دماء على الأسفلت لا تجف

بقلم عبد اللطيف المناوى

تؤكد إحصائية حديثة للجهاز المركزى للتعبئة العامة والإحصاء ارتفاع حوادث السيارات وحصيلة الضحايا من المتوفين والجرحى على الطرق ليصل عدد حوادث السيارات إلى 14548 حادثة عام 2015 مقابل 14403 حوادث عام 2014 بنسبة ارتفاع 1٪ نتج عنها 6203 متوفين، و19325 مصابا، و19116 مركبة تالفة، كما بلغ عدد حوادث القطارات 1235 حادثة عام 2015 مقابل 1044 حادثة عام 2014 بنسبة ارتفاع 18.3٪.

هذه إحصائية بسيطة تكشف المأساة التى نراها يومياً فى الطريق، فلا طريق تمر فيه إلا وتجد سيارة مقلوبة، نتيجة السرعة أو الطرق السيئة، أو.. أو.. أو، ولا يكاد يمر يوم دون أن تقرأ فى صفحات الحوادث عن حادث سير، نجم عنه وفيات ومصابون.

اختلفت تقديرات عدد الوفيات الناجمة عن حوادث الطرق، لكن المتفق عليه أن مصر تحتل المرتبة الأولى عالميًا فى حوادث الطرق، بحسب إحصائيات منظمة الصحة العالمية. وقدرت خسائر الاقتصاد المصرى من وراء حوادث الطرق بنحو 17 مليار جنيه سنويا.

100_0757-1.jpg

نظرة سريعة على الشوارع فى مصر ستكشف لنا أن الطريق غير مستوٍ، وأخلاق من يقود السيارات غير منضبطة، لا توجد علامات حياة لوجود أمنى رادع على الطرق والكبارى، ولو كان هناك تواجد فهو تواجد مادى بلا حياة، أو تواجد مادى بغرض المادة، تمر السيارات سريعا، تتقاطع، تتسابق، هذه سيارة نقل كبيرة تسير فى يمين الطريق ويقرر قائدها أن ينحرف فجأة إلى يساره دون إنذار لأنه يريد أن يكسب السباق مع السيارة التى أمامه، وهذا سائق آخر قرر أن يسكن وسط الطريق فيسد اليمين واليسار وعلى من يريد أن يمر أن يجد لنفسه طريقاً، وهذا شاب يسابق عمره بسيارة جديدة لامعة، وهذه فتاة منهمكة فى حديث عبر هاتفها الجوال وتتفاعل معها سيارتها التى تقودها يميناً ويساراً، اندفاعاً وتوقفاً، حسب أجواء المكالمة التى تجريها عبر هاتفها الجوال، وهذه سيارة نصف نقل قرر سائقها أن يختصر الطريق، فيقرر أن يسلك طريقاً أقصر حتى لو كان عكسياً، وهذه سيارة شرطة يقودها الضابط، يجلس بجواره العسكرى مستسلما منكمشا وتسير السيارة كيفما أراد لها قائدها المتباهى بذاته، وهذا توك توك قرر الصبى الذى يقوده أن يتحدى كل من حوله ويثبت أنه موجود على الطريق بحركاتٍ صبيانية ليقول إنه هنا، وهذه عربة كارو تحمل الزبالة وحصانها أو حمارها يجرجر أرجله، فى محاولة للحركة إلى الأمام يقاوم بها حالة الهزال التى يعانيها هو وصاحبه، ومع كل هؤلاء يناطح ملوك سيارات الميكروباص أنفسهم وكل من حولهم والأبواب مفتوحة، ينادى كلٌ على وجهته، ويتقافز حول الجميع موتوسيكلات توصيل الطلبات إلى المنازل فى تحدٍ للزمن وقدرات الآلات التى يركبونها، ويجمع كلَّ هؤلاء طرقٌ لا ينافسها فى قدرتها على تحريك من يركبون هذه السيارات الألعاب الملاهى الخطرة.

فى لحظة ما وسط هذه الصورة العشوائية المتخبطة يحدث التصادم، وتسيل الدماء على الأسفلت- أو ما تبقى منه- وتهدأ الحركة العشوائية العصبية أمام الحادث أو تتجمد، والكل مستاء من الفوضى ومن غياب الحسم والقانون والردع، ومن عدم الالتزام، ومن السرعة، ومن التجاوزات، ويلقى الجميع اللوم على البلد الذى يحدث فيه مثل هذه الحوادث، ويحملون ضحايا التصادم فى طريقهم إلى مثواهم الأخير أو إلى المستشفيات، ويجمعون آثار الحادث على جانب الطريق، ثم ينطلق كل واحد منهم ناسيا ما حدث فى تلك الحركة العشوائية العصبية المستهترة المتجاوزة، كلٌّ يقود بطريقته استعدادا للتصادم المقبل.

حوادث السير على الطرق ترجع لنقص الرقابة والحملات المرورية على الطرق السريعة، بما توفره من رقابة وضبط وردع، وعدم الالتزام بارتداء أحزمة الأمان، وتوقف حملات «تحليل الدم» لسائقى النقل للكشف عن تعاطى المواد المخدرة، كذلك غياب العلامات الإرشادية والإنارة وسوء حالة الطرق لعدم الاهتمام بصيانتها، وإصلاح المنحنيات والنتوءات التى تحدث بها نتيجة حركة المرور الكثيفة عليها.

لا يخفى على أحد من المسؤولين مشكلات المرور، التى نتوقف أمامها فقط عندما تقع حادثة كبيرة، فنتوقف للحديث عن أهمية حل المشكلات المتراكمة، ثم نواصل حياتنا كأن شيئاً لم يحدث.

Advertisements

مصر والإمارات.. علاقات قدَرية

بقلم عبد اللطيف المناوى

هناك نوع من العلاقات ليس مسموحا لها بأن تفسد، وهى ما يمكن أن يُطلق عليها «علاقات قدَرية». يجوز هذا الوصف على العلاقات الإنسانية كما يجوز أيضا على بعض العلاقات الدولية ذات الطبيعة الخاصة. وإن أردت أن أطبق هذا الوصف فإنه ينطبق الآن أكثر ما ينطبق على العلاقات بين مصر والإمارات. وإذا كان هذا الوصف ينطبق بشكل عام على هذه العلاقة على مدار تاريخها فإن هذه المرحلة التى نعيشها من التاريخ تؤكد ذلك.

198968_1925889754891_1471580740_32131816_3447614_n

هناك نوع من العلاقات يمكن أن نتخيل أنها تمر بأزمات أو تصدعات، ولكن هناك نوع آخر من العلاقات كما ذكرت هى علاقات تتسم بالأزلية والأبدية، منذ أن تنشأ. والعلاقات المصرية الإماراتية تجلت منذ قيام الدولة الإماراتية فى عام 1971، وظل فى ذاكرة الشعب المصرى ذلك الموقف من الشيخ زايد عندما اقترض عام 1973 ليستكمل المبلغ الذى التزم به لدعم مصر وسوريا فى معركتهما مع إسرائيل، وعندما قال قولته الشهيرة إن النفط العربى ليس أغلى من الدم العربى، وذلك بعد إعلان الدول العربية المصدرة للنفط وقف تصديره للدول الغربية التى دعمت إسرائيل.

العلاقات بين الدولتين لم تكن متميزة على المستوى السياسى فقط، ولكن هناك حالة من التقارب والتفاهم والعِشرة بين المصريين والإماراتيين، فإحساس الدولة الواحدة متبادل بين مواطنى الدولتين، وليس هذا فقط بسبب المشروعات التنموية التى تقيمها الإمارات فى مصر، ولكن هناك أسبابا أخرى ترتبط بتلك الطبيعة الخاصة، التى سبق أن ذكرتها بين الشعبين والنظامين.

مرت العلاقات بين البلدين بحالة خطر حقيقى حينما اختطفت الحكم فى مصر جماعة الإخوان، وكان طبيعياً من تلك الجماعة أن تتناقض مع ثوابت العلاقات المصرية، كما تناقضت مع ثوابت وتوجهات وأفكار المصريين بشكل رئيسى، وشهدت تلك العلاقة- بعد ثورة الشعب المصرى فى 30 يونيو والإطاحة بالإخوان- مرحلة أكثر تطوراً فى العلاقات بين البلدين، وبدا هذا واضحاً من خلال الموقف المستمر للإمارات فى دعم مصر، وهنا تنبغى الإشارة إلى أن هذا الموقف هو موقف يُحسب من زاوية الحرص على الاستقرار فى المنطقة، ذلك أن هناك إدراكاً لمَن يفهم فى السياسة أن استقرار مصر هو استقرار المنطقة، وأن سقوط مصر يعنى أنها الأساس فى فرط العقد، لذلك فإن موقف الإمارات وبعض الدول العربية فى تلك الفترة لم يكن منطلقاً فقط من دعم مصر شعباً ونظاماً جديداً، ولكن من منطلق الحفاظ على استقرار المنطقة، والذى يعنى بالتالى امتداد الاستقرار إلى كل المنطقة بما فيها تلك الدول.

فى الأشهر الأخيرة دار حديث عن فتور بدأ يشوب العلاقات المصرية الإماراتية، وعلى الرغم من وجود شواهد، إلا أننى كنت من المراهنين دائماً على صدق وثبات وصلابة تلك العلاقات، فالتفاهم بين القيادتين عالى المستوى، وقدْر الإحساس بالمخاطر المحيطة لدى كلا الطرفين موجود وواعٍ، وأيضا طبيعة تلك العلاقة كانت أيضا عنصرا حاسما، وبالتالى فأى فتور مصيره إلى نهاية، والعودة بالعلاقات إلى مستواها وطبيعتها.

ليس معنى هذا أن كل الأمور وردية فى إدارة العلاقات وتفاصيلها، فهناك مشكلات ينبغى أن يكون هناك أسلوب عاقل وعلمى لدراستها وحلها، لأن ذلك يصب فى تطوير تلك العلاقات إلى المستوى الصحيح والمنشود.

النظر إلى طبيعة المشروعات التنموية المتعددة التى جرت على أرض مصر منذ 30 يونيو يبين مدى حرص الإمارات على التواصل مع المصريين العاديين، حيث عملت على المساهمة فى خطة للإنعاش الاقتصادى لتنشيط ستة قطاعات رئيسية تمثل غالبية الأنشطة الاقتصادية فى مصر، وتتوفر بها أكبر فرص واعدة للتوظيف، والطاقة، والسياحة، والزراعة، والإسكان، والتعدين، وصناعات النسيج، فضلاً عن مشروعات تنموية فى الطاقة الشمسية، ومد القرى المحرومة وغير المرتبطة بالشبكة القومية والمناطق النائية بالكهرباء، بالإضافة إلى ما قام به الهلال الأحمر الإماراتى، حتى امتد التعاون مع الأزهر والكنيسة القبطية، وكل هذه المشروعات تصب فى النهاية فى صالح المصريين والإماراتيين فى إطار تحقيق الاستقرار المنشود.

فى هذه السنوات الثلاث الأخيرة، كان هناك جنود حقيقيون بعضهم مجهول وبعضهم معلوم فى بناء والحفاظ على هذه العلاقة، ومازال هؤلاء أو بعضهم يقومون بأدوارهم، وقد يكون من هؤلاء الدكتور سلطان الجابر وفريقه، الذى لم يَحِنْ بعد الحديث عن حجم الجهد الذى قام به لتدعيم هذه العلاقة، وسوف يأتى وقت الحديث يوما ما، وهو حديث سيكون وضعاً للحقائق فى مكانها بشكل يصب فى ذات المعنى الذى بدأت به، بأن هذه العلاقات هى علاقات وُجدت لتبقى.

زيارة الشيخ محمد بن زايد منذ أسبوعين، والتى لم تكن معلنة قبلها أو حتى متوقعة بين المتابعين، هى أحد الدلائل على طبيعة هذه العلاقة، فالتحرك كان من أجل حسم الجدل حول ما يتردد عن فتور العلاقة والإعلان عن عدم القبول باستخدام أى دولة أيا كانت لقدرتها المالية أو النفطية للىّ ذراع مصر، وبالتالى التحرك قدما نحو إقرار الحقيقة التى تقتنع بها القيادتان، وهى أن استقرار مصر ونجاحها هو استقرار ونجاح لكل المنطقة.

العيب فينا وفِى حكوماتنا

بقلم عبد اللطيف المناوي

نوجه اللوم لأنظمتنا المتتالية بأنها لا تملك مخططات واضحة طويلة المدى لحياتنا وتطوير دولتنا ومجتمعنا، وهذا اللوم يحتوى على أمرين مهمين: الأول صحته بشكل نسبى واضح وكبير، والثانى الظلم الذى تواجهه هذه الحكومات المتعاقبة بهذا الاتهام.

ذلك لأن الأمر ببساطة هو أن الحكومات والأنظمة هى المولود الشرعى للمجتمعات وثقافتها. لذلك عندما نجد مسؤولا يرفض أن يضع تصورات لأبعد من مرحلة مسؤوليته، أو عندما يرفض توقيع قرار لأبعد من فترة وجوده فى منصبه، فإنه هنا لا يخالف ما نشأ وتربى عليه منذ كان طفلا صغيرا وحتى صار مسؤولا فى مجتمع لا يعرف ما يسمى ثقافة الْيَوْمَ التالى.

IMG_0132

من منا يعلم ماذا سيفعل الصيف المقبل؟، كم واحداً بيننا يخطط لإجازته فى نصف العام المقبل؟، هل قرر أىٌّ منا ما إذا كان مسافرا أو زائرا لأهله أو باقيا فى مدينته أو بلدته؟، كم واحداً منا يخرج من بيته مع عائلته يوم إجازته وهو يعلم ماذا سيفعل؟، وما هو مخطط اليوم؟، أظن أن الإجابات عن كل هذه الأسئلة لن تكون مفاجئة‏،‏ لأن الإجابة التى أتوقعها أن معظمنا لا يعلم أو لم يقرر ولم يخطط لما سوف يفعله‏،‏ بل أظن البعض منا يمكن أن يفاجأ بالأسئلة ذاتها‏.‏

للأسف الشديد، فإن وضع نظام محدد وخطط واضحة لخطواتنا المقبلة هو الأمر الأكثر استبعادا‏،‏ هذه مسألة نعانى منها على المستوى الشخصى ومستوى الأفراد‏،‏ ومستوى التعليم ومستوى التربية‏، نترك الأمور والأيام تقودنا ولا نعطى لأنفسنا القدرة أو الرغبة أو الإرادة فى أن نقود نحن الأيام‏،‏ نضع أنفسنا فى موقف رد الفعل فى معظم الحالات والمواقف‏، نترك الأحداث تداهمنا والأيام تمر بنا وتتخطانا ولا نضع مخططا لمواجهة تلك الأحداث أو الاستفادة من الأيام المقبلة قبل أن تأتى‏.‏

هذه الثقافة هى التى تنتج لنا أياماً بلا خطط‏، وأحداثا نجد أنفسنا دائما فى الموقف المتفاجئ بها‏،‏ لنكون فى معظم الأحيان فى موقف رد الفعل وليس موقف الفاعل، فى موقف من تقوده الأحداث، وليس موقف من يسيطر عليها ويدفعها لمصلحته أو يقلل من آثارها السلبية، إن كان لها آثار سلبية‏. ‏

ليس ما فات فقط هو كل الصورة، ولكن الجانب الآخر منها هو التالى لتعاملنا مع موقف أو أزمة، نحن نتفاعل مع الأزمة أو الموقف لحظة مواجهتنا له، نتحمس أحيانا، نتصرف بشكل صحيح أحيانا أخرى، نتغلب على الموقف أو نتجاوز الحدث، ننجح أحيانا ونفشل أحيانا، ولكن الأكيد أن كثيرا منا لا يعرف ما هى الخطوة التالية، أو ماذا بعد، ليس هذا فقط، بل إن بعضنا يمكن أن يقرر أن يخرج من بيته ثم يقرر فيما بعد ماذا سيفعل، نفتقد هنا ما يمكن أن نطلق عليه «ثقافة اليوم التالى»، أو «ثقافة وماذا بعد»، وهذه مرتبطة بالمسألة الأولى، المرتبطة بالتخطيط المسبق لأيامنا ومواقفنا، أو هى الوجه الآخر لها‏.‏ تواجهنا الأزمة أو المشكلة أو الكارثة أو الموقف ونتخذ رد فعل سريعا قد يكون موفقا، أو غير موفق، دون أن نقرر وماذا بعد، أو ماذا سنفعل الخطوة التالية، أو ماذا سيكون رد فعلنا لو أننا فشلنا هنا أو نجحنا‏.‏

لست هنا فى مجال جَلد الذات أو نقد من أجل النقد، ولكن فقط أردت أن أضع صورة لنا فى جزء من شخصيتنا وثقافتنا وسلوكنا الخاص فى مواجهة أنفسنا، أردت أن أرسم هذه الصورة لنتوقف أمامها لحظة لعلنا نعترف ونقول: «هذا صحيح»، وأتمنى أن يكون السؤال التالى: وما العمل؟ كيف يمكن تخطى ذلك وتصحيحه؟‏‏.‏

كما أضم صوتى إلى كل المنتقدين بالأعلى، فإننى أتمنى البحث فى الأسباب التى تؤدى إلى أن يكون هذا القدر من اللا تخطيط أحد مكونات شخصيتنا، هذه مهمة، أظن يصلح أن نطلق عليها قومية أو وطنية أو أى تعبير يحمل هذه المعانى، البحث فى أسباب غياب وجود حياة مخططة لنا نحن أفراد المجتمع.. علاج هذا الخلل سوف يؤدى بالضرورة إلى علاج الخلل الأعلى فى السلطة التى تدير هذا المجتمع، لأنها من أفراد هذا المجتمع وليست غريبة عنه، البحث فى أسلوب التعليم والتربية والتكوين والتنشئة والإدارة والعلاقات الأسرية، البحث فى كل هذا يمكن أن يقودنا إلى اكتشاف الأسباب والبدء فى حلها، حتى ولو كانت نتائج وحصاد هذا الحل سوف تجنيه أجيال مقبلة‏.‏

خريطة احتياجات عاجلة

بقلم عبد اللطيف المناوى

فى ظل التحديات الاقتصادية الصعبة التى تمر بها البلاد، وفى ظل الظروف الاقتصادية الضاغطة التى يمر بها ملايين المواطنين نتيجة لارتفاع الأسعار خلال الفترة الأخيرة، وفى ظل اتجاه الحكومة للتقشف، بعد تعويم الجنيه وارتفاع سعر الدولار، وفى ظل كل التحولات الاقتصادية التى نمر بها حكومة وشعباً خلال هذه الفترة- أعيد طرح فكرة طرحتها من قبل، عن ضرورة وجود خريطة للاحتياجات المصرية.

الخرائط الاستراتيجية التى تضعها الدول أو المؤسسات والتى تسلط الضوء فى اتجاه معين ليست جديدة، بل هى موجودة مع وجود الاحتياج إليها، فهناك على سبيل المثال الخريطة الجغرافية التى توضح التضاريس والمساحة وتقسيم البلدان، وهناك خريطة استثمارات والتى توضح فرص الاستثمار الموجودة فى الدول، وهناك خريطة معادن توضح أماكن انتشار المعادن بمختلف أنواعها، وما أعتقده أن مصر تحتاج الآن خريطة من نوع جديد، يمكن أن يطلق عليها اسم «خريطة الاحتياجات المصرية».

فعلى سبيل المثال، مع بداية الشتاء، يبدأ العديد من المؤسسات الخيرية والإعلامية، والجمعيات، وصناديق الزكاة والتبرع، فى جمع المساعدات لجميع المحتاجين إلى مساعدات من بطاطين ولمواجهة السيول وما شابه، كما تنشط بنوك الطعام والدواء والكساء، وفى المقابل ـ ومع الظروف الاقتصادية الحاليةـ ينشط باقى الصناديق التى تجمع التبرعات لمساعدة الفقراء.

والحقيقة أنه توجد فى مصر العديد من الصناديق التى تجمع الأموال للمساهمة فى إعادة بناء مصر، والعديد من المبادرات التى تقودها مؤسسات أو أشخاص والتى تعمل فى نفس الاتجاه، كما يوجد العديد من المؤسسات الخيرية التى تقوم على هذه الفكرة، ولكن لا يوجد ما يحدد لهذه المؤسسات الأهلية أو الشخصيات الأماكن التى تحتاج إلى مساعدة فعلية، وبالتالى من الممكن أن نجد أنها جميعاً تعمل فى اتجاه واحد، وتوجه مساعداتها لحل مشكلة واحدة، وتترك العديد من المشكلات الملحة دون حل أو تقديم يد المساعدة.

هناك العديد من الأفكار للتعامل مع كل هذه الصناديق، منها أن يتم جمع الأموال التى تقدمها هذه المؤسسات، أو تجمعها هذه المبادرات، فى مصدر واحد وإدارتها من قبل الدولة أو من قبل مؤسسة يتم الاتفاق عليها، ويتم توجيه الأموال إلى مصادر الاحتياج المختلفة، لكن هذه الفكرة تلقى العديد من الاعتراضات، خصوصاً أن المساهمين بأموالهم أو مجهودهم يحتاجون أن يساهموا بشكل فعال فى تقديم هذه الأموال إلى الجهات الأكثر حاجة من وجهة نظرهم، كما يفضلون أن يشرفوا بأنفسهم على هذه المساعدات وهى تتوجه إلى مصادرها الحقيقية، وأن يروا ثمار ما زرعته أيديهم وهى حاجة إنسانية يمكن تفهمها، وحتى لا يتحول الأمر إلى ما يشبه صندوق الزكاة.

ويمكن أن يكون الحل لضبط حركة هذه الأموال، وحتى تساهم كل هذه المبادرات فى حل جزء من المشاكل العالقة، والمساهمة فى التنمية بالفعل- هو أن تعلن الدولة عن «خريطة الاحتياجات المصرية»، وتترك لرجال الأعمال والمؤسسات الخيرية والمبادرات حرية التحرك والمساهمة فى التنمية.

ولهذه الخريطة المقترحة أهمية كبيرة، إذ إنها ستحدد احتياجات كل قرية أو مدينة فى مصر، فربما تحتاج إحدى القرى إلى مدرسة أكثر من احتياجها إلى مستشفى فى هذا الوقت، وربما تحتاج مدينة أخرى إلى مشروع للصرف الصحى أكثر من احتياجها إلى مدرسة، وربما تحتاج قرية ثالثة إلى تجديد شبكة الكهرباء، وأهمية الخريطة ليس فقط فى تحديد احتياجات كل قرية ومدينة، بل فى أنها ستسلط الضوء على احتياجات بعض الأماكن التى ربما لم يلتفت إليها أبداً صناع المبادرات ورجال الأعمال لبعدها أو عدم الالتفات إلى احتياجاتها الحقيقية.

ربما يكون نشر هذه الخريطة، هو بداية لتوجيه «أموال الخير»، إلى الأماكن التى غابت عنها عين التنمية أو التى تحتاج إلى علاج عاجل لمشاكلها، وهنا يمكن للجميع أن يتوجه إلى الأقرب إليه والأنسب لما يريد أن يساهم فيه، وبهذا يمكن فعلاً أن يساهم الجميع فى العبور من الأزمة الاقتصادية التى يعانى منها الجميع.

حكاية من التاريخ القريب

بقلم عبد اللطيف المناوي

تدور فى ذهنى هذه الأيام تلك القصة من تاريخ مصر والعرب، وهى القصة التى أصبحنا نتداولها كإحدى العلامات على التضامن العربى، وعلى قدرة العرب مجتمعين على إحداث تأثيرات حقيقية، وبغض النظر عن الخوض فى تفاصيل هذه القصة، التى تفرغها من جزء من معناها، إلا أننى سوف أتبنى الحالة الشعبية العامة والإيجابية، شديدة الإيجابية، لهذه القصة.

Untitled

أنا هنا أتحدث عن استخدام النفط كسلاح فى حرب أكتوبر، تعاملنا وآمنا بأن أحد الأسلحة المهمة التى كانت حاسمة فى أكتوبر، كان عندما قررت مجموعة الدول العربية المنتجة للنفط أن توقف ضخ البترول إلى تلك الدول التى ساعدت إسرائيل فى عدوانها.

وأنا هنا الآن أنقل عن صفحة مؤسسة الملك خالد بن عبدالعزيز، عندما قال إن الملك فيصل هو الذى خاض معركة المواجهة متسلحاً بالنفط، ومنذ توليه الحكم وهو يعلن عن استعداد بلاده لإعمال النفط كسلاح فى المعركة، وحدث هذا بعد هزيمة يونيو 67، وتطور موقف السعودية فى حرب 73 بصورة أكثر تأثيراً ضد الدول المستهلكة للنفط. ونسب للملك فيصل وقتها أنه قال «عندما تستجيب أمريكا وتصحح الوضع الذى تقوى فيه إسرائيل، وتجعلها ترفض السلام، فإن السعودية ستنظر فى موضوع إنتاج النفط».

ومن المعروف، وفقاً لما نشر من شهادات ووثائق، فإن التحضير لاستخدام سلاح النفط، بدأ قبل الحرب بشهرين، عندما قام الرئيس الراحل أنور السادات بزيارة سرية للرياض والتقى الملك فيصل، وتم الاتفاق وقتها أن تقوم الدول المنتجة للنفط بوقف ضخ البترول للغرب فى وقت الحرب، وفى 17 أكتوبر عقد وزراء النفط العرب اجتماعاً فى الكويت تقرر بموجبه خفض إنتاج النفط 5%، وتستحضر الروايات المختلفة مقولة الملك فيصل لهنرى كسينجر، عندما ذهب إلى جدة ليطلب منه فك الحظر «عشنا وعاش أجدادنا على التمر واللبن، وسنعود لهما»، تسبب هذا الوضع فى تصحيح أوضاع البترول فى العالم، وارتفع سعر الدولار عام 73 من حوالى 3 دولارات، إلى 10 دولارات عام 1974.

ظلت هذه القصة، كما نرى، إحدى النقاط المضيئة فى تاريخ العرب الحديث، وظل موقف الدول العربية من هذا الموضوع، وعلى رأسها موقف السعودية فى تلك الفترة، أحد المواقف التى يستحضرها المصريون بقدر هائل من التقدير.

أتذكر هذه القصة الآن، ونحن نتابع ما يتردد من أنباء أو تسريبات أو شائعات عن وقف ضخ البترول السعودى المتفق عليه إلى مصر، نتيجة خلافات فى المواقف السياسية أو الثنائية، وهو موقف شديد التناقض مع كل ما يتوقعه كل العرب من مصريين أو سعوديين. فلا أعتقد أنه من المقبول نفسياً، ولا فى إطار العلاقات الثنائية، أو حتى فى إطار العلاقات العربية أو فى إطار الدم العربى الواحد، أن يتم استخدام البترول كسلاح، فى غير موضعه.

فى يوم ما استخدم النفط للضغط على أعداء العرب، ولذلك أتمنى، وأتوقع، أن يكون ما يتردد هو فى إطار الشائعات أو عدم قدرة البعض على فهم التاريخ وطبيعة العلاقات، وهو موقف أثق فى أنه سيتم تصحيحه سريعاً.

فى عام 73 توقفت الدول العربية المنتجة للنفط، وكان بينها الجزائر وليبيا والكويت ودولة الإمارات، ووقتها أيضا خرج تصريح الشيخ زايد الشهير الذى أدلى به فى لندن عقب اندلاع حرب أكتوبر، عندما قال «إن البترول العربى ليس أغلى من الدم العربى»، نستطيع أن نلمس أن هذه الكلمة عاشت وتعيش حتى الآن مترجمة عن سلوك ومواقف واضحة، وأعتقد أنها سوف تمتد إلى كافة الأطراف التى كانت يوماً داعمة للحق العربى، واليوم مطروح عليها أن تكون داعمة للاستقرار العربى ووحدة الصف.

ثورة ترامب

بقلم عبد اللطيف المناوي

عكس كل التوقعات، فاز دونالد ترامب فوزاً ساحقاً. لم يكن يتوقع أى من المراقبين والمتابعين، حتى فى دائرة ترامب الضيقة، هذا الفوز. صحيح أن الأمنيات من مؤيديه بفوزه وتأكيد ثقته فى النصر لم تتراجع، ولكنها بدت أمنيات غير واقعية فى ظل الصورة التى سادت كل وسائل إعلام العالم، وبعد كل قياسات الرأى التى توقعت دائماً نصراً محسوماً لهيلارى كلينتون.

15_19_52

لم تكن كلينتون هى الخاسر الوحيد فى هذه الانتخابات، ولكن خسر معها قطاع كبير من الإعلام الأمريكى الذى بدا منحازاً بقوة، ليس لكلينتون ولكن ضد ترامب. أيضاً تواجه مؤسسات قياس الرأى العام التى تبلغ ميزانيتها السنوية المليارات لتقيس وتتوقع سلوك المجتمع وتوجهاته، وفِى الحقيقة أيضاً توجه المجتمع عبر نتائجها، هذه المؤسسات تواجه لطمة قاسية بسبب نتائج الانتخابات.

أجمعت كل التوقعات والقياسات تقريباً أن كلينتون هى الفائز لا محالة، وظل الاختلاف حول مدى قوة وحسم هذا الفوز. الآن من المتوقع أن تواجه هذه المؤسسات مستقبلاً غير مؤكد، أقل النتائج أن تعيد هذه المؤسسات أو ما يتبقى منها قواعد عملها ونظريات القياس المعتمدة، وأيضاً ولاءات هذه المؤسسات، ولن يكون بعيداً عن ذلك المؤسسات الإعلامية.

«نحن أخطأنا، نحن فوجئنا بمؤيدين لترامب لا نعرفهم يخرجون من أماكن لا نعرفها ويصوتون له حتى لو كانوا غير واثقين فى تأهله للقيام بدور الرئيس»، هذا ما قالته خبيرة سياسية داعمة لكلينتون على شبكة «سى. إن. إن»، هؤلاء الناس المجهولون هم من أتوا بترامب إلى الرئاسة، ليس لأنهم يؤيدونه فى الأساس، ولكن لأنهم يئسوا وكفروا بالنظام السياسى والاقتصادى والاجتماعى الذى يدير البلاد. كفر هؤلاء بسياسيى واشنطن وذهبوا إلى شخص يتحدث مثلهم حتى لو كان أغنى منهم مليارات المرات، ولكنه عرف لغتهم وأسلوبهم فى الحياة وأقنعهم بأنهم إن أرادوا تحطيم «السيستم» القائم فهو رجلهم.

لم يخدم ترامب فى الجيش، ولَم يخدم فى وظيفة مدنية عكس كل من سبقوه، ولكنه تحدث بلغة ومخاوف ومطالب وأحلام هؤلاء الذين عاشوا طويلاً على الهامش، هؤلاء الذين لم يعرفهم «السيستم» ولَم يتحدث بلسانهم ولَم يعرف مخاوفهم وأحلامهم، وظنوا أنهم خطر على استمرار هذا «السيستم» فخرج هؤلاء ليهدموا ما رفضهم ورفضوه.

معظم من صوت لترامب أدلى بصوته له وهو يشك فى امتلاكه الخبرة الكافية، بل إن معظمهم صوت له وهو يشك أصلاً فى إمكانية نجاحه، ولكنهم صوتوا فى حركة احتجاجية، يمكن وصفها بثورة على «السيستم» القائم، وكانت المفاجأة أنهم نجحوا فى ثورتهم. بالمناسبة كان ترامب لا يطلق على حملته تعبير «الحملة» بل كان يطلق عليها «الحركة». وهذه الحركة كانت موجهة إلى كل المنظومة، بما فيها حزبه الذى وقف ضده طويلا، وقبله بعد ذلك على مضض ودون حماس كبير، بل إن دعوات كانت قد ظهرت قبل الانتخابات لإعادة تصحيح مسار الحزب الجمهورى وتطهيره بعد الضرر الذى تسبب فيه ترامب. وحددوا الْيَوْمَ التالى للانتخابات لذلك التصحيح، لأنهم لم يتوقعوا له فوزاً.

واستغرق ترامب (70 عاماً) ما يزيد قليلاً على 10 أشهر فى التغلب على 16 مرشحاً آخرين داخل حزبه، ليصبح أول مرشح لأحد الحزبين الرئيسيين يخوض الانتخابات دون أن يمتلك أى خبرات حكومية أو أن يخدم فى الجيش.

واجتذب ترامب عددا قياسيا من الأصوات فى الانتخابات التمهيدية، لكنه أحدث فى الوقت نفسه صدعا فى الحزب الجمهورى، وتحاشاه أعضاء كبار فى الحزب الجمهورى أو كان تأييدهم له فاتراً، ومنهم الرئيسان السابقان جورج بوش وابنه، وعدد من قيادات الكونجرس.

واستخدم ترامب «تويتر» سلاحا، فراح يطلق الإهانات، ويهزأ بمن أساءوا إليه، وحتى أواخر أكتوبر الماضى، أحصت صحيفة «نيويورك تايمز» 282 شخصا ومناسبة وجه فيها إهانات على «تويتر» منذ إعلان ترشيحه.

منذ حوالى عام، وكنت أحضر أحد المؤتمرات الدولية، تحدث أحد الحضور، وكان دبلوماسياً أمريكياً سابقاً حول أن العالم يواجه عدداً من الكوارث الطبيعية التى تهدد البشرية، وذكر ارتفاع درجات الحرارة، والزلازل المتزايدة، والأوبئة الجديدة، وأضاف ساخراً: «أتمنى ألا يضاف إلى هذه الكوارث دونالد ترامب كرئيس لأمريكا»، ضحك الحضور ولَم يكن يتخيل أحدهم أن يأتى الْيَوْمَ ليواجهوا الحقيقة، ثورة مهمشين ضد نظام إدارة حياة وسياسة واقتصاد قرروا تحديه، وعلى غير المتوقع انتصروا.

دور الدولة فى حماية الطبقات الفقيرة

بقلم عبد اللطيف المناوي

هناك دور مهم للدولة، ودور على قطاع من المجتمع، فى ظل الإجراءات الاقتصادية الأخيرة، الضرورية والصعبة فى نفس الوقت، لحماية الطبقات الفقيرة من الانزلاق إلى طبقات أقل قد تصل إلى حد تحت خط الفقر، ما لم تبادر الدولة والطبقات القادرة فى المجتمع بإجراءات حمائية سريعة.

جزء رئيسى فى حماية الدولة هو قيامها بدور جاد ومؤثر وملموس لحماية الطبقات الأكثر فقراً، والتى زادت نسبتها فى الفترة الأخيرة، ووفقا لإحدى قراءات الواقع فقد حدث انخفاض فى الدخول، بعد تعويم الجنيه وارتفاع سعر الدولار، وصل بين 30 و50%، وهو ما يزيد من ضرورة اهتمام الدولة بسرعة التحرك.

P1010061

نعلم أنه ليس أمامنا خيارات إلا أن تنجح الدولة فى الإجراءات الصعبة التى تتخذها الآن، لأن عدم النجاح سيكون شديد التكلفة، وهذا كما ذكرت يتطلب جهداً مبتكراً ومضاعفاً وخلاقاً من قبل الدولة، والذى أتمنى أن يكون موجوداً بالفعل، وبالتالى لا أتمنى أن يكون هذا هو الوقت الذى تقرر فيه الدولة زيادة أسعار الخدمات العامة، لأنه لم تعد هناك طاقة نفسية لدى الناس البسطاء فى التحمل، خاصة أن هذه الخدمات، على سبيل المثال النقل العام، تمس بشكل مباشر الطبقات الأكثر فقراً.

أتمنى أن تكون هناك برامج حمائية لتخفيف آثار الصدمات التى يتعرض لها هؤلاء، لأنهم الحماية الحقيقية لهذا المجتمع، ولا أقول النظام، وهم الحماية لاستمرار الدولة ولنجاحها.

على الطرف الآخر، فهذه دعوة إلى كل أصحاب الأعمال بمستوياتها فى القطاع الخاص لأن يتجاوبوا مع التغير الحادث، ومع هذه الحالة من التراجع التى تواجهها هذه الطبقات نتيجة انخفاض الدخول، وقد تابعت، وأظن أن عدداً منكم تابع معى الدعوات التى بدأت تنتشر على مواقع التواصل الاجتماعى، والتى تدعو أبناء الطبقة المستقرة مادياً إلى زيادة رواتب العمالة.

وتقول إحدى هذه الدعوات- لا أعرف كاتبها لكنها تقول الكثير: «لو كان عندك شغالة بتجيلك البيت- سواء بشكل يومى أو أسبوعى- زوّد راتبها 20- 30%، البواب بتاعك زود الراتب بتاعه، لو كنت بتتصدق بشكل دورى زود المبلغ 20- 30%، زود الصدقات الخفية (القرشين اللى بتديهم لبتاع الديليفرى وإنت بتحاسب، عامل البنزينة، الست بتاعة الخضار)، خلى بالك إن فيه طبقة كاملة من المجتمع نزلت تحت خط الفقر فى يوم وليلة، الفقير بقى أفقر، والمسكين بقا فقير، والمستور بقا مسكين (دخله لا يكفى كل احتياجاته)، الفقراء هم أول ناس بيصطدموا بموجات الغلاء دى، زى الجنود اللى فى الصف الأول، إحنا داخلين على أيام صعبة، وناس كتير جداً كانت مستورة هاتتكشف، إنك تبذل أقصى جهدك عشان تحفظ (الستر) فى بيوت الناس والأسر المتعففة ده عمل لا يعلم أجره إلا الله، وهتشوف نتيجته فى الدنيا قبل الآخرة إن شاء الله! وياريت تبدأ بأهلك وعيلتك وجيرانك، فيه ناس- لولا الحياء والتعفف- كانت قالت كلام يشيب».

تنفيذ هذه الدعوة هو أحد صمامات الأمان للحفاظ على استقرار المتجمع وتثبيت السلم الاجتماعى، وهى أكثر فائدة فى هذه المرحلة من أى أشكال أخرى من دعوات التبرع أو الزكاة أو الصدقة، فهذه لها أولوية حاسمة فى هذه المرحلة.

المشكلة الاقتصادية ليست بلا حل

بقلم عبد اللطيف المناوي

هناك قلق حقيقى على المسار الاقتصادى فى مصر، كل مَن يعرف فى أصول الاقتصاد والإدارة يعرف أن هناك مشكلة حقيقية، وكل مَن يقترح حلاً لهذه المشكلة من وجهة نظره ليس بالضرورة طامعاً فى منصب أو راغباً فى موقع، أو ينفذ أجندة شخص أو جهة أو دولة.

هناك عناصر قلق حقيقية موجودة، لا أدَّعِى أننى عرفتها وحدى، ولكن فى إطار النقاشات مع متخصصين ومتابعين لمسار الاقتصاد المصرى. بعض مناطق القلق هذه تتمثل فى إصدار سندات لجمع الأموال، باعتبار أن ذلك جزء من الحل، وهذه إشارة مُقلقة، أيضاً الاعتماد على زيادة الضرائب المباشرة أو زيادة التبرعات، باعتبار ذلك جزءاً من الحل، وهذا أيضاً مُقلق، وغياب سياسة مالية أو نقدية أو استثمارية واضحة، هذا يعنى أن السوق سوف تفرض قوانينها على الدولة، وتصبح الدولة رهينة لآليات السوق، تُديرها السوق ولا تُدير هى السوق، وهذا وضع أيضاً غاية فى الخطورة، وينبغى أن يكون هذا حاضرا فى أذهان مَن يديرون اقتصاد الدولة.

15_19_52

بعض الأفكار للحل- والتى خرجت بها خلال النقاشات المتعددة- تتمثل فى خطوات أساسية وسريعة ينبغى أن يتخذها الرئيس شخصياً، أولها أن ينشئ الرئيس فوراً مجلساً اقتصادياً، يترأسه هو شخصياً، لا يكون مجلساً استشارياً، ولكنه مجلس فى حال انعقاد دائم للمراقبة ووضع حلول تنفيذية تُنفذ فوراً، ويكون أعضاؤه من الشخصيات البارزة من الاقتصاديين ومَن يحركون السوق.

ثانياً: أن يكون هذا المجلس قادراً على وضع سياسات تنظيمية واضحة، وصياغة القرارات التشريعية المطلوبة، وإقرار الإجراءات الجديدة، وأن يكون هذا الموضوع هو الموضوع الأول والأكثر إلحاحاً للترويج والتنفيذ.

ثالثاً: فى هذه النقطة يجب العمل والتعاون مع البرلمان لإنهائه وإصدار القوانين، وينبغى أيضاً تحضير الرأى العام لفهم هذا التغيير ودعمه.

رابعاً: القواعد الجديدة التى توضع يجب أن تكون واقعية وطويلة المدى وجاذبة للاستثمار، وأن نتوقف عن سياسة التضارب التى نعيشها فى السياسات الضريبية، وهل ندفع الضرائب أم لا، وهل نزيدها أم نُقللها، وهل يدفعها الأغنياء أم الفقراء؟ المطلوب هو إصدار سياسة ضريبية واضحة، وإنهاء الجدل حول هذا الأمر، مع الوضع فى الاعتبار أن تكون السياسة الضريبية جاذبة وليست طاردة، وهنا أقصد جاذبة للمستثمرين، والاستثمار المحلى قبل الدولى، وهذا هو المدخل الصحيح.

القضية الخاصة بتعويم الجنيه أو تخفيضه أصبحت القضية المطروحة بشدة على الرأى العام، والاعتقاد العلمى أن المسألة ليست التخفيض أو التعويم، ولكن ما نحتاجه بشدة وبإلحاح هو وجود سياسة نقدية واضحة نعتمد فيها على تجارب العالم وتجارب مَن شابهنا من دول العالم، وعلى الدراسات التى أُجرى العديد منها خلال الفترات الأخيرة، وقد يكون آخرها الدراسة التى قامت بها شركة لازار منذ حوالى العامين، وبعد هذا يمكن أن نبدأ فى الحديث عن قرض صندوق النقد الدولى.

كل مَن تحدثت معه من المتخصصين يرى أن مشكلة الاقتصاد فى مصر ليست مشكلة بلا حل، وليست مشكلة دولة تنتهى، فمصر أبعد ما تكون عن ذلك، ولكن الأداء الحالى يمكن أن يؤدى إلى نتائج كارثية، هناك موارد كبيرة، وهناك فرص حاضرة، ولكن هناك حاجة حقيقية إلى وجود خطة علمية واضحة، كل هذه الإجراءات يجب أن تبدأ فوراً، وأن تسير بشكل متوازٍ.

تظل القضية الأكثر إلحاحاً من وجهة نظرى هى قضية التواصل مع البشر والمواطنين، كيف نحدثهم وماذا نقول لهم، وكيف نقول لهم، والقضية الثانية هى اعتماد الأسلوب العلمى فى التفكير وفى التنفيذ، والإيمان بأن هذا هو الطريق.