف يحدث أن الأمور هدأت وسكنت .

عندما قرأت في عدد الأمس من الأهرام المسائي في صفحته الأولى التقرير الخاص بالمخالفات الحادثة في أراضي  طريق الصعيد ـ البحر الأحمر والذي كتبه الزميل علي محمود تذكرت كل ما ذكرته في مطلع هذا المقال ، وتمنيت أن يكون هذا التقرير واستمرار التعامل مع القضايا التي تهم الوطن بشكل مستمر وبقدر من المتابعة ، تمنيت أن يكون هذا عرض دائم وليس عرضا وقتيا ، خاصة وأنه على الرغم من هدوء عاصفة الحديث عن عن الاستيلاء على أراضي الدولة ، فإن عمليات الاستيلاء في حد ذاتها لم تتوقف ، وبالتالي فما أتمناه استمرار هذه الحملة الإعلامية بشرط أن تكون موثقة ومؤكدة وأن يسود فيها منطق البحث و التقصي و ليس الانطباعات أو تصفية الحسابات أو المعارك نيابة عن الغير .

ما ذكره التقرير المنشور بالأمس هو جد مهم وخطير وجزء مما فيه ذكره لي من قبل اللواء عمر الشوادفي رئيس الجهاز الوطني لتخيط استخدامات أراضي الدولة ، فصقور الأراضي تحدد من أين تؤكل كتف أراضي الدولة ، ترصد المشروعات المهمة التي تعني زيادة كبيرة في أسعارها وتنطلق لتخلق حولها واقعا وتاريخا مزيفا لتثبت ملكية ليست موجودة ، أو تتحايل للتوصل إلى عقود شراء أو تخصيص تستغل فيها ضعاف النفوس في المناطق المرشحة لارتفاع أسعارها ، وطرق القاهرة الاسكندرية الصحراوي ، أو الاسماعيلية أو السويس والآن الصعيد هي شهود على ما أقول وتحتاج من الزملاء الصحفيين العمل من أجل كشف ما يحدث هناك بأسلوب موثق وتحريات صحفية أمينة لا تهدف إلا إلى الصالح العام .

أذكر هنا قصة حكاها لي اللواء عمر الشوادفي رئيس الجهاز الوطني لتخطيط استخدامات أراضي الدولة عندما توجه شخص ما إلى أجهزة الدولة المتعددة مدعيا وضع يده على آلاف من الأفدنة ، الصدفة وحدها جعلتها على جانبي طريق الصعيد البحر الأحمر ، حدث ذلك بمجرد بدء الحديث و التخطيط للمشروع ، وأتى بأوراق مزيفة و اشترى زرع جاهز ونشره في الأرض التي يدعي وضع يده عليها ، والصدفة جعلتها على جانبي طريق الصعيد البحر الأحمر ، تم إحباط هذه المحاولة ومحاسبة من شارك فيها ، ولكن ظلت هذه الأراضي وغيرها هدفا لصقور الاستيلاء على أراضي الدولة .

و في الوقت الذي تتسلم فيه وزارة الاستثمار الشهر المقبل المخططات التفصيلية للمشروعات الاستثمارية التي ستقام على جانبي طريق الصعيد ـ البحر الأحمر بطول 412 كيلو مترا في مختلف المجالات تكشفت مفاجآت جديدة في المشروع مثل قيام مجموعات من المواطنين و المستثمرين بوضع أيديهم على مساحات من الأراضي على جانبي الطريق ووضع لافتات بأسماء شركات وهمية وأسماء تحمل مسميات وظيفية عليا مثل مستشار ولواء وغيرهما بهدف الاستيلاء على أراضي الطريق .

مرة أخرى دعوة لكل من يهتم من الزملاء الصحفيين ، ومن جهات الدولة المختلفة بالاستمرار في رصد ما يقع من مخالفات ، ورصد ما  وقع من قبل من مخالفات من أجل حماية حقوق هذا الشعب .

بيات رمضاني

بقلم   عبداللطيف المناوى

بدأت اليوم الأول من شهر رمضان بملاحظة لم تكن بريئة تماما من السائق عندما بادرني بقوله بعد ” كل سنة وأنت طيب ” بأنه لم يجد مكانا ليركن فيه السيارة حيث أن جميع من في الشارع  لم تتحرك سياراتهم هذا الصباح لأنه أول رمضان ، فهمت ما لم يقله السائق : فلماذا نزلت أنت ؟ لم يكن الوقت مبكرا في الصباح ، وعلى الرغم من ذلك بدا الشارع الذي أسكن فيه وكأنه بداية صباح مبكر جدا .

تحركت بالسيارة وبدت شوارع القاهرة على عكس ما كانت عليه تماما بالأمس ، بدت القاهرة وكأنها في يوم جمعة ، بأنها في وقت عيد ، في وقت صيف حار فكانت خالية إلا ممن اضطر للسير فيها .

أطالع صحف الصباح فإذا على صفحاتها الأولى بأن الداخلين إلى القاهرة بالأمس قضوا على مداخلها ما يقرب من أربع ساعات  ليدخلوها قادمين من المصايف ، عندما أقارن ما قرأت عن الأمس بما شاهدت اليوم كدت أظن بأنهم قد عادوا إلى بيات رمضاني لا أتمنى أن يكون إلا بياتا ليوم واحد وليس لشهر كامل .

أعرف بعض من قاوم حالة الاستسلام للبيات الرمضاني ( بيات من العمل فقط ) فقرر أن يقاوم ويذهب إلى عمله ، ولكن في ظل عدة شروط  أن تكون السيارة واقفة في الظل فلا تكون حارة والجو ساخن فيها ، وأن تكون الشوارع خالية وأن يوجد مكان أمام مدخل عمله مباشرة ، أن يبتسم في وجهه البواب ، ألا يكون المصعد متعطلا ، وأن يكون التكييف في المكتب سليما ، وألا يجد غائبا عن العمل ، هذه  هي الشروط التي وضعت لكي يقاوم حالة البيات وكلما مر بشرط دعا الله في هذا الشهر المبارك ألا يتحقق الشرط التالي ، وما أعلمه أن الله حقق دعوته ، فعاد إلى بياته .

تعلمت من سنين مما تعلمت أن رمضان ينبغي أن يكون شهر عبادة ، وتعلمت أن من بيان أشكال العبادة العمل ، ولم نتعلم أن شهر رمضان هو شهر إضراب عن العمل ولكن فيما يبدو فإنه ليس كل ما تعلمناه صحيح في كل الأحوال .

هذا ليس انتقادا ولكنها صورة تحمل في ملامحها بعض الصحة أردت أن أشير إليها في إطار تسالي الصيام ، وكل عام وأنتم بخير

حتى لا ينقطع ما اتصل

بقلم   عبداللطيف المناوى

وفاة اللواء أحمد رأفت مهندس مراجعات الجماعات الإسلامية لا ينبغي أن تكون نهاية مرحلة تفاعل الدولة مع هذه الجماعات ، فالتجربة المصرية الرائدة والهامة في ملف الجماعات الإسلامية والتي انتهت  بإغلاق الجانب العنيف في فكر هذه الجماعات و التي قامت على أكتاف اللواء أحمد رأفت وزملائه هي تجربة كما ذكرت بالأمس ناصعة ومهمة في تاريخ جهاز الأمن المصري ، وهي تجربة وقفت أمامها العديد من دول العالم وحاولوا الاستفادة منها وتطبيقها ، وكما سبق وأن ذكرت بالأمس فإن هذه التجربة تمت باقتناع أحمد رأفت وإدارة وإشراف قيادات الداخلية  .

من خلال متابعتي لهذا الجهد  خلال الفترة الماضية في هذا الملف لهذه المجموعة فإن أكثر ما أخشى عليه هو ألا يتم الاستمرار في هذه السياسة  بالذات  بقوة الدفع التي بدأت بها واستمرت عليها طوال الفترة الماضية .

إن مبادرة الجماعة الإسلامية والتي بدأت بمراجعات فكرية وفقهية في السجون  ، وبإشراف أحمد رأفت وزملائه ، وبعمل حوارات مفتوحة حتى يصلوا إلى الطريق الصحيح ووصلت بأن آتت ثمارها في مراجعات تعيد قراءة الفكر الردايكالي و تبين الصواب من الخطأ ، وتلاها مراجعات تنظيم الجهاد ، والإفراج عن معتقلي الجماعتين : الجهاد والإسلام  لهي تجربة مهمة يجب أن تستمر وألا تتوقف ولم تصل إلى هذه الدرجة من النجاح إلا بدعم وإيمان بأهمية ذلك من أحمد رأفت .

إن من يقرأ نعي الجماعة الإسلامية للواء أحمد رأفت يعرف ماذا كان يمثل هذا الرجل ، فهم يصفونه في النعي بأنه ” مهندس المبادرة الحقيقي.. وصاحب الهمة العالية في تفعيل المبادرة تفعيلا ً حقيقيا ً.. وقائد عملية تحسين السجون المصرية.. والإفراج عن آلاف المعتقلين.. ونشر الأمن والأمان في مصر، وأنه حمل على عاتقه فكرة التصالح بين الدولة والجماعات الإسلامية.. وتنحيه البندقية وتقديم الحوار.. وتنحيه منطق الثأر المتبادل أو العنف المتبادل.. وتغليب منطق التفاهم عليه ،وأول من وضع سياسة لا غالب ولا مغلوب بين أبناء الوطن الواحد.. فكلنا مغلوب مادمنا نتقاتل ونتصارع.. وكلنا غالب ما دمنا نتفاهم ونتحاور من أجل مصلحة بلادنا ، و الرجل الفذ الذي رحم الفقير وعطف على المعتقل ، وهو الذي غامر بمنصبه ومجده الشخصي والوظيفي تقديما ً لمصلحة الوطن على مصلحته الشخصية.. فقد جعل منصبه على محك نجاحه في تجربة المبادرة وكان مخلصا ً لدينه ووطنه لتحقيق هذه المصالحة التي أصبحت نموذجا ً يحتذى في كل البلاد العربية نقول هذه الكلمات عرفاناً بفضله ووفاءً لعطائه وتذكرا ً لجميله.. فقد كان فذاً وسابقاً لأقرانه في كل شيء ” .

هذا الرثاء يعبر عن تلك العلاقة التي تميزت بقدر كبير من التواصل والاهتمام بأدق تفاصيل حياتهم ،و مساعدتهم في مواجهة المجتمع من قبل إلى الانغماس في الحياة بعد خروجهم من المعتقلات.

ما أخشاه أن ينقطع ما اتصل ، وأظن أن ما حدث لم يكن سياسة فرد وبكنه سياسة مؤسسة ، وثقتي كبيرة أن سياسة المؤسسة في التواصل في التعامل مع هذا الملف بنفس القدر من العناية والاهتمام هي سياسة مستمرة وستستمر .

مرة أخرى رحم الله أحمد رأفت ووفق زملاءه في وصل ما اتصل .

أعتقد أن قيادات وأعضاء الجماعة الإسلامية الآن يعانون حالة من القلق ، حول طريقة تعامل الدولة معهم  بعد رحيل اللواء أحمد رأفت،  وأنهم يخشون من انقطاع ما اتصل مع الدولة و يخافون من تحول نطرة الدولة إليهم والنظر إليهم مرة أخرى على أنهم في طرف المجتمع ، ولكني أعتقد كما قلت بالأمس ان ما كان يقوم  به اللواء أحمد رأفت مع أعضاء وقيادات الجماعة الإسلامية هو توجه عام للدولة أتمنى أن يستمر .

ظلت الجماعات الإسلامية لفترة طويلة على طرف المجتمع  ، تقف ضده ، وتكفر أفكاره ، حتى وصل الأمر في أقصى درجاته الدراماتيكية إلى حد اغتيال الرئيس الراحل أنور السادات ، وفي الوقت الذي كانت القيادات التاريخية للجماعة خلف السجون ، كان بعض أعضاء الجماعة في الخارج يقومون بعمليات تفجير وترويع  ضد السياح ورجال الأمن ، ودخلت مصر في دوامة من الحرب المتبادلة بين أعضاء الجماعة من جهة وبين قوات الأمن والدولة من جهة أخرى، بلغت مداها في الحادث الذي عرف بمجزرة الأقصر ، عادت قيادات الجماعة الإسلامية إلى الحقيقة وعرفوا أن كل ما حدث لم يكن في مصلحة الوطن والدين ، وأطلقوا مبادرتهم لوقف العنف ، وقاموا بمراجعاتهم الشهيرة تحت إشراف وبدعم اللواء أحمد رأفت وزملائه و برعاية قيادات الداخلية ، وقاموا بتصحيح المفاهيم وقاموا بجولات في السجون لنشر المراجعات ، وانتهى الأمر بخروج أعضاء الجماعات من المعتقلات بعد أن تراجعوا عن فكرهم الراديكالي التفكيري ، وعودتهم إلى صفوف الوطن ، وهو ما كان اللواء أحمد رأفت حريصا عليه حتى آخر عمره  ، حيث كان دائم السؤال والمتابعة و الدعم والاهتمام بأدق تفاصيل ومساعدة كل أعضاء الجماعة الإسلامية .

إن حالة القلق التي يعاني منها أبناء الجماعات بعد رحيل اللواء أحمد رأفت هي حالة مشروعة ، ومن حقهم أن يخشوا من تغير تعامل الدولة معهم ، ولكن كما قلت أعتقد أن كل ما حدث لم يكن توجه فرد لكنه  سياسة مؤسسة أتمنى أن تستمر ، ويجب النظر إلى أعضاء الجماعات الإسلامية على أنهم قوة مضافة للمجتمع يجب النظر إليهم على أنهم جزء من الوطن من الممكن أن يساعدوا في بنائه ، بل يجب الاستفادة منهم في بناء الوطن .

بل أعتقد أنه يجب إعادة طرح تجربتهم مرة أخرى على الشباب ، والأجيال الجديدة حتى يستفيد الجميع منها ، وهذه التجربة موجودة بالفعل ، ومسجلة، وأعتقد أنه في حالة عرضها فإنها تحمل رسالة حقيقية للمجتمع ، تروي وتوثق من جانب تجربة مهمة  من عمر هذا الوطن ، ومن عمر أبناء الجماعات ، وتقدم من جهة أخرى للأجيال الجديدة من أبناء الوطن مراجعات تفند وتوضح الطريق الحقيقي .

أحمد رأفت

بقلم   عبداللطيف المناوى

أول لقاء لي مع اللواء أحمد رأفت كان منذ حوالي سبع سنوات أو أكثر بقليل ، التقيته دون أن أعرف من هو ، كان لقاء حادا ، عاصفا في بعض أجزائه ، لكنه انتهى بعد حوالي أربع ساعات إلى بداية لعلاقة متميزة بيني وبين هذا الرجل ، بل كان مفتاحا لعلاقة متميزة بيني وبين كل رجاله الذين علموا معه .

اللواء أحمد رأفت الذي لم أعرف اسمه الحقيقي في البداية هو من حمل ملف الجماعات الإسلامية في مصر وتولى مسئوليتها بعد اغتيال المسئول الأول في جهاز أمن الدولة في ذلك الوقت اللواء رءوف خيرت في التسعينيات ، وتفاصيل هذا العمل وتلك المسئولية طويلة وكثيرة ، لكن العلامة الحقيقية و المضيئة في تاريخ هذا الرجل أنه استطاع و رجاله أن يكتب صفحة مهمة في تاريخ هذا الوطن وأن يكتب صفحة مهمة في تاريخ جهاز الأمن المصري وذلك عندما نجح في صياغة تجربة مهمة مع الجماعات الإسلامية التي كانت في موقع المناهض للمجتمع واستطاع في الوقت الذي يعاني فيه العالم من الإرهاب أن تفتح مصر أبواب المعتقلات ليخرج منها  الآلاف من أعضاء الجماعة الإسلامية وذلك بعد أن قامت بالدراسة والمراجعة ، المراجعة الفكرية والفقهية ومراجعة النفس ، وخرج إلى النور ما أطلق عليه منذ ذلك الوقت مراجعات الجماعة الإسلامية و التي تلاها بعد ذلك مراجعات تنظيم الجهاد ، شهدت مصر هذه التجربة المهمة التي رصدتها العديد من دول العالم ووقفوا أمامها بتقدير واحترام عندما خرج هؤلاء من السجون لينخرطوا في المجتمع بعد أن راجعوا أفكارهم .

تبنى هذه التجربة تحمس لها ودفع بها للأمام اللواء أحمد رأفت تحت إدارة وإشراف اللواء حبيب العادلي وزير الداخلية ، كنت شاهدا على بعض التفاصيل المتعددة في هذه التجربة ، بل واستطعت بمعاونة اللواء أحمد رأفت ورجاله من اللقاء بكل قيادات وأعضاء الجماعة الإسلامية داخل السجون وعدد من تنظيم الجهاد ، وكنت شاهدا على تلك العلاقة التي لم أر مثلها من قبل بين  قيادات وأعضاء الجماعة الإسلامية واللواء أحمد رأفت في علاقة  لا أظن أنه يوجد مثلها  في هذا القدر من الاحترام و التقدير بل والامتنان من هذه القيادات تجاه ( الحاج ) كما يناديه هؤلاء القيادات أنفسهم .

جلست طويلا إلى هذا الرجل ، سمعت منه الكثير من الحكايات التي لا يمكن تخيل حدوثها ، كان يرويها ببساطة مفاجئة ، فيها الإصرار والذكاء والأخلاق والتواضع ، فعل كل ما فعل من أمور على أنها عادية ،واختار بنفسه أن يفعلها .كون فريقا من زملائه وتلامذته ، لم أر شكل العلاقة بينهم، لكنهم فعلوا الكثير للوطن ، وقدموا الكثير دون أن نسمع عنهم .

تعرض اللواء أحمد رأفت منذ عدة سنوات إلى حادث وهو يؤدي واجبه اقترب به كثيرا من الموت ، واستمر في العمل و القيادة ، وفي دوره الذي لو أتيح للجميع معرفة ما أتيح لي معرفته لشعروا مثلي بهذا الشعور الصادم عندا علمت بوفاته بأزمة قلبية وهو على مكتبه يؤدي ما ارتضى أن يلتزم به من دور تجاه هذا الوطن .

في وقت متأخر من ليلة الجمعة الماضية وافته المنية وهو في مكتبه حتى اللحظة الأخيرة يقوم بدوره ويقوم بمسئوليته التي لا أظنه تخاذل أو تكاسل عنها في يوم من الأيام .

عرفت هذا الرجل وشرفت بمعرفته ، وتعاونه وزملائه معي ، وكانت صدمتي كبيرة وحزني عظيم عندما علمت بوفاته ،أحيانا لا تتخيل مقدار من حولك حتى تفاجأ بفقدانهم .

رحم الله رجلا  أحب هذا الوطن بإخلاص نادر وتفان مذهل ، رحم الله أحمد رأفت .

دماء على الأسفلت

بقلم   عبداللطيف المناوى

الطريق غير مستو ، وأخلاق من يقود السيارات غير منضبطة ، لا توجد علامات حياة لوجود أمني رادع على الطرق والكباري ، ولو كان هناك تواجد فهو تواجد مادي  بلا حياة ، أو تواجد مادي بغرض المادة ، تمر السيارات سريعا ، تتقاطع ، تتسابق ، هذه سيارة نقل كبيرة تسير في يمين الطريق ويقرر قائدها أن ينحرف فجأة إلى يساره دون إنذار لأنه يريد أن يكسب السباق مع السيارة التي أمامه ، وهذا سائق آخر قرر أن يسكن وسط الطريق فيسد اليمين واليسار وعلى من يريد أن يمر أن يجد لنفسه طريقا ، وهذا شاب يسابق عمره بسيارة جديدة لامعة ، وهذه فتاة منهمكة في حديث عبر هاتفها الجوال وتتفاعل معها سيارتها التي تقودها يمينا ويسارا ، اندفاعا ، وتوقفا  حسب أجواء المكالمة التي تجريها عبر هاتفها الجوال ، وهذه سيارة نصف نقل قرر سائقها أن يختصر الطريق فيقرر أن يسلك طريقا أقصر حتى لو كان عكسيا ، وهذه سيارة شرطة يقودها الضابط يجلس بجواره العسكري مستسلما منكمشا وتسير السيارة كيفما أراد لها قائدها ” المتباهي” بذاته ، وهذا توك توك قرر الصبي الذي يقوده أن يتحدى كل من حوله ويثبت أنه موجود على الطريق بحركات صبيانية ليقول أنه هنا ، وهذه عربة كارو تحمل الزبالة وحصانها أو حمارها يجرجر أرجله في محاولة للحركة إلى الأمام يقاوم بها حالة الهزال التي يعانيها هو وصاحبه ، ومع كل هؤلاء يناطح ملوك سيارات الميكروباص  أنفسهم وكل من حولهم و الأبواب مفتوحة ينادي كل على وجهته ، ويتقافز حول الجميع موتوسيكلات توصيل الطلبات إلى المنازل في تحد للزمن وقدرات الآلات التي يركبونها ويجمع كل هؤلاء طرق لا ينافسها في قدرتها على تحريك من يركبون هذه السيارات الألعاب الملاهي الخطرة .

في لحظة ما وسط هذه الصورة العشوائية المتخبطة يحدث التصادم ، وتسيل الدماء على الأسفلت ـ أو ما تبقى منه ـ وتهدأ الحركة العشوائية العصبية أمام الحادث أو تتجمد ، والكل مستاء من الفوضى ومن غياب الحسم والقانون والردع ، ومن عدم الالتزام، ومن السرعة ، ومن التجاوزات ، ويلقي الجميع اللوم على البلد التي يحدث فيها مثل هذه الحوادث ، ويحملون ضحايا التصادم في طريقهم إلى مثواهم الأخير أو إلى المستشفيات ، ويجمعون آثار الحادث على جانب الطريق ، ثم ينطلق كل واحد منهم ناسيا ما حدث في تلك الحركة العشوائية العصبية المستهترة المتجاوزة ، كل يقود بطريقته استعدادا للتصادم المقبل .